عرض مشاركة واحدة
قديم 24-11-2011, 10:25 PM   رقم المشاركة :[15]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبائل فلسطين
 
الصورة الرمزية أسد الدين الصقري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي


النقد التاريخي التراكمي :
النقد التراكمي هو نقد على المدى الطويل ، يهدف إلى الوصول للحقيقة التاريخية المحضة ، ويتكون هذا النقد من مجموعة متراكمة من الانتقادات والتحقيقات لموضوع محدد ، ولذا فالنقد التراكمي لموضوع معين ومحدد يحتاج إلى استمرارية وتواصل ومتابعة وتقصي لعدة عمليات انتقادية متتالية تتركز في مجال النقد الداخلي لجوهر الموضوع ، ومن أكثر اختصاصات النقد التراكمي هنا ، الموضوعات التي نجهل عنها الكثير وما لدينا من مصادرها قليل ، وكثرت فيها النظريات المتضاربة والآراء المختلفة ومنها على سبيل المثال لا الحصر " أقوام العرب القديمة ، كقحطان وكنعان وما قبلهما ، والموطن الأصلي للعرب ، والموطن الأصلي للإنسان الأول ونظريات تطور اللغة وفروعها ، وكذلك الأسماء التي وردت في كتب الأنساب "
إذا فالنقد التاريخي التراكمي ، هي وظيفة وطريقة عالم مختص ركز على مجال معين ، لينتهي هذا النقد في نهاية المطاف لإثبات حقيقة مدعمة طبعا بالأدلة التي حقق فيها العالم ، ويكون قد أمضي فترة زمنية طويلة في ذلك من سني عمره ..
توظيف النقد التاريخي التراكمي في علم الأنساب :
يعتقد البعض أن البحث عن الأنساب أمرا في غاية السهولة واليسر ، تنحصر في جمع المعلومات التاريخية عن النسب الذي يريد وكتابتها وإخراجها ، وهذا الاعتقاد ليس علميا البتة ، بل لا بد من متطلبات وميزات وكفاءات متعددة تتوافر لدى الباحث في علم التاريخ بشكل عام وعلم الأنساب بشكل خاص ، مثل القدرات العلمية والخبرة المعرفية والمهارات الخاصة والثقافة الكبيرة العميقة وبراعة في التحليل والتحقق والتفسير والاستقصاء ، والربط والتعميم والتنبؤ .هذه الخصائص مطلوبة في حالة كون البحث المطلوب هي حدثا ماضيا تقل وتندر المصادر عنه وقد مر عليه قرون عديدة ، وهذه الجزئية هي التي نود التحدث عنها في هذه المحاضرة ، ولكن يجب الآن معرفة الأسباب التي تتطلب منا استخدام هذه الطريقة ..
1- أخطاء الطباعة والكتابة :
كتب الأنساب الهامة كانت مكتوبة بخط اليد ، ونقلت عدة مرات ، وكذلك مع اكتشاف الطابعة تمت طباعتها وطبعت عدة مرات ونقل عنها أشخاص كثر ، وحقق فيها مؤلفون كثر ، وهذا الأمر ترك أيها الإخوة أخطاء مطبعية تم اكتشاف الكثير منها ، وقد غيرت الأخطاء المطبعية أنساب كاملة عن جهتها الحقيقة ومن الأمثلة على ذلك في الأخطاء المطبعية كثيرة الحدوث نذكر على سبيل المثال ، لا الحصر :
" الحرف المتشابهة يحدث تغيير في التنقيط أو نسيان التنقيط ، أو نسيان حرف مثل : كثير كتبت كبير او العكس ، حزام تكتب حرام أو العكس ، عمر تكتب عمرو أو العكس – فربما يكن الواو واو عطف أو سقطت سهواً - ، حن تكتب حسن ، حسام – جسام ، حصن – حصين ، عدثان – عدنان ، شام – سام ، ذبيان- بيان ، عزام – عرام ، نجم – لخم ، ،، هذه بعض الأخطاء التي من المتوقع أن تحدث أثناء النسخ والنقل والطباعة ..
2- أخطاء الالتباس في تبادل المعلومة :
هناك أخطاء تبادل المعلومات بسبب ارتباطها بتشابه الأسماء ، حيث ينقل معلومة أو قصة لشخص أو قبيلة تشابهت مع أسماء أخرى في نفس الفترة الزمنية ، فيقع المؤرخ في خطأ بقصد أو بدون قصد ، مثال على ذلك :
" قبيلتي عذرة وهما من قبيلة قضاعة ، فقد نقل معلومات تخص إحداهن ونسبت إلى الأخرى ، وكذلك وقع في الأنساب ، ومن الأسماء التي انتشرت واشتهرت في نفس الفترة الزمنية وحدثت لها وقائع متشابهة وهي مختلفة النسب قبائل بني ثعلبة القحطانية وبني ثعلبة الطائية وورد بني ثعل وبني ثعلب ، وبني ثعلبة القيسية ، وبني تميم وبني مرة وبني عامر وهم كثر ،وكذلك بعض أسماء الشعراء وقصائدهم فنرى هذا البيت منسوبا لهذا الشاعر وفي آخر ينسبه إلى غيرة وبني سعد ،وغير ذلك الكثير مما يتطلب النقد التراكمي والتحقيق المكثف ..
3- أخطاء التأريخ :
بعض المعلومات التبس فيها وقت حدوثها وتاريخه ، ومن هذه الأخطاء نقصان أو زيادة في عدد السنوات أو عملية التحويل من الهجري إلى الميلادي حيث وقع فيها أخطاء حسابية ، أو نقل الهجري على أنه ميلادي وذلك بسبب أخطاء على حين غفلة ،أو ربما يذهب آخر إلى تعمد ذلك لهدف عنده ..كذلك الحسابات ما بين تاريخ قبل الميلاد وبعده ،ففي بعض القصص تكررت برمتها في زمنين مختلفين بسبب فقدان تاريخ وقوعها ، وسنخصص لاحقا موضوعا منفصلا للحديث عن أخطاء التأريخ (الزمن) ..
4- أخطاء الترميم :
هناك كتب قيمة وقديمة فقدت منها صفحات بأكملها ، وبعضها فقدت فقرة أو نص ، فقام عدد من الكتبة بترميمها ومن هذه الأمثلة ترميم المخطوطات والنصوص المنقوشة على ألواح أو صخور أو جدارن أو جلود وقطع معدنية نحاسية أو برونزية أو ذهبية أو المقامات والأضرحة وما إلى ذلك الكثير ، فمن أخطاء الترميم الغير مقصودة الالتباس في التشابه بين الحروف والرموز والأسماء والأرقام ، ومن الأخطاء بل الكوارث المقصودة قيام اللصوص والمندسين بتغير هذه النصوص التاريخية بهدف إثبات وجودهم مثل التزييف اليهودي للآثار في فلسطين ..
5- التشويه المقصود :
ليعلم الجميع أن أدلة كثيرة ثبتت بحق أناس ، قد عكفوا على دس نصوص وشطب أخرى ، بدوافع مذهبية وعرقية وأخرى ، فالكثير من الكتاب الذين كتبوا في علم التاريخ العام والخاص كانت لهم دوافع غير علمية تقف وراء الكتابة ، ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه علماء الحملة الصليبية والتبشيرية من تشويه للحقائق التاريخية وبسبب اللاوعي عند الآخرين نقلوا عنهم وعربوها ظناً منهم أنها كتب علمية ، وبعضهم كان بغير قصد أراد أن يبرهن أن بحثه أو كتابه قد أخذ بعض المعلومات عن الكتب الأجنبية فتراها في قائمة مراجعه أكثر من المراجع العربية ، ليس عيبا علميا أن نأخذ ما يفيدنا من المراجع الأجنبية ولكن يجب ان نعرف بالضبط ما هو الذي إقتبسناه عن الأجانب وغير الأجانب ، ففي علم الأنساب بالذات وهو علما يختص بالعرب وحدهم دون غيرهم وقد كان علما شفويا منذ الأزل قبل أن تظهر الكتابة ، وما يهمنا هنا أن نعتمد النقد التاريخي التراكمي وخاصة عند أولائك الكتبة غير العرب الذين كتبوا عن الأنساب ويجب التأكد من أهدافهم ، فمنهم من خبأ نواياه داخل السطور والكلمات بهدف التزييف التشويه وإنكار الآخر وإثبات ثاني .. خصوصا بأن هناك أهداف كثيرة من وراء ذلك .
إستراتيجية النقد التراكمي في علم الأنساب :
بعد أن تعرفنا على بعض أسباب استخدام هذه الإستراتيجية ، ستتضح لنا خطوات هذه الإستراتيجية التي نسميها النقد التاريخي التراكمي ، وهي تتركز على اكتشاف حقائق الأخطاء السابقة ، كيف ؟
1- الاستعانة بعلوم اللغة العربية :
لا يكفي أن تجمع معلومات وتكدسها – كيفما شاءت- ولكن يجب الإلمام بعلوم اللغة العربية أو الاستعانة بذوي الخبرة ، ولذا فإن دارس التاريخ يأخذ مساقات مختلفة من هذه الدراسات لتعينه على دراسة التاريخ ، إلا أنها لا تكفي بل هي أساسات للطريق الشاق فيما بعد ، ولذا يجب الاستعانة بكل ما يساعد في التحقيق والنقد .
2- الاستعانة بالمؤلفات التي كتبت في نفس الفترة :
ولكي تحقق جيدا وتحصل على نتائج مساعدة في النقد ، يجب تفقد المؤلفات التي كتبت في نفس الفترة المختصة بموضوعك قيد التحقيق والبحث ، فهناك فصول قد تكون في كتاب آخر بعنوان مختلف ، إلا أنه قد تفيد في التحقيق لأنها تتقاطع معها في بعض المعلومات ..فالبحث والتحقيق عن نسب معين قد تجد أو تعثر على دلائل حوله في كتب مختلفة وأكثرها فائدة هي التي كتبت في نفس الفترة التي كان بها النسب مشهورا .
3- استخدام الأساليب الإحصائية :
من المعلوم أن النقد والتحقيق يجب أن يعتمد على أساليب إحصائية أبسطها وأسهلها عمليات الجمع والطرح ، ولكن هناك أساليب رياضية وقوانين كثيرة لها فوائد في مجال التحقيق والنقد خاصة في مجال علم الأنساب ..
4- القراءة لأكثر من مؤلف :
حتى تتكون لديك فكرة النقد من أصله ، لا بد لك من قراءة الموضوع الواحد بعدة روايات أو لعدة مؤلفين وهنا سوف تتكون لديك مجموعة من التساؤلات لماذا قال كذا ولم يقل كذا ، لماذا هذا حذف النص الفلاني ، ذاك زاد اهتمامه بهذه الحادثة ، وهكذا ، هذه التساؤلات لن تجيب عليها إجابة شافية دون التحقق ، فمن الضرورة بمكان هنا أن تستمر في النقد التراكمي ..
5- الاستعانة بالعلوم الأخرى :
حيث أن النسب يرتبط بقبيلة أو عائلة ، والقبيلة هي جزء من المجتمع والمجتمع له متطلبات سكانية واقتصادية وغيرها ، لذا فإن دراسة الهجرات البشرية التي حدثت بموقع جغرافي معين له فائدة في التحقيق بنسب القبيلة التي كانت تسكن فيه ، إذا فعلم الجغرافيا والاجتماع لا يمكن للباحث في علم الأنساب الاستغناء عنه ، فعندما يقول مؤلف أن قبيلة بني غسان هاجرت من اليمن إلى جنوب فلسطين ، فهنا لا يمكن التسليم بهذه المعلومة دون أن نحقق في خط سير هذه الهجرة والفترة التي استغرقتها في الوصول ، وهناك تساؤلات عدة تدور في ذهن الباحث والناقد ، هل هاجرت كلها لم يبق منهم أحد ؟ وما أسباب ذلك ؟ وكيف هاجرت ؟ وما وسائل النقل ؟ وما حدث لها أثناء الهجرة ؟ هل هناك معلومات حول ذلك ؟ ما دمت أنت تبحث عن نسب غسان وتحقق فيه فيجب أن يستغرق هذا جهد منك للوصول إلى حقائق .
6- السيرة الذاتية للمؤلف :
من المهم جدا في عمليات النقد التاريخي – أشرنا له سابقا- أن تعرف من هو مؤلف هذا الكتاب ، من هو الذي ذكر نسب قبيلة فلان ، من هو الذي تحدث عن النسب الذي تحقق فيه ، هل هو من هذا النسب ، هل هو معاد لها هل كان يسكن بجواره أصحاب هذا النسب ، ما هو تاريخه متى ولد ومتى توفي هل هو الكاتب الفعلي ؟ ما هي مؤلفاته ، ماذا كتب عنه ، فلا يمكن لباحث عن نسب معين أن يعتمده أينما وجده ..
خلاصة :
" هناك فرق بين باحث نقد موضوعاً بمجرد قراءته له للمرة الأولى ، وباحث نقد موضوعاً بعد قراءته والتحقيق فيه فترة معينة ، وهناك فرق بين عالم أنساب نسخ نسبا من كتابا ، وآخر فحصه وحقق فيه وبحث عنه مدة زمنية طويلة ، وهناك فرقا بين خريج وبين خبير في التخصص "
.... سنستمر في لقاء آخر

وكتبه /أسد الدين الصقري

بتاريخ 24/11/2011م
وبالله التوفيق والسداد



التعديل الأخير تم بواسطة نبيل زغيبر ; 26-11-2011 الساعة 03:33 PM
أسد الدين الصقري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس