..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - لم يعرف الإسلام التعصب يوماً
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-11-2014, 09:57 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

1 (8) المساواة العنصرية في الإسلام ,,,

المساواة العنصرية في الإسلام -1-

( ترجمة محمد الشوفاني )

دعوة الحق العددان 133 و134

الدراسة التي نقدمها فيما يلي هي للبروفيسور برنسارد لويس أستاذ تاريخ الشرقين الأدنى والأوسط بجامعة لندن.
وقد حفزنا على نقلها إلى اللغة العربية الجدية التي تناول بها الكاتب الموضوع. والمنهج الذي استعمله في البحث، وجدة الموضوع –حسب علمنا – بالنسبة للدراسات العربية.
وقد قدم هذا البحث كمحاضرة في لقاء مشترك بين معهد العلاقات العنصرية والمعهد الملكي الانتروبولوجي، والمعهد الملكي للعلاقات الدولية بانكلترا.

من بين مؤلفات الكاتب «العرب في التاريخ»، «ظهور الإنسان التركي الحديث» «الشرق الأوسط والغرب» و«الحشاشون»
إنني لا أرى أية طريقة أكثر ملاءمة لافتتاح مناقشة هذا الموضوع من إيراد النص الشهير في كتاب «دراسة التاريخ» للبروفيسور توينبي، الذي يدعم اطلاعه الواسع، وتزوده بالوثائق في ذلك العلم الضخم بتجربة شخصية حية.

«فالعرب الأول، مثلا، الذين كانوا هم العنصر الحاكم في الخلافة الأموية سموا أنفسهم «بني سمرة» مضمنين التسمية تفرقا عنصريا، وسموا رعاياهم من الفرس والأتراك «بني الأحمر» مضمنين ذلك وضاعة عنصرهم. أي أنهم قسموا بنفس التمييز الذي نقوم به بين الشقر والسمر، ولكنهم قلبوا القيم التي نعطيها لدرجتي اللون الأبيض.

يمكن أن يفضل علية القوم النبلاء الشقراوات، ولكن السمراوات هن الاختيار الأول والمفضل لدى الشعب الذي اصطفاه الله، وفوق ذلك فإن العرب وكل المسلمين البيض كانوا متحررين من عقدة التحيز اللوني ضد الأجناس غير البيضاء، سواء أكانوا شقرا أو سمرا.

وما زال المسلمون يقومون بذلك التقسيم في الأسرة الإنسانية الذي اعتاد المسيحيون الغربيون أن يقوموا به في القرون الوسطى، إنهم يقسمون الجنس البشري إلى مؤمنين وكفار، الذين هم أيضا مؤمنون بالقوة، وهذا التقسيم فصل في أي اختلاف للجنس الفيزيقي، وتلاحظ هذه الليبرالية في المسلمين البيض اليوم أكثر مما كانت عليه عند المسيحيين الغربيين في القرون الوسطى، لأنه لم يكن لآبائنا الأولين في القرون الوسطى إلا اتصال ضعيف، أولم يكن لهم اتصال إطلاقا مع الشعوب المختلفة الألوان، بينما كان المسلمون البيض في اتصال مع الزنوج الأفارقة ومع الشعوب الداكنة اللون في الهند منذ البداية، واستمروا في تعزيز ذلك الاتصال.

وحتى اليوم، فإن البيض والسود يندمجون تحت راية الإسلام عبر القارة الإفريقية والهند طولا وعرضا. وقد برهن المسلمون البيض عن تحررهم من أي شعور عنصري بأقوى البراهين والحجج حيث أنهم قد زوجوا بناتهم بالمسلمين السود» (1)

لقد شعر العرب البيض «بنو الأسمر» بسموهم على الشعوب ذات البشرة الأكثر صفاء في الشمال من بلادهم، ولكنهم كانوا متحررين كل التحرر من أي شعور بالتحيز في اللون موجه ضد جيرانهم الأكثر سمرة في الجنوب، وكان واضحا أن التحيز ضد ذوي اللون الأصفر لم يكن إلا مجرد تناقض يبعث على التسلية، إن التحامل والتحيز ضد أولئك الذين كانت لهم بشرة أكثر سوادا هو المهم، وحيث أن ذلك غير موجود فمن الممكن القول بأن العرب والمسلمين كانوا متحررين من العدوى.

يمكن أن نجد نفس الآراء وقد عبر عنها في كتاباته ملاحظ آخر للإسلام هو مالكوم اكس
«عمى الألوان في المجتمع الديني بالعالم الإسلامي، وعمى اللون في المجتمع الإنساني بالعالم الإسلامي، هاتان القضيتان كانتا تؤثران علي تأثيرا عظيما وتمداني باقتناعات معاكسة لطريقتي السابقة في التفكير.

لقد كان هناك عشرات الآلاف من الحجاج من كل أقطار الدنيا، كانوا من كل الألوان، من الشقر زرق العيون إلى الأفارقة سود البشرة، ولكنا جميعا كنا نشارك في نفس الطقوس مبدين روح الوحدة والأخوة التي ساقتني تجاربي في أمريكا إلى اعتقاد أنها لن يمكن أن توجد إطلاقا بين البيض وغير البيض.»

إن الشرق الأوسط أرض الأساطير القديمة حيث لم تمت بأي شكل من الأشكال ملكة الأسطورة الشعرية، أي القدرة على إنشاء الأساطير والإيمان بها وجعل الآخرين يؤمنون بها، وقد يكون من الحكمة إخضاع كل افتراض عام يخص هذه المنطقة إلى نقد دقيق.

ويمكن أن يبدأ متفحص دقيق مثل هذا بمقطع آخر موح من نفس كتاب السيرة الذاتية لمالكوم اكس:
«لقد كانت هناك ظاهرة لونية في الجماهير المحتشدة، ولقد حدث أن لاحظت ما يلي وراقبته عن كثب فيما بعد:
ان أصلي الأمريكي جعلني شديد الحساسية لكل ما يتعلق باللون، لقد رأيت الناس الذين يتشابهون يطوفون مجتمعين، ويجلسون في الغالب مجتمعين، ولقد كان ذلك إراديا، ولم يكن هناك أي سبب آخر، كان الأفارقة مع الأفارقة، والباكستانيون مع الباكستانيين، وهكذا. وقلت في نفسي أنني سأحكي ما لاحظت إلى الأمريكيين عندما أعود إلى بلدي. سأقول لهم إنه عندما توجد أخوة بين الألوان، وحيث لا توجد عقدة تمييز، وحيث لا توجد عقدة «الاستعلاء» ولا عقدة «النقص»، فإن الناس الذين هم من جنس واحد يتجاذبون إلى بعضهم إراديا وطبيعيا بفعل ما هم مشتركون فيه(2)».

لقد كان مالكوم اكس ملاحظا دقيقا حساسا انتهت حياته بشكل مأساوي قبل أن تصل طاقاته إلى نضجها الكامل، ولقد كان قادرا مع إدراكه الكامل لمفهوم الزنجي الأمريكي أن يرى في الحج بمكة بعض التقاليد فيما يخض اللون. رغم أن معتقداته المكتسبة والتي اعتز بها حينئذ منعته من استخراج كل الاعتبارات المختبئة وراء ما رآه.

يمكن حتى للقارئ الذي لا تتعدى معرفته بالأدب العربي أكثر من ألف ليلة وليلة أن يشعر ببعض الارتياب في صحة هذه الأسطورة، ويمكن أن تبدأ شكوكه منذ بداية الحكاية التالية، والتي نجد فيها أن الملك شاه الزمن قد غادر بيته للقيام بزيارة لأخيه الملك شهريار، ولكنه عاد ليأخذ شيئا كان قد نسيه، وعند وصوله إلى قصره في منتصف الليل من غير سابق إنذار، «وجد زوجته راقدة في فراشه معانقة عبدا أسود من العبيد»،
وتحت تأثير الغضب قتل الملك كلا الآثمين بسيفه وهما ممدان في السرير، واستأنف سفره لزيارة أخيه، وهناك وجد الموقف أكثر سوءا. ففي الوقت الذي كان فيه شهريار في الصيد:
«فتح باب القصر وخرج منه عشرون جارية وعشرون عبدا وامرأة أخيه تمشي بينهم وهي في غاية الحسن والجمال حتى وصلوا إلى فسقية وخلعوا ثيابهم مع بعضهم وإذا بامرأة الملك قالت يا مسعود، فجاءها عند أسود فعانقها وعانقته... وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري، ولم يزالوا في (...)! ونحو ذلك حتى ولى النهار» (3).

ومن الواضح أن الملك شاه الزمان والملك شهريار كانا نبيلين جنوبيين ذوي خيال جنسي جامح، أو بالأحرى كانا وكأنهما شبحان من الليالي العربية إذا نظرنا من قريب إلى الأثر الكبير، فالزنوج يظهرون كثيرا في القصص التي تؤلف الليالي العربية، وهم غالبا ما يقومون بأدوار يدوية كحمالين، وخدم، وعبيد، وطباخين، وغسالين في الحمام وما شابه ذلك، ونادرا ما يعلون على هذا المستوى في المجتمع، وربما كانت حكاية الزنجي العبد الطيب الذي عاش حياته في الفضيلة والتقوى فجوزي على ذلك بتحويل لونه أبيض، ذات مغزى أكبر(4).

هكذا نجد أنفسنا أمام صورتين متناقضتين كل التناقض الأولى يضمها كتاب «دراسة التاريخ» والثانية في تركيب ذلك الأثر الخيالي العظيم، ألف ليلة وليلة، أولهما يصف المساواة العنصرية في مجتمع متحرر من التحيز أو التمييز العنصري، والثاني يكشف عن ظاهرة مألوفة هي ظاهرة الخيال الجنسي الجامح، والتمييز الاجتماعي والمهني مع اقتران غير مقصود للون الأصفى بالأفضل واللون الأدكن الأسود.

ما هو واقع الأمر إذن؟ يجب ان نقوم بتمييز هام عند أية مناقشة للإسلام.
إن كلمة «إسلام» تستعمل على الأقل بثلاثة معان، ويمكن أن يحدث كثير من سوء الفهم عند عدم التمييز بينها.
تعني كلمة إسلام أولا الدين الذي جاء به النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والمجسم في القرآن الذي هو الوحي الإسلامي المنزل.
وكلمة إسلام تعني ثانيا التطورات التالية لهذا الدين عبر التقاليد ومن خلال أعمال كبار رجال القضاء وعلماء الكلام المسلمين، وهي بهذا المعنى تضم بنية الشريعة برمتها، والقوانين الإسلامية المقدسة ومجموع الكتابات العظيمة في علم الكلام.
أما المعنى الثالث للإسلام فإنه لا يقابل المسيحية ولكنه يعني مجموع البلدان والشعوب الإسلامية، والإسلام بهذا المفهوم ليس ما يؤمن به المسلمون ومن المفروض أن يؤمنوا به، ولكنه يعني ما قاموا به من أعمال، أي الحضارة الإسلامية كما نعرفها من خلال التاريخ.

وعلي أن أحاول توضيح الاختلاف بين تلك المعاني في عرض مناقشتي لمواقف الإسلام من الجنس واللون.

المواقف الأولى
ان أهم النصوص الإسلامية التي ينبغي اللجوء إليها هي القرآن الكريم نفسه، ومن المناسب هنا أن نبدأ بحثنا فيه.
وربما كان من المدهش ألا توجد إلا فقرتان في القرآن الكريم لهما صلة مباشرة بقضيتنا، أولهما في السورة الثلاثين (الروم) ، الآية 22، وتقول:
«ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين».
وهي تأتي كجزء من قسم كبير يعدد آيات الله وعظمته، وتضيف اختلاف الألسنة والألوان كمثال على قدرة الله وإبداعه في الخلق لا أكثر.
أما الفقرة الثانية فتأتي في السورة 49 (الحجرات) ، الآية 13، وهي اكثر تحديدا من سابقتها وتقول:
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير».

من الواضح أن القرآن الكريم لا يعبر عن أي تحيز للون أو جنس، بل إن القرآن الكريم لا يعير أي انتباه مطلقا لهذا التمييز، وربما كان لذلك دلالة مطلقة. الفقرتان تعبران عن وعي بالاختلاف، وثانيهما تلح على أن التقوى أكثر أهمية من الأصل والمولد، والنقطة المهمة هنا هي بالأحرى اجتماعية لا عنصرية، فالقرآن الكريم ضد الكبرياء القبلية أو الأرستقراطية لا العنصرية.

وان قضية العنصرية ليست موضوعا ملحا في القرآن الكريم كما هو واضح، وإنما تصبح موضوعا ملحا في عصور تالية كما يمكن أن نجده عند شراح متأخرين لهذين النصين.
ووضوح القرآن الكريم في عدم التحيز للجنس أو اللون في عصور ما قبل الإسلام أو في العصور الأولى للإسلام تواكبه نصوص أدبية صحيحة تحدرت إلينا من الأدب المعاصر.

إننا نجد إدراكا بالاختلاف في القرآن الكريم كما في الشعر العربي القديم، نجد شعورا شخصيا عربيا ضد فارسي أو يوناني أو أية هوية أخرى، ولكننا لا نجد أية إشارة واضحة إلى أن هذا الشعور كان عنصريا أو ذهب أبعد من الشعور الطبيعي بالاختلاف الذي تملكه المجتمعات الإنسانية عن نفسها في علاقاتها مع الآخرين.

الأدب العربي القديم يعلمنا الكثير عن مسألة اللون، فلقد استعمل الشعراء الأوائل عددا من الكلمات المختلفة لوصف الألوان البشرية، وهي أكثر تعددا مما هو معتاد في الوقت الحاضر، وهي لا تقابل بالضبط تلك التي نستعملها اليوم والتي تعبر عن إحساس مختلف باللون، بل هي تهتم أكثر بالصفاء والكثافة ودرجة اللون أكثر مما تهتم باختلافه.

وتوصف الكائنات الإنسانية عادة بكلمات يمكن ترجمتها بالأسود والأبيض والأحمر والأخضر والأصفر، ودرجتين للبني إحداهما ضعيفة والأخرى كثيفة، وهذه الألفاظ عادة بمعنى شخصي لا عنصري، وهي تقابل ألفاظا مثل أسمر، أشهب، أشقر، أحمر في استعمالنا الحديث، أكثر مما تقابل كلمات مثل أسود وأبيض، وحتى عندما تستعمل بمعنى عنصري فمعناها يكون نسبيا لا مطلقا.

فالعرب مثلا يصفون أنفسهم بالسواد في مقابل الفرس الذين هم حمر، ويصفون أنفسهم أحيانا أخرى بالحمرة (أو حتى البياض) في مقابل الأفارقة الذين هم سود، واللون المميز للبدوي هو الأخضر أو البني.
وهناك عداء واضح بين الحمر والسود في الشعر العربي، والمقصود هم الفرس والعرب، ولعل ذلك كان رد الفعل للاحتقار الذي أبداه الفرس المتحضرون للشعوب شبه البربرية في حدود الصحراء، أما تقييم الموقف بين العرب والأفارقة فأكثر صعوبة.

الواقع أن هناك أشعارا كثيرة منسوبة إلى شعراء في عهود ما قبل الإسلام وشعراء في أوائل العهود الإسلامية توحي بشعور قوي بالكراهية والاحتقار موجه إلى أشخاص ذوي أصل افريقي، ولكن أغلبها، إن لم تكن كلها تقريبا، تنتسب بالتأكيد إلى عهود متأخرة، وتعكس مواقف ومشاكل واهتمامات متأخرة. وأن الرجوع إلى العهود الإسلامية الأولى أو إلى ما قبل الإسلام مظهر مألوف يعترض دائما البحث الإسلامي.

حملت الفتوح الإسلامية العظيمة العقيدة الجديدة إلى مناطق شاسعة من آسيا وكذلك إلى إفريقيا بعد الفترة التي تلت موت الرسول مباشرة، ويمكن ملاحظة كثير من التغييرات في أدب ذلك الوقت.
أول هذه التغييرات تضيف ألفاظ اللون التي توصف بها الكائنات البشرية وتخصيصها، إذ أنها قد اختفت كلها تقريبا باستثناء أسود وأحمر وأبيض التي أصبحت ذات معنى عرقي ومطلق بدل كونها شخصية ونسبية، وتعني كلمة أسود بصفة عامة ذوي الأصل الافريقي جنوب الصحراء وأعقابهم (5)، وتعني كلمة أبيض (وأحيانا أحمر خفيف) العرب والفرس واليونانيين والأتراك والسلافيين وشعوبا أخرى شمال وشرق البلاد السوداء، ويشار أحيانا إلى الشعوب الشمالية في مقابل العرب والفرس البيض بألفاظ تتضمن أبيض ميتا أو أزرق باهتا وبدرجات أخرى من الأحمر، ويتسع اللفظ أسود في بعض المناسبات ليشمل الهنود، ولكن هذا الاستعمال غير شائع.

ويأتي مع هذا التخصيص والتثبيت لألفاظ اللون تضمين جد واضح للنقص الذي يرتبط باللون أكثر دكنة وبالأخص بالبشرة السوداء.
ومما يحكى قصة لها علاقة بالفتح العربي لمصر، والتي يمكن أن تكون آخر ما تبقى من نماذج الموقف القديم إذا كانت صحصحة، وتقول القصة أن أحد القادة العرب واسمه عبادة ابن الصامت أخذ جماعة من المسلمين للقاء المقوقس وهو زعيم قبطي كبير قاد الدفاع عن مصر في قوت من الأوقات، ويقول الراوي أن عبادة كان أسود، وعندما حضر إلى مجلس المقوقس يتقدم جماعته، أفزع سواده المقوقس وقال لهم:
«أبعدوا عني هذا الرجل الأسود واتوني بغيره بتحدث إلي» فالح العرب على أن عبادة هو أفضلهم وأحكمهم وأنبلهم، وهو زعيمهم الذي اختاروه يطيعونه ويمتثلون لأمره».
فسأل المقوقس: «كيف ترضون أن يتزعمكم رجل أسود؟ إنه من الأليق أن يكون دونكم؟»
فأجابوه: لا والله، رغم أنه أسود كما ترى، فهو أفضلنا منزلة وذكاء وحكمة، لأن السواد غير مزدرى بيننا» (6)

يمكن استخراج نقطتين هامتين من هاته الحكاية (*)،
أولاهما أن الرجل الأسود يظهر كشخصية مرعبة لا محتقرة، ولو أن هذا العنصر غير منعدم تماما، والنقطة الثانية والأكثر أهمية هي ان عبادة ليس إفريقيا ولا حتى من أصل إفريقي، ولكنه نبيل عربي خالص من كلا الطرفين أبيه وأمه كما يصر الرواة العرب على التأكيد عليه، فالسواد هنا ما يزال لفظا شخصيا ونسبيا يصف بشرة الشخص لا عرقا ومطلقا يتضمن تمييز علامات الجنس والعنصر.
«إن السواد ليس مزدرى بيننا» لا تعني أكثر من أن أولئك الأشخاص ذوي البشرة السوداء لا يعتبرون أدنى من أولئك الذين لهم بشرة خفيفة. وقد وقعت حكاية النبيل الأسمر في أوائل التوسع العربي، أما في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد الخلفاء الأمويين بصفة خاصة فإننا نجد برهانا قاطعا على تغير جذري في المواقف.

أغربة العرب
يمكن استخراج البرهان على تغيير المواقف من نوعين من المصادر، أولهما مصادر أدبية وخاصة من الشعر الحكايات. عدد من الشعراء العرب قبل الإسلام وفي العصور الأولى للإسلام يوصفون بالسواد ويعرفون جماعيا بالنسبة للتقاليد العربية ب «أغربة العرب» (7)، وقد كان بعضهم عربا ذوي بشرة سوداء في عهود ما قبل الإسلام غالبا، وكان بعضهم الآخر مزيجا من أصل إفريقي عربي، وقد كان السواد بالنسبة لهؤلاء بلوى، وخاصة بالنسبة للأفارقة الخلص.

وقد وصفوا في أشعارهم وقصصهم آلام الإهانة والتمييز التي عانوها، وكراهيتهم لذلك، وقبولهم لوضعهم الدوني الناتج عن أصلهم رغم ذلك.
وكان سهيم أحد هؤلاء، ولد عبدا من أصل إفريقي وهو يشتكي في أحد أشعاره بأنه إذا كان لونه أسود، فإن النساء يحببنه، ولكن الله زوجه مع السواد.
وفي شعر آخر يدافع عن نفسه: (سابقا وليم بليك في ذلك):
وإن أك حالكا لوني فإني
لعقل غير ذي سقط وعاء
وما نزلت بي الحاجات إلا
وفي عرضي من الطمع الحياء (8)

وفي نفس النطاق يقول:
فإن بك من لوني السواد فإنني
لكا لمسك لا يروي من المسك ذائقه
وما ضر أثوابي سوادي وتحتها
لباس من العليا، بيض بنائقه

وتتنسب هذه الأبيات إلى نصيب (المتوفى سنة 726)، وهو ربما كان أنبغ هؤلاء الشعراء السود، وقد كان شاعرا بمولده مدركا للونه وتحمل من أجلهما كثيرا من الإهانات، وفي إحدى المناسبات قال الشاعر العربي الكبير كثير مازحا:
رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا
ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده
وان كان مظلوما له وجه ظالم
فقيل لنصيب: ألا تجيبه؟ فقال: لا، ولو كنت هاجيا لأحد لأجبته! ولكن الله أوصلني بهذا الشعر إلى خير فجعلت على نفسي ألا أقوله في شر، وما وصفني إلا بالسواد وقد صدق، أفلا أنشدكم ما وصفت به نفسي؟
قالوا: بلى..
فأنشدهم قوله:
ليس السواد بناقصي ما دام لي
هذا اللسان إلى فؤاد ثابت
من كان ترفعه منابت أصله
فبيوت أشعاري جعلن منابتي
كم بين أسود ناطق ببيانه
ماضي الجنان وبين أبيض صامت
ومع ذلك:
فإن أك حالكا فالمسك أحوى
وما لسواد جلدي من دواء (9)

وربما كان آخر الشعراء السود العرب الأوائل هو أبو دلامة (المتوفى سنة 776) وهو عبد أصبح شاعرا ومضحكا للبلاط لدى أوائل الخلفاء العباسيين، وتجد في أشعاره رضى بوضاعة حاله. وهو يستهزئ بمظهره وبأمه العجوز وبأسرته ليسلي مولاه يقول:
ونحن مشتبه الألوان أوجهنا
سود قباح وفي أسماءنا شنع (10)

ويحدث مؤرخوا الأدب العربي كثيرا عن هؤلاء الناس، فهناك عدد من النوادر تبين شعور نصيب بلونه وبمشاكله اللونية، ففي فصل عن سيرته الذاتية يذكر أنه قبل سفره الأول إلى مصر استشار أخته وهي امرأة عالقة، فذكرته بأنه غريب المنظر في أعين الناس بالإضافة إلى سواده، وعندما أنشدها بعضا من أشعاره اقتنعت بأن جودتها تبشر ببوادر نجاحه.

وفي فقرة أخرى بحكي نصيب أنه التجأ إلى أحد الأمراء الأمويين طلبا لمساعدة بناته «لقد بليت بالبنات وانطلى عليهن لوني فبقين في يدي» (11).
وتحكى قصة أخرى أن نصيبا دخل على الخليفة الأموي عبد الملك وتغذى معه ثم قال له الخليفة: هل لك فيما نتنادم عليه فقال: تؤمنني، ففعل، فقال:
«لوني حائل، وشعري مفلفل، وخلقتي مشوهة، ولم أبلغ ما بلغت من إكرامك إياي بشرف أب أو أم أو عشيرة وإنما بلغته بعقلي ولساني، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين، ألا تحول بيني وبين ما بلغت به هذه المنزلة منك»



والمهم في الحكاية أن الشاعر يختار الفرصة المناسبة ويستعمل فطنته ليؤمن على نفسه من العقاب، ولكن الفقرة توضح بشكل حي تقارن السواد بالبشاعة والحال الوضيع، هذا التقارن الذي أصبح مقبولا في هذا العهد.
وهناك حكاية أخرى قريبة من السابقة عن الشاعر الأسود ابن المسجح الذي كان يبحث عن مأوى في دمشق فاستطاع أن يجعل واحدا من جماعة يقبله بينما تثاقل به الباقي، فرافقهم إلى دار فينة، فلما حضر الغذاء، انسحب قائلا:
«إنني رجل أسود، ولعل فيكم من يقدرني، فأنا أجلس وآكل ناحية، وقام فاستحيوا منه، وبعثوا إليه بما أكل وما شرب» وبعد ذلك خرج الجواري وغنين، فمدح غناءهم أين المسجح فغضبن وغضب مولاهم على هذه الوقاحة من «هذا الأسود» والجرأة على مدح الجواري، وحذره الآخرون وطلبوا منه أن يحسن أدبه، وعندما عرف القوم بعد ذلك أنه الشاعر المشهور رغبوا جميعا في رفقته (12).

هذان الحادثان يظهران طبيعة وحدود التمييز مبكرا اسمه الجهشرياري وهو يحكي نادرة في تاريخ الوزراء والكتاب عن رجل اسمه عبد الحميد، وهو كاتب آخر الخلفاء الأمويين. توصل الخليفة بهدية من عبد أسود مبعوث من أحد حكام الأقاليم، فلم تسره الهدية، فأعطى أمره للكاتب بتحرير رسالة شكر وذم، فكتب عبد الحميد ما يلي:
«لو أنك وجدت رقما أقل من واحد ولونا أسوأ من أسود لا هديته» (13).
وليس التعريض هدف الجهشرياري من سرد هذه القصة وإنما يظهر فكاهة عبد الحميد وحضور بديهته، ولكن القصة تعكس بشكل حي موقفا مشتركا شائعا.

فخر السودان على البيضان
وقد ناقش المسألة برمتها بحث خاص لجاحظ البصرة (776-869)، وهو أحد كبار كتاب النثر في الأدب العربي والذي يقول عنه أحد المؤرخين لحياته، بأن بعض أصله من الزنج. وفحوى رسالته بعنوان «فخر السودان على البيضان» (14)
أنه يدعي الدفاع عن ذوي البشرة الكالحة ضد مضطهديهم. ويرفض الاتهامات الشائعة عنهم مبررا ميزاتهم وأعمالهم مع ثراء في البيان الشعري، فهم شجعاء، أشداء الأبدان، أسخياء، وليس ذلك بسبب ضعف في عقولهم، ونقص في الفطنة وجهل بالعواقب» كما يقول الناس، وهناك تهمة خاطئة أخرى هي الغباء، فعندما يسأل سائل «كيف أننا لم نر مطلقا عبدا له ذكاء حتى طفل أو امرأة؟».
الجواب، يقول الجاحظ هو أن هؤلاء الناس لم يعرفوا من الزنج إلا السبي من أصل وضيع ومناطق متخلفة، فهل رأوا في سبي الهند قوما لهم عقول وعلم وأدب وأخلاق فيطلبون ذلك فيما سقط إليهم من الزنج؟
ويدافع الجاحظ كذلك عن مساواة الزنوج في الزواج، ويلاحظ التناقض الحاصل في أن التمييز ضدهم لم يحصل إلا بعد حلول الإسلام، وهو يقول على لسان الزنج:
«من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم فلما جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدا» وهناك مسألة أخرى وهي أن السود أكثر عددا من البيض إذا أشملنا مع الجاحظ سكان الهند وجنوب شرق آسيا والصين (!) وتلى فقرة غريبة تقول:
«السودان أكثر من البيضان، والصحراء أكثر من الوحل، والرمل أكثر من التراب، والماء المالح أكثر من العذب».

وباختصار فإن الجاحظ يجادل المعادلة الشائعة بين السواد والبشاعة، ويدعي أن الأسود جميل – في الطبيعة، وفي مملكة الحيوان وفي الإنسان، ومهما يكن، فالسواد ليس عقابا كما يدعي عامة الناس، ولكن نتيجة لظروف طبيعية.
«ذلك يوجد في كل شيء، فنحن نرى الجراد والديدان خضراء فوق النبات، ونرى القملة سوداء على رأس شاب، بيضاء إذا ابيض شعره، وحمراء إذا صبغه».
وقد كان الجاحظ هزليا كبيرا وهجاء، والقارئ لدفاعه عن السود يشعر بأن نيته ليست جدية كل الجد، وهذا الشعور يتقوى عندما نقارن الرسالة مع ما يقوله عن السود في كتابات أخرى.
ورغم أصله الإفريقي المزعوم، فإنه لم يول الأفارقة اعتبارا كبيرا:
«إننا نعرف الزنج أقل ذكاء وأقل فطنة في الجنس البشري، وأقل قدرة على إدراك عواقب الأمور..» (15)
«والزنج في الجنس البشري مثل الغراب، لأنهم أسوأ الناس وأكثرهم فسادا في الطبع والمزاج.»

«قالوا (الشعوبية): والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكل الأجيال إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزنج، وع العثارة، ومع فرط الغباوة، ومع كلال الحد، وغلط الحس، وفساد المزاج، لتطيل الخطب...»(16)
إن الفقرة الأخيرة تعطينا مفتاح هدف الجاحظ فلقد كانت الشعوبية طائفة من المسلمين غير العرب، أغلبهم فرس وكانوا يحتجون ضد امتياز العرب وعلو مكانتهم في الامبراطورية الإسلامية، كما كانوا يعارضون الوضع الممتاز الذي منح للثقافة العربية، ومما امتاز به هجوم الشعوبيين هو الثناء على أعمال وكفاءات أهلهم وانتقاد الأعمال العربية.

وقد كان الجاحظ مدافعا متحمسا عن العرب والتقاليد الثقافية العربية ضد كل الوافدين عليها وخصوصا الفرس، الذين تحدوا، من بين الشعوب الخاضعة للعرب، علو المكانة العربية.
ولهذا يجب فهم دفاع الجاحظ عن السود كمحاكاة ساخرة للدعاية الشعوبية وان كان بعضه جادا من دون ريب، وغايته هي الاستهزاء بادعاءات الفرس مقدما حججا مشابهة لصالح السود المهانين الزدرين.
---------------------------------

(1) أ. ح. توينبي في كتابه «دراسة التاريخ» (1939) المجلد الأول ص226.
(2) السيرة الذاتية لمالكوم اكس (نيويورك، 1966 ص 9 – 338، 340، 344.
(3) ألف ليلة وليلة، ترجمة لين، طبعة منفحة (لندن 1859) مجلد 1 ص 4-5.
(4) الليلة 467 والليلة 468، بوترون، كتاب ألف ليلة وليلة (لندن 1894) المجلد 4 ص 4-212، هذه الحكاية غير موجودة عند لين، وموضوع البياض كجزاء شائع.
(5) موح لكولدزيير مجلد 1 ص 4-103 و9-268 (الترجمة الانكليزية ص 100-99 و4-243، وانظر كذلك فون كبرانيبوم «طبعة الوحدة العربية قبل الإسلام» في أرابيكا مجلد 10 (1963)، وعن قضية الألفاظ العربية القديمة لوصف الألوان انظر كتاب فيش الألماني (ويزبادن 1965)
(6) ابن عبد الحكم: فتوح مصر طبعة س. س. توري (نيوهافن) 1922 ص66 وانظر روتر ص 92
(7) تعرض كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (897-967) لهؤلاء الشعراء وجاء بنماذج من أشعارهم وصف غربي هو كتاب ر. بلاشير: تاريخ الأدب العربي (66-1952)
(*) الذي نعرفه، وكما ذكره علماء السير أن النبي (ص) بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك ابن سعد في ترجمته أنه كان طوالا جميلا وسيما... التحرير....
(8) الديوان ط الميماني (القاهرة 1369-1950) ص26، 55، 69، انظر ف. روزنتال «مفهوم الحرية في الإسلام» (ليدن 1960) ص61.
(9) الأغاني م 1 ص140-141 ط جديدة 4-352 وللدراسة المفصلة انظر نصيب ابن رباح لريزتانو في مجلة الدراسات الشرقية م 20 (1943) ص 221-271.
(10) أبو دلامة شاعر الخلفاء العباسيين لمحمد ابن شنب (الجزائر 1922) ص35، 136
(11) الأغاني م 1 ص 130 ط جديدة ص 325. ابن قتيبة في عيون الأخبار م3 (القاهرة ط ج) ص126. ريزيتانو ص 431-456.
(12) الأغاني م1 ص136، ط ج، م1 ص341، م3، ص87، ط، ج م 3، ص 3-282، ريزتانو، ص 439، ليفي ص 3-62، روترص 90-89.
(13) الجهشرياري: كتاب الوزراء والكتاب (القاهرة 1938) ص 81 الترجمة الألمانية بقلم ج، لاتز (ولدورف هيسن 1958) ص 129.
(14) انظر عن الجاحظ س. بيلا، الوسط البصري وتكوين الجاحظ (باريس 1953)، مقالة الجاحظ في ط ج لانسكلوبيديا الإسلام، وقد نشر «فخر» الجاحظ لأول مرة ج. فان فلوتن في تريا ابوسكولا (ليدن 1903) ص 58-85، وأعيد طبعها في «رسائل الجاحظ» (القاهرة 1385-1965)، ص 173-226 الترجمة الألمانية بقلم و. روشر م 2 (اسطنبول ، 1926) ص 26-146.
(15) الجاحظ: كتاب البخلاء (دمشق 1357-1938)، ص 253، الترجمة الفرنسية بقلم س. بيلات(باريس 1951) ص232.
(16) الجاحظ، كتاب الحيوان م 2 (القاهرة 1937)، ص 314، ثم البيان والتبيين، م 3 (القاهرة 1380 – 1960) ص 12-13، وانظر روتر ص 98.
توقيع : حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس