..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - تدوين السنة النبوية نشاته و تطوره
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-07-2017, 11:47 AM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
مشرف المجالس الاسلامية
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة arab league

افتراضي


تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره
ص -95- الباب الثالث: التدوين في القرن الثالث الهجري
يعتبر هذا القرن عصر ازدهار العلوم الاسلامية عامة وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة، بل يعد هذا القرن من أزهى عصور السُّنَّة النبوية، إذ نشطت فيه الرحلة لطلب العلم ونشط فيه التأليف في علم الرجال، وتُوسِّع في تدوين الحديث، فظهرت كتب المسانيد والكتب الستة - الصحاح والسنن - التي اعتمدتها الأمَّة واعتبرتها دواوين الإسلام.
وقد برز في هذا العصر كثير من الحفاظ والنقاد والعلماء الجهابذة من أمثال: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، ومحمد بن مسلم بن وارة، وأبو عبد الله البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعثمان بن سعيد، وعبد الله بن عبدالرحمن الدارميان، وغيرهم كثير ممن كان على أيديهم تأسيس كثيرٍ من علوم الحديث عموماً وعلم الجرح والتعديل خصوصاً.
كما ظهر على أيدي هؤلاء الجهابذة الأعلام نوع جديد من التأليف، وهو ما عرف بكتب العقيدة وكان التأليف في ذلك على نوعين:
الأول: ما جمع فيه مؤلفوه النصوص الواردة في العقيدة من

ص -96- الكتاب والسُّنَّة مع بيان منهج السلف - من الصحابة والتابعين - في فهم هذه النصوص، وموقفهم من أصحاب الأهواء، وكان أغلب هذا النوع بعنوان: السُّنَّة مثل "السُّنَّة" لأحمد بن حنبل، و "السُّنَّة" لابنه عبد الله، و "السُّنَّة" لأبي نصر المروزي وغيرها.
والنوع الثاني: ما سلك فيه مؤلفوه مسلك الردِّ على المبتدعة أصحاب الأهواء وذلك لهتك أستارهم وفضح أسرارهم، وتحذير المسلمين منهم وبيان خطرهم على الأمَّة.
وحيث بلغ نشاط المعتزلة والجهمية ذروته بتبني الدولة العباسية في عصر كل من المأمون والمعتصم والواثق لآرائهم وعقائدهم، لذلك حظيت هذه الفرق بالنصيب الأكبر من هذه الردود، من ذلك "الرد على الجهمية" لأحمد بن حنبل، والدارمي أيضاً، و "الرد على بشر المريسي المعتزلي" للدارمي أيضاً، و "خلق أفعال العباد" للبخاري وغيرها كثير. 1
وكما كان لأتباع التابعين في القرن الثاني جهود رائدة وعظيمة في خدمة السُّنَّة تدويناً وذب الكذب عنها وحمايتها من كل ما يشوبها جرحاً وتعديلاً، كذلك كان لهذا الجيل - في القرن الثالث - جهود جبارة وكبيرة في سبيل خدمة السُّنَّة وقمع ما يخالفها من الأهواء والبدع.
ولقد تُوجت تلك الجهود في خدمة السُّنَّة بتلك المؤلفات المختلفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: رسالة "مكانة أهل الحديث ومآثرهم وآثارهم الحميدة في الدين" لفضيلة الدكتور ربيع بن هادي المدخلي، طبعت بدار الأرقم بالبحرين، وهي رسالة قيِّمة.

ص -97- من كتب المتون - مسانيد وصحاح وسنن - وكتب الرجال المتنوعة في موضوعاتها ومجالاتها، إلى كتب العقيدة التي كثرت في هذا القرن.
كما تُوِّجت تلك الجهود أيضاً في مجال قمع الأهواء والبدع ومحاربة أصحابها وكشف أسرارهم وتحذير الأمَّة من شرِّهم بتلك الوقفة الشامخة من إمام أهل السُّنَّة الصدِّيق الثاني أبي عبد الله أحمد ابن حنبل - رحمه الله تعالى - في وجوه أهل التجهم والاعتزال الذين جمعوا عليه وألبوا، فخرج - رحمه الله - منتصراً مؤيَّداً من الله - عز وجل 1 - وقمعت بإذن ا لله البدعة، ونكص أصحابها على أعقابهم مدحورين، وما مثلهم ومثل ما أرادوه من النيل من السُّنَّة وأهلها إلا كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهي قرنه الوعل
وقد تميز التدوين في هذا القرن بما يلي:
1- تجريد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييزها عن غيرها، بعد أن كانت قد دونت في القرن الثانى ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
2- الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.
3- تنوع المصنفات في تدوين السُّنَّة، حيث ظهرت الأنواع التالية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عن أخبار المحنة التي تعرَّض لها الإمام أحمد، راجع: 1 – كتاب المحنة لابن الجوزي 2- ترجمة الإمام أحمد في سير أعلام النبلاء، وغيرهما.

ص -98- أ- كتب المسانيد التي تعنى بجمع أحاديث كل صحابيٍّ على حدة كمسند الإمام أحمد وغيره.
ب- كتب الصحاح والسنن التي تعنى بتصنيف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكتب والأبواب مع العناية ببيان الصحيح من غيره كالكتب الستة وغيرها.
ج- كتب مختلف الحديث ومشكلها مثل كتاب: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي، وكتاب "اختلاف الحديث" لعلي بن المديني، وكذلك كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة وغيرها.
وهناك الكثير من المصنفات في هذا القرن نكتفي بذكر القليل منها إشارة إلى الكثير. 1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لمزيد من التفاصيل راجع: المبحث الرابع من الدور الخامس من كتاب "الحديث والمحدِّثون" لأبي زهو ص: 363 – 365.

ص -99- الفصل الأول: كتب المسانيد
تعريفها:
المسند لغة: ما ارتفع عن الأرض وعلا عن السطح. 1
وفي الاصطلاح: أطلقه المحدِّثون على معنيين:
الأول: الحديث المسند.
قال الخطيب البغدادي: "وصفهم الحديث بأنه مسند يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، واتصال الإسناد فيه يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة" 2
وعلى هذا المعنى أطلق بعض المصنفين على كتابه: مسند، مثل "الجامع الصحيح المسند" لأبي عبدالله البخاري، وكذلك "مسند الدارمي" و "صحيحا ابن خزيمة وابن حبان" وغيرها.
الثاني: كتب المسانيد.
وهي التي تخرج الأحاديث على أسماء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لسان العرب لابن منظور – مادة سند، وابن الأثير في النهاية 2 / 408.
2 الكفاية – باب ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات ص: 58.

ص -100- الصحابة، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض 1، مثل "مسند الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي" وغيرهما.
2- طريقة ترتيب كتب المسانيد:
للعلماء في ذلك ثلاث طرق:
الأولى: ترتيب أسماء الصحابة على حروف المعجم من أوائل الأسماء، فيبدأ – مثلاً - بأُبيّ بن كعب، ثم أسامة بن زيد، ثم أنس بن مالك وهكذا، إلى آخر الحروف.
الثانية: الترتيب على القبائل فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب، ثم مَنْ يليهم.
الثالثة: الترتيب على قدر سوابق الصحابة في الإسلام ومحله في الدين، فيبدأ بالعشرة - رضوان الله عليهم -، ثم المقدمين من أهل بدر، ثم يلونهم أهل بيعة الرضوان بالحديبية...وهكذا.
قال الخطيب البغدادي: "وهذه الطريقة – الأخيرة - أحب إلينا في تخريج المسند". 2
3- أهم كتب المسانيد:
1- مسند أبي داود سليمان بن داود الطيالسي (ت 204 ه) وقد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع – باب وصف الطريقتين اللتين عليهم يصنَّف الحديث 2 / 284، حيث قال رحمه الله: "من العلماء من يختار تصنيف السنن وتخريجها على الأحكام وطريقة الفقه، ومنهم من يختار تخريجها على المسند وضم أحاديث كل واحدٍ من الصحابة إلى بعض".
2 المصدر السابق 2 / 292.


ص -101- ردَّ الحافظ السيوطي على من نسب هذا المسند إلى الطيالسي وجعله أول مصنف في المسند باعتبار تقدم وفاته، فقال: "إنما هو من جمع بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب الأصبهاني خاصة عنه، وشذَّ عنه كثير منه، ويشبه هذا "مسند الشافعي" فإنه ليس تصنيفه، وإنما لقطه بعض الحفاظ النيسابوريين من مسموع الأصم من كتاب "الأم" فإنه كان سمع "الأم" أو غالبها على الربيع عن الشافعي". 1
وقد رتب هذا "المسند" على أبواب الفقه الشيخ أحمد بن عبدالرحمن البنا الساعاتي – رحمه ا لله – وسماه "منحة المعبود بترتيب مسند أبي داود"، وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.
2- مسند أبي بكر بن أبى شيبة ( ت 235 ه ) وهو غير "المصنف" المطبوع، ويوجد منه نسختان خطيتان، أحدهما في مكتبة أحمد الثالث بتركيا والأخرى في المكتبة الوطنية بتونس، ومصورة هذه الأخيرة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
3- مسند إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ( 238 ه ).
قام الدكتور عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي بتحقيق جزء منه – من مسند عائشة – لنيل درجة الدكتوراه من شعبة السُنَّة بالدراسات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جلال الدين السيوطي: تدريب الراوي 1 174 – 175، شمس الدين السخاوي: فتح المغيث 1 / 86.

ص -102- العليا بالجامعة الإسلامية وأغلبه فيما أعلم مفقود. 1
4- مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت 241ه ) - هو أكبر المسانيد الموجودة فيما أعلم، وقد طبع في ستة مجلدات كبيرة – وسيأتي الحديث عنه في الفقرة الرابعة بإذن الله.
5- مسند أحمد بن إبراهيم الدورقى (ت246 ه) يوجد منه قطعة فيه مسند سعد بن أبى وقاص في الظاهرية مجموع (37).
6- المنتخب من مسند عبد بن حميد الكشي المتوفى سنة ( 249 ه ) وقد طبع في ثلاثة أجزاء بتحقيق مصطفى العدوي. 2
7- مسند يعقوب بن شيبة أبو يوسف السدوسي البصري المتوفى سنة ( 262 ه ).
قال الذهبي: "صاحب المسند الكبير العديم النظير المعلَّل، الذي تم في مسانيده نحو من ثلاثين مجلداً، ولو كمل لجاء في مائة مجلد". 3 وقد طبع جزء منه يمثل الجزء العاشر من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
8- مسند أحمد بن إبراهيم الطرسوسي الخزاعي (ت 273 ه)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: الدراسة المفصَّلة عنه في كتاب "الإمام إسحاق بن راهويه وكتابه المسند" للدكتور عبد الغفور البلوشي، طبعة مكتبة الإيمان بالمدينة.
2 وله طبعة أخرى بتحقيق طالب تركي في جامعة أرض روم في مجلد ضخم، ويحقق في جامعة الإمام محمد بن سعود – رسالة دكتوراه.
3 أبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء 12 / 476 وقال عن منهجه فيه ص 477: "يخرج العالي والنازل، ويذكر أولاً سيرة الصحابي مستوفاة، ثم يذكر ما رواه، ويوضح علل الأحاديث، ويتكلم على الرجال، ويجرِّح ويعدِّل بكلامٍ مفيدٍ عذبٍ شافٍ، بحيث إن الناظر في مسنده لا يَملُّ منه، لكن قلَّ من روى عنه".

ص -103- والموجود منه جزء يسير من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مطبوع.
9- مسند ابن أبي غرزة أحمد بن حازم الغفاري الكوفي ( ت 257 ه )، يوجد منه مسند عابس الغفاري وجماعة من الصحابة في المكتبة الظاهرية بدمشق.
10- مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي ( ت 282 ه ) وهو مفقود فيما أعلم إلا بعض أوراق وجدت باسم المنتقى أو العوالي المستخرجة من مسند الحارث.
11- مسند أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار ( ت 292 ه )، قام بتحقيقه الدكتور محفوظ الرحمن الهندي، وهو ناقصٌ من أوله.
12- مسند أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي ( ت 307 ه ) وقد طبع أكثر من طبعة وفيه نقص.
13- مسند أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ( ت 335 ه ) طبع بعضه والباقي تحت الطبع فيما أعلم.
14- مسند المقلِّين لدعلج بن أحمد السجستانى ( ت 351 ه ) وهو مطبوع في جزء صغير. 1
وهناك مسانيد أخرى في عداد المفقودات من تراثنا العلمى منها: مسند مسدد بن مسرهد ( ت 228 ه )، ومسند محمد بن يحيى بن أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: المزيد من المعلومات عن هذه المسانيد في كتاب "إسحاق بن راهويه وكتابه المسند" للدكتور عبد الغفور البلوشي، فجزاه الله عني خيراً.

ص -104- عمر العدني ( ت 243 ه )، ومسند أحمد بن منيع أبو جعفر البغوي ( ت 244 ه )، وكذلك المسند المصنَّف الذي لم يصنف مثله للحافظ بقي بن مخلد القرطبي ( ت 276 ه ) وقد رتبه مؤلفه - رحمه الله - على الأبواب داخل مسند كلِّ صحابى ليسهل بذلك على طلبة العلم الوقوف على الحديث في مسنده، وقد كتب عنه الأستاذ الدكتور أكرم العمري دراسة جيدة في كتابه "بقى بن مخلد ومقدمة مسنده، دراسة وتحقيق".
تنبيه:
1- هناك كتب مرتبة على أسماء الصحابة على طريقة المسانيد، ولم يسمها أصحابها مسانيد من ذلك مثلاً:
أ) المعجم الكبير للطبرانى.
ب) العلل للدارقطني وغيرهما
2- وهناك كتب ذكرت في عداد كتب المسانيد وهى ليست مرتبة على المسانيد ولا على الأبواب، مثل: "مسند علي بن الجعد" المطبوع في مجلدين، و "مسند يحيى بن معين"، و "مسند السرَّاج" ونحوهما.
4- دراسة موجزة عن نموذج من كتب المسانيد:
النموذج: مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.
مؤلفه: شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة والإمام القدوة المجمع على جلالة قدره وعلو شأنه من الموافق

ص -105- والمخالف، أبو عبد الله أحمد بن محمد الذهلي الشيباني المولود سنة ( 164 ه ) والمتوفى سنة ( 241 ه ). 1 كتاب المسند:
طريقة ترتيبه:

رتبه - رحمه ا لله - على قدر سابقة الصحابي في الإسلام ومحله من الدين، فبدأ بالعشرة الخلفاء على غيرهم، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبة.وهكذا.
مكانة هذا المسند:
قال حنبل: "جَمَعَنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبدالله وقرأ علينا "المسند" - وما سمعه غيرنا - وقال: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف، وما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة".
قال الإمام الذهبي: "هذا القول منه على غالب الأمر وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحاح والسنن والأجزاء وما هي في "المسند"، وقدَّر الله تعالى أن الإمام قطع الرواية قبل تهذيب "المسند" وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فتجد في الكتاب أشياء مكررة ودخول مسند في مسند، وسند في سند وهو نادر".
وقال أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: "وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقى من حديث كثير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أفرد كثيرٌ من الأئمة ترجمة الإمام أحمد في مؤلفٍ مستقل، وممن أفرده: الإمام ابن الجوزي، والإمام الذهبي وغيرهما، كما ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ترجمة طويلة، انظر: السير 11 / 177 – 357.

ص -106- ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجئاً ومستنداً". 1
عدد أحاديث المسند:
قال الحافظ أبو موسى المديني: "فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق القزاز – بزايين - ببغداد قال: حدثنا أبو بكر الخطيب قال: حدثنا ابن المنادي قال: لم يكن أحد في الدنيا أروى عن أبيه منه -يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل- لأنه سمع "المسند" وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير وهو مائة وعشرون ألفاً.الخ.
فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر، فيصلح القولان جميعاً الخ". 2
ويذكر أبو موسى – أيضاً - عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد الأسدي في كتابه "مناقب الإمام أحمد" أنه سمع أبا بكر بن مالك 3 يذكر أن جملة ما وعاه "المسند" أربعون ألف حديث غير ثلاثين أو أربعين. 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: المصعد الأحمد لابن الجزري المطبوع في مقدمة المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر 1 / 31 – 33.
2 شمس الدين ابن الجزري: المصعد الأحمد ص: 32 – 33 من مقدمة أحمد شاكر للمسند، ولأبي موسى المديني كتاب عن مسند الإمام أحمد اسمه "خصائص المسند" وهو مطبوع في مقدمة المسند بتحقيق أحمد شاكر، وقد طبع مفرداً مراراً في الهند ومصر وغيرهما.
3 هو أحمد بن جعفر بن مالك القطيعي، راوية المسند عن عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعاً.
4 شمس الدين ابن الجزري: المصعد الأحمد ص: 32 – 33 من مقدمة المسند لأحمد شاكر.

ص -107- عدد الصحابة المخرجة مسانيدهم في المسند:
قال أبو موسى: "فأما عدد الصحابة فنحو سبعمائة رجل ومن النساء مائة ونيف" 1
وقال ابن الجزرى: "قد عددتهم فبلغوا ستمائة ونيفاً وتسعين سوى النساء، وعددت النساء فبلغن ستاً وتسعين، واشتمل "المسند" على نحو ثمانمائة من الصحابة، سوى ما فيه ممن لم يسم من الأبناء والمبهمات وغيرهم". 2
شرط الإمام أحمد:
قال الحافظ أبو موسى المديني: "لم يخرج أحمد في "مسنده" إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته". 3
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: "شرط "المسند" أقوى من شرط أبي داود في "سننه"، وقد روى أبو داود في "سننه" عن رجال أعرض عنهم أحمد في "المسند"، ولهذا كان الإمام أحمد لايروي في "المسند" عمن يعرف أنه يكذب مثل محمد بن سعيد المصلوب ونحوه، ولكن قد يروي عمن يُضَعَّف لسوء حفظه، فإنه يكتب حديثه ليعتضد به ويعتبر به". 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شمس الدين ابن الجزري: المصد الأحمد 1 / 34 – 35 من المسند بتحقيق أحمد شاكر.
2 المصدر السابق.
3 انظر: المصعد الأحمد المطبوع في مقدمة المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر 1 / 34.
4 أبو العباس بن تيمية: الفتاوى 18 / 26، ابن الجزري: المصعد الأحمد ص: 34 – 35 من مقدمة أحمد شاكر للمسند.

ص -108- درجة أحاديث المسند:
قال الحافظ أبو القاسم التميمي رحمه ا لله: "لا يجوز أن يقال: فيه السقيم، بل فيه الصحيح والمشهور والحسن والغريب". 1
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: "وقد تنازع الناس هل في "مسند الإمام أحمد" حديث موضوع، فقال طائفة من الحفاظ كأبي العلاء الهمداني وغيره: ليس فيه موضوع، وقال بعض العلماء كأبى الفرج ابن الجوزي: فيه موضوع". 2
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا خلاف بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ الموضوع قد يراد به: المختلق المصنوع الذي يتعمد صاحبه الكذب، وهذا مما لا يعلم أن في "المسند" منه شيئاً، ويراد بالموضوع: ما يعلم انتفاء خبره، وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب بل أخطأ فيه، وهذا الضرب في "المسند" منه، بل وفي "سنن أبي داود والنسائي". 3
وقال الحافظ في مقدمة "تعجيل المنفعة": "ليس في "مسند أحمد" حديثاً لا أصل له إلا ثلانة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف: أنه يدخل الجنة زحفاً، والاعتذار عنه أنه مما أمر الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شمس الدين ابن الجزري: المصعد الأحمد ص: 34 – 35 من مقدمة المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
2 شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى 18 / 26، شمس الدين ابن الجزري: المصعد الأحمد ص:34 – 35 من مقدمة المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
3 المصدر السابق.

ص -109- أحمد بالضرب عليه فترك سهواً".
أقسام أحاديث المسند المطبوع:
قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتى: "بتتبعي لأحاديث "المسند" وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: ما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه سماعاً منه، وهو المسمى "مسند الإمام أحمد"، وهو كبير جداً يزيد على ثلاثة أرباع الكتاب.
الثاني: ما رواه عبد الله عن أبيه وغيره، وهو قليل جداً.
الثالث: ما رواه عبد الله عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا الأول.
الرابع: ما قرأه عبد الله على أبيه ولم يسمعه منه، وهو قليل.
الخامس: ما وجده عبد الله في كتاب أبيه بخط يده، ولم يقرأه ولم يسمعه، وهو قليل أيضاً.
السادس: ما رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه - رحمهما الله تعالى - وهو أقل الجميع". 1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي: الفتح الرباني 1 / 8.


ص -110- عناية العلماء بالمسند:
1- رتبه على معجم الصحابة والرواة عنهم كترتيب كتب الأطراف الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت.
2- أخذ الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير - رحمه ا لله تعالى - كتاب "المسند" بترتيب ابن المحب الصامت، وضم إليه "الكتب الستة"، و "مسند البزار"، و "مسند أبي يعلى الموصلي"، و "معجم الطبراني الكبير"، ورتبها جميعاً على نفس ترتيب ابن المحب للمسند، وسماه: "جامع المسانيد والسنن".
قال ابن الجزري: "وجهد نفسه كثيراً وتعب فيه تعباً عظيماً فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله لأنه عوجل بكفِّ بصره، وقال لي رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج يُنَوْنِص 1 حتى ذهب بصري معه 2، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل، فإن "معجم الطبراني الكبير" لم يكن فيه شىء من مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه". 3
3- رتبه الحافظ ابن حجر أيضاً على الأطراف وسماه: "إطراف



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النوص – بالتحريك – هو التردد والحركة الضعيفة، انظر: تاج العروس 4 / 443 – 444.
2 هكذا فلتكن الهمم في خدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهكذا يبذل في سبيل خدمتها الغالي والنفيس كما كان يفعل سلف الأمَّة رحمهم الله، ورحم الله ابن كثير رحمة واسعة، وعوَّضه عن حبيبته بالجنة، وحشرنا الله وإياه مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
3 أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي: الفتح الرباني 1 / 8.

ص -111- المسند - بكسر النون وضم الميم - المعتلي بأطراف المسند الحنبلي" 1، ثم ضمه أيضاً مع الكتب العشرة في كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة".
4- ترجم لرجاله الحافظ شمس الدين الحسيني في كتابه "الإكمال بمن في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال للمزي".
ثم ترجم لرجاله أيضاً ضمن كتابه "التذكرة برجال العشرة" وهي "الكتب الستة"، و "موطأ مالك"، و "مسند أحمد"، و "مسند الشافعى"، و "مسند أبي حنيفة"، وقد اختصره الحافظ في "تعجيل المنفعة"، مقتصراً على رجال الأربعة.
5- رتبه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتى على الكتب والأبواب ليسهل بذلك على طلبة العلم الاستفادة من المسند وسماه "الفتح الربانى بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم عاد وشرحه وخرج أحاديثه في كتاب سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"، وكلاهما مطبوع.
6- اعتنى بهذا المسند أيضاً الشيخ أحمد بن محمد شاكر - رحمه الله تعالى - فشرح غريبه وحكم على أحاديثه صحة وضعفاً بما أوصله إليه اجتهاده، ثم صنع له فهارس قسمها - رحمه الله تعالى - إلى قسمين: فهارس لطيفة كفهارس الأعلام ونحوها، وفهارس علمية كتلك التي صنعها في "الرسالة" للشافعي، وقد توفي - رحمه الله تعالى - قبل أن يكمله إذ بلغ الربع تقريباً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 طبع في عشر مجلدات بتحقيق د: زهير بن ناصر الناصر.

ص -112- هذه أهم الجهود التي وقفت عليها، وهناك جهود أخرى اعتنت ب "المسند" من حيث مكانته وأهميته وبيان درجة أحاديثه من أهمها:
[1] خصائص المسند لأبي موسى المديني.
[2] المصعد الأحمد.
[3] المسند الأحمد كلاهما لشمس الدين ابن الجزري.
[4] القول المسدد في الذب عن مسند أحمد للحافظ ابن حجر - رحمه ا لله - وغير ذلك.

ص -113- الفصل الثاني: الكتب الستة
قال الحافظ أبو الحجاج المزي ( ت 742 ه ): "وأما السُّنَّة فإن الله وفق لها حفاظاً عارفين وجهابذة عالمين وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة وضروب عديدة حرصاً على حفظها وخوفاً من إضاعتها، وكان من أحسنها تصنيفاً وأجودها تأليفاً وأكثرها صواباً وأقلها خطأً، وأعمها نفعاً، وأعودها فائدة وأعظمها بركة، وأيسرها مؤونة، وأحسنها قبولاً، عند الموافق والمخالف، وأجُّلها موضعاً عند الخاصة والعامة: "صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري"، ثم "صحيح أبي الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري"، ثم بعدهما كتاب "السنن" لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثم كتاب"الجامع" لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ثم كتاب "السنن" لأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ثم كتاب "السنن" لأبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه القزويني وإن لم يبلغ درجتهم.
ولكل واحد من هذه "الكتب الستة" ميزة يعرفها أهل هذا الشأن، فاشتهرت هذه الكتب بين الأنام وانتشرت في بلاد الإسلام، وعظم الانتفاع بها وحرص طلاب العلم على تحصيلها، وصُنِّفت فيها

ص -114- تصانيف وعُلِّقت عليها تعاليق، بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من المتون وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد، وبعضها في مجموع ذلك". 1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تهذيب الكمال 1 / 147.

ص -115- أولاً: صحيح الإمام البخاري
1- المؤلف:
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب التصانيف الكثيرة، كان مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، مات سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة. 1
2- اسم الكتاب:
اشتهر بين العلماء ب "صحيح البخاري" أما اسمه كما وضعه مؤلفه، فقال الإمام يحيى بن شرف النووي: "سماه: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". 2
وقال الحافظ ابن حجر: "سماه: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". 3

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: تفاصيل ترجمته في سير أعلام النبلاء 12 / 391، وآخر فصل في هدي الساري لابن حجر.
2 قال في مقدمة تحفة الأحوذي 1 / 34: "والجامع في اصطلاح المحدِّثين: ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث: [1 ] العقائد [2 ] الأحكام [ 3 ] الرقائق والزهد [4] الآداب [5] التفسير [6] التاريخ والمغازي [7] الفتن وأشراط الساعة [8] المناقب والفضائل.
3 انظر: هدي الساري لابن حجر، الفصل الأول.

ص -116- 3- الباعث على تأليفه:
أ- قال الحافظ ابن حجر: "لما رأى البخاري تلك التصانيف التي ألفت قبل عصره، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يقال لغَثِّه: سمين، فحرَّك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين".
ب- وقال: "وقوي عزمه ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه، إسحاق بن راهويه، حيث قال: لو جمعتم كتاباً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح".
ج- وقال الحافظ أيضاً: "ورُوِّينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأني بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب فهو الذي حملني على إخراج الجامع". 1
4- موضوعه والكشف عن مغزاه فيه:
قال الحافظ: "تقرر أنه التزم الصحة، وأنه لا يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه الجامع الصحيح، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحاً، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: هدي الساري لابن حجر ص: 6 الفصل الأول.

ص -117- معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة". 1
وقال محيي الدين النووي: "ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها". 2
5- تراجم البخاري في صحيحه:
قال أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال: "شهدت عدة مشايخ يقولون: حوَّل البخاري تراجم جامعه - أي بيَّضها - بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين". 3
قال الحافظ: "ولنذكر ضابطاً يشمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي ظاهرة وخفية، أما الظاهرة: فهي أن تكون الترجمة دالَّة بالمطابقة لما يورد في مضمونها...وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أوبمعناه، وهذا في الغالب.
وأما الخفية: وهي التي لا تدرك مطابقتها لمضمون الباب إلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحافظ ابن حجر: هدي الساري – الفصل الثاني ص: 8 – 14 ملخَّصاً بتصرف.
2 المصدر السابق.
3 المصدر السابق.

ص -118- بالنظر الفاحص والتفكير الدقيق وهذا الموضع هو معظم ما يُشْكِل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثاً على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان.وكثيراً ما يفعل هذا حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضع آخر متقدماً أو متأخراً". 1
6- بيان تقطيعه للحديث وفائدة إعادته:
قال ابن حجر: "قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي - في جزء له سماه "جواب المتعنت" -: اعلم أن البخاري - رحمه الله - كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسنادٍ آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذى أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ نذكرها، والله أعلم بمراده منها ثم سرد ثمانية معانٍ لا يتسع المقام لذكرها هنا".
ثم قال: "وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعداً فإنه يعيده بحسب ذلك مراعياً مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، كأن يورده عن شيخ سوى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المصدر السابق.

ص -119- الذي أخرجه عنه قبل ذلك، أو يورده في موضع موصولاً وفي موضع معلقاً، ويورده تارة تاماً، وتارة مقتصراً على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملاً على جملٍ متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة في باب مستقل فراراً من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه"1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ملخَّصاً بتصرف من الفصل الثالث من هدي الساري ص: 15.

ص -120- 7- شرط الإمام البخاري في صحيحه:
قال الحافظ ابن طاهر: "اعلم أن البخاري ومسلم ومن ذكرنا بعدهم - أهل السنن - لم ينقل عن أحد منهم أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم".
ثم قال: "فاعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع،...إلا أن مسلماً أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبى الزبير المكي، والعلاء بن عبدالرحمن وغيرهم". 1
وقال الحازمي: "ومذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول، وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضاً، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات" ثم ضرب لذلك مثلاً بالإمام الزهري وطبقات الرواة عنه. 2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 محمد بن طاهر المقدسي: شروط الأئمة الستة ص: 11 –12، وهؤلاء المذكورون لم يخرج مسلم من حديثهم إلا ما تابعهم غيرهم عليه.
2 محمد بن موسى الحازمي: شروط الأئمة الخمسة ص: 56 – 61.

ص -121- 8- عناية العلماء بصحيح البخاري:
ليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن المسلمين على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم لم يعنوا بكتاب بعد كتاب الله عنايتهم ب "صحيح البخارى" من حيث السماع والرواية والضبط والكتابة، وشرح أحاديثه وتراجم رجاله، واختصاره وتجريد أسانيده 1، ولا غرابة في ذلك فهو أصح كتاب بعد كتاب الله.
قال الحافظ: "ذكر الفربري أنه سمعه منه تسعون ألفاً"، وقال: "ومن رواة الجامع أيضاً: أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قريبة البزدوي، وابراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الفسوي.والرواية التي اتصلت بالسماع في هذه الأعصار وما قبلها هي رواية: محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري". 2
هذا بالنسبة لروايته وسماعه، وأما شروحه والتعليق عليه ونحوه، فقد قام به العلماء - قديماً وحديثاً - حق القيام بحيث لم يدعوا أمراً يرتبط به إلا بحثوه وتعرضوا له، ولا مُشْكِلاً من ألفاظه وأسمائه وتراجمه إلا بيَّنوه وأذهبوا الشُبَهَ عنه. 3
وقد بلغت شروحه المخطوطة والمطبوعة: إحدى وسبعين شرحاً حسب إحصاء الأستاذ عبد الغني بن عبد الخالق - رحمه الله تعالى - وحسب إحصائه أيضاً بلغت التعليقات والمختصرات وما جرى مجراها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عبد الغني عبد الخالق: الإمام البخاري وصحيحه ص: 228 – 245
2 أحمد بن علي بن حجر: هدي الساري ص: 491 – 492.
3 عبد الغني بن عبد الخالق: الإمام البخاري وصحيحه ص: 228 – 245.

ص -122- أربعة وأربعين تعليقاً ومختصراً ما بين مخطوط ومطبوع. 1
ومن أهم شروح البخاري المطبوعة:
1- أعلام السنن للخطابي أبي سليمان حمد بن محمد البستي ( ت 388 ه ).
2- الكوكب الدراري في شرح صحيح البخاري للحافظ شمس الدين محمد بن يوسف المعروف بالكرماني ( ت 786 ه ).
3- فتح الباري للحافظ ابن حجر ( ت 852 ه )، وهو أهم شروحه وأجودها، وصدق فيه قول الشيخ الشوكانى: "لا هجرة بعد الفتح". 2
4- عمدة القاري للحافظ بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد الحنفي الشهير بالعيني ( ت 855 ه ).
5- إرشاد الساري لشهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بالقسطلانى ( ت 923 ه ).
6- فيض الباري للشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي ( ت 1352 ه ).
7- لامع الدراري للحاج رشيد أحمد الكنكوهي، وغير ذلك من الشروح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المصدر السابق.
2 الإمام البخاري وصحيحه لعبد الغني بن عبد الخالق ص: 230.

ص -123- أما العناية برجاله: فقد بدأ ذلك مبكراً، حيث ألف الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي ( ت 365 ه ) كتاباً سماه "من روى عنه البخاري"، ثم تتابع التأليف في ذلك، ومن أهم تلك الكتب ما يلى:
1- الهداية والإرشاد لأبى نصر أحمد بن محمد الكلاباذي ( ت 398 ه ).
2- التعديل والتجريح لمن أخرج له البخاري في الصحيح لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي ( ت 474 ه ).
3- الجمع بين رجال الصحيحين لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي ( ت 507 ه ).
ثم ظهرت بعد ذلك الكتب التي تعنى برجال الأئمة الستة جميعاً ومنها:
1- الكمال في أسماء الرجال للحافظ عبد الغني المقدسي.
2- تهذيب الكمال للحافظ المزي ( ت 742 ه ) ثم ما تفرع منه. 1
9- عدد أحاديث صحيح البخاري:
قال الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح: "وجملة ما في صحيح البخاري سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المكررة، وقد قيل أنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث، إلا أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: أكرم العمري: بحوث في تاريخ السنة ص: 123 – 126.

ص -124- هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عَدَّ الحديث الواحد المروي بالإسنادين حديثين". 1
وقال الحافظ أبو الفضل شهاب الدين بن حجر: "فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان.
ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع مائة وتسعة وخمسون حديثاً، فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة وواحد وستون حديثاً، وبين هذا العدد الذى حررته والعدد الذي ذكره ابن الصلاح وغيره تفاوت كثير وما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك، ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العادُّ الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولاً في موضع ومختصراً في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول، إما لبعد العهد به أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير، وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين، والله الموفق". 2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن الصلاح: علوم الحديث ص: 16 – 17.
2 ابن حجر: هدي الساري ص: 477.

ص -125- ثانياً: صحيح الإمام مسلم
1- المؤلف:
هو الإمام الحافظ الناقد أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد في سُّنَّة أربع ومائتين، ومات سُّنَّة إحدى وستين ومائتين للهجرة. 1
2- اسم الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب بين العلماء باسم "صحيح مسلم".
قال ابن الصلاح: "رُوِّينا عن مسلم رضي الله عنه قال: صنفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".
وقال ابن الصلاح أيضاً: "بلغنا عن مكى بن عبدان قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند" يعني مسنده الصحيح. 2
3- الباعث له على تأليفه:
تولى الإمام مسلم بيان أسباب تأليفه لهذا "المسند الصحيح" في مقدمته حيث ذكر أن السبب الباعث له على ذلك أمران: 3

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: تفاصيل ترجمته في سير أعلام النبلاء 12 / 557.
2 أبو عمرو ابن الصلاح: صيانة صحيح مسلم ص: 67 – 68.
3 مسلم بن الحجاج: مقدمة الصحيح ص: 3 – 4.

ص -126- الأول: إجابة لسؤال أحد تلاميذه حيث قال في مقدمته: "ثم إنا- إن شاء الله - مبتدؤون في تخريج ما سألت تأليفه على شريطة سوف أذكرها لك".
الثاني: كثرة ما أُلِّف وقُذِف به إلى الناس من الكتب المملؤة بالضعاف والمناكير والواهيات حيث قال في مقدمته: "ولكن من أجل ما أعلمناك من أن نشر القوم الأخبار بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها، خَفَّ على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت".
4- منهج الإمام مسلم في صحيحه:
تولى - رحمه الله - بيان منهجه الذي سار عليه في كتابه بنفسه
في مقدمته فقال: "ثم إنا - إن شاء الله - مبتدؤون في تخريج ما سألت تأليفه على شريطة سوف أذكرها لك وهو: أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد لعلَّة تكون هناك ؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن ولكن تفصيله ربما عسر من جملته، فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم".

ص -127- وقال: "فأما ما وجدنا بُدَّاً من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.
فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هى أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، وأن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوه، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم.
فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم من حمَّال الآثار ونقَّال الأخبار فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين ؛ فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سَنِيَّة". 1
ثم قال - رحمه الله تعالى -: "فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤَلِّف ماسألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ما كان منها عن القوم هم عند أهل الحديث مُتَّهمون - أو عند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مقدمة صحيح الإمام مسلم 1 / 4 – 7.

ص -128- الأكثر منهم - فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبدالقدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن ابراهيم، وسليمان بن عمرو، وأبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتُّهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك مَنْ الغالب على حديثه المنكر والغلط أمسكنا أيضاً عن حديثهم.
وعلامة المنكر في حديث المحدِّث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله". 1
5- شرط الإمام مسلم في صحيحه:
تقدم الكلام على ذلك عند الكلام على شرط البخاري في صحيحه وفيما ذكرناه في الفقرة السابقة - منهجه في صحيحه - شىء من ذلك فليراجع هناك.
6- هل في صحيح الإمام مسلم معلقات؟
قال الحافظ أبو عمر بن الصلاح: "ليس في مسلم من المعلقات إلا القليل … وذكر الحافظ أبو على الغسانى الأندلسي أن مسلماً وقع الانقطاع فيما رواه في كتابه في أربعة عشر موضعاً". 2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من مقدمة الصحيح 1 / 4 – 7 بتصرف يسير.
2 أبو عمرو بن الصلاح: صيانة صحيح مسلم ص: 76.

ص -129- وذكر الحافظ العراقي كلام ابن الصلاح ثم قال: "وفيه أمور: أحدهما: أن قوله: وهو في مسلم قليل جداً هو كما ذكر، ولكني رأيت أن أبيِّن موضع ذلك القليل ليضبط"، ثم ذكر ثلاثة مواضع: الأول في كتاب التيمم، والثاني في البيوع، والثالث في الحدود...وكلها بصيغة وروى الليث.
ثم قال: "والحديثان الأخيران - في البيوع والحدود - قد رواهما مسلم قبل هذين الطريقين متصلاً ثم أعقبهما بهذين الإسنادين، فعلى هذا ليس في مسلم بعد المقدمة حديث معلق لم يوصله إلا حديث أبي الجهم في التيمم، وفيه بقية أربعة عشر موضعاً رواه متصلاً ثم أعقبه بقوله: ورواه فلان، وقد جمع الرشيد العطار ذلك في "الغرر المجموعة"، وقد بينت ذلك كله في كتاب جمعته فيما تكلم فيه من أحاديث الصحيحين بضعفٍ أو انقطاع". 1
وقال الحافظ ابن حجر تعقيباً على كلام الحافظ العراقي: "فيه أمور:
الأول: قوله: فيه بقية أربعة عشر موضعاً ليس فيه عند الرشيد العطار إلا ثلاث عشر أحدهما مكرر، والذي أوقع الشيخ في ذلك أن أبا علي الجياني - وتبعه المازري - ذكر أنها أربعة عشر.
والثاني: قوله: إنه رواه متصلاً ثم أعقبه بقوله: ورواه فلان ليس ذلك في جميع الأحاديث المذكورة، وإنما وقع ذلك فيه في ستة أحاديث ثم ذكرها الحافظ ثم ذكر السبعة الباقية بما فيها المكرر ثم قال: فعلى هذا فهي إثنا عشر حديثاً فقط ستة منها بصيغة التعليق، وستة منها بصيغة الاتصال، ولكن أبهم في كل واحد منها اسم من حدَّثه، فكان حق العبارة أن يقول: وفيه بقية ستة مواضع أخرى قيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي: التقييد والإيضاح ص: 15 ملخَّصاً.

ص -130- إنها منقطعة وليست بمنقطعة كما هو رأي الجمهور من المحدِّثين في الإسناد فيه رجل مبهم، إنه متصل فيه مبهم". 1
7- عدد أحاديث صحيح مسلم:
قال الحافظ العراقي: "ولم يذكر ابن الصلاح عدة أحاديث مسلم، وقد ذكرها النووي في زياداته في "التقريب" فقال: إن عدة أحاديثه نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر. 2 ولم يذكر عدته بالمكرر وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه، وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه إثنا عشر ألف حديث. 3
8- عناية العلماء بصحيح مسلم:
لم يعتن العلماء بكتاب بعد كتاب الله عنايتهم بالصحيحين، وقد سبق الكلام عن عنايتهم بالبخاري، وبدأ عناية العلماء بهما في وقت مبكر حيث ظهر في القرنين الرابع والخامس كتب تراجم رجالهما وكتب الجمع بينهما، وكتب الاستخراج عليهما وغير ذلك، وسيأتي الكلام على ذلك في الباب الرابع بإذن الله تعالى.
وقد اعتنى العلماء بصحيح مسلم رواية وإسماعاً إلا أنه اتصلت واشتهرت الروايات في الأعصار المتأخرة لصحيح مسلم برواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه الزاهد المجتهد راوية صحيح مسلم، مات سنة ( 308 ه ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر: النكت 1 / 344 – 353.
2 جلال الدين السيوطي: تدريب الراوي المطبوع بهامش: التقريب والتيسير 1 / 104.
3 أبو الفضل عبد الرحيم العراقي: التقييد والإيضاح ص: 15، وأبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء 12 / 566، وقد ذكر الحافظ ابن الصلاح عدد أحاديث مسلم وذلك في كتابه: صيانة صحيح مسلم ص: 99 – 100.

ص -131- ومن أهم شروح مسلم ما يلي:
1- المفهم في شرح مسلم لعبدالغافر بن إسماعيل الفارسي ( ت 529 ه ).
2- المعلم في شرح مسلم لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري المالكي ( ت 536 ه ).
3- إكمال المعلم بفوائد شرح صحيح مسلم للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي ( ت 544 ه ).
4- شرح صحيح مسلم لأبي عمرو بن عثمان بن الصلاح ( ت 643 ه ).
5- المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبى زكريا يحيى بن شرف النووي ( ت 676 ه ).
6- إكمال الإكمال لأبي الروح عيسى بن مسعود الزواوي المالكي ( ت 744 ه ).
وغير ذلك من الشروح التي بلغت – فيما وقفت عليه - قريباً
من خمسين شرحاً ومختصراً. 1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مقدمة تحقيق كتاب صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح – بقلم الدكتور موفق بن عبد الله.

ص -132- ثالثاً: سنن أبي داود السجستاني
1- المؤلف:
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني الإمام، شيخ السُّنَّة، مقدم الحفاظ، ومحدث البصرة، المولود سنة ( 202 ه ) والمتوفى سنة ( 275 ه ). 1
2- اسم كتاب أبي داود:
اشتهر بين العلماء ب "السنن" 2، ويبدو أن المؤلِّف نفسه سمَّاه بهذا حيث قال في رسالته إلى أهل مكة: "فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب "السنن" أهي أصح ما عرفت في الباب"، وقال في موضع آخر من الرسالة أيضاً: "وإن من الأحاديث في كتابي "السنن" ما ليس بمتصل وهو مرسل".
3- منهج أبي داود في كتاب السنن:
جاء في رسالته إلى أهل مكة قوله: "فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب "السنن" أهي أصح ما عرفت في الباب فاعلموا أنه كذك كله إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، أحدهما أقوم إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر تفاصيل ترجمته في: سير أعلام النبلاء 13 / 203.
2 قال في الرسالة المستطرفة ص: 32: "كتب السنن التي تعرف في اصطلاحهم بالكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة إلى آخرها، وليس فيها شيءٌ من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة، ويسمى حديثاً ".

ص -133- - أي الأقدم حفظاً - ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته، وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل لأنى لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك … وليس في كتاب "السنن" الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شيء 1، وإذا كان فيه حديث منكرٌ بيَّنت أنَّه منكر وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديدٌ فقد بيَّنته، ومنه ما لا يصح سنده، ومالم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ، وبعضها أصح من بعض". 2
4- شرط أبي داود وغيره من أصحاب السنن:
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر: "وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلائة أقسام:
الأول: صحيح، وهو جنس ما في الصحيحين.
الثاني: صحيح على شرطهم - أصحاب السنن – وقد حكى أبو عبدالله بن منده: إن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعل المراد المجمع على تركه، وإلا فقد وجد فيه بعض المتروكين ممن لم يجمع على تركه.
2 راجع رسالة أبي داود إلى أهل مكة وهي رسالة صغيرة، طبعت بتحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ.

ص -134- باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال.
الثالث: أحاديث أخرجوها للضدِّيَّة في الباب المتقدم وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة، فإن قيل: لما أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم، فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبه.
الثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم - رضى الله عنهما - على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة.
الثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم مع علمهم أن ذلك ليس بدليل فكان فعلهم هذا كفعل الفقهاء. 1
5- آراء العلماء فيما سكت عنه أبو داود:
قال ابن الصلاح: "ما وجدناه في كتاب أبي داود مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ على صحَّته أحدٌ ممن يميز بين الصحيح والحسن عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره". 2
ويرى الحافظ العراقى أن قوله: فهو صالح، يجوز أن يكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 محمد بن طاهر: شروط الأئمة الستة ص: 13 – 16.
2 ابن الصلاح: علوم الحديث ص: 33.

ص -135- صحيحاً، ويجوز أن يكون حسناً عند من يرى الحسن رتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، ولم ينقل لنا عن أبي داود هل يقول بذلك، أيرى ما ليس بضعيف صحيحاً، فكان الأولى بل الصواب أن لا يرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أنَّ رأيه هو الثانى ويحتاج إلى نقل. 1
وقال الحافظ ابن حجر: "ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحى بل هو على أقسام:
1- منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2- ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3- ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان
كثيرٌ في كتابه جداً.
4- ومنه ما هو ضعيف ولكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً، وكل هذه الأقسام عنده تصلح للإحتجاج بها. 2
وقال الحافظ محي الدين النووي: "والحق أن ما وجدناه في سننه مالم يبيِّنه ولم ينص على صحته أو حسنه أحدٌ ممن يعتمد فهو حسن، وإن نصَّ على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له حكم بضعفه، ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحافظ العراقي: التقييد والإيضاح ص: 40.
2 الحافظ ابن حجر: النكت 1 / 435.

ص -136- قال ابن حجر - معقباً - على هذا الكلام: "وهذا هو التحقيق". 1
6- عناية العلماء بسنن أبي داود:
اعتنى العلماء بهذا الكتاب كما اعتنوا بغيره من الكتب الستة وغيرها إلا أننا نجد أن عنايتهم به فاقت غيره من السنن، فجاء بعد مرتبة الصحيحين في العناية خاصة عند المشتغلين بالفقه لما حواه هذا الكتاب من السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة، واختصروه وعلَّقوا عليه، كما ترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة.
هذا ومن أهم شروحه:
1- شرح معالم السنن لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن ابراهيم الخطابى ( ت 388 ه ).
2- مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للحافظ السيوطي ( ت 911 ه ).
3- فتح الودود على سنن أبي داود لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي ( ت 139 ه ).
4- عون المعبود شرح سنن أبي داود للشيخ شمس الحق العظيم أبادي ( ت 329 ه ).
5- بذل المجهود في حلِّ أبي داود للشيخ خليل أحمد السهارنفوري ( ت 1346 ه ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المصدر السابق 1 / 444.

ص -137- رابعاً: جامع أبي عيسى الترمذي
1- المؤلِّف:
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ العلم البارع صاحب التصانيف الكثيرة، قال أبو عبدالله الذهبي: "الصواب أنه أضرَّ في كبره بعد رحلته وكتابته العلم" 1 المولود في سنة ( 209 ه ) والمتوفى سنة ( 279 ه).
2- اسم كتاب الترمذي:
قال في مقدمة تحفة الأحوذي: "قال صاحب كشف الظنون: "قد اشتهر جامع الترمذي بالنسبة إلى مؤلِّفه، فيقال: جامع الترمذي"، وقال – أيضاً -: "لقد أطلق الحاكم والخطيب عليه الجامع الصحيح، ويقال له أيضاً: سنن الترمذي". 2
3- رتبة جامع الترمذي بين الكتب الستة:
قال أبو عيسى: "صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خرسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء 13 / 270.
2 عبد الرحمن المباركفوري: تحفة الأحوذي، الباب الثاني، الفصل الخامس والثامن من المقدمة 1 / 179 – 181.

ص -138- بيته نبي يتكلم". 1
وقال صاحب كشف الظنون: "الجامع الصحيح لأبي عيسى الترمذي، هو ثالث الكتب الستة". 2
وقال الذهبي: "انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائى لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما". 3
وقال صاحب التحفة: "ويفهم من رمز تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب والتقريب وتذكرة الحفاظ أن رتبة جامع الترمذي بعد سنن أبي داود وقبل النسائي". 4
وذهب صاحب "التحفة" إلى ما ذهب إليه صاحب "كشف الظنون" من جعله ثالث الكتب الستة.
4- منهج أبي عيسى الترمذي في جامعه:
رتب أبو عيسى الترمذي كتابه على الأبواب على طريقة الجوامع الشاملة للأحكام وغيرها، وكل باب من أبواب الترمذي يحمل عنوان المسألة أو الحكم الذى روى الترمذي الحديث من أجله، ويورد في الباب حديثاً أو أكثر ثم يتبع ذلك بآراء الفقهاء في المسألة وعملهم بذلك الحديث تصحيحاً وتحسيناً وتضعيفاً ؛ ويتكلم على درجة الإسناد ورجاله وما اشتمل عليه من العلل، ويذكر ما للحديث من الطرق،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: تذكرة الحافظ 2 / 634، وتهذيب التهذيب 9 / 389.
2 حاجي خليفة: كشف الظنون 1 / 559.
3 السيوطي: تدريب الراوي 1 / 171.
4 انظر: التحفة 1 / 179 الفصل الخامس من الباب الثاني من المقدمة.

ص -139- ثم إن كان هناك أحاديث أخرى تناسب الترجمة فإنه يشير إليها بقوله: "وفي الباب عن فلان، وفلان" من الصحابة. 1
5- شرط أبي عيسى الترمذي في كتابه:
تقدم الكلام على طرف من ذلك في الكلام على شرط البخاري، وعند الكلام على شرط أبي داود، ونضيف هنا قول أبي الفضل ابن طاهر: "وأما أبو عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى - فكتابه على أربعة أقسام:
1- قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلم.
2- قسم على شرط الثلاثة كما بيَّنا - أبو داود والترمذي والنسائي.
3- وقسم أخرجه للضدِّيَّة وأبان عن علته، ولم يغفله.
4- وقسم رابع أبان هو عنه فقال:...ما أخرجت في كتابي
إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء وهذا شرط واسع". 2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإمام الترمذي لنور الدين عتر ص: 45 – 47.
2 شروط الأئمة الستة لابن طاهر ص: 15.

ص -140- 6- عناية العلماء بجامع الترمذي:
قال في تحفة الأحوذي: "اعلم أن لجامع الترمذي شروحاً وتعليقات ومختصرات وعليه مستخرجات".
وقد اعتنى به العلماء رواية وإسماعاً ونسخاً، كما عنوا باختلاف نسخه منذ وقت مبكر، أما رجاله فقد اعتنى بهم ضمن الكتب التي ترجمت لرجال الكتب الستة.
ومن أهم شروحه:
1- عارضة الأحوذي لأبي بكر بن العربي المالكي.
2- شرح ابن سيد الناس ولم يتمه، وأكمله الحافظ العراقي المتوفى سنة ( 806 ه ) إلا أنه لم يتمَّه أيضاً، فأتمه ابنه أبو زرعة المتوفى سنة ( 826 ه ). 1
3- شرح الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد المعروف بابن رجب الحنبلي ( ت 795 ه ).
4- تحفة الأحوذي لعبد الرحمن المباركفوري وغير ذلك من الشروح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مقدمة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم في تحقيقه للنفح الشذي لابن سيد الناس 1 / 73 – 76

ص -141- خامساً: كتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي
1- المؤلِّف:
الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي، ولد سنة ( 215 ه )، وتوفي سنة ( 303 هـ ).
قال الذهبي: "هو الحافظ شيخ الإسلام، ناقد الحديث، صاحب السنن وغيره". 1
2- اسم كتابه:
ألَّف الحافظ النسائي كتاب "السنن الكبرى" فلما عاد من رحلته إلى مصر مرَّ بفلسطين، فنزل الرملة، فسأله أميرها: "أكلُّ ما في سننه صحيح ؟ فقال: لا.فقال: جَرِّد الصحيح منه".فاختصره مقتصراً على ما يراه صحيحاً وسماه "المجتبى" بالباء الموحدة، أو "المجتنى" بالنون ويعرف أيضاً
ب "السنن الصغرى". 2
3- منهج النسائي في سننه وآراء العلماء في ذلك:
قال أحمد بن محبوب الرملي: "سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع "السنن" استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: تفاصيل ترجمته في سير أعلام النبلاء 14 / 125.
2 ذكر ذلك ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول 1 / 197، ولم يذكر إسناده إلى تلك القصة، وسبقه إلى ذكرها - وبدون إسناد - ابن خير الأشبيلي في فهرسته ص: 116 – 117.
وانظر: مقدمة شرح السيوطي لسنن النسائي 1 / 3 – 5.

ص -142- منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم". 1
وقال أبو الحسن المعافري: "إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائى أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره". 2
وقال الحافظ ابن رُشيد: "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً، وكان كتابه جامعاً بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل.
وعلى الجملة فكتاب النسائي أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً ورجلاً مجروحاً، ويقاربه كتاب أبي داود والترمذي ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب.
وقال محمد بن معاوية الأحمر - الراوي عن النسائي -: كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول إلا أنه لم يبيِّن علته، والمنتخب المسمى بالمجتبي صحيح كله". 3
4- شرطه وعناية العلماء بكتابه:
تقدم الكلام على شرطه عند الكلام على شرط البخاري وكذلك أبي داود، ونقلت هناك كلام ابن طاهر والحازمي في "شروط الأئمة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مقدمة شرح السيوطي لسنن النسائي 1 / 3 – 5، ويرى الإمام الذهبي أن المنتخِب للمجتبي هو أبو بكر بن السني وليس النسائي نفسه ذكر ذلك في ترجمته في السير، لكن قد ثبتت رواية السنن الصغرى – المجتبى – عن النسائي من غير طريق ابن السني منها:
1- رواية ابنه عبد الكريم والوليد بن القاسم، ذكرهما ابن خير في فهرسته ص: 116 – 117.
2- رواية محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة 366 ه، ولها نسختان خطيتان الأولى في المكتبة السعودية بالرياض، والثانية في مكتبة البلدية بالإسكندرية، وكلاهما مصورتان بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
2 المصدر السابق.
3 الحافظ السيوطي: مقدمة شرحه للنسائي 1 / 3 – 5.

ص -143- وأما العناية به:
فقد اعتنى به العلماء كغيره من الكتب الستة، رواية وإسماعاً ونسخاً، وترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة.
أما شروحه فلم أقف على شرح له سوى "شرح السيوطي" و "حاشية السندي" وهما مطبوعان. 1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرع شيخنا الشيخ محمد المختار الشنقيطي – رحمه الله – في شرح السنن النسائي وخرج منه ثلاثة أجزاء لكنه عاجلته المنية – رحمه الله تعالى – قبل إكماله.

ص -144- سادساً: السنن للحافظ أبي عبد الله ابن ماجه
1- المؤلف:
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الحافظ الكبير الحجة المفسر، مصنف السنن والتاريخ والتفسير وغيرها، حافظ قزوين في عصره، ولد سنة ( 209 ه )، وتوفي سنة ( 272 هـ ). 1
2- اسم الكتاب:
اشتهر بين الناس باسم السنن منسوباً إلى صاحبه: سنن ابن ماجه.
3- منهجه وأراء العلماء فيه:
أول من ألحقه بالكتب الخمسة أبو الفضل محمد بن طاهر( ت 507 ه )، صاحب "شروط الأئمة الستة"، وغيره جعل مكانه "الموطأ" للإمام مالك.
وقد رتب ابن ماجه كتابه على الأبواب مشتملاً على السنن والأحكام كباقي الكتب الستة، وأخرج فيها الحديث الصحيح والحسن والضعيف، وفيه بعض المناكير والموضوعات، لكنها قليلة من أجل هذا انحطت رتبته عن الكتب الخمسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو عبد الله الذهبي: سير أعلام النبلاء 13 / 277.

ص -145- قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: "وقعت جملة أحاديث السنن لابن ماجه في ( 4341 ) حديثاً، منها ( 3002 ) حديثاً أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها ( 1339 ) حديثاً زائدة على ما جاء في الكتب الخمسة، وتنقسم إلى ( 428 ) حديثاً صحيحة الإسناد، و( 199 ) حديثاً حسنة الإسناد، و( 613 ) حديثاً ضعيفة الإسناد، و( 99 ) حديثاً واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة" 1
4- شرطه والعناية به:
تقدمت الإشارة إلى طرف من ذلك في الكلام على شرط البخاري وكذلك في الكلام على شرط أبي داود، ومن المعروف أن "سنن ابن ماجه" انحطت رتبته عن الخمسة لتساهله في أحاديث قوم من المجاهيل والمتهمين، بل وفيهم بعض الكذابين.
أما عناية العلماء به:
فقد اعتنوا به رواية وإسماعاً ونسخاً كغيره، وترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة أما الشروح فلم أقف على شيء منها سوى "حاشية السندي" و "تعليقات السيوطى"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: دراسة محمد فؤاد عبد الباقي عن سنن ابن ماجه في آخر الجزء الثاني 2 / 1519 – 1520.

خادم القران غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس