..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - كتاب الاداب لفؤاد عبد العزيز الشلهوب
عرض مشاركة واحدة
قديم 31-07-2017, 02:53 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي كتاب الاداب لفؤاد عبد العزيز الشلهوب

كتاب الآداب


تأليف : فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب



(مقدمة)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين . ثم أما بعد :
فإن من نعمة الله علينا أن أكمل لنا الدين ، وأتم لنا النعمة، وأرسل إلينا رسولاً رحيماً بأمته، فما من خير إلا ودلنا عليه ، وما من شر إلا وحذرنا منه صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، ولقد كان من جملة الخير الذي دُللنا عليه، والشر الذي حُذرنا منه، آدابٌ شملت كثيراً من أمور الدين والدنيا، فالعبادات لها آداب، ومخالطة الناس والأهل والأولاد لها آداب .
والآداب منها ما هو مستحب ومكروه، ومنها ما هو واجب ومحرم، ومنها ما هو مباح، وسوف يتضح بيانها عند قراءتها .
ومما ينبغي ذكره أن أهل العلم من السلف والخلف لم يتركوا هذا الباب دون تصنيف، بل أُلفت فيه الرسائل والكتب الكثيرة، ولعل من أشهرها زاد المعاد لابن قيم الجوزية، وكتاب الآداب الشرعية لابن مفلح، وكتاب غذاء الألباب للسفاريني ، وغيرها من المصنفات. ولقد أحببت أن ألخص كلامهم ، وأعرض تلك الآداب بأسلوب يقرب من الفهم ، متحاشياً التطويل إلا إذا اقتضى المقام ذلك .
وختاماً فإن الكمال عزيز، وبلوغه صعب المنال ، فمن وجد خللاً فليسده، ومن وجد نقصاً فليتمه، والله لا يضيع أجر المصلحين .والله المستعان، وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً ، والحمد لله رب العالمين .





وكتبه
فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب











كتاب الآداب




1-باب آداب تلاوة القرآن وما يتعلق به .

- قال تعالى :{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }
- وقال تعالى :{ أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً }
- وقال تعالى:{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها }
-وقال تعالى:{ ورتل القرآن ترتيلاً }
- وقال صلى الله عليه وسلم :(... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده..)([1]) .
-وقال صلى الله عليه وسلم:( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )([2]) .
-وقال صلى الله عليه وسلم :( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة . والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه ، وهو عليه شاق، له أجران )([3]) .

* الآداب *

1-تحري الإخلاص عند تعلم القرآن وتلاوته . لأن قراءة القرآن عبادة يبتغى بها وجه الله، وكل عمل يتقرب به إلى الله لا يتحقق فيه شرطا قبول العمل -الإخلاص والمتابعة- فهو مردود على صاحبه . قال النووي: فأول ما يؤمر به[ أي القاريء ]: الإخلاص في قراءته، وأن يريد بها وجه الله سبحانه وتعالى، وأن لا يقصد بها توصلاً إلى شيء سوى ذلك([4]) . وهذا الذي قاله النووي صحيح، فإن من القراء من يبتغي بقراءته صرف أنظار الناس إليه، والاقبال على مجلسه وتبجيله وتوقيره-نسأل الله السلامة والعافية-. وكفى القاريء زجراً أن يعلم عقوبة من تعلم القرآن لكي يقال: قاريء !. فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأُتي به فعرفه نِعمهُ فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت. ولكنك قاتلت لأن يقال جريءٌ. فقد قيل. ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن . فأُتي به . فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن . قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قاريءٌ . فقد قيل. ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار..الحديث )([5]) .
2-العمل بالقرآن . بتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والوقوف عند نهيه، والائتمار بأمره، والعمل بمحكمه ، والإيمان بمتشابهه، وإقامة حدوده وحروفه . ولقد جاء نهي شديد فيمن آتاه الله القرآن ثم لم يعمل به . ففي صحيح البخاري من حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم -الطويل- ( قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجلٍ مضطجع على قفاه، ورجل قائمٌ على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الهجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا ؟ قالا: انطلق. [ ثم فسر له ذلك صلى الله عليه وسلم فقال:] والذي رأيته يُشدخ رأسه فرجلٌ علمه الله القرآن ، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة )([6]) .
3-الحث على استذكار القرآن وتعاهده . استذكار القرآن أي: المواظبة على التلاوة وطلب ذكره. والمعاهدة، أي: تجديد العهد به بملازمته وتلاوته([7]) . فالمشتغل بحفظ كتاب الله العزيز، والحافظ له، إن لم يتعاهده بالمدارسة والاستذكار، فإن حفظه سيتعرض للنسيان، فالقرآن سريع التفلت من الصدور، ولذا وجب العناية به وكثرة مدارسته وتلاوته، وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً يبين لنا حال صاحب القرآن المعتني به والمفرط فيه . روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت )([8]) . ومن حديث أبي موسى-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عُقلها)([9]) . قال الحافظ ابن حجر -مبيناً المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم- : شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود، كما أن البعير مادام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ. وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفوراً، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة([10]) .
4-لا تقل نسيت؛ ولكن قل: أُنسيت، أو أُسقطت، أو نُسيت . ودليل ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت : ( سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنتُ أُنسيتها من سورة كذا وكذا ) وفي رواية عند مسلم :( ... لقد أذكرني آية كنت أُسقطتها من سورة كذا وكذا )([11]) . وفي حديث ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بئس مالأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسي)([12]) .
قال النووي: وفيه[ أي الحديث] كراهية قول نسي آية كذا وهي كراهة تنزيه وأنه لا يكره قول أُنسيتها وإنما نهي عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها، وقد قال الله تعالى:{ أتتك آياتنا فنسيتها } وقال القاضي عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول، أي نسيت الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه([13]) .
مسألة: ما حكم من حفظ القرآن أو شيئاً منه ثم نسيه ؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: ... فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه ورداً يومياً يساعده على ضبطه ويحول دون نسيانه رجاء الأجر والاستفادة من أحكامه عقيدة وعملاً، ولكن من حفظ شيئاً من القرآن ثم نسيه عن شغل أو غفلة ليس بآثم وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم . وبالله التوفيق([14]) .
5-وجوب تدبر القرآن . تضافرت النصوص على تدبر آيات الكتاب العزيز، وقد سبق بيان طرفاً من ذلك . وفي قوله تعالى:{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً }
قال ابن سعدي : يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو: التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه،ولوازم ذلك . فإن في تدبر كتاب الله مفتاحاً للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم . وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته. فإنه يعرف بالرب المعبود، وماله من صفات الكمال؛ وما ينزه عنه من سمات النقص . ويعرف الطريق الموصلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه. ويعرف العدو، الذي هو العدو على الحقيقة؛ والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلما ازداد العبد تأملاً فيه، ازداد علماً وعملاً وبصيرة . ولذلك أمر الله بذلك، وحث عليه، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب }([15]) .
والسلف من الصحابة -رضوان الله عليهم-ومن بعدهم طبقوا ذلك عملياً . روى الامام أحمد عن عبد الرحمن قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل . قالوا: فتعلمنا العلم والعمل([16]) . ويستأنس لذلك أيضاً بما رواه مالك في موطأه عن يحيى بن سعيد أنه قال: كنت أنا ومحمد بن يحيى بن حبان جالسين فدعا محمدٌ رجلاً، فقال : أخبرني بالذي سمعت من أبيك، فقال: الرجل أخبرني أبي أنه أتى زيد بن ثابت فقال له: كيف ترى قراءة القرآن في سبع، فقال زيدٌ حسن ولأن أقرأه في نصفٍ أو عشرٍ أحب إليه وسلني لم ذاك؟ قال فإني أسألك. قال زيد لكي أتدبره وأقف عليه([17]) .
6-جواز تلاوة القرآن قائماً أو ماشياً أو مضطجعاً أو راكباً . والأصل في ذلك قوله تعالى :{ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } الآية . وقوله تعالى :{ لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم اذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون } . والسنة جاءت بهذا كله، فمن حديث عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح )([18]) . ومن حديث عائشة- أم المؤمنين رضي الله عنها- قالت: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكىء في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن )([19]) . أما الماشي فإنه يقاس على الراكب ولا فرق .
فائدة: في حديث عائشة- رضي الله عنها- دليل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض والنفساء. والمراد بالاتكاء هنا: وضع الرأس في الحجر. قال ابن حجر: وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووي([20]) .
7-لا يمس المصحف إلا طاهر. الأصل فيه قوله تعالى:{ لا يمسه إلا المطهرون } . والنهي عن مسه إلا لمتطهر جاء مصرحاً به في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفيه:( أن لا يمس القرآن إلا طاهر)([21]) .
مسألة: هل يجوز حمل القرآن إذا كان بعلاقته ([22]) أو بين قماشه للمحدث ؟
الجواب: نعم . يجوز حمل القرآن بعلاقته ، لأنه ليس بمس له([23]). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه. وفي خرجه وحمله، سواء كان ذلك القماش لرجل أو امرأه أو صبي وإن كان القماش فوقه أو تحته ، والله أعلم([24]) .
فائدة: حمل المصحف بالجيب جائز، ولا يجوز أن يدخل الشخص مكان قضاء الحاجة ومعه مصحف بل يجعل المصحف في مكان لائق به تعظيماً لكتاب الله واحتراماً له، لكن إذا اضطر إلى الدخول به خوفاً من أن يسرق إذا تركه خارجاً جاز له الدخول به للضرورة([25]) .
8-جواز تلاوة القرآن للمحدث حدثاً أصغر عن ظهر قلب. أما الجنابة، فإنه فلا يجوز للجنب قراءة القرآن بحال من الأحوال ودليل ذلك ما رواه علي -رضي الله عنه- أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً )([26]) .
وأما الحدث الأصغر؛ فإنه يجوز معه قراءة القرآن عن ظهر قلب، ويستدل لذلك بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما في حديث مبيته عند خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم- قال: (حتى إذا انتصف الليل- أو قبله بقليل، أو بعده بقليل- استيقط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده. ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ) ([27]) . فقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن بعد نومه وقبل وضوءه دليل على جواز قراءة القرآن لمن أحدث ببول أو غائط أو نوم، والأكمل والأفضل هو قراءة القرآن على حال طهرٍ .
ولا لوم ولا نكير على من قرأ القرآن وهو بهذه الحالة، بل اللوم على المنكر أولى وأحرى لورود السنة الصحيحة بذلك . جاء في موطأ مالك أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهم يقرءون القرآن، فذهب لحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: من أفتاك بهذا أمسيلمة ؟([28]) .
مسألة: هل يجوز للمحدث حدثاً أصغر يقرأ القرآن من المصحف؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة في إحدى أجوبتها: لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل ، سواء قرأه من المصحف أو عن ظهر قلب، وليس له أن يقرأه من المصحف إلا على طهارة كاملة من الحدث الأكبر والأصغر ([29]) .
مسألة 2 :أيهما أفضل للقارىء أن يقرأ عن ظهر قلب أو من المصحف ؟
الجواب: خلاف بين أهل العلم في ذلك، ففضل بعضهم القراءة عن ظهر قلب على القراءة من المصحف، ومنع ذلك آخرون وهم الأكثرون وقالوا: إن القراءة من المصحف أفضل، لأن فيه نظر للقرآن . وفي النظر للقرآن آثارٌ لم تثبت. وفصل آخرون في ذلك؛ قال ابن كثير:وقال بعض العلماء : المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن كان الخشوع أكثر عند القراءة عن ظهر قلب، فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف أكثر، فهو أفضل، فإن استويا، فالقراءة نظراً أولى، لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف. قال الشيخ أبو زكريا النواوي -رحمه الله- في التبيان: الظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل([30]) . وقال ابن الجوزي: وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم أيات يسيرة لئلا يكون مهجوراً ([31]).
9-جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء . وذلك لأنه لم يثبت دليل يتعين المصير إليه على المنع من ذلك، ولكن بدون مس المصحف. قالت اللجنة الدائمة: أما قراءة الحائض والنفساء القرآن بلا مس مصحف فلا بأس به في أصح قولي العلماء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنع ذلك([32]).
10-استحباب تنظيف الفم بالسواك قبل التلاوة . وذلك تأدباً مع كلام الله، فإن القارىء لما كان مريداً لتلاوة كلام الله، حسُنَ منه أن يطيب فمه وينظفه بالسواك أو بما يحصل به التنظيف، ولا شك أن في هذا تأدباً مع كلام الله . وقد يُستأنس لذلك بحديث حذيفة-رضي الله عنه- قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد من الليل يشوصُ فاه بالسواك ) ([33]) ، ([34]) .
11-من السنة الاستعاذة والبسملة عند التلاوة. من السنة الاستعاذة قبل التلاوة، والأصل في ذلك قوله تعالى:{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } . ومن السنة ما رواه أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام من الليل كبر ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ثم يقول: ( لاإله إلا الله) ثلاثاً، ثم يقول:( الله أكبر كبيراً) ثلاثاً ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ([35]) ) ثم يقرأ([36]) . فتحصل لنا من الآية والحديث صيغتان للاستعاذة .
1- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
2- أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
3-أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم([37]) .
فيستحب للقارىء أن يعمل بهذه وهذه . وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيداً عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن، وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ لأن هناك فرقٌ بين أن تقرأ القرآن وقلبك حاضر وبين أن تقرأ وقلبك لاه، قاله ابن عثيمين ([38]) .
أما البسملة فهي سنة، فقد روى أنس -رضي الله عنه- أنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة. ثم رفع رأسه متبسماً. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله! قال:( أنزلت عليَّ آنفاً سورةٌ) فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم) { إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الابتر } الحديث([39]) .
مسألة : اعتاد الناس أن ينهوا تلاوتهم بقول :( صدق الله العظيم ). فهل على هذا دليل صحيح ؟
الجواب: لا دليل على قول ( صدق الله العظيم ) عند الانتهاء من التلاوة، وإن كان هذا عمل الأكثرين، وعمل الكثرة ليس دليلاً على إصابة الحق، قال تعالى:{ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }. ومن لطيف قول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة السالكين الهالكين. بل إن الدليل مع من منع ختم التلاوة بهذا القول . فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اقرأ عليَّ)، قال قلت آقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال:( إني أشتهي أن أسمعه من غيري)، قال فقرأت النساء حتى إذا بلغتُ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } قال لي : (كفَّ أو أمسك). فرأيت عينيه تذرفان([40]) . بأبي هو وأمي. فلم يقل له صلى الله عليه وسلم قل : صدق الله العظيم، ولم يثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، ولم يعهد عن الصدر الأول-رضوان الله عليهم- أنهم كانوا يتلفظون بذلك عند الانتهاء من تلاوتهم، ولم يعرف ذلك عند السلف الصالح من بعد الصحابة . أذاً ما بقي أن نقول إلا أنه محدث وليس فيه سنة تجوز هذا الذكر .
قالت اللجنة الدائمة: قول القائل صدق الله العظيم في نفسها حق، ولكن ذكرها بعد نهاية قراءة القرآن باستمرار بدعة، لأنها لم تحصل من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من خلفائه الراشدين فيما نعلم مع كثرة قراءتهم القرآن، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) وفي رواية ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )([41]) .
فائدة: ذكر النووي في أذكاره[ أنه ]: يستحب للقارىء إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدىء من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقف يقف على المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيد في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيراً منها في وسط الكلام المرتبط... ثم قال: ولهذا المعنى قال العلماء: قراءة سورة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة، لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن([42]) .
12-استحباب ترتيل القرآن وكراهية السرعة المفرطة في التلاوة . أمر المولى عزوجل بترتيل كتابه فقال عز من قائل:{ ورتل القرآن ترتيلاً } والترتيل في القراءة: الترسل فيها والتبيين من غير بغيٍ... وقال ابن عباس في قوله:{ ورتل القرآن ترتيلاً } قال: بينه تبييناً؛ وقال أبو إسحاق: والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآة، وإنما يتم التبيين بأن يُبيِّن جميع الحروف ويوفيها حقها من الإشباع([43]) . والفائدة المرجوة من الترتيل أنه أدعى لفهم معاني القرآن .
وقدكره كثير من السلف من الصحابة ومن بعدهم؛ العجلة المفرطة في تلاوة القرآن، وعلة ذلك أن رغبة القارىء في تكثبر تلاوته في مدة أقصر، لأجل تحصيل أجر أكثر، يفوت عليه مصلحة أكبر؛ وهي تدبر آيات القرآن، والتأثر بها، وظهور أثرها على القاريء . ولا ريب أن حال من قرأ القرآن وهو متأمل لآياته، ومستحضرٌ لمعانيه؛ أكمل من الذي يستعجل به طلباً لسرعة ختمه وكثرة تلاوته .
ولابن مسعود -رضي الله عنه- كلاماً في ذم الإسراع في تلاوة القرآن . فعن أبي وائل . قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبدالله. فقال: يا أبا عبد الرحمنّ كيف تقرأ هذا الحرف. ألفاً تجدُهُ أم ياءً : من ماءٍ غير آسن أو من ماءٍ غير ياسن ؟ قال فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم. ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع ...([44]) .
وعن أبي جمرة قال: ( قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال : لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأدبرها وأرتلها؛ أحبُّ إلي من أن أقرأ كما تقول) . وفي رواية ( فإن كنت فاعلاً لابد، فأقرأهُ قراة تسمعُ أذنيك ويعيه قلبك)([45]) .
قال ابن مفلح: قال أحمد: تعجبني القراءة السهلة، وكره السرعة في القراءة . وقال حرب: سألت أحمد عن السرعة في القراءة فكرهه، إلا أن يكون لسان الرجل كذلك، أو لا يقدر أن يترسل ، قيل: فيه أثم؟ قال: أما الإثم فلا أجترىء عليه([46]) .
مسألة: أيهما أفضل للقارىء القرآة بتأني وتدبر، أم القرآة بسرعة مع عدم الإخلال بشيء من الحروف والحركات ؟
الجواب: إذا كانت السرعة لا تخل بالقرآة، فقد فضل بعض العلماء الإسراع فيها طلباً لكثرة الأجر المترتب على كثرة التلاوة، وفضل بعضهم الترتيل والتأني فيها .
قال ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشىء من الحروف والحركات والسكون والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس([47]) .
13-استحباب مد القراءة . وهذا ثابت عن رسولنا عليه الصلاة والسلام . ( سُئل أنس-رضي الله عنه- كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: كانت مداً. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم. يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم )([48]) .
14-استحباب تحسين الصوت بالقراءة، والنهي عن القراءة بالألحان . يدل على ذلك ما رواه البراء-رضي الله عنه- أنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { والتين والزيتون } في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه أو قراءة )([49]) . وفي استحباب تحسين الصوت بالقراءة أحاديث صحيحة فمنها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن )([50]) .قال ابن كثير:ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء، كاستماعه لقراء نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم([51]) . وقال أحمد: يحسن القارىء صوته بالقرآن، ويقرؤه بحزن وتدبر، وهو معنى قوله عليه السلام:( ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن) ([52]) . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )([53]) . ومن حديث البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زينوا أصواتكم بالقرآن )([54]) . والمراد من تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتخشع به، قاله ابن كثير([55]) . ولما استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى الأشعري قال له : ( لو رأيتني وأنا استمع لقراءتك البارحة ! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )([56]) .وفي رواية عند أبي يعلى زيادة قال أبو موسى: ( أما أني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً )([57]) . فدل قول أبي موسى على جواز التكلف في القراءة، ولا يعني هذا إخراج القراءة عن حدها المشروع، من تمطيط الكلام، وعدم إقامته، والمبالغة فيه حتي ينقلب لحناً؛ لا. هذا ليس بمشروع البتة . وكره الإمام أحمد القراءة بالألحان وقال: هي بدعة ([58]) . وقال الشيخ تقي الدين : قراءة القرآن بصفة التحلين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة ([59]) .
15-البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه . وكلا الأمرين جاءت به السنة؛ فالأول ما رواه عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- أنه قال : (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني يبكي )([60]) . وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، يقرأ { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }([61]) .
والثاني: ما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- قال : ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ عليَّ، قلت يا رسول الله آقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: نعم، فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } . قال: حسبك الآن . فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان )([62]) .
أما مايفعله بعض الناس اليوم من صراخ، وعويل، ونحيب؛ فهو خروج عن الطريق القويم . ولا يظن ظان أننا نعمم الحكم حاشا وكلا !، بل نقول منهم صادقون ومنهم غير ذلك . والعجيب من المتكلفة أنهم يسكبون العبرات تلو العبرات عند سماع دعاء الامام في القنوت، ولكن لاتكاد تخرج دمعة من محاجرهم عند سماع كلام الله وآياته ! . ونقول لهؤلاء المتكلفة رويدكم، فأكمل الناس حالاً هم الذين وصفهم الله في كتابه : { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } .وأكمل الناس حالاً من كان كحال النبي صلى الله عليه وسلم فإن بكاءه له أزيز كأزيز المرجل .
لكن قد يحتج علينا بأن بعض السلف، قد صُعقوا أو ماتوا من جراء تلاوة القرآن أو سماعه . والجواب عن ذلك أن يقال: إننا لاننكر حدوث ذلك من بعض السلف من التابعين ومن بعدهم، ولكن لم يعهد هذا في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، وسبب ذلك أن الوارد كان قوياً وصادفت محلاً ضعيفاً وهو قلوبهم فلم تحتمله وحصل منهم ماحصل، فهم صادقون فيما انتابهم وهم أيضاً معذورون .
قال ابن مفلح: وكان هذا الحال يحصل كثيراً للإمام علماً وعملاً-شيخ الإمام أحمد- يحيى بن القطان. وقال الإمام أحمد: لو دفع ، أو لو قدر أحدٌ أن يدفع هذا عن نفسه دفعه يحيى. وحدث ذلك لغير هؤلاء، فمنهم الصادق في حاله ومنهم غير ذلك، ولعمري إن الصادق منهم عظيم القدر، لأنه لولا حضور قلب حيِّ، وعلمُ معنى المسموع وقدره، واستشعار معنىً مطلوب يُتلمح منه، لم يحصل ذلك، ولكن الحال الأول أكمل، فإنه يحصل لصاحبه ما يحصل لهؤلاء وأعظم، مع ثباته وقوة جنانه، رضي الله عن الجميع([63]) .
فائدة: يستحب طلب القراءة من القاريء المجود حسن الصوت . ويتضح ذلك جلياً عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن . قال عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- : ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : اقرأ عليَّ، قلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غيري )([64]) . وعبد الله بن مسعود هو الذي قاله فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبدٍ )([65]) . وهو أحد الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم . فقال عليه الصلاة والسلام :( استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل )([66]) .
16-استحباب الجهر بالقرآن إذا لم يترتب عليه مفسدة . قال النووي في أذكاره: جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار. قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء، فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍ أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجهر، أن العمل فيه أكبر، ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره، ولأنه يوقظ قلب القارىء، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ولأنه يطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم وغافل، وينشطه، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل ([67]) . ولكن يحسن بنا أن نشير إلى أمرٍ هام وهو أن الذي يجهر بقراءته ينبغي عليه أن يراعي من حوله من مصلٍ أو تالٍ للقرآن، أو نائمٍ، فلا يؤذيهم برفع صوته فقد روى أبو سعيد-رضي الله عنه- أن :رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ( ألا كلكم مناجٍ ربهُ فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة ) أو قال : ( في الصلاة ) ([68]) .

تنبيه : ترتيل البنات للقرآن بحضرة الرجال لا يجوز، لما يخشى في ذلك من الفتنة بهن وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية للحرام ([69]) .
فائدة : لابد من النطق بالقراءة والتلفظ بالتلاوة لحصول الأجر، وأما ما يفعله القليل من الناس من قراءة القرآن بدون تحريك الشفتين، فهو لا يحصل به فضل القراءة . قال ابن باز- حفظه الله في إحدى فتاويه- : لا مانع من النظر في القرآن من دون قراءة للتدبر والتعقل وفهم المعنى، ولكن لا يعتبر قارئاً ولا يحصل له فضل القراءة إلا تلفظ بالقرآن ولو لم يُسمع من حوله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ) رواه مسلم . ومراده صلى الله عله وسلم بأصحابه: الذين يعملون به، كما في الأحاديث الأخرى، وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ) خرجه الترمذي، والدارمي بإسناد صحيح، ولا يعتبر قارئاً إلا إذا تلفظ بذلك، كما نص على ذلك أهل العلم . والله ولي التوفيق([70]) .
17- القدر المستحب في ختم القرآن . اختلفت عادات السلف في القدر الذي يختم القرآن فيه، فمنهم من كان يختمه في شهرين، ومنهم في شهر، ومنهم في عشر ليالٍ، ومنهم في سبعٍ، وهو فعل الأكثرين، قاله النووي في أذكاره([71]) . ومنهم دون ذلك في ثلاثٍ ، ومنهم في كل يوم وليلة ختمة. وقصة عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- مشهورة، قال: ( قال لي : رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ القرآن في شهر، قلت إني أجد قوة، حتى قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك)([72]) . فجعل بعضهم السبع حداً لأقل ما يختم فيه القرآن . وبعضهم جعل الثلاث حداً لأقله واستدل بما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقرأ القرآن في شهرٍ) قال: إن بي قوة، قال :( اقرأه في ثلاثٍ )([73]) . وعن الامام أحمد أن ذلك غير مقدر بل هو على حسب حاله من النشاط والقوة، لأنه روي عن عثمان أنه كان يختمه في ليلة، وروي ذلك عن جماعة من السلف، قاله ابن مفلح([74]) . والمختار عندنا ما اختاره النووي: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل له بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوت كماله، ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة([75]) .
تنبيه : لا يوجد دعاء مخصوص عند ختم القرآن، وكثرة أدعية ختم القرآن المنتشرة والمتداولة بين الناس ليست دليلاً على مشروعيتها، وليس هناك نصاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقوم به حجة على التزام دعاء يقال عند ختم القرآن العظيم . ومن أشهر الأدعية المنتشرة بين الناس (دعاء ختم القرآن العظيم ) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو منسوبٌ إليه ولا يصح نسبته إليه بحال، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم-رحمه الله- أوصى بعدم إدخال هذا الدعاء في فتاويه لشكه في نسبته إلى شيخ الإسلام ([76]) .
وما دمنا في بيان دعاء ختم القرآن؛ نزيدكم فائدة وهي خلاصة ما وصل إليه الشيخ بكر أبو زيد -حفظه الله- في رسالته الموسومة بـ( مرويات دعاء ختم القرآن ) فقال:
وعليه: فإن خلاصة النتيجة الحكمية في هذين المقامين تتكون في أمرين:
الأول: أن دعاء القارىء لختم القرآن خارج الصلاة، وحضور الدعاء في ذلك، أمر مأثور من عمل السلف الصالح من صدر هذه الأمة، كما تقدم من فعل أنس-رضي الله عنه- وقفاهُ جماعة من التابعين، والإمام أحمد في رواية: حرب وأبي الحارث ويوسف بن موسى،-رحمهم الله أجمعين- . ولأنه من جنس الدعاء المشروع. وتقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى:( وهو من آكد مواطن الدعاء ومواطن الإجابة) .
الثاني: أن دعاء ختم القرآن في الصلاة، من إمام أو منفرد، قبل الركوع أو بعده، في (التراويح) أو غيرها: لا يعرف ورود شيء فيه أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من صحابته مسنداً ... ([77]).
18- السنة: الامساك عن القراءة عند غلبة النعاس . والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- : ( إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول، فليضطجع )([78]) . ومعنى استعجم القرآن عليه: أي استغلق ولم ينطلق به لسانه، قاله النووي([79]) . وعلة الإمساك عن القراءة بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة- أم المؤمنين رضي الله عنها- قال: ( إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه )([80]) . وهذا إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم لطيف، فإن الإنسان إذا نعس فإنه يخلط في كلامه، وقارىء القرآن والمصلي أُمرا أن يمسكا عن الصلاة والقراءة، حتى لا يدعو المصلي على نفسه من حيث لا يشعر، وحتى يصان القرآن عن الهذرمة والكلام المعجم .
فائدة: ينبغي للقارىء أن يمسك عن القراءة إذا شرع في التثاؤب، لأنه لو استمر في القراءة وهو في حال تثاؤبه لأخرج كلاماً وصوتاً مزعجاً مضحكاً؛ يصان كلام الله عنه وينزه .
19-استحباب اتصال القراءة وعدم قطعها . وهو من الآداب التي يستحب لتالي القرآن أن يأخذ بها، فإذا شرع في التلاوة فلا يقطعها إلا لأمر عارض، فأدباً مع كلام الله أن لا يقطع لأجل أمور الدنيا . وإنك لتعجب من بعض الذين ينتظرون الصلاة في المسجد، كيف أنهم يقطعون تلاوتهم عدة مرات، من أجل أمور دنيوية ليست بذات قيمة . ولكن هو الشيطان لا يريد الخير للمسلم أبداً !.
ويستأنس لما قدمنا بما رواه التابعي الجليل نافع، قال: ( كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوماً، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا . قال :أنزلت في كذا وكذا.ثم مضى )([81]) . فهذه عادة ابن عمر رضي الله عنهما، ولم يقطع تلاوته إلا لأجل نشر علمٍ وهو عبادة أيضاً .
20- من السنة أن يسبح القاريء عند أية التسبيح، ويتعوذ عند آية العذاب، ويسأل عند آية الرحمة .
ففي حديث حذيفة وصلاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ... ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بأية تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ...الحديث)([82]) . قال النووي: فيه استحباب هذه الأمور لكل قارىء في الصلاة وغيرها([83]) .
21- من السنة السجود عند المرور بآية سجدة . في كتاب الله خمس عشرة سجدة، فيسن لتالي القرآن إذا مر بها أن يسجد ويقول الذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( اللهم احطط عني بها وزراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً ) وعند الترمذي بزيادة: ( وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ) ([84]) . أو يقول:( سجد وجهي لمن خلقهُ وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته ) ([85]). أو يقول : ( اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين ) ([86]) .
وهو ليس بواجب بل سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكن لا ينبغي لأهل الإيمان تركها والفريط فيها. ودليل سنيتها وعدم وجوبها، قراءة زيد بن ثابت-رضي الله عنه- القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسجد فيها، فعن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: ( قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجُد فيها ) ([87]) . وكذلك فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر حيث قرأ في يوم الجمعة بسورة النحل ثم سجد عند موضع السجود، فلما كانت الجمعة التي تليها قرأ بالنحل ولما جاء عند السجدة قال: ( يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر-رضي الله عنه- . وزاد نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ) ([88]) .
مسألة : هل سجود التلاوة يلزم لها ما يلزم للصلاة من التكبير والتسليم والطهارة واستقبال القبلة ونحو ذلك ؟
الجواب: سجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل: هذا هو السنة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين. وعلى هذا فليست صلاة، فلا تشترط لها شروط الصلاة، بل تجوز على غير طهارة، كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة؛ ولكن هي بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر، قاله ابن تيمية ([89]) .
فائدة: يسن السجود للتلاوة في حق المستمع دون السامع . والفرق بينهما: أن المستمع هو الذي ينصت للشيء، وعكسه السامع . فلو كان هناك اثنان أحدهما يستمع لقراءة قاريء القرآن، والآخر مرَّ بنفس المكان ثم سجد القاريء للسجدة؛ فإنه في هذه الحالة: يُسن سجود التلاوة للمستمع دون السامع، لأن المستمع له حكم القاريء وأما السامع فلا يأخذ حكمه، ويظهر هذا جلياً في قوله تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام- :{ قد أُجيبت دعوتكما فاستقيما } مع أن الداعي موسى؛ ولكن لما كان هارون يؤمن على دعاء موسى أخذ حكم الداعي فشمله الخطاب ([90]) .
فائدة 2: لا ينبغي الاقتصار على الذكر الوارد في سجود التلاوة، بل يجب الاتيان بذكر السجود ( سبحان ربي الأعلى ) أولاً ثم يأتي الساجد بما شاء من أذكار سجود التلاوة، بل عد بعض أهل العلم ذلك من المحدثات ([91]) .
22-كراهية تقبيل المصحف ووضعه بين العينين !. فقد يقول من لا علم عنده لماذا تكرهون تقبيل المصحف ووضعه بين العينين، تعظيماً له وتقديساً لكلام الله ؟ والجواب أن يقال: إن تقبيل المصحف ووضعه بين العينين ونحوه قربه يتقرب بها العبد إلى الله، وطريق القرب موقوفٌ حتى يثبت به الدليل الذي لا معارض له . ونحن نمنع تقبيل المصحف تعظيماً لله ولكلامه وتعظيماً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد بلغنا بطريق لا نشك فيه أبداً أنه صلى الله عليه وسلم قال:( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) . أي مردود على صاحبه .
وعن الإمام أحمد في المسألة روايات منها التوقف قال القاضي في(الجامع الكبير) على هذه الرواية : إنما توقف عن ذلك وإن كان فيه رفعةٌ وإكرامٌ، لأن ما طريقه القرب إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله وإن كان فيه تعظيم إلا بتوقيف، ألا ترى أن عمر لما رأي الحجر قال: لا تضر ولا تنفع، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبَّلتك. وكذلك معاوية لما طاف فقبَّل الأركان كلها أنكر عليه ابن عباس، فقال: ليس في البيت شيءُ مهجور، فقال: إنما هي السنة، فأنكر عليه الزيادة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم([92]) . ولما رأي ابن المسيب رجلاً يكثر الركوع والسجود بعد صلاة الفجر نهاه، فقال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن على خلاف السنة !([93]) .
قالت اللجنة الدائمة: لا نعلم دليلاً على مشروعية تقبيل القرآن الكريم، وهو أنزل لتلاوته وتدبره والعمل به ([94]) .
23-كراهية تعليق الآيات على الجدر ونحوها . انتشر في كثير من البيوتات تعليق بعض السور أو الآيات على جدران الغرف والممرات، منهم من علقها تبركاً ومنهم تجملاً . وبعضهم زيَّن بها محله (التجاري) وانتقى آيات تناسب المقام !، ومنهم من علقه في سيارته إما حرزاً أو تبركاً، وبعضهم يقول: تذكراً ! .
وللجنة الدائمة فتوى مطولة بهذا الشأن مؤداها المنع من تعليق الآيات على الحيطان والمحلات التجارية، ونحو ذلك . وملخصها كالآتي :
(1) أن في تعليق الآيات ونحو ذلك إنحراف بالقرآن عما أنزل من أجله من الهداية والموعظة الحسنة والتعهد بتلاوته ونحو ذلك.
(2) أن هذا مخالف لما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون .
(3) أن في المنع من ذلك سد لذريعة الشرك، والقضاء على وسائله من الحروز والتمائم وإن كانت من القرآن .
(4) أن القرآن أنزل ليتلى ، ولم ينزل ليتخذ وسيلة للرواج التجاري .
(5)أن في ذلك تعريض آيات الله للامتهان والأذى عند نقلها من مكان إلى مكان ونحو ذلك.
ثم قالت اللجنة الدائمة: وبالجملة إغلاق باب الشر والسير على ما كان عليه أئمة الهدى في القرون الأولى التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية أسلم للمسلمين في عقائدهم وسائر أحكام دينهم من ابتداع بدع لا يدرى مدى ما تنتهي إليه من الشر ([95]) .





















2- باب آداب السلام


-قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}
-وقال تعالى : { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة }
-وقال تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها }
-وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوا ورحمة الله ...الحديث)([96]) .
-وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم )([97]) .
-وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(حق المسلم على المسلم ست. قيل وما هن يا رسول الله؟ قال : إذا لقيته فسلم عليه ... الحديث)([98]) .

* الآداب *
1-من السنة إلقاء السلام، أما رده فهو واجب. ودليل السنية كثيرة جداً، وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم : حق المسلم على المسلم ست :... إذا لقيته فسلم عليه ..الحديث، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل صحابته رضوان الله عليهم. وشهرة ذلك تغنينا عن إيراد النصوص.

وأما رد السلام فهو واجب، يتعين على المُسَّلم عليه الرد وإلا أثم، وأدلة فرضيتها كثيرة منها: قوله تعالى :{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } . وقد ذكر ابن حزم وابن عبد البر والشيخ تقي الدين الإجماع على وجوب الرد([99]) .




مسألة:إذا سلم رجل على جماعة، فهل يتعين الرد عليهم كلهم، أم يجزيء الواحد عنهم؟
الجواب: إن سلم رجل على جماعة، فإن ردوا كلهم فهو أفضل، وإن رد واحدٌ منهم، سقط الحرج عن الباقين، ولا إثم ([100]). عن علي بن أبي طالب قال: (يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم)([101]) .
2-صفة السلام:
أفضلها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
يليها: السلام عليكم ورحمة الله.
يليها: السلام عليكم.
ودليل ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: السلام عليكم، فقال:(عشر حسنات) . فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله ، فقال:(عشرون حسنة) . فمر رجل آخر فقال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال:(ثلاثون حسنة)([102]) .
أما صفة الرد فإنه يكون بمثل السلام أو بأحسن منه لقوله تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } . ويكون الرد بضمير الجمع وإن كان المسلِم واحداً؛ فيقال: وعليكم السملام ورحمة الله وبركاته.
مسألة: إذا انتهى المبتدىء بالسلام عند وبركاته، فهل يشرع الزيادة عليها طلباً لظاهرالآية { بأحسن منها} كأن يقال: ومغفرته وإحسانه..الخ.
الجواب: لا يزاد بعد البركة شيء، عند الرد على السلام، ولو كان المبتدىء انتهى إلى البركة، وإن استحسن هذا بعض العلماء بناءً على ظاهر الآية؛ ولكن اتباع السنة أولى. قال ابن عبد البر: وقال ابن عباس وابن عمر: انتهى السلام إلى البركة، كما ذكر الله عز وجل عن صالح عباده:{ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت }. وكانا يكرهان أن يزيد أحد في السلام على قوله: وبركاته([103]) .
3-كراهة الابتداء بـ( عليك السلام). جاء في ذلك أحاديث صحيحة منها مارواه جابر بن سليم الهجيمي -رضي الله عنه- أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام. فقال: (لا تقل عليك السلام، ولكن قل : السلام عليك)([104]) . وعند أبي داود بلفظ: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله. قال: (لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى)([105]). فدلت الأحاديث على كراهة الابتداء بـ(عليك السلام). ولبعض العلماء تفريع على ذلك، أغنانا عن إيراده وضوح النص وصراحته .
4-استحباب تكرار السلام ثلاثاً، إذا كان الجمع كثيراً، أو شُك في سماع المُسَّلم عليه. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، وإذا أتى قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً([106]) .
قال النووي-بعد هذا الحديث-: وهذا محمولٌ على ما إذا كان الجمع كثيراً([107]). وأضاف ابن حجر: وكذا لو سلم وظن أنه لم يسمع فتسن الإعادة فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد على الثالثة([108]) .
5- من السنة الجهر بالسلام وكذلك الرد .ولقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السلام أن يرفع صوته بالسلام، وكذلك في الرد، فلا يحصل بالإسرار الأجر؛ إلا ما استثني وسيأتي . فأخرج البخاري في أدبه أثراً عن ابن عمر: عن ثابت بن عبيد قال: أتيت مجلساً فيه عبد الله بن عمر فقال: إذا سلَّمت فأسمع فإنها تحية مباركة طيبة([109]) . وذكر ابن القيم: أن من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُسمع المسلم رده عليه([110]) . وقال ابن حجر: واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سراً بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء والجواب ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه([111]) . وقال النووي: وأقل السلام الذي يصير به مسلِّماً مؤدياً سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الرد عليه. وأقل ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد([112]) .
6-من السنة تعميم السلام أي: (على من عرفت ومن لم تعرف) . للحديث المروي في الصحيحين وغيرهما: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال: (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)([113]) . هذا الحديث فيه الحث على إفشاء السلام ونشره بين الناس، لما فيه من المصالح العظيمة، لعل من أعظمها: التأليف بين المسلمين، وسلامة قلوبهم لبعض . وبضده السلام على الخاصة، أي: أن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وهذا فعل غير محمود؛ بل إن سلام الخاصة من علامات الساعة، فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة . وفي رواية: أن يسلَّم الرجل على الرجل، لا يسلم عليه إلا للمعرفة)([114]) . وفي رواية ( إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة...الحديث)([115]) .
7-استحباب ابتداء القادم بالسلام. وهذا أمر مشهور، ومنتشر بين الناس، وتشهد له النصوص الكثيرة، حيث أن استحباب السلام متوجه للقادم دون المقدوم عليه. وسبق قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقال الآخر: السلام عليكم ورحمة الله، وقال الثالث: السلام عليكم. قال النووي: ...أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً([116]) .
8- من السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير. وفي ذلك أحاديث صحاح، منها:
مارواه أبو هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير)([117]) . وفي رواية للبخاري: ( يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير)([118]) .وقد ذكر بعض أهل العلم الحكمة من ابتداء هؤلاء المذكورين بالسلام، فقالوا: سلام الصغير على الكبير: لحق الكبير من التوقير والتكريم وهو الأدب الذي ينبغي سلوكه، وسلام الراكب على الماشي: حتى يحمل السلامُ الراكبَ على التواضع وعدم التكبر، وسلام الماشي على القاعد: لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وسلام القليل على الكثير: لحق الكثير فحقهم أعظم([119]) .
مسألة: هل يترتب على المخالفة حكم، فيما لو سلم الكبير على الصغير، أو سلم الماشي على الراكب، أو سلم الكثير على القليل، أو سلم القاعد على الماشي؟
الجواب: لا يلحق المخالف في ذلك إثم، ولكنه تاركٌ للأولى. قال المازري: ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركاً للمستحب والآخر فاعلاً للسنة، إلا إن بادر فيكون تاركاً للمستحب أيضاً([120]) .
مسألة : إذا تقابل ماشيان أو راكبان، فمن يبدأ بالسلام؟
الجواب: يستحب أن يبدأ اصغرهما للحديث السابق. فإن كانا في السن سواء، واستويا من جميع الجهات فخيرهما الذي يبدأ بالسلام لقوله صلى الله عليه وسلم:( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )([121]) من حديث المتهاجرين، ولحديث جابر قال: (الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل)([122]) .
مسألة: إذا كان هناك ماشيان ثم حال بينهما حائل، كشجرة أو جدار ونحو ذلك؛ فهل يشرع لهما السلام إذا التقيا مرة أخرى؟
الجواب: نعم. يشرع لهما السلام ولو تكرر ذلك مرات، وذلك لما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه_ أنه قال: ( إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه)([123]) .
9-السلام على المرأة الاجنبية. سلام الرجل على المرأة الاجنبية، منعه بعض أهل العلم، وأجازه البعض بقيد أمن الفتنة، وبعضهم فصل فقال: إن كانت شابة جميلة لم يجز، وإن كانت عجوزاً جاز، وبعضهم أطلق فمنعه في الشابة، وأجازه مع الكبيرة، وهذا هو منصوص أحمد -رحمه الله- قال صالح: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ فقال : أما الكبيرة، فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق([124]). وصوب ابن القيم في هذه المسألة: أنه يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن([125]) . وهو المختار، وعلة المنع ظاهرة، وهي سد الذريعة،وخشية الافتتان . وما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فهو معصوم مأمون من الفتنة. وما ورد عن الصحابة، يحمل على أمن الفتنة. ومثاله: ما رواه ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال:... كانت لنا عجوز ترسلُ إلى بُضاعة-نخل بالمدينة- فتأخذ أُصول السِّلق فتطرحه في قدرٍ وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها، فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله، وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)([126]) .
10-استحباب السلام على الصبيان. وذلك لتعويدهم وتدريبهم منذ الصغر على آداب الشريعة، وفاعله متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، أخبرنا بذلك أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمر بصبيان فسلم عليهم)([127]) . وفي السلام على الصبيان حمل النفس على التواضع، وسلوك لين الجانب .
مسألة : إذا سلم بالغٌ على صبي، أو سلم صبيٌ على بالغ، فهل يجب رد السلام عندئذٍ؟
الجواب: إذا سلم بالغٌ على صبي فإنه لا يلزم الصبي الرد، وذلك لأنه ليس من أهل الفروض. أما إذا سلم الصبي على البالغ، فإنه يتعين عليه الرد وهو قول الجمهور([128]) .
11-السلام على الايقاظ في موضع فيه نيام. حيث يخفض المُسَّلِم صوته، فيسمع يقظاناً ولا يوقظ نائماً، جاء ذلك في حديث المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-، وفيه قال:...فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه. قال: فيجيءُ من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان...([129]). وفي هذا أدب نبويٌ رفيع، حيت يُراعى فيه حال النائم فلا يكدر عليه نومه، وفي الوقت نفسه لا تفوت فضيلة السلام !.
12- النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام. لقد مُنعنا على لسان نبينا عليه الصلاة والسلام أن نبدأ أهل الكتاب بالسلام. بقوله : ( لا تبدؤُوا اليهود والنصارى بالسلام . فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)([130]). ولا كلام لأحد بعد هذا النهي الصريح .

مسألة:إذا دعت الحاجة للسلام على أهل الكتاب، فهل يجوز السلام عليهم؟
الجواب: الحديث السابق ظاهر في المنع، ولكن إن احتيج لذلك، فليكن بغير السلام، ككيف أصبحت، أو كيف أمسيت ونحو ذلك. قال ابن مفلح: قال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلامٍ غير السلام مما يُؤنسه به، فلا بأس بذلك([131]) .وقال النووي: قال أبو سعد-المتولي-: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت[أي:النووي]: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورن بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره. والله أعلم([132]) .
13-رد السلام على أهل الكتاب بـ( وعليكم) . جاء بيان ذلك في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا :وعليكم)([133]) . فالحديث بين لنا أن صفة الرد على أهل الكتاب أن نقول وعليكم .
مسألة: إذا سمعنا الكتابي يقول:( السلام عليكم ) بلفظ واضح ، فهل نرد عليه بـ (وعليكم) عملاً بظاهر الحديث، أم نرد عليه سلامه ونقول: ( وعليكم السلام ) ؟
الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تحققنا من لفظ السلام ولم نشك فيه فإنه ينبغي علينا أن نرد السلام .
قال ابن القيم : فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه ، فهل له أن يقول:وعليك السلام، أو يقتصر على قوله وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له، وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } . فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة -رضي الله عنها- فقال: ( ألا ترينني قلت : وعليكم، لما قالوا: السّام عليك) ثم قال:( إذ ا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ) والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه. قال الله تعالى : { وإذا جاءوك حيَّوك بما لم يحيِّك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } . فإذا زال السبب، وقال الكتابي : ( سلام عليكم ورحمة الله ) فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه. اهـ ([134]) .
14- جواز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين. وهو مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً عليه إكافٌ تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءهُ أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج- وذلك قبل وقعة بدر- حتى مرَّ في مجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيٍّ بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبيٍّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا . فسلم عليهم النبي صلىالله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن ...الحديث)([135]) .
والابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار مجمع على جوازه؛ قاله النووي([136]) . ولا يعكر على هذا؛ حديث المنع من ابتداء أهل الكتاب بالسلام، فإن ذلك الحديث في ما إذا كان المُسَّلم عليه ذمياً أو كانوا جماعة من أهل الكتاب، أما هنا فإن المجلس فيه مسلمون، ولذلك فإنه يجوز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين بنية السلام على المسلمين فقط. قيل للإمام أحمد رضي الله عنه : نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون، أُسلم عليهم؟ قال: نعم، وتنوي السلام على المسلمين([137]) . وقال النووي: إذا مرَّ واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم([138]) .

مسألة: هل يقال لجماعة فيهم مسلمون وكفار عند السلام: السلام على من اتبع الهدى؟
الجواب: لا يقال (السلام على من اتبع الهدى) لجماعة فيهم مسلمون وكفار، بل يسلم عليهم كما سبق وينوي بذلك المسلمين . وحول هذا المعنى قال ابن عثمين: وإذا كانوا مسلمين ونصارى فإنه يسلم عليهم بالسلام المعتاد يقول السلام عليكم يقصد بذلك المسلمين([139]) .
15- جواز السلام بالإشارة لعذر. الأصل في السلام بالإشارة النهي، لأنه من فعل أهل الكتاب ونحن أمرنا بمجانبتهم، وعدم التشبه بهم. وقد أخرج الترمذي حديث في النهي عن التسليم بالإشارة وأنها من شعار أهل الكتاب، ووسمه الترمذي بالغرابة، وقال عنه الحافظ ابن حجر: وفي سنده ضعف؛ ولكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه:( لا تسلموا تسيلم اليهود، فإن تسليمهم بالرءوس والأكف والإشارة)([140]) . وقد يرد على هذا الحديث ما روته أسماء بنت يزيد أنها قالت: (ألوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى النساء بالسلام)([141]) . ولكن هذا محمولٌ على قرن الإشارة بالتلفظ بالسلام. قال النووي بعد حديث الترمذي: فهذا محمولٌ على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث ، وقال في روايته: (فسلم علينا)([142]).([143]) . وقال الحافظ: والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً، وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس، وكذا السلام على الأصم([144]) .
16-جواز السلام على المصلي، ورده بالإشارة. من الجائز السلام على المصلي، وهذا ثابت من لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته، حيث كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة ولم ينكر عليهم ذلك، فدل إقراره جوازه .فمن ذلك حديث جابر-رضي الله عنه- قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة. ثم أدركته وهو يسير(قال قتيبة: يصلي) فسلمت عليه. فأشار إلي. فلما فرغ دعاني فقال:(إنك سلمت آنفا وأنا أصلي) وهو موجه حيئذ قبل المشرق([145]) . ومنه: حديث صهيب أنه قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إشارة. قال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه([146]) . ففي هذه الأحاديث وغيرها دليل على جواز إلقاء السلام على المصلي، ورده بالإشارة.
مسئلة: ما صفة السلام بالإشارة في الصلاة ؟
الجواب: ليست هناك صفة محددة لرد السلام بالإشارة في الصلاة، والوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم متنوع فمرة كانت الإشارة بالأصبع كما في حديث صهيب المتقدم، ومرة كانت الإشارة باليد كما في حديث جابر([147]) ،ومرة كانت الإشارة بالكف كما في حديث عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلموا عليه، وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق([148]) .. قال في عون المعبود: واعلم أنه ورد الإشارة لرد السلام في هذا الحديث بجميع الكف، وفي حديث جابر باليد، وفي حديث ابن عمر عن صهيب بالإصبع، وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي بلفظ فأومأ برأسه، وفي رواية له فقال برأسه يعني الرد، ويجمع بين هذه الروايات بأنه صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزاً . والله أعلم([149]) .
17-جواز السلام على تالي القرآن، ووجوب رده. السلام على المشتغل بتلاوة القرآن منعه بعض العلماء وأجازه بعضهم، والصواب مع من أجازه، فلا دليل على إخراج تالي القرآن من عمومات النصوص التي تحث على إفشاء السلام، وعلى وجوب رده. وكونه مشتغلاً بأعلى أنواع الذكر وهو قراءة القرآن ؛ لا يمنع من إلقاء السلام عليه، ولا يسقط عنه واجب الرد. قالت اللجنة الدائمة في ردها على أحد الأسئلة : يجوز بدء قارىء القرآن بالسلام وعليه أن يرد السلام؛ لأنه لم يثبت دليل شرعي على المنع من ذلك والأصل عموم الأدلة في مشروعية البدء بالسلام والرد على من سلم حتى يثبت ما يخصص ذلك من الأدلة([150]) .
18-كراهية السلام على المتخلي. الأصل في ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم فلم يرد عليه([151]) . فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم([152])، ويستحب لمن أُلقي عليه السلام وهو يقضي حاجته أن يرد السلام بعد الوضوء تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى المهاجر بن قنفذ-رضي الله عنه- أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ ، ثم اعتذر إليه، فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر) أو قال : (على طهارة)([153]) .
19-استحباب السلام عند دخول البيت. فإن كان البيت خالياً، فقد استحب بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن يسلم الرجل على نفسه إن كان البيت خالياً. فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: ( إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)([154]) . وجاء مثله عن مجاهد غيرهما([155]) . قال ابن حجر: ويدخل في عموم إفشاء السلام، السلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد، لقوله تعالى:{ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } الآية([156]) .
وإن كان البيت ليس فيه إلا أهلك فيستحب لك أن تسلم عليهم أيضاً، فعن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: ( إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة)...([157]) . والسلام عند دخول البيت ليس واجباً، قال ابن جريج: قلت لعطاء أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا. ولا أوثر وجوبه عن أحد ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسياً([158]) . ولكن لا ينبغي للمسلم أن ينأى عنه بعد أن يعلم فضله؛ ومن فضله ما رواه أبو أُمامة -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم( ثلاثة كلهم ضامن على الله إن عاش كُفي، وإن مات دخل الجنة: من دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله عزوجل. ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله . ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله)([159]) .
20- رد السلام على من حمل إليه السلام والمحمول إليه. وهذا قد وردت به السنة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إن أبي يقرئك السلام، فقال: (( عليك وعلى أبيك السلام))([160]) . وفي حديث عائشة - أم المؤمنين رضي الله عنها- قالت:(إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : إن جبريل يقرأ عليك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله)([161]) . وفي حديث حمل جبريل السلام إلى خديجة، قال الحافظ: أن خديجة لما بلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل سلام الله عليها قالت( إن الله هو السلام ومنه السلام، وعليك على جبريل السلام([162]) . والحاصل من مجموع هذه الأحاديث أن رد السلام على حامل السلام ليس بواجب بل هو مندوب إليه. قال ابن حجر: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه غير واجب([163]) .
فائدة: قال ابن عبد البر: قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام، فقال: هديةٌ حسنة ومحمل خفيف([164]) .
21-تقديم تحية المسجد على السلام من بالمسجد . فالداخل للمسجد يستحب له أن يقدم تحية المسجد قبل تحية أهله، وفي حديث المسيء في صلاته ما يدل لذلك فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم السلام فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل(ثلاثاً) ..) الحديث([165]) . قال ابن قيم الجوزية: ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدىء بركعتين تحية المسجد، ثم يجيءُ فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق لله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم... ثم ساق حديث المسيء في صلاته متسدلاً به على قوله، وقال: فـأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد الصلاة([166]).
فتبين لنا من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي أن السنة في تقديم تحية المسجد على السلام على أهله.
22-كراهية السلام حال خطبة الجمعة. والأصل في ذلك حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت- والإمام يخطب- فقد لغوت)([167]) . وعلى هذا لا يشرع السلام حال الخطبة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم المأمومين بالانصات حال خطبة الإمام.
مسألة: لو سلم أحد الداخلين إلى المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة، هل يجب على المأمومين رد السلام؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، ولكن إن رد عليه بالإشارة جاز([168]) .
مسألة:ماذا يلزم المأموم إذا سلم عليه من بجانبه وصافحه أثناء خطبة الجمعة ؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد عليه السلام بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية([169]) .
23- الترغيب في السلام قبل الكلام. فالذي عليه سلف الأمة وخلفها أنهم كانوا يقدمون السلام قبل كلامهم، وسؤال حاجاتهم. قال النووي: السنة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في هذا الفصل. وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن جابر-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام قبل الكلام. فهو حديث ضعيف، قال عنه الترمذي: هذا حديث منكر([170]) .
24-السلام على أهل المعاصي والمبتدعة . أما أهل المعاصي فهم يسلم عليهم ويرد عليهم سلامهم، قال النووي: اعلم أن الرجل المسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يسلِّم ويسلَّم عليه، فيسن له السلام ويجب الرد عليه([171]) . ولكن إن كان العاصي مشهوراً بفسقه ومعصيته، فهل يقال بترك السلام عليه؟ الجواب: إذا كان في ترك السلام عليه مصلحة راجحة، كأن يرتدع العاصي عن معصيته إذا لم يُسلم عليه أو لا يرد عليه سلامه، فإن كان في ذلك مصلحة تُرك السلام عليه لعله ينتهي، أما إن كان العكس وغلب على ظننا أنه معصيته تزيد؛ فإننا نسلم عليه ونرد عليه سلامه تقليلاً للمفسدة لأنه لا مصلحة من ترك السلام عليه . وهذا ينبني على مسألة الهجر.
وأما أهل البدع؛ فإن من البدع ما يكون مكفراً، ومنها دون ذلك. فصاحب البدعة المكفرة لا يسلم عليه بحال، وصاحب البدعة غير المكفرة فإنه يأخذ حكم أهل المعاصي كما سبق بيانه. وسنورد كلام الشيخ ابن عثيمين في بيان هجر أهل البدع، وكلامه ينزل على مسألة السلام عليهم، ولا فرق فإن الهجر يتضمن ترك السلام إلقاءً ورداً . قال الشيخ: أما هجرهم[ أي المبتدعة] فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفِّرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث)([172]) .
والأصل في ذلك كله حديث كعب بن مالك-رضي الله عنه- الطويل في تخلفه عن الغزو مع رسول الله صلى اله عليه وسلم وتوبة الله عليه- وفيه قال كعب:( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فا ستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ )([173]) .
25- من السنة إلقاء السلام قبل مفارقة المجلس . فكما أنه يسن السلام عند القدوم على المجلس، فكذلك من السنة أن يُلقى السلام عند مفارقة ذلك المجلس. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة)([174]) .



























3- باب آداب الاسئتذان ([175])

- قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا }
- وقال تعالى :{ يا أيها الذين الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم }
- وقال تعالى :{ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا }
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) متفق عليه .

* الآداب *
1- السنة أن تقديم السلام قبل الاستئذان . فعن كلدة بن حنبل : أن صفوان بن أمية، بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم، فقال: (ارجع فقل السلام عليكم) وذاك بعد ما أسلم صفوان بن أمية ([176]) .وعن ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: ( اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له : قل: السلام عليكم، أأدخل؟) ([177]) وعن ابن عباس قال : استأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال :السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر ([178]) .

2- أن يقف المستأذن عن يمين أو شمال الباب، حتى لا يقع بصره على موضع لا يحل له النظر إليه، أو على شيء يكره رب الدار لأحد رؤيته؛ فالاستئذان إنما شُرع من أجل البصر . فعن عبدالله بن بسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب، من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: ( السلام عليكم، السلام عليكم) وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور ([179]) . وعن هزيل قال: جاء رجل فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على الباب مستقبل الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هكذا-عنك- أو هكذا؛ فإنما الاستئذان من النظر)([180]) .
3- يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه، والاستئذان لم يشرع إلا من أجل البصر، ومن تعدى واطلع ببصره على ما لايحل له بغير إذنٍ؛ ففقئت عينه، فإنه لا قصاص ولا دية . ومستند ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( من اطلع في بيت قومٍ بغير إذنهم، فقد حلَّ لهم أن يفقؤا عينه ) ([181]) . وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاةٍ، فقفأت عينه، ما كان عليك من جناحٍ) ([182]) . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً اطلع من بعض حُجر النبي صلى الله عليه وسلم. فقام إليه بمشقص أو مشاقص. فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختله ليطعنه ([183]) .
4-الاستئذان ثلاثاً. فإن أُذن وإلا رجع المستأذن، قال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له، فليرجع ) ([184]) .
مسألة : إذا استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه، فما ذا يفعل المستأذن في هذه الحالة ؟
الجواب : قالوا : يرجع عملاً بظاهر الحديث . وقيل : له أن يزيد حتى يتحقق أن صوته سُمع ([185]) . قال مالك : الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع ([186]) .
5- لا يقل المستأذن (أنا) إذا قيل من هذا . وسبب ذلك أن قول المستأذن (أنا) ليس فيه تعريف بالمستأذن، فالابهام باقٍ على حاله، وقوله (أنا) لم تفد شيئاً . وكراهة ذلك تؤخذ من حديث جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققتُ الباب، فقال: من ذا ؟ فقلت: أنا. فقال:( أنا أنا ). كأنه كرهها ([187]) . ولا بأس أن يقول المستأذن: أنا فلان . فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وأبو موسى يقرأ، فقال:( من هذا ) ؟ فقلت: أنا بريدة جُعلتُ فداك فقال: (قد أعطي هذا مزماراً من مزامير آل داود) ([188]) .
ولا بأس أن يقول المستأذن: أن أبو فلان. روى البخاري: أن أم هانىء ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره. قالت:فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانىء بنت أبي طالب ... الحديث ([189]) .
ولا بأس أن يقول أنا القاضي فلان أو الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه. قاله النووي ([190]) .
تنبيه : إذا كان اسم المستأذن لا يحصل به التعريف، لاشتراك شخص آخر معه في نفس الاسم،ولم يمكن تمييز الصوت، فإنه يستحب للمستأذن أن يزيل هذا الإبهام ليحصل التعريف، ويتضح المراد بالحديث الآتي :لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم في النساء في يوم العيد انصرف إلى منزله. قال الراوي:( فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله، هذه زينب . فقال: (أي الزيانب؟ )فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: (نعم، ائذنوا لها)، فأذن لها .. الحديث([191]) .
6-ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف، لما في ذلك من سوء الأدب، فعن أنس بن مالك أنه قال : (إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير) ([192]) . قال الحافظ ابن حجر:وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه ([193]) .
قال الميموني: إن أبا عبد الله دقَّت عليه امرأة دقاً فيه بعض العنف فخرج وهو يقول: ذا دقُّ الشُرطِ !([194]) .
7-إذا قال رب البيت للمستأذن ارجع، فليرجع . لقوله تعالى: { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم } . قال قتادة: قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض أخوتي فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط !([195]) .
8-لا يدخل المستأذن الدار إن لم يكن بها أحد. لأن ذلك تعدي على حقوق الآخرين. قال ابن كثير: وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن([196]) .
9- أن من دعي أو أُرسل إليه رسول، فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان. وذلك أن توجيه الدعوة وإرسال الرسول يتضمن الأذن، فاستغني بالدعوة والرسول عن الاستئذان .
عن أبي هريرة رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(رسول الرجل إلى الرجل إذنه)([197]) .
وعنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إذا دُعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن)([198]) .
واستثنى بعض أهل العلم ما إذا تأخر المدعو عن وقت الدعوة، أو كان في مكان يُحتاج معه في العادة إلى الأذن؛ فإنه يستأذن([199]) .
10- الاستئذان عند إرادة القيام والانصراف من المجلس . وهذا أدبٌ نبوي رفيع، يوجه الزائر إلى سلوك الأدب في الانصراف، فكما أن دخولك كان بإذن فليكن انصرافك بإذن أيضاً . ولعل العلة في ذلك هو خشية وقوع البصر على شيء لا يحل النظر إليه، أو غير مرغوب في رؤيته . فعن ابن عمر-رضي الله عنهما- قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقومن حتى يستأذنه ) ([200]) .
وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط بل وبدون سلام أيضاً، وهذه مخالفة لأدب إسلامي آخر،قاله الألباني([201]) .
11-الاستئذان على الأم والأخت ومن في حكمهما. وذلك لكي لا يقع البصر على عورة، أو هيئة تكره النساء أن يراهن أحد وهن على تلك الحالة.
عن علقمة قال : جاء رجل إلى عبد الله قال: أأستأذن على أمي ؟ فقال: (ما على كل أحيانها تحب أن تراها )([202]) .
وعن مسلم بن نذير قال: سأل رجل حذيفة فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ( إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره)([203]) .
وعن عطاء قال: سألت ابن عباس فقلت: أستأذن على أختي ؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أُختان في حجري، وأنا أُموِّنهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: (نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟!)([204]) .
12-استحباب تنبيه الزوجة عند الدخول. كي لا يرى الزوج ما يبغضه في زوجه، أو تكون الزوجة على حال لاتود أن يراها زوجها وهي على تلك الحال .
عن زينب امرأة ابن مسعود-رضي الله عنها- قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه([205]) . قال أحمد: إذا دخل على أهله يتنحنح. وقال منها: سألت أحمد عن الرجل يدخل منزله، ينبغي له أن يستأذن؟ قال: يحرك نعله إذا دخل([206]) .
13-الطوافون مما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ يستأذنون في ثلاثة أوقات:
الأولى: قبل صلاة الفجر .
الثانية:وقت القيلولة .
الثالثة:بعد صلاة العشاء .
وما عداها فلا جناح عليهما. قال ابن كثير: أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال لأنه قد أذن لهم في الهجوم ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك... [ثم ساق أثر ابن عباسٍ] : عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في ثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به([207]) .































4-باب آداب اللقاء

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء )([208]) .
- وقال صلى الله عليه وسلم:( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرقا )([209]) .

* الآداب *
1-استحباب المصافحة . قد سبق إيراد الآثار أنها تُذهب الغل، وتكون سبباً في غفران الذنوب . والمصافحةُ رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل بها صحابته-رضوان الله عليهم-، ( قال قتادة: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ) ([210]) .وفي قصة توبة الله على كعب قال: ( دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني )([211]) . ومن حديث أنس-رضي الله عنه- لما جاء أهل اليمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أقبل أهل اليمن، وهم أرق قلوباً منكم ) فهم أول من جاء بالمصافحة ([212]) . وعن البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: ( من تمام التحية أن تصافح أخاك )([213]) .
والمصافحة سنة عند التلاقي، وهو توكيد للسلام . جاء في الأدب المفرد: واعلم أن التصافح عند الملاقاة للتأنيس وتوكيد التسليم القولي، فإن التسليم إيذان بالأمن قولاً والتصافح نحو بيعة وتلقين على ذلك وتوكيد لما تلفظاه بالتسليم ليكون كل من المتلاقيين على أمن من صاحبه([214]) .
وبعد ذكر الآثار الدالة على جواز المصافحة، والمرغبة فيها، فلا نظنُ بمسلمٍ يبخل علىنفسه بخيرٍ، أو يرغب عن سنة !.


مسألة: اعتاد بعض الناس أن يسلموا على من بجانبهم أدبار الصلوات المكتوبات، فهل ذلك الفعل مشروع ؟
الجواب: السلام أدبار الصلوات المكتوبات، ليس بمشروع، ولم يعهد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الخلفاء الراشدين، ولا عن صحابته الكرام، والعمل بها إحداث في الدين لم يأذن به الله .
قال فضل الله الجيلاني: قال ابن عابدين: إن المواظبة عليها بعد الصلوات الخمس خاصة قد تؤدي بالجهلة إلى اعتقاد سنيتها في خصوص هذا المواضع، وأن لها خصوصية زائدة على غيرها، مع أن ظاهر كلامه أنه لم يفعلها أحد من السلف في هذه المواضع . وفي الملتقط: تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال، لأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يفعلوا ذلك، ولأنها من سنن الروافض . وعن الشافعية أنها بدعة: لا أصل لها في الشرع، وأنه ينهى فاعلها أولاً ويعزر ثانياً . وفي المدخل: أنها من البدع، وموضع المصافحة في الشرع هو إنما عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات، فحيث يضعها الشرع يضعها. فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى به خلاف السنة ([215]) .
فائدة 1: عند البخاري في الأدب المفرد عن سلمة بن وردان قال: ( رأيت أنس ابن مالك-رضي الله عنه- يسلم على الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فسمح على رأسي ثلاثاً وقال:( بارك الله فيه)([216]) . فعلى هذا يستحب السلام على الصبيان لما فيه من الرحمة بهم، والحنو عليهم، وتعويدهم على الخير. وفي مسح أنس -رضي الله عنه- على رأس الغلام دليل على شفقته ورحمته بالصبيان.
2-تحريم مصافحة المرأة الأجنبية .ويستدل لذلك بما رواه البخاري في صحيحه، من حديث عائشة- أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها في مبايعة المهاجرات- قالت: ( ... فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقن فقد بايعتكن . لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام، والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا بما أمر الله، يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن . كلاماً )([217]) . وقوله ( قد بايعتكن. كلاماً) أي يقول ذلك كلاماً فقط، لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة، قاله ابن حجر ([218]) . وفي حديث أميمة بن رقيقة-رضي الله عنها- ما يشهد لذلك، وفيه تصريح بمنع مصافحة النساء . فإنه صلى الله عليه وسلم لما بايع النساء ( قالت : فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إني لا أصافح النساء. إنما قولي لمائة امرأة، كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة ) ([219]).
قال ابن عبد البر: في قوله:( أني لا أصافح النساء )، دليل على أنه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له، ولا يمسها بيده، ولا يصافحها([220]) .
فائدة: يعتقد بعض الناس أنه يجوز مصافحة المرأة الاجنبية من وراء حائل ونحوه، وهذا اعتقاد خاطىء، فلا يجوز مصافحة النساء الاجنبيات مطلقاً . نعم، هناك آثار وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبايع النساء من فوق ثوبه، ولكنها مراسيل لاتقوى على دفع الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تمنع من مصافحة الاجنبيات . قال الألباني: وقد روي في ذلك بعض الروايات الأخرى ولكنها مراسيل كلها ذكرها الحافظ في الفتح(8/488)، فلا يحتج بشيء منها لا سيما وقد خالفت ما هو أصح منها ... ([221]) .
3-استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك . لما رواه أنس بن مالك-رضي الله عنه- أنه قال:( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجلُ الذي ينزع...الحديث )([222]) . وفي الحديث استحباب المصافحة وإطالة المعاقدة بحيث لا يكون فيه مشقة .
مسألة: لو تصافح أثنان وأطالا المعاقدة فمن ينزع أولاً ؟
الجواب:قال الشيخ تقي الدين: الضابط أن من غلب على ظنه أن الآخر سينزع أمسك، وإلا فلو استحب الإمساك لكل منهما أفضى إلى دوام المعاقدة، لكن تقييد عبد القادر حسن([223]) أن النازع هو المبتدئ ([224]) .
4- القيام تحية للقادم . القيام على ثلاثة أنحاء: الأول: قيام على على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة، والثاني: قيام إليه عند قدومه ولا بأس به،والثالث: قيام عند رؤيته وهو المتنازع فيه، قاله ابن القيم([225]) .
فدليل الأول: ما رواه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمعُ الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: ( إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون علىملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا. ائتموا بأئمتكم إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن قاعداً فصلوا قعوداً )([226]) . وهذا القيام منهي عنه بلا ريب والحديث صريح في منع قيام الناس على أكابرها وعظمائها، وهو فعل الجبابرة .
إلا إذا دعت الحاجة لذلك، كأن يخاف على الرجل أن يعتدى عليه فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة العدو، مثل ماحصل من المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلى الله عليه وسلم، للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- واقفاً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة، قاله ابن عثيمين ([227]) .
ودليل الثاني: ما رواه مالك في موطأه في قصة إسلام عكرمة ابن أبي جهل -وفيه- : ( ...فأسلم وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه ... الحديث )([228]) . وسبق ذكر قصة توبة كعب وفيه قيام طلحة له مهنئاً. قال : ( دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني )([229])
ودليل الثالث-المتنازع فيه وهو القيام عند الرؤية -: حديث أبي مجلز قال: أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود، فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير-وكان أرزنهما- قال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم :( من سره أن يمثُلَ له عباد الله قياماً فليتبوأ بيتاً من النار )([230]) . ولفظ أبي داود : ( فقال معاوية لعامر : اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار )([231]) . وهذا الحديث انقسم أهل العلم في فهمه إلى ثلاثة فرق، الأولى : ذهبت إلى أن هذا الحديث دليل على كراهة القيام على العظماء كما يُفعل عند عظماء فارس والروم، والحقوا هذا الحديث بحديث مسلم في كراهة القيام على رأس الجالس كما تفعله الأعاجم بعظمائها.
والفرقة الثانية: استدلت به على كراهة القيام للقادم، وذهبت إلى أن النص صريحٌ في ذلك، فمعاوية -رضي الله عنه- أورد هذا الحديث عندما قام ابن عامر لرؤيته، فإيراده لهذا الحديث عند هذا الحدث قرينةٌ قوية تبين المراد من الحديث . ثم إن عدم إنكار ابن الزبير على معاوية-رضي الله عنهما- دليل على استقرار ذلك عنده أيضاً .
وردت هذه الفرقة على من حمل حديث معاوية، بأنه قيام على رأس الجالس، بأوجه منها:
[الوجه الأول:]إن العرب لم يكونوا يعرفون هذا-أي القيام على رأس الجالس-، وإنما هو من فعل فارس والروم.
[الوجه الثاني:] ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل، إنما هو قيام عليه. ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه: المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة عند العرب، قاله ابن القيم ([232]) .
والفرقة الثالثة: فصَّلت في ذلك فقالت : إن كان القيام على وجه التعظيم فمكروه، وإن كان على وجه الإكرام فلا يكره، قاله الغزالي، وحسن قوله ابن حجر ([233]) .
وجماع هذا الأمر أوجزه ابن تيمية -رحمه الله- فقال: لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك([234]) .ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة، وقال للإنصار لما قدم سعد بن معاذ، (قوموا إلى سيدكم )([235]). وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه .
والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه . وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد . وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن .
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا اعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له ([236]).
وقال ابن حجر: وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام([237]) .
5-هل يقبل الرجلُ الرجلَ عند لقائه ؟ . لم تكن عادة السلف من الصحب ومن بعدهم، أن يقبلوا بعضهم بعضاً عند اللقاء كما هو الحال اليوم، والآثار التي فيها ذكر التقبيل عند اللقاء لا تقوى على رد الحديث الصريح الذي ينهى عن التقبيل عند اللقاء، ورد الألباني على هذه الأحاديث من وجهين مفادهما: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة، والثاني: أنه مع فرض صحتها لم يجز أن يعارض بها الحديث الصحيح([238]) . والحديث رواه أنس بن مالك-رضي الله عنه- قال: ( قال رجل: يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيصافحه؟ قال: نعم إن شاء )([239]) . والحديث صريح في النهي عن الإنحناء والتقبيل عند اللقاء المعتاد. ولكن لا يمنع من المعانقة عند لقاء المسافر والغائب، وشاهدنا في ذلك فعل جابر بن عبد الله، فعن جابر بن عبد الله أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،[قال] فابتعت بعيراً فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابراً بالباب. فرجع الرسول فقال:جابر بن عبد الله؟ قلت : نعم. فخرج فاعتنقني . قلت: حديث بلغني أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(يحشر الله العباد-أو الناس- عراةً غرلاً بهماً)، قلنا: ما بهماً؟ قال:( ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد( أحسبه قال: كما يسمعه من قرب) : أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة)([240]) .
فائدة : قبلة الوالد لولده من تمام العطف والمحبة، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل اولاده، وقبل الحسن والحسين، وقبل أبوبكر ابنته عائشة، وهذه أخبار مشهورة، استغنينا بشهرتها عن تخريجها وردها إلى مصادرها .
فائدة 2: تقبيل اليد، أجازها بعض العلماء على طريق التدين . قال المروذي : سألتُ أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال: إن كان على طريق التدين، فلا بأس؛ قد قَبَّلَ أبو عبيدة يدَ عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه وسوطه ...وقال عبد الله بن أحمد: رأيتُ كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبَّلونه -يعني أباه- : بعضهم يده وبعضهم رأسه ([241]) .
وكره آخرون تقبيل اليد وسموها السجدة الصغرى. قال سليمان بن حرب : هي السجدة الصغرى، وأما ابتداءُ الإنسان بمدِّ يده للناس ليقبلوها وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ بذلك ([242]) .
6- تحريم الانحناء أو السجود عند التحية . روى أنس بن مالك-رضي الله عنه- قال: ( قال رجل: يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيصافحه؟ قال: نعم إن شاء )([243]) . والحديث صريح في النهي، ولاصارف له، وهو يقتضي التحريم. فلا يجوز الإنحناء لمخلوق أبداً لأن ذلك لا يكون إلا للخالق جل وعلا، والسجود من باب أولى . قال ابن تيمية: وأما الإنحناء عند التحية: فينهى عنه، كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال : لا) ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عزوجل ([244]) .
وأما السجود فلا يرتاب عاقل في صرفه لله-سبحانه وتعالى- دون غيره، وفيه من العبودية ما ليس في الانحناء، فإنه ليس من هيئة يجتمع فيها معاني الذل والخضوع والاستكانة والعبودية كما في السجود؛ ولذا جاء في حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم ) ([245]) . وقوله: (قمنٌ) أي حقيق وجدير أن يستجاب هذا الدعاء . ولما كان السجود فيه من التعظيم ما فيه كان فعله لغيره حراماً.والدليل على ذلك أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( ما هذا يا معاذ؟ ) قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فلا تفعلوا فإني لوكنتُ آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها،والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ) ([246]) .
فائدة في السجود: يضع المسلم وجهه وهو أكرم الاعضاء وأشرفها عنده على الأرض التي هي مواطيء الاقدام، إجلالاً لله وتعظيماً لله وعبودية لله، ويجد المؤمن في قلبه من اللذة عند التضرع إلى الله حال السجود ما لايجده في موضع آخر. فسبحان من سجد له المصلون في الأرض ونزهوه عن السفول بقولهم : ( سبحان ربي الأعلى ) .






























5- باب آداب الزيارة .

- قال تعالى :{ يا أيها الذين الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء }

-عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى . فأرصد الله له، على مدرجته([247])، ملكاً. فلما أتى عليه قال: أين تريد ؟قال: أريدُ أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبها([248])؟ قال: لا . غير أني أحببته في الله عز وجل . قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه )([249]) .


* الآداب *
1- الزيارة في غير الأوقات الثلاثة التي في آية الاستئذان . أرشد الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يمنعوا خدمهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، من الدخول عليهم في أوقات العورات الثلاثة، وهي: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء. والعلة في ذلك أن هذه الأوقات مظنة النوم، والإخلاد إلى الراحة، والإفضاء إلى الأهل، فلذلك حصل المنع من الدخول في هذه الأوقات إلا بإذن . والزيارة في أحد هذه الأوقات الثلاثة لا شك أنها تعكر على أهل البيت صفوهم، وتقلق راحتهم، وتسبب لهم الحرج لأن الناس في الغالب لا يكونون مستعدين لاستقبال أحد في هذه الأوقات. ويخرج من ذلك ما لو كان الإنسان مدعواً لوليمة طعام الغداء أو العشاء فهذا ليس من هذا . ولعلنا نستأنس في هذا بحديث وأثر .
فأما الحديث فهو مارواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة-أم المؤمنين-رضي الله عنها- قالت: ( لقلَّ يومٌ كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، فلما أُذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهراً، فخُبِّر به أبو بكر فقال: ما جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث... الحديث )([250]) .
الشاهد : هو قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في وقتٍ ليس بوقت زيارة، وهو وقت القيلولة، وتعجب أبو بكر من قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الساعة دلالة على أن هذا الوقت ليس بوقت زيارة عندهم .
وأما الأثر ما رواه ابن عباس عن نفسه وفيه: (قال: فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائلٌ فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب ...)([251]) .
الشاهد: أن ابن عباس مع حرصه على طلب العلم، واغتنام الأوقات، إلا أنه آثر أن ينتظر حتى يخرج إليه من يريد، لأن مجيئه كان في وقت القيلولة وهو وقت راحة القوم .
2- لايؤم الزائر صاحب البيت، ولا يجلس على فراشه إلا بإذنه . وذلك لأن الرجل في بيته أحق من غيره، فكانت إمامة الصلاة، والجلوس على فراشه المعد له، لا يكون إلا بإذنه . جاء ذلك في حديث أبي مسعود الأنصاري يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( يؤُم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً[وفي رواية:سناً] ، ولا يؤمن الرجلُ الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته([252]) إلا بإذنه [ وفي رواية : إلا أن يأذن لك أو بإذنه] ) ([253]) . قال النووي: معناه... أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه، وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده، وإن كان الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء ([254]).
3- الإقلال من الزيارة . يشير حديث عائشة-أم المؤمنين-رضي الله عنها- السابق وهو قولها: ( لقلَّ يومٌ كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار) وفي رواية ( ..ولم يمر عليهما يومٌ إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية )([255]) . إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُكثر من زيارته لأبي بكر -رضي الله عنه، وأما الحديث المشهور ( زر غباً تزدد حباً )([256]) . فقد قال عنه ابن حجر: وكأن البخاري رمز بالترجمة([257]) إلى توهين الحديث المشهور ( زر غباً تزدد حباً ) وقد ورد من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحد منها من مقال ([258]) . وعلى فرض صحته فإنه لا منافاة بينه بين حديث عائشة. قال ابن حجر: لأن عمومه يقبل التخصيص، فيحمل على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة فلا ينقص كثرة زيارته من منزلته. قال ابن بطال: الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارات إلا محبة، بخلاف غيره ([259]) .
فائدة : قال ابن عبد البر :
وقابلني منه البشاشةُ والبشرُ

أزور خليلي ما بدالي هَشُّهُ

ولو كان في اللقيا الولايةُ والبشرُ ([260])

فإن لم يكن هشٌ وبشٌ تركتُهُ





















6- باب آداب الضيافة

- قال تعالى : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذا دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قومٌ منكرون * فراغ([261]) إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون } [262] .

-قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )([263]).

* الآداب *

1 - إجابة الدعوة . قد جاءت أحاديث كثيرة في إيجاب إجابة الدعوة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( حق المسلم على المسلم خمسٌ ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ) ([264]) وقوله :( أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم لها قال وكان عبد الله[ابن عمر] يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم ) ([265]) . وجمهور أهل العلم على أن إجابة الدعوة مستحبة إلا دعوة العرس فإنها واجبة عندهم لقوله صلى الله عليه وسلم ( شر الطعام طعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ) ([266]) . وفي بعض الروايات عند مسلم وغيره ( يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها )، ولكن اشترط بعض أهل العلم شروطاً لحضور هذه مثل الدعوات، ساقها الشيخ محمد ابن صالح العثيمين فقال :
أ- أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن .
ب- ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر فإن أمكنه إزالته وجب عليه الحضور لسببين : إجابة الدعوة، وتغيير المنكر . وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور.
ت- أن يكون الداعي مسلماً، وإلا لم تجب الإجابة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( حق المسلم على المسلم ست... ) وذكر منها ( إذا دعاك فأجبه ) .
ث- أن لا يكون كسبه حراماً؛ لإن إجابته تستلزم أن تأكل طعاماً حراماً وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم . وقال آخرون: ما كان محرماً لكسبه فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرماً لعينه كالخمر والمغصوب ونحوهما وهذا القول وجيه[ ثم ساق الأدلة] .
ج- أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها، فإن تضمن ذلك حرمت الإجابة .
ح- أن لا تتضمن ضرراً على المجيب، مثل: أن يحتاج إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم ([267]) .
ونزيد أيضاً :
خ- أن لا يعين الداعي المدعو ولا يخصه بالدعوة، فإن لم يعينه كأن يتكلم الداعي في مجلس عام، فلا تجب حينئذٍ هذه الدعوة، لأنها دعوة الجَفَلَى ([268]) .
مسألة : هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة ؟
الجواب : البطاقات [التي] ترسل إلى الناس ولا يدرى لمن ذهبت إليه فيمن أن نقول إنها تُشبه دعوة الجَفَلَى فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة . قاله ابن عثيمين ([269]) .
فائدة : الصيام لا يمنع من إجابة الدعوة . فمن دُعي وهو صائم فليجب الدعوة وليدعو لهم بالمغفرة والبركة، سواءٌ كان صومه فرضاً أم نفلاً . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إذا دُعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم ) ([270]) . وقوله ( فليصل ) فُسر في بعض الروايات عند أحمد وغيره بأنها الدعاء ( فإن كان صائماً فليصل يعني الدعاء ) ([271]) . وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال : ( صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت ) ([272]) . قال النووي : وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضاً لم يجز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلاً جاز له الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم ([273]) .
2-إكرام الضيف واجب . الأحاديث قاضية بوجوب إكرام الضيف والندب إليه، فعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال ( قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقومٍ فلا يقروننا فما ترى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ) ([274]) . ولفظ الترمذي : ( إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهاً فخذوا ) . وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته ([275]) يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال:( يقيم عنده، ولا شئ له يقريه به ) ([276])
ذكر النووي الإجماع على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ([277]) . ثم بين خلاف العلماء في وجوبها وسنيتها، فمالك والشافعي وأبو حنيفة يرون أنها سنة وليست بواجبة وحملوا الأحاديث على أشباهها من الأحاديث الأخرى كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم وغيره. وقال الليث وأحمد بوجوب الضيافة يوماً وليلة، وقيد أحمد ذلك على أهل القرى والبادية دون المدن .
فائدة : في الحديث النهي عن بقاء الضيف أكثر من ثلاثة أيام، حتى لا يوقع من استضافه في الأثم إما بالظن به ما لايجوز، أو اغتيابه، أو نحو ذلك . قال الخطابي: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء حتى يضيق صدره فيبطل أجره ([278]) . وقال ابن الجوزي عند قوله(حتى يؤثمه): وذلك أنه إذا لم يكن له ما يقريه به تسخط بإقامته، وربما ذكره بقبيح، وربما أثم في كسب ما ينفقه عليه ([279]) . ولكن يستثنى من ذلك إذا علم الضيف أن من ضيفه لا يكره ذلك، أو أنه طلب منه المكوث أكثر من ذلك. أما إذا شك الضيف في حال المضيف فالأولى له أن لا يبقى بعد الثلاث .
3-استحباب الترحيب بالضيوف . فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (لما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم قال مرحباً ([280]) بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامي ... الحديث ) ([281]) . والذي لا شك فيه أن استقبال الرجل لضيوفه بعبارات الترحيب وما شابهها، تدخل السرور والأنس عليهم، والواقع يصدقه .
4- ماذا يقول الضيف إذا تبعه من لم يُدعى . يقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن أبي مسعود -رضي الله عنه-قال: ( كان من الأنصار رجلٌ يقال له أبو شعيب وكان له غلامٌ لحامٌ فقال اصنع لي طعاماً أدعُو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، فتبعهم رجلٌ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنك دعوتنا خامس خمسة وهذا رجلٌ قد تبعنا فإن شئت أذنت له وإن شئت تركته . قال: بل أذنت له ) ([282]) . وفي الحديث فوائد نسوق منها ما نحن بصدده . ففيه أن من دعا قوماً متصفين بصفة ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذٍ أنه لا يدخل في عموم الدعوة ...وفيه أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وإن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداءً ([283]) لأن الرجل تبع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرده لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له . قاله ابن حجر ([284]) .
5- التكلف للضيف . لا ينبغي التكلف للضيف كثيراً بحيث يخرج عن حده المعقول، لأن التكلف عموماً منهيٌ عنه، فعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: كنا عند عمر فقال نُهينا عن التكلف ([285]) . وليس هناك حدٌ معتبر لقولنا هذا فيه تكلف أو ليس فيه تكلف، وإنما المرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس على أمرٍ وعدوه تكلفاً، فهو تكلف، وما لا فلا . وصنع الطعام للضيف يكون بالقدر الذي يفي بالمقصود بلا إسراف ولا تقتير، وخير الأمور أوسطها . فمن حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) ([286]) . وأما ما يعهد اليوم من إسراف بعض الناس في ولائمهم، والتكلف بها، وإخراجها عن حدها المشروع، فحدث ولا حرج ! . بل إن بعضهم أصبح في سباق مع غيره أيهما يغلب صاحبه، كثرة تنويع الأصناف، وتكثيرها، والمبالغة فيها، حتى يُقال فلان ابن فلان فعل كذا وكذا، ولا شك أن هذا فعلٌ مذموم، ولا يجوز أكل مثل هذا الطعام . وذلك لما رواه ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل ([287]) . قال الخطابي: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كُره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى الله عنه من أكل
المال بالباطل ([288]) .
6- الدخول بإذن والانصراف بعد الفراغ من الطعام . وهذا أدبٌ بينه القرآن قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } حيث نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يدخلوا بيوت النبي إلا بإذن، والمؤمنون كذلك لا يدخلوا بيوت بعضهم إلا بإذن فالنهي يدخل فيه جميع المؤمنين . قال الشوكاني: فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام ([289]) . وكانت عادتهم في الجاهلية أنهم يأتون إلى الوليمة مبكرين جداً ينتظرون نضج الطعام، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: { غير ناظرين إناه } أي : غير منتظرين نضجه وإدراكه ([290]) .
ثم بين الله-سبحانه وتعالى- أن من أصاب حاجته من الطعام فلينصرف ولا يجلس مستأنس لحديث، لأن ذلك فيه إيذاءٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك بقية الناس فالغالب أنهم يتأذون من بقاء المدعوين بعد الفراغ من الطعام، فلا ينبغي المكث لهم، إلا يكون رب البيت يرغب في بقائهم، أو أن تكون عادة القوم كذلك، ولم يكن هناك مشقة ولا أذى فلا بأس بذلك؛ لأن العلة التي من أجلها جاء النهي انتفت.
7- تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن . ينبغي على من أضاف قوماً أن يقدم أكبرهم ويخصه بمزيد عناية،وذلك لحث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك في أيما حديث، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر فدفعته إلى الأكبر ) ([291]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا ) ([292]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن؛ غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ) ([293]) . وأما حديث سهل بن سعد-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلامٌ وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء فقال الغلام والله يا رسول الله لا أُثر بنصيبي منك أحداً قال فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده )([294]) . فهو وإن كان يُفيد تقديم الأيمن فالأيمن صغيراً كان أو كبيراً، إلا أنه لا يعارض أحاديث تقديم الكبير على من دونه، ويمكن الجمع بينهما فنقول:
أن تقديم الأيمن يُنزل على من شرب شئياً وبقي منه فضله، فيعطي من على يمينه إلا أن يأذن. وحول هذا المعنى يُشير ابن عبد البر فقال : وفيه ([295]) من ]f أدب المأنهنننيمسينميسنمأدبأكأدب المواكلة والمجالسة، أن الرجل إذا أكل أو شرب، ناول فضله الذي على يمينه-كائناً من كان، وإن كان مفضولاً،وكان على يساره فاضلاً ([296]) وتقديم الأكبر يُنزل على تقديم الشراب أو الطعام ابتداءً، ثم يليه من كان على يمينه . ولعل هذا القول يتقوى بما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال ابدءوا بالكبير ) ([297]) وفي هذا جمعٌ بين الأدلة والله أعلم .
8- دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام . من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أكل طعاماً عند قومٍ دعا لهم، فعن أنسٍ (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيتٍ فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة ) ([298]) . وخص بعض أهل العلم هذا الدعاء عند الفطر فقط، والاكثرون على إطلاقه في الفطر وغيره ([299]) .
وفي حديث المقداد بن الأسود-رضي الله عنه- الطويل في احتلاب اللبن، وفيه دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني ) ([300]) . قال النووي: فيه الدعاء للمحسن والخادم، ولمن يفعل خيراً ([301]) . والداعي فاعلٌ للخير .
وروى عبد الله بن بُسر أن أباه صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فدعاه فأجابه، فلما فرغ من طعامه قال: ( اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم ) ([302]) .
9- استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار . وهذا من تمام الضيافة، وحسن الرعاية للضيف، وتأنيسه حتى يغادر الدار. و لايثبت في ذلك خبر مرفوع صحيح يُعول عليه، إنما هي آثار عن سلف هذه الأمة وأئمتهم، نقتصر على واحدٍ منها : زار أبو عبيد القاسم بن سلام أحمد بن حنبل ..قال أبو عبيد( فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تماما زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه ...) ([303]) .
















7-باب آداب المجالس

- قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم، وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } ([304]) .

* الآداب *
1- فضل ذكر الله في المجالس، والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه . جاء النهي الشديد عن مجالس لا يذكر فيها اسم الله، كحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ وكان لهم حسرةً ) ([305]) . وفي الفاظ هذا الحديث من التنفير مافيه، وقوله :( إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ ) أي مثلها في النتن والقذارة، وذلك لما يخوضون من الكلام في أعراض الناس وغير ذلك ([306]) . والحسرة هي الندامة؛ وذلك بسبب تفريطهم . وفي مقابل ذلك ما لو عُمرت هذه المجالس بذكر الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذه المجالس محبوبةٌ إلى الله، وأهلها في ازدياد من الخيرات . وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ينبئك عن ذلك، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله ملا ئكة يطوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم ما يقول عبادي قالوا يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال فيقول وهل رأوني . قالوا فيقولون لا والله ما رأوك . قال فيقول وكيف لو رأوني . قال يقولون لو رأوك كانوا لك أشد عبادةً وأشد لك تمجيداً وتحميداً وأكثر لك تسبيحاً قال يقول فما يسألوني . قال يسألونك الجنة. قال يقول وهل رأوها . قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها . قال يقول فكيف لو أنهم رأوها . قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبةً. قال فمم يتعوذون. قال يقولون من النار. قال يقول وهل رأوها . قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها. قال يقول فكيف لو رأوها. قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافةً . قال فيقول فأُشهدكم أنِّي قد غفرت لهم . قال يقول ملكٌ من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجةٍ . قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ) ([307]) .
2- اختيار رفيق المجلس . من الأمور المهمة جداً في حياة المرء، اختيار رفيق المجلس، لأن الإنسان يتأثر بجليسه ولابد، ومهما كانت عنده من قوة وحصانة . ولذا أرشدنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى حسن اختيار الخليل بقوله : ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) ([308]) . ومعنى الحديث: أن الإنسان على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فليتأمل ويتدبر من يخالل، فمن رضي دينه وخلقه خاللـه، ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة ([309]) . ولقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً، وضح لنا أثر الجليس على جليسه فقال : ( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة . ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة ) ([310]) . والحديث بيّنٌ في التحذير من مجالسة أهل السوء، والترغيب في مجالسة أهل الصلاح والتقى . وجليس السوء إما مبتدعاً، وإما فاسقاً .
فإن كان مبتدعا فقد جاءت أقوال السلف في التحذير منهم، وعدم مجالستهم، لأنهم ضررٌ على الدين والدنيا، ومجالس أهل البدع لا تخلو من أمرين إما أن ينغمس في بدعتهم، أو يصاب بالحيرة والشك لما يلقيه أهل البدع من الشبهات المضلة، وكلاهما شر . ومن أقول السلف في ذم أهل البدع والتحذير من مجالستهم، قول الحسن البصري : لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم . وقال أبو قلابة : لا تجالسوهم ولا تخالطوهم فإنى لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم كثيراً مما تعرفون. وقال ابن المبارك...: يكون مجلسك مع المساكين وإياك أن تجالس صاحب بدعة . وقال الفضيل بن عياض : إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مجلسك مع صاحب بدعة فإن الله لا ينظر إليهم وعلامة النفاق أن يقوم الرجل يقعد مع صاحب بدعة ([311]) .
و إن كان الجليس فاسقاً . فإنك لن تسلم من سماع الخنا، والقول الباطل، والغيبة، وقد يصاحب ذلك تهاون في الصلوات، وغير ذلك من المعاصي التي تميت القلب . ولذا نجد أن بعض الذين انتكسوا بعد الاستقامة كان بسبب مجالستهم للفساق .
3- السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف. سبق لنا في آداب السلام بيان أن من السنة السلام على أهل المجلس عند القدوم عليهم، وعند إرادة الانصراف. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا انتهى أحدكم إلى مجلسٍ فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إن قام فليسلم، فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة ) قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن ([312]) .
4-كراهية إقامة الرجل من مجلسه ثم الجلوس . من جلس في مكان مباح كالمسجد ونحوه، فهو أحق بمجلسه من غيره، بحيث أنه لو طرأ عليه وترك مجلسه لأمرٍ ما ثم عاد لمجلسه في وقتٍ يسير، فإنه أحق بمجلسه وله أن يقيم من جلس فيه . مصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قام أحدكم . وفي حديث أبي عوانة: من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ) ([313]) . فالحق لصاحب المجلس لا يعدوه، فهو أولى به، ولذا جاء النهي من إقامة الرجل من مجلسه المباح . فقدروى ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا، وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجلُ من مجلسه ثم يجلس مكانه ) ([314]) . والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للموادة، وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن استحق شيئاً استحقه، ومن استحق شيئاً فأُخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام. قاله ابن أبي جمرة ([315]) .
مسألة : قد علمنا كراهية إقامة الرجل من مجلسه والقعود فيه، ولكن هل تزول هذه الكراهية إذا كانت بإذن صاحب المكان ؟
الجواب : إذا تنازل صاحب المجلس عن مجلسه لغيره، فلا مانع من الجلوس فيه، لأن الحق له وقد تنازل عنه. وأما ما أُثر عن ابن عمر من كراهية ذلك، فقد روى أبا الخصيب قال: (كنت قاعداً فجاء ابن عمر فقام رجلٌ من مجلسه له فلم يجلس فيه وقعد في مكان آخر. فقال الرجل ما كان عليك لو قعدت ، فقال: لم أكن أقعد في مقعدك ولا مقعد غيرك بعد شئ شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجلٌ من مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ([316]) . وأما ما نسب إلى ابن عمر-رضي الله عنهما- فيقول النووي: فهذا ورعٌ منه، وليس قعوده فيه حراماً إذا قام برضاه ، لكنه تورع من وجهين: أحدهما أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا. والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه في الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك ([317]) .
مسألة 2 : يعمد بعض الناس إلى وضع (سجادة الصلاة) أو نحو ذلك، رغبةً منهم في نيل فضل الصف الأول، مع تأخرهم في الحضور إلى المسجد، فهل هذا الفعل مشروع ؟
الجواب : تكلم شيخ الاسلام ابن تيمية عن هذه المسألة بخصوصها فقال : وأما ما يفعله كثيرٌ من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة، أو غيرها، قبل ذهابهم إلى المسجد، فهذا منهي عنه بإتفاق المسلمين ؛ بل محرم. وهل تصح صلاته على ذلك المفروش ؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان.[ثم قال]... والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول، فالأول، ويتراصون في الصف ) ([318]) . وفي الصحيحين عنه أنه قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لا ستبقوا إليه ) ([319]) . والمأمور أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم. ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد، ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا. وفي الحديث ( الذي يتخطى رقاب الناس، يتخذ جسراً إلى جهنم ) ([320]) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجلس فقد آذيت ) ([321]) .
ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه ؟ فيه قولان :
أحدهما: ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير اذنه .
والثاني: وهو الصحيح أن لغيره رفعه، والصلاة مكانه؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم، وهو مأمور بذلك أيضاً، وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به .
وأيضاً فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسيلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ([322]) . لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، والله تعالى أعلم [323] .
5- التفسح في المجالس . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } ([324]) . هذا أدب من الله لعباده، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب، أن يفسحوا له، تحصيلاً لهذا المقصود. وليس ذلك بضار الفاسح شيئاً، فيحصل مقصود أخيه، من غير ضرر يلحقه. والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح لأخيه، فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه. { وإذا قيل انشزوا } أي : ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم، لحاجة تعرض. { فانشزوا } أي: فبادروا للقيام، لتحصيل تلك المصلحة. فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان. قاله ابن سعدي ([325]) .
6- لا يجوز التفريق بين اثنين إلا بإذنهما . وفيه حديث وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ) ([326]) . وهذا أدب نبوي عظيم، وهو منع الرجل أن يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، والعلة في ذلك؛ أنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانه فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما، قاله في عون المعبود ([327]) .
7- الجلوس حيث ينتهي المجلس . وهذا ثابتٌ من فعل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم. فعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال : ( كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي ) ([328]) . حيث كانوا-الصحابة- إذا جاء أحدهم إلى المجلس لم يتكلف الجلوس في المقدمة، أو مزاحمة ومضايقة الجالسين، بل كانوا يجلسون حيث انتهى بهم المجلس، وهذا من كمال أدبهم-رضي الله عنهم وأرضاهم- .
8- النهي عن تناجي اثنين دون الثالث. في اللسان، النجو: السِّرُّ بين اثنين، يقال: نَجَوته نجواً أي ساررته، وكذلك ناجيته، والاسم النجوى ([329]) . والتناجي المنهي عنه، هو أن يتسَّار اثنان دون الثالث، والعلة في ذلك، حتى لا يدخل الحزن إلى قلب الثالث لما يراه من تسَّار صاحبيه، والشيطان حريصٌ كل الحرص على إدخال الحزن، والوساوس، والشكوك على قلب المسلم، فجاء النهي النبوي عن ذلك حتى يقطع الطريق على الشيطان، وحتى لا يظن المسلم بإخوانه سوءً. والأصل في ذلك هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا ينتجي ([330]) اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه ) ([331]) . وفي رواية( لا يَتَسَارَّ اثنان دون الثالث ) ([332]) . وأما إن كان القوم أربعة فما فوق فلا بأس بذلك، لانتفاء العلة . وحديث ابن مسعود يبين ذلك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل أن يحزنه ) ([333]) . وأما فعل ابن عمر-رضي الله عنهما- ففيه تطبيق للحديث، فقد روى عبد الله بن دينار، قال : كنت أنا وعبد الله ابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع عبد الله أحد غيري، وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله بن عمر رجلاً آخر، حتى إذاكنا أربعة، قال لي وللرجل الذي دعاه: استأخرا شيئاً. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يتناجى اثنان دون واحد ) ([334]) .
9- النهي عن سماع الحديث بدون إذن . لقد جاء وعيد شديد فيمن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، من ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال صلى الله عليه وسلم : ( من تحلَّلم بحُلم لم يرهُ كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرُّون منه صُبَّ في أذنه الآنك([335]) يوم القيامة، ومن صوَّر صورة عُذب وكُلِّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ ) ([336]) . والنهي مقيد بما إذا كان القوم كارهون لذلك، ويخرج بذلك ما إذا كانوا راضين به، ويخرج أيضاً إذا كان كلامهم جهراً يُسمع من حولهم، لأنهم لو أرادوا إخفاءه لم يجهروا به ([337]) .
10- الجلوس المنهي عنه . ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن الجلوس، في هيئات معينة، وفي أحوال مخصوصة، وهذه الهيئات والأحوال، منها ما علمنا علتها عن طريق السمع، ومنها ما كان طريق الاجتهاد والنظر . فهيئة الجلوس المنهي عنها: أن يضع الرجل يده اليسرى خلف ظهره ويتكئ على لحمة يده اليمنى التي في أصل الإبهام ([338]) . جاء ذلك من حديث الشريد بن السويد-رضي الله عنه- قال: مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالسٌ هكذا، وقد وضعتُ يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأتُ على آلية يدي. فقال: ( أتقعد قعدة المغضوب عليهم ) ([339]) . وأما الحال التي ينهى عنها، وهي جلوس الرجل بين الشمس والظل . فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الشمس _وقال مخلد في الفئِ فقلص عنه الظلُّ وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم ) ([340]) . وعند أحمد: ( فليتحول من مجلسه ) ([341]) . ومن طريق بريدة -رضي الله عنه- قال: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُقعد بين الظل والشمس ) ([342]) . والعلة في ذلك؛ أنه مجلس الشيطان. جاء مصرحاً بذلك عند أحمد وغيره، فقد أخرج أحمد من طريق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يجلس بين الضح والظل، وقال مجلس الشيطان ) ([343]) .
مسألة : ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى ) ([344]) . وثبت أيضاً في الصحيحين وغيرهما، من حديث عباد بن تميم عن عمه، أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع في المسجد رافعاً إحدى رجليه على الأخرى ) ([345]) . والحديثان ظاهرهما التعارض، فكيف الجمع بينهما ؟
الجواب: قال بعض العلماء أن النهي منسوخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ورد ذلك ابن حجر، بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال ([346]) . قلت: ولا بد من معرفة المتقدم من المتأخر . وجمع النووي وغيره فقال: ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأ، النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس على الإطلاق بل المراد به من ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها والله أعلم ([347]) . ويؤيد هذا القول بأن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز لا أنه مختصٌ به، هو ما ثبت عند البخاري - بعد إيراده حديث عباد بن تميم عن عمه- قال : وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك ([348]) . فلما كان بعض الصحابة يفعلون ذلك، دل ذلك على أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم كان لبيان الجواز، ولكن مع الأمن من انكشاف العورة، والله أعلم .
11- النهي عن كثرة الضحك . ليس من المروءة ولا الأدب أن يكون الضحك هو الغالب على المجلس، فقليله يبعث في النفس النشاط ويروح عنها، وكثيره داءٌ يميت القلب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تكثروا من الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب ) ([349]) .
12- كراهية التجشؤ ([350]) بحضرة الآخرين . وفيه حديث مرفوعٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن عمر-رضي الله عنهما- فقال: ( تجشأ رجلٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : كُفَّ عنا جُشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة ) ([351]) .
13- استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس . لما كان الإنسان ضعيفاً، وكان الشيطان حريصاً على إضلاله، والسعي دوماً إلى إغوائه، والنيل منه عن طريق اقترافه للسيئات. فكان منه أن تربص للمسلمين في مجالسهم، وأنديتهم، محرضاً لهم على قول الزور والباطل. ولما كان الله رؤوفاً بعباده شرع لهم على لسان نبيهم كلمات يقولونها، تكفَّر عنهم ما علق بهم من أدران ذلك المجلس، ثم امتن عليهم ربهم بأن جعل هذه الكلمات طابعاً لمجالس الخير فالحمد لله أولاً وآخراً . وهذه الكلمات، جاءت في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-قال : قال صلى الله عليه وآله وسلم :( من مجلس في مجلسٍ كَثُر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك ثم أتوب إليك. إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك ) ([352]) . وعند الترمذي :( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) ([353]) . ومن حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلساً أو صلى تكلم بكلمات فسألته عائشة عن الكلمات فقال: ( إن تكلَّم بخير كان طابعاً عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارةً له، سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ) ([354]) .




8- باب آداب الكلام

- قال تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً }
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) ([355])

* الآداب *

1- حفظ اللسان . مما ينبغي على المسلم أن يعتني بلسانه غاية الاعتناء، فيجتنب القول الباطل، ووقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من القول، وجماع ذلك أن يصون لسانه عما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد يتكلم المرء كلمةً توبق دنياه وآخرته، وقد يقول كلمةً يرفعه الله بها درجات ودرجات. ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها فيزل بها في النار أبعد ما بين المشرق ) وفي رواية مسلم وأحمد ( أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ([356]) ، وعند أحمد أيضاً : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحكُ بها جُلساءَهُ يهوي بها من أبعد من الثُّريا ) ([357]) .
وكما تكون الكلمة سبباً في السخط، تكون أيضاً سبباً في الرفعة والسعادة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجاتٍ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ) ([358]) . وفي سؤال معاذ بن جبل-رضي الله عنه- لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن العمل الذي يُدخل الجنة ويباعد من النار، ذكر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أركان الإسلام، وبعض أبواب الخير، ثم قال له : ( الأ أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا نبي الله . فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا .فقلت : يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم )([359]) .
بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد ضمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجنة لمن صان لسانه وفرجه، فقال: ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) ([360]) . فعلى المسلم أن يصون لسانه وفرجه عن محارم الله، طلباً لمرضاته،ورغبةً في نيل ثوابه، وهو يسيرٌ على من يسره الله عليه .
فائدة : عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- [قال حماد بن زيد] لا أعلمه إلا رفعه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن أعضاءهُ تكفِّر اللسان تقول: اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ) ([361]) . قوله : ( تكفِّر اللسان ) أي أن الأعضاء تخضع للسان، وتذل له ، وتقر له بالطاعة، فإن استقمت أيها اللسان استقمنا، وإن خالفت وحدت عن الطريق المستقيم،فإنا تبعٌ لك، فاتق الله فينا ([362]). ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وآله وسلم -من حديث النعمان بن بشير- : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب ) ([363]) . قال الطيبي ([364]) : اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم، كما في قولك: شفى الطبيب المريض. قال الميداني في قوله: المرء بأصغريه؛ يعني بهما القلب واللسان. أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير :
زيادته أو نقصه في التكلم

وكائن ترى من صامت لك معجب

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده


2- قل خيراً أو اصمت . أدب نبويٌ قولي للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيراً فنعم القول هو وليقله، وإن كان شراً فلينته عنه فهو خيرٌ له . روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً او ليصمت ) ([365]) . قوله:( فليقل خيراً أو ليصمت ) قال ابن حجر: وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت ([366]) .
3- الكلمة الطيبة صدقة . دلنا حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- السابق- على أن المرء مأمورٌ بقول الخير أو الصمت، ثم رغب الشارع في قول الخير لأن فيه تذكيرٌ بالله، وإصلاح لدينهم ودنياهم، وإصلاح ذات بينهم.. وغير ذلك من وجوه النفع . ورتب على ذلك أجراً، فقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كلُ سُلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعينُ الرجلَ على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة ) ([367]) . وربَّ كلمة طيبة أبعدت قائلها من النار، فعن عدي بن حاتم-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم قال:اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ([368]) .
4- فضل قلة الكلام، وكراهية كثرته . جاء الترغيب في الاقلال من الكلام في أيما حديث، وذلك لأن كثرته يكون سبباً في الوقوع في الاثم، فلا يأمن المُكثر منه، من فلتات لسانه وزلاته، فمن أجل ذلك جاء الترغيب في الاقلال من الكلام، والنهي عن كثرته. روى المغير بن شعبة-رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( إن الله حرم عليكم عقوق الامهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال ) ([369]) . وقوله: ( وكره لكم ...قيل وقال ) فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، قاله النووي ([370]) .
وكثرة الكلام مذمومة في لسان الشرع، فقد روى جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن من أحبكم إليَّ وأقربكم من مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون ([371]) والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال المتكبرون ) ([372]) .
فائدة: قال أبو هريرة: لا خير في فضول الكلام. وقال عمر بن الخطاب: من كثُر كلامه كثُر سقطه ... وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لاخير في كثرة الكلام، واعتبر ذلك بالنساء والصبيان، أعمالهم أبداً يتكلمون ولا يصمتون..

وقال الآخر :
وليس يموتُ المرءُ من عثرة الرِّجلِ

يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه

وعثرتُهُ بالرِّجل تبرا على مهلِ ([373])

فعثرتُهُ من فِيْهِ ترمي برأسهِ


5- الحذر من الغيبة والنميمة ([374]) . استفاض النقل من الكتاب والسنة في التحذير منهما، ورتُب على ذلك وعيدٌ شديد . والنهي عنهما معلوم لدى عامة المسلمين، ومع ذلك تجد أن كثيراً من الناس لا يتورع عن إطلاق لسانه في أعراض الناس ولحومهم، ولكن هو تزيين الشيطان لهم، ليفرق جمعهم، وليوغر صدور بعضهم على بعض، فالشريعة جاءت بجمع الكلمة، وتأليف القلوب، وإحسان الظن بالناس، وقول الحق وطيبه ... والشيطان يسعى إلى تفريق الكلمة، وتنفير القلوب بعضها من بعض، وسوء الظن بالناس، وقول الباطل وخبيثه . فعن جابرِ -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ) ([375]) . ومعنى الحديث: [أن الشيطان] أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها، قاله النووي ([376]) . والغيبة والنميمة إحدى بذور الشحناء الخصومات التي تكون بين الناس. والشيطان أخبرنا عنه مولانا أنه عدوٌ لنا، والعدو لا يريد لنا الخير- لا نشك في ذلك-، وأمرنا أن نعاديه ونحاربه { إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ([377]) .
والغيبة والنميمة، من أسلحة إبليس وحزبه، في التفريق بين الناس، وشحن قلوبه بعضهم على بعض. وهما من الأدواء التي تهلك الفرد وتفرق الجماعة، فتجعل الفرد من الناس على خطر من أن يناله ما أعده الله للمغتاب والنمام، وهي تُنشئُ القطيعة بين الأهل والأقارب وبين الناس . ولعلنا أن نذكر ببعض ما ورد فيهما، والموفق من خضع قلبه للحق، وصان لسانه عن الخلق . قال تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) ([378]) . ومن حديث أبي برزه الأسلمي قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتَّبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ) ([379]) . وعن أبي وائل عن حذيفة أنه بلغه أن رجلاً ينمُّ الحديث فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يدخل الجنة نمام ) وفي رواية :( قتات) ([380]) . وكلاهما بمعنى واحد .
فائدة : تباح الغيبة في ستة مواطن :
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان ذلك حراما.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي...ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول : ما تقول في رجل أو شخص كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك، فالتعيين جائز.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم...منها جرح المجروحين من الرواة والشهود...ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان...بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويُلبس الشيطان عليه ذلك، وقد يخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك .
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سببٌ آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب؛ كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى .
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمعٌ عليها، ودلائلها من الأحاديث الصحيحية مشهورة. قاله النووي ([381]) .

فائدة 2 : ينبغى على من حُملت إليه نميمة ستة أمور :
الأول: أن لا يصدقه لأن النمام فاسق .
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء .
الخامس: أن لا يحمله ما حكى له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا فيصير به نماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه . هذا آخر كلام [ أبو حامد ] الغزالي-رحمه الله- وكل هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن دعت حاجة إليها فلا مانع منها، قاله النووي ([382]) .
6-النهي عن التحديث بكل ما سُمع . وذلك لأن الحديث المسموع من الناس فيه الكذب والصدق، فإذا حدث الرجلُ بكل ما سمع، فإنه سيحدث بالكذب جزماً، ولذا كان المحدث بكل ماسمع كذاباً . فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ماسمع ) وفي رواية : ( بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع ) ([383]) .
7- الحذر من الكذب . الكذبُ هو الإخبار بخلاف الواقع، وهو مما نهى الله عنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ([384]) . ومفهوم المخالفة للآية أي: لا تكونوا مع الكاذبين . وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صديقاً . وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ) ([385]) . قال ابن حجر: قال الراغب: أصل الفجر الشق، فالفجور شق ستر الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشر ([386]) . وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ) ([387]) . فمن اتصف بالكذب، ففيه خصلة من خصال المنافقين. وعن سمرة بن جندب-رضي الله عنه- في حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ...لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجلٌ جالسٌ ورجلٌ قائمٌ بيده كلوبٌ من حديد، -قال بعض أصحابنا عن موسى- إنه يُدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا قالا : انطلق ..) وفي آخر الحديث قال صلى الله عليه وسلم للرجلين :( طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت. قالا: نعم . أما الذي رأيته يُشقُّ شدقه فكذابٌ يحدثُ بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة ..الحديث) ([388]) .
فائدة : أعظم الكذب، هو الكذب على الله والكذب على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والحلف بالله كاذباً ليقتطع به مال امرئ مسلم .
فأما الكذب على الله، فيكون بتأويل كلامه وتفسيره بلا علم، ومن ذلك إخضاع نصوص القرآن لبعض الحوادث المتجددة، ولقد كان السلف يتحرجون من تفسير كلامه -سبحانه وتعالى- بلا علم، ولهم في ذلك أقوال:
قال أبو بكر الصديق : أي أرض تُقلني وأي سماء تُظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم... وعن ابن عباس أنه سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبي أن يقول فيها ... وقال مسروق: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله . [قال ابن تيمية] فهذه الآثار وما شاكلها عن أئمة السلف محمولةٌ على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه ([389]) .
وأما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يكون بوضع الحديث عنه، ويزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله أو فعله، أو أقره. والكاذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم مُتوعد بالنار، قال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تكذبوا عليَّ فإنه من كذب عليَّ فليلج النار ) وفي رواية: ( يلج النار) ([390]) .
وأما الحلف بالله كاذباً ليقتطع به مال امرئ مسلم، فقد روى عبد الله ابن مسعود-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حلف على يمين كاذبة يقتطع بها مال رجلٍ مسلم أو قال أخيه لقىَ الله وهو عليه غضبان... ) ([391]) . وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ([392]) ) ([393]) .وعن ابن مسعود قال:(كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه)([394]) .
فائدة 2 : يباح الكذب في ثلاثة أشياء :
(1) في الإصلاح بين الناس.
(2) في الحرب.
(3) وفي حديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها .
والأصل في ذلك ما روته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط -رضي الله عنها- قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيراً أو يقول خيراً ) ([395]) . وفي رواية أبي داود : قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا أعدُّهُ كاذباً الرجلُ يصلح بين الناس، يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجلُ يحدث امرأته والمرأةُ تحدث زوجها ) ([396]) . واختلف أهل العلم في المراد بالحديث، فجمهورهم على إباحة الكذب في الثلاث المذكورات، وبعضهم قال إن المراد ليس حقيقة الكذب، بل التورية والمعاريض ([397]) . ولعل سبب اختلافهم يرجع إلى الزيادة التي في الحديث، هل هي مدرجة أم مرفوعة ثابتة. والزيادة ثبت رفعها -كما بينا- فتعين القول بإباحة الكذب في الثلاثة أمور السالفة الذكر . ولهذا الحديث شواهد: فشاهد الإصلاح بين الناس، الحديث المتقدم. وشاهد الكذب في الحرب، حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لكعب بن الأشرف بإنه قد آذى الله ورسوله. قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟ قال: نعم . قال ائذن لي فلأقل. قال: قل . فأتاه فقال له: وذكر ما بينهما وقال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وقد عنَّانا. فلما سمعه قال: وأيضاً والله لتملُّنه ...الحديث ) ([398]) . والشاهد قوله: ( ائذن لي فلأقل) ، ( قد أراد الصدقة) أي: طلبها منا ليضعها مواضعها (وقد عنانا ) أي : كلفنا بالأوامر والنواهي ([399]) . وشاهد الكذب على الزوجة تطييباً لنفسها: ما رواه عطاء بن يسار أنه قال: ( جاء رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل عليَّ جناحٌ أن أكذب أهلي ؟ قال: لا، فلا يحب الله الكذب، قال: يا رسول الله استصلحهاستطيب نفسها، قال: لا جناح عليك ) ([400]) . قال النووي: وأما كذبه لزوجته وكذبه له، فالمراد به إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك، فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين والله أعلم ([401]) . وقال الألباني: وليس من الكذب المباح أن يعدها بشيء لا يريد أن يفي به لها، أو يخبرها بأنه اشترى لها الحاجة الفلانية بسعر كذا، يعني أكثر من الواقع ترضية لها، لأن ذلك قد ينكشف لها فيكون سبباً لكي تسيء ظنها بزوجها، وذلك من الفساد لا الإصلاح ([402]) .
8- النهي عن الفحش والتفحش ([403]) . نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، كان أكمل الناس خلقاً، وكان أبعدهم عن بذئ القول وساقطه، وكان صلوات الله وسلامه عليه ينهى عن الفحش في القول، واللعن، وقول الخنا، وغير ذلك من الأقوال الباطلة. فقد روى ابن مسعود-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس المؤمن بالطعان ([404]) ، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء ) ([405]) .
والفحش في الكلام يأتي على معان، فقد يأتي بمعنى السب والشتم وقول الخنا كما في حديث عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال : ( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً ) ([406]) .
وقد يأتي بمعنى : التعدي في القول والجواب ([407]) : كما في حديث عائشة-رضي الله عنها- قالت: ( أتى أناسٌ من اليهود، فقالوا: السَّام عليك يا أبا القاسم. قال: وعليكم. قالت عائشة: قلت بل عليكم السَّام والذَّام ([408]) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة لا تكوني فاحشة فقالت: ما سمعت ما قالوا . فقال: أو ليس قد رردت عليهم الذي قالوا ، قلت: وعليكم ) ([409]) .
تنبيه : اللعان لا يكون صديقاً، وهو محروم من الشفاعة والشهادة يوم القيامة، ومن لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت عليه . فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً ) ([410]) . وعن أبي الدراداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن اللعَّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة ) ([411]) . وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-أن رجلاً لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ( لا تلعن الريح فإنها مأمورة،وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ) ([412]) . قال النووي: فيه الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة، لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم من الكافر ويدعو عليه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ( لعن المؤمن كقتله ) ([413]) . لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا ، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى ([414]) .

تنبيه 2 : من أعظم الذنوب، بل من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه .
فعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ) ولفظ مسلم: ( قال: من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال: نعم . يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ) ([415]) .
9- فضل من ترك المراء وإن كان محقاً . المراء في اللغة: المماراة والجدل... وأصله في اللغة الجدال، وأن يستخرج الرجلُ من مناظره كلاماً ومعاني الخصومة وغيرها، من مريت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها ([416]) . عن أبي أمامة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنا زعيمٌ ببيت في ربض ([417]) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلقه ) ([418]) . ففي الحديث: أن من ترك الجدال ولو كان صادقاً محقاً، فإنه موعودٌ على لسان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ببيت في ربض الجنة، قال في التحفة [وذلك] لتركه كسر قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار نفاسة فضله ([419]) . وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( المراء في القرآن كفرٌ ) ([420]) . أي المجادلة فيه. وعن جندب بن عبد الله-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه ) ([421]) . يحتمل الاختلاف هنا في فهم معانيه، ويحتمل الاختلاف في كيفية الأداء، وعند الاختلاف الجالب للشر في القرآن فإن المسلم مأمورٌ بأن ينته عن ذلك حتى لايقع الشر، وتكثر المنازعة. قال النووي: والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمولٌ عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك. وأما الاختلاف في فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهياً عنه بل هو مأمورٌ به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله أعلم ([422]) . وفي هذا الحديث: الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شئ يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي يقع اللجاج في ذلك المناضلة عليه، قاله في الفتح ([423]) .
فائدة : قال السعدي في تأويل قوله تعالى :{ فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهراً } .
قال: { فلا تمار } تجادل وتحاج فيهم . { إلا مراء ظاهراً } أي: مبنياً على العلم واليقين، ويكون أيضاً فيه فائدة . وأما الممارة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف، ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة، تضييعاً للزمان، وتأثيراً في مودة القلب بغير فائدة ([424]) .
10- النهي عن إضحاك القوم كذباً . يلجأ بعض الناس إلى تزوير واختلاق كلامٍ له أو لغيره كذباً، لإضحاك أصحاب مجلسه، وما درى ذلك المسكين أنه قد وقع في أمرٍ عظيم. روى معاوية بن بهز-رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ويلٌ للذي يُحدثُ فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له ) ([425]) .
11- إذا حدث الرجل لأخيه بحديث ثم التفت فهي أمانة . روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا حدَّث الرجلُ بالحديث ثم التفت فهي أمانة)([426])
قال مقيده عفا الله عنه: هذا أدبٌ نبويٌ عظيم، حيث عدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم التفات الرجل عند كلامه يميناً وشمالاً قائماً مقام إيداع السر وحفظه وعدم نقله . قال ابن رسلان:لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره، كان الالتفات قائماً مقام: اكتم هذا عني، أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانه ([427]) .
12- تقديم الأكبر في الكلام . الأصل في ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بي أبي حثمة أنهما قالا : أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقُتل عبد الله ابن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعودٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كبِّر الكُبْرَ. -قال يحيى[ابن سعيد] يعني ليلى الكلام الأكبر ... الحديث ([428]) . ويستأنس أيضاً بفعل ابن عمر-رضي الله عنهما- حيث لم يتقدم بين يدي من هو أكبر منه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أخبروني بشجرةٍ مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحتُّ ورقها. فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة. فلما خرجت مع أبي قُلتُ يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كنت أحبَّ إلىَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت ) وفي رواية مسلم: ( فجعلتُ أريد أن أقولها فإذا أسنان القوم فأهاب أن أتكلم ) ، وفي رواية أحمد والدارمي: ( فنظرتُ فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ ) ([429]) . قلت: والآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تقديم الأكبر مشهورة، كتقديمه صلى الله عليه وسلم للسواك للأكبر- وقد سبق ذكره في آداب الضيافة- .
13- عدم مقاطعة الحديث. من الأدب عدم قطع حديث الناس، لأنهم قد يكونوا شغوفين بمتابعة الحديث، فإذا تكلم بعضهم وبتر كلامهم، فإن ذلك يشق عليهم ويوغر صدورهم. ويعضد ذلك ما رواه أبو هريرة-رضي الله عنه- أنه قال: ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحدثُ. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع .حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله . قال: ( فإذا ضُيعت الأمانة فا نتظر الساعة ) .قال : كيف إضاعتها؟ قال: ( إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ([430]) . الشاهد قوله: ( فمضى رسول الله صلى الله عليه سولم يحدث ) أي : ولم يقطع حديثه، وذلك لأن الحق لمن كان بالمجلس لا لهذا السائل، فناسب أن لا يقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثه حتى يقضيه .
ويستأنس أيضاً بقول ترجمان القرآن، ابن عباس-رضي الله عنهما- . قال ابن عباس لعكرمة: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين فإن أكثر فثلاث مرار ولا تملَّ الناس هذا القرآن . ولا ألفينك تأتي القوم وهو في حديثٍ من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه.. الحديث ([431]) . فقد بين ابن عباس-رضي الله عنهما- علة النهي عن قطع الحديث، وهو جلب الملالة والسآمة لهم، ثم أرشده بحسن الاستماع، وإذا طلبوا منك التحديث فحدثهم فإنه أدعى لقبول ما تقول حيئنذٍ .
14- التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه . العجلة في الحديث مظنة عدم فهم الكلام على وجهه من لدن المستمع، ولذا كان كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا عجلة فيه يفهمه من جلس إليه، وفي الحديث عن عائشة- أم المؤمنين- رضي الله عنها- قالت : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثاً لو عدَّه العاد لأحصاه ) وفي رواية مسلم :( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يكن يسرد الحديث كسردكم ) وفي رواية أحمد : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يسرد سردكم هذا يتكلم بكلامٍ بينه فصلٌ يحفظه من سمعه ) ([432]) . وقولها : ( لم يكن يسرد الحديث كسردكم ) قال النووي: أي : يكثره ويتابعه ([433]) . وقال ابن حجر: أي يتابع الحديث إستعجالاً بعضه إثر بعض، لئلا يلتبس على المستمع ([434]) .
15- خفض الصوت عند الكلام . قال تعالى : { واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } ([435]) . قوله تعالى : { واغضض من صوتك } أدباً مع الناس ومع الله . { إن أنكر الأصوات } أي أفضعها وأبشعها { لصوت الحمير } . فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت خسته وبلادته، قاله ابن سعدي ([436]) . و شك أن رفع الصوت على الغير سوءٌ في الأدب، وعدم احترام للآخرين .
قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له ... وقال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير ([437]) .
16- الفاظ وكلمات تُجتنب . تدور على ألسنة بعض المتكلمين عباراتٌ وألفاظٌ نهى الشرعٌ عنها، وقد لا يعلمون حكمها وهم الأكثر، وقد يُعلم حكمها ولكن تُقال نسياناً، وأشرهم الذي يتفوه بها عالماً عامداً . وفي هذا المقام لا يمكننا الاحاطة بهذه الألفاظ، ولكن حسبنا بذكر بعضها على سبيل الاختصار، وما لا يدرك كله لا يترك جله .
مسألة: بعض الناس يقول: تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب ؟
الجواب: إن أراد بتصحيح الأفاظ إجراءها على اللغة العربية، فهذا صحيح فإنه لا يهم- من جهة سلامة العقيدة- أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهوماً وسليماً . أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ، ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك، فكلامه غير صحيح بل تصحيحها مهم، و لاويمكن أن نقول للإنسان أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة بل نقول الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية. قاله ابن عثيمين ([438]) .
أ- الفاظ التكفير والتبديع والتفسيق . قد عُلم قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) وفي رواية أبي داود: (أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر ) ([439]) . وقليلٌ ممن أعمى الله بصيرتهم ولغوا في أعراض الناس تكفيراً وتبديعاً وتفسيقاً، وكأن الله تعبدهم بذلك، والواحد منهم يُطلق عبارة التكفير أو التبديع أو التفسيق وهو منشرحٌ بها صدره، مع أن السلف من الصحابة ومن سار على هداهم من أئمة الإسلام -كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- كانوا يتحرجون من ذلك كثيراً، وخصوصاً في التكفير، حيث لم يتلفظوا بشئ من ذلك إلا بعد أن قامت لديهم أدلة لا تقبل الشك، وانتفت في حق المعين الموانع، وقامت عليه الحجة . عن أبي بكرة قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة يوم النحر : ( ...فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليُبلغ الشاهد الغائب فإنَّ الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ) ([440]) .
ب- قول الرجل هلك الناس . عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قال الرجلُ: هلك الناس، فهو أهلكُهُم ) ([441]) . قوله:( فهو أهلكهم ) بالرفع: أي أشدهم هلاكاً، وبالفتح أي: جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا حقيقة ([442]) . قال النووي: واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس به، كما قال: لا أعرف من أمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم يصلون جميعاً، هكذا فسره الإمام مالك وتابعه الناس عليه. وقال الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم والله أعلم([443]) .
ت -الحلف بغبر الله . لله -سبحانه وتعالى- أن يقسم بأي شيء من مخلوقاته، فهو الخالق المتصرف في ملكه، فالناس والجن والشجر والجبال والسماء والأرض خلقه فله أن يقسم بما شاء منها . وأما الخلق فلا يقسموا بغير مليكهم وخالقهم. قال الحافظ: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده ([444]) .
والحلف من المخلوقين يكون بأحد حروف القسم الثلاثة مضافة إلى الله: الواو والباء والتاء، تقول: تالله، وبالله، و والله . أو الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته . قال البخاري: باب : الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته. ثم قال...وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يبقى رجلٌ بين الجنة والنار فيقول يارب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها ([445]) . وقد يكون الحلف بإضافة شيء من مخلوقات الله إليه،كإضافة الكعبة والسماء والأرض إليه -سبحانه وتعالى-، كقولك: ورب الكعبة، ورب السماء ونحو ذلك، مع تنزيه الباري -جل وعلا- عن إضافة المخلوقات التي يستقبح ذكرها إليه، وإن كان هو خالقها، ولكن الأدب مع الله يقتضي ذلك، كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المشهور: ( والشر ليس إليك ) ([446]) . مع أنه خالق الخير والشر . وهناك ألفاظ سُمعت من النبي صلى الله عليه وسلم،وهي تندرج تحت الأقسام الثلاثة السابقة : كقوله صلى الله عليه وسلم ( وأيم الله ) وقوله: ( والذي نفسي بيده ) وقوله : ( لا ومقلب القلوب ) ([447]) .
ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك على ما جاء في حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: روى الترمذي: ( أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ([448]) . والحديث كما ترى عام في النهي عن كل حلف بغير الله، وجاءت أحاديث أخرى على وجه الخصوص كالنهي عن الحلف بالآباء، فعن ابن عمر-رضي الله عنهما- ( أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركبٍ وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً بالله وإلا فليصمت ) ([449]) .
ومنه الحلف بالأمانة، فعن بريدة -رضي الله عنه- قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف بالأمانة فليس منا ) ([450]) .ومن ذلك أيضاً الحلف بالنبي،وبالحياة،يقول:( وحياتك) أو (وحياة فلان) وغير ذلك من الحلف بغير الله .
ث- الحلف بالطلاق . شاع عند بعض جهال الناس الحلف بالطلاق، فيقول: علي الطلاق لا افعلن كذا، أوعلي الطلاق ثلاثاً لا أفعله ونحو ذلك . وهذا الجاهل قد يتسبب في خراب بيته، وظلمه لأهله الذين لا ذنب لهم، والذنب ذنب الأحمق الذي أطلق لسانه بدون روية أو تبصر بعاقبة الأمور . وقد يكون المحلوف عليه بالطلاق أمراً ليس ذي بال، كحلف الرجل على الرجل لدخول بيته ونحو ذلك .
والحلف بالطلاق اختلف أهل العلم في وقوعه عند الحنث فيه، فجمهورهم على أن الحانث فيمن حلف بالطلاق أنه يقع طلاقه، وطائفة من أهل العلم أجراه مجرى اليمين، فليزمه كفارة يمين عند الحنث.
قال ابن عثيمين في جواب له: أما أن يحلفوا بالطلاق مثل عليَّ الطلاق أن تفعل كذا، أو علي الطلاق ألا تفعل كذا، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو إن لم تفعل فامرأتي طالق، وما أشبه ذلك من الصيغ فإن هذا خلاف ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قال كثيرٌ من أهل العلم بل أكثر أهل العلم أنه إذا حنث في ذلك فإن الطلاق يلزمه وتطلق منه امرأته، وإن كان القول الراجح أن الطلاق إذا استعمل استعمال اليمين بأن كان القصد منه الحث على الشيء أو المنع منه أو التصديق أو التكذيب أو التوكيد، فإن حكمه حكم اليمين لقول الله تعالى : { يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفورٌ رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فجعل الله التحريم يميناً. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم :( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريءٍ ما نوى ) وهذا لم ينو الطلاق إنما نوى اليمين أو نوى معنى اليمين،فإذا حنث فإنه يجزأه كفارة يمين،هذا هو القول الراجح([451]).
ج- قول الرجل للمنافق سيد أو ياسيدي . وفيه حديث بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقولوا للمنافق سيِّدٌ؛ فإنه إن يكُ سيداً فقد أسخطتم ربكم عزوجل ) ([452]) . قوله :( فإن يك سيداً) أي سيد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال (فقد أسخطتم ربكم عزوجل) أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيداً بأحد من المعاني فإنه يكون مع ذلك كذباً ونفاقاً... وقال ابن الأثير:لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك، قاله في عون المعبود ([453]) .
تنبيه : درج كثيرٌ ممن يتكلم باللغة الإنجليزية من المسلمين على استخدام كلمة (mister) في مخاطباتهم جرياً على عادة أهلها، والتي تعني سيد أو سيدي. والنهي جاء في حق المنافق، فمن باب أولى ينهى عن خطاب المسلم ومناداته للكافر بهذا اللفظ، فالعبرة بالمعاني والقصود لا بالمباني، والله أعلم . قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: فصل: خطاب الكتابي بسيدي ومولاي. وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعاً ([454]) .
ح- سب الدهر . روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسُبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) ([455]) . وفي رواية عند أحمد: ( لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل قال أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك ) ([456]) . كانت من عادة الجاهلية أنهم اذا أصيبوا بنازلة أو مصيبة أن يسبوا الدهر، وبعض هذه الأمة -وهم قلة- ممن اتصف بصفات أهل الجهل، تجده يحاكيهم عند نزول المصائب . وفي الحديث نهيٌ عن سب الدهر؛ وذلك لأن سب الدهر هو سبٌ لخالق الدهر ومصرفه ومقلبه، فنهو عن سب الدهر لئلا يقعوا في سب خالقه ([457]) .
مسألة: هل يقال هذا ( زمان أقشر ) أو (الزمن غدار) أو ( يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه ) ؟
الجواب: قال ابن عثيمين -حفظه الله- هذه العبارات التي ذكرت في السؤال تقع على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون سباً وقدحاً في الزمن فهذا حرام. ولا يجوز، لأن ما حصل في الزمن فهو من الله -عز وجل- فمن سبّه فقد سبّ الله، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي : ( يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر وأنا الدهر. بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار .
والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط، عليه الصلاة والسلام: { وقال هذا يومٌ عصيب } أي شديد، وكل الناس يقولون: هذا يومٌ شديد . وهذا يومٌ فيه كذا وكذا من الأمور وليس فيه شئ.
وأما قول: (هذا الزمن غدار) فهذا سبّ لأن الغدر صفة ذم ولا يجوز.
وأما قول:( يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه ) إذا قصد يا خيبتي أنا، فهذا لا باس فيه، وليس سباً للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم فهذا سبه له فلا يجوز ([458]) .
خ- قول: ( حرام عليك ) أو ( حرام عليك أن تفعل كذا ) . لايجوز أن يوصف شيء بالتحريم إلا أن يكون شيئاً حرمه الله أو رسوله، وذلك أن وصف شيء غير محرم بالحرمة-ولو مع سلامة النية- فيه تعدي على جناب الربوبية، وفيه إيهام بأن ذلك الشيء محرم وهو ليس كذلك. والأسلم للمرء في دينه أن يبتعد عن هذا اللفظ ([459]) . ويُخشى على قائل ذلك أن يدخل في عموم قوله تعالى :{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } ([460]) . قال الشوكاني: ومعناه أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير حجة ([461]) .





9- باب آداب الأكل والشرب

- قال تعالى: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم } ([462]) .
- وقال تعالى: { كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ([463]) .
-وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يا غلام سم الله،وكل بيمينك،وكل مما يليك ) ([464])

* الآداب *

1-النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة . جاءت الأحاديث بالوعيد الشديد لمن شرب في آنية الذهب والفضة، أو أكل في صحافهما. فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ) ([465]) . وعن أم سلمة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر([466]) في بطنه نار جهنم ) ([467]) . وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها ([468]) . وليس ثمة نصٌ في علة هذا الحكم، والمسلم إذا جاءه الدليل من الكتاب أو من السنة الصحيحة، لا ينبغي له أن يتعداه قيد أنملة، ولا يتكلف التأويل ليستسيغ الفعل . وقد تطرق بعض أهل العلم لحكمة هذا النهي واختلفوا فيه، فمن هذه العلل: التشبه بالجبابرة وملوك الأعاجم، والسرف والخيلاء، وأذى الصالحين والفقراء الذين لا يجدون من ذلك ما بهم الحاجة إليه. قاله ابن عبد البر 0 ([469]) .
فائدة : قال الإسماعيلي: قوله: ( ولكم في الآخرة ) [ في رواية ] أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله. قلت[أي:ابن حجر]: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر ([470]) .
2- النهي عن الأكل متكئاً، أو منبطحاً على وجهه . روى أبو جحيفة أنه قال: ( كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده لا آكُلُ وأنا متكئٌ ) ([471]) . قال ابن حجر: اختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن من الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته... وقال ابن حجر: وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى ([472]) . ووجه الكراهة في ذلك أن هذه الهيئة من فعل الجبابرة وملوك العجم، وهي جلسة من يريد الإكثار من الطعام ([473]) .
والهيئة الثانية هي أكل الرجل وهو منبطح على بطنه: فمن حديث ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين؛ عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه ) ([474]) .
فائدة: هديه صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للأكل: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل وهو مقعٍ، ويُذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعاً لربه عزوجل، قاله ابن القيم ([475]) .
فأما الأولى فقد روى أنس بن مالك أنه قال:( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مقعياً ([476]) يأكل تمراً ) ([477]) . وأما الثانية فعن عبد الله بن بُسرٍ -رضي الله عنه- قال : ( أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاةً فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكل فقال أعرابيٌ ما هذه الجلسة؟ فقال: إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً ) ([478]) .
3-تقديم الأكل على الصلاة عند حضور الطعام. وفيه حديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وُضع العشاء وأُقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ) ([479]) . وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا وُضع عشاء أحدكم وأُقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه ) ([480]) . وكان ابن عمر-رضي الله عنهما- إذا قُدم له عشاءه وحضرت الصلاة لا يقوم حتى يفرغ منه. روى الامام أحمد في مسنده: ( عن نافع أن ابن عمر كان أحياناً يبعثه وهو صائم فيُقدم له عشاؤه وقد نودي صلاةُ المغرب ثم تُقام وهو يسمع فلا يترك عشاءهُ حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. قال: وقد كان يقول: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدم إليكم ) ([481]) . والعلة في ذلك؛ لئلا يقوم المرء ونفسه تتوق إلى الطعام فيحصل له من التشويش الذي يذهب معه خشوعه. قال ابن حجر: روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس: ( أنهما كانا يأكلان طعاماً وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال هل ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شئ )وفي رواية ابن أبي شيبة:(لئلا يعرض لنا في صلاتنا)([482]) . وليس هذا الأمرُ خاصاً بالعشاء وحده إنما هو في كل طعام تتشوف النفس إليه، ويؤيد ذلك نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة بحضرة الطعام، وعند مدافعة الأخبثان، والعلة ظاهرة. فعن عائشة- أم المؤمنين رضي الله عنها- أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان ) ([483]) .
فائدة : قال بعض العلماء: من حضر طعامه ثم أقيمت الصلاة، فإنه ينبغي عليه أن يأكل لقيمات يكسر بها سورة الجوع. ورد ذلك النووي فقال: وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا يعجلن حتى يفرغ منه ) دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريحٌ في إبطاله ([484]) .
مسألة: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، فهل يجب الأكل منه للظاهر الحديث، أم أن ذلك على الاستحباب ؟
الجواب: فعل ابن عمر-رضي الله عنهما- في رواية أحمد وغيره، يدل على تقديم الأكل مطلقاً، ومن أهل العلم من قيد ذلك بتعلق النفس وتشوفها إلى الطعام، فإن كانت نفسه تتوق إلى الطعام فإن الأولى في حقه أن يصيب منه حتى يقبل على صلاته وهو خاشع، ومن ذلك قول أبي الدرداء-رضي الله عنه- من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغ ([485]) . والمختار من ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر- فإنه بعد أن ساق أثر ابن عباس، وأثر الحسن ابن علي :( العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة ) قال : وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجوداً وعدماً ولا يتقيد بكل أو بعض ([486]) .
4- غسل اليدين قبل الطعام وبعده . لم أقف على سنة صحيحة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعول عليها في غسل اليدين قبل الطعام ، قال البيهقي: الحديث في غسل اليدين بعد الطعام حسنٌ، ولم يثبت في غسل اليدين قبل الطعام حديث ([487]) . ولكن يُستحب ذلك لإزالة ما قد يعلق بها من الأوساخ ونحوه التي تضر بالبدن، وللإمام أحمد في ذلك روايتان، كراهة واستحباب. وفصَّل الإمام مالك وقيد الغسل قبل الطعام بوجود القذر، وصنيع ابن مفلح في آدابه يدل على أنه يذهب إلى استحباب غسلهما قبل الطعام،وعليه جماعة من أهل العلم ([488]) . وفي الأمر سعة والحمد لله رب العالمين.
وأما غسل اليدين بعد الطعام، فقد رويت في ذلك آثاراً صحيحة، فمنها : ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نام وفي يده غَمَرٌ ([489]) ولم يغسله فأصابه شئٌ فلا يلومن إلا نفسه ) ([490]) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاةِ فمضمض وغسل يديه وصلى ) ([491]) . وعن أبان بن عثمان أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أكل خبزاً ولحماً ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه ثم صلى ولم يتوضأ ([492]) .
فائدة : استحب بعض أهل العلم الوضوء الشرعي قبل الطعام لمن كان جُنباً. وفي ذلك حديث وأثر . أما الحديث، فعن عائشة -رضي الله عنها-: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة )، وعند أحمد معنًى زائداً على مجرد الوضوء الشرعي، قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة فإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل كفيه ثم يأكل أو يشرب إن شاء ) ([493]) . وأما الاثر فعن نافع : أن ابن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنبٌ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ثم طعم أو نام ([494]) . قال الشيخ تقي الدين [ ابن تيمية ] :ولم نعلم أحداً استحب الوضوء للإكل إلا إذا كان الرجل جُنباً، اهـ ([495]) .
تنبيه : استدل المحدث الألباني، بحديث عائشة :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه ) ([496]) . على مشروعية غسل اليدين قبل الطعام على الإطلاق لهذا الحديث ([497]) . ولكن في إطلاقه نظر لأمور: أولها: أن الحديث كان لبيان فعل النبي صلى الله عليه وسلم حال الجنابة من نوم وأكل وشرب .وثانيها: أن بعض الروايات جاءت بلفظ الوضوء وبعضها جاءت بلفظ غسل اليدين لبيان جواز الفعلين . قال السندي في حاشيته: قوله:(غسل يديه ) أي أحياناً يقتصر على ذلك لبيان الجواز، وأحياناً يتوضأ لتكميل الحال. اهـ ([498]). وثالثها: أن الأئمة والمحدثين كمالك وأحمد وابن تيمية والنسائي-رحمهم الله- ([499]) وغيرهم -وقد نقلنا كلامهم - لم يذهبوا إلى إطلاق الحديث كما أطلقه العلامة الألباني-حفظه الله- مع روايتهم لهذا الحديث. مما يدل على أن هذا الأمر عندهم يحمل حال الجنابة، فيبقى الوضوء وغسل اليدين قبل الأكل في هذا الحديث مقيداً في حال الجنابة . والله أعلم .
5-التسمية في ابتداء الأكل والشرب، وحمد الله تعالى بعدهما . من السنة أن يسم الآكل قبل أكل طعامه، ويحمد الله تعالى بعد الفراغ منه. قال ابن القيم :والتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيب في نفعه واستمرائه، ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحُمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِل ([500]) .
وفائدة التسمية قبل الطعام أنه يحرم الشيطان من المشاركة في الأكل والإصابة منه. فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: ( كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده وإنا حضرنا معه مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تُدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع فأخذ بيده . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يستحلُّ الطعام أن لا يُذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها . فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده. والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها ) ([501]) .
ولفظ التسمية أن يقول الآكل: ( بسم الله ) . عن عمر بن أبي سلمة- رضي الله عنهما- قال: كنتُ غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يا غلام سم الله،وكل بيمينك،وكل مما يليك. فما زالت تلك طِعمتي بعد)([502]) . واختار النووي في أذكاره أن الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة ([503]) . ورده ابن حجر بقوله: فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً ([504]) .قلت: وغالب النصوص جاءت بلفظ ( سَمِّ الله ) ونحو ذلك، دون زيادة ( الرحمن الرحيم )، بل جاء التصريح بلفظ التسمية عند الطبراني-دون زيادة ( الرحمن الرحيم )- من حديث عمرو بن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله ، وكل بيمينك، وكل مما يليك ) ([505]) .
وإذا نسي الآكل أن يسمِّ الله قبل الطعام ثم ذكر في أثنائه فإنه يقول: ( بسم الله أوله وآخره ) أو ( بسم الله في أوله وآخره ) . عن عائشة -أم المؤمنين رضي الله عنها- : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره ) ([506]) .
وأما حمد الله تعالى بعد الفراغ من طعامه أو شرابه ففيه فضل عظيم تفضل به الله على عباده، فقد روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) ([507]) . وقد تعددت الفاظ الحمد عنه صلى الله عليه وآله وسلم بعد الفراغ من طعامه وشرابه ومنها :
أ- ( الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ ولا مودَّعٍ([508]) ولا مستغنًى عنه ربنا ) .
ب- ( الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفيٍّ ولا مكفور ) .
روى أبو أمامة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم :( كان إذا فرغ من طعامه، وقال مرة: إذا رفع مائدته قال : الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفيٍّ ولا مكفورٍ . وقال مرة: الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ) ([509]) .
ت- ( الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة ) .
عن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ([510]) .
ث- ( الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً ) .
روى أبو أيوب الأنصاري قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً ) ([511]) .
ج- ( اللهم أطعمت وأسقيت، وأقنيت، وهديت، وأحييت، فلله الحمد على ما أعطيت ) .
عن عبد الرحمن بن جبير أنه حدثه رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين أنه كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه الطعام يقول: ( بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمت وأسقيت، وأقنيت، وهديت، وأحييت، فلله الحمد على ما أعطيت ) ([512]) .
فائدة 1 : يستحب الاتيان بإلفاظ الحمد الواردة بعد الفراغ من الطعام جميعها، فيقول هذا مرة، وهذا مرة حتى يحصل له حفظ السنة من جميع وجوهها، وتناله بركة هذا الأدعية، مع ما يشعر به المرء في قرارة نفسه من استحضار هذه المعاني عندما يقول هذا اللفظ تارة، وهذا اللفظ تارة أخرى، لأن النفس إذا اعتادت على أمرٍ معين -كترديد ذكر معين-فإنه مع كثرة التكرار يقل معها استحضار المعاني لكثرة الترداد.
فائدة 2 : روى ابن عباس-رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيراً منه. ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يُجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن ) ([513]) .
6-الأكل والشرب باليد اليمنى والنهي عن الشمال . مر معنا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة : ( يا غلام سم الله،وكل بيمينك،وكل مما يليك )([514]) . ومن حديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال ) ([515]) . وفي حديث عمر-رضي الله عنه-: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ) ([516]) . قال ابن الجوزي: لما جُعلت الشمال للاستنجاء ومباشرة الأنجاس، واليُمنى لتناول الغذاء، لم يصلح استعمال أحدهما في شغل الأخرى، لأنه حطٌّ لرتبة ذي الرتبة، ورفع للمحطوط، فمن خالف ما اقتضته الحكمة وافق الشيطان([517]).
ومع أن الأحاديث في هذا مشهورة لا تكاد تخفى على عامة الناس، إلا أن بعض المسلمين-هداهم الله- لا زال متمسكاً بهذه الخصلة الذميمة، وهي الأكل والشرب باليد الشمال. وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا أمرٌ أصبح لنا عادة ويصعب أن ننفك منه، ولعمر الله إن هذا من تزيين الشيطان لهم، وصدهم عن اتباع الشرع، وهو في الجملة دليلٌ على نقص الإيمان في قلوبهم؛ وإلا فما معنى مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه ‍‍! . وشرهم وأخبثهم من فعل ذلك تكبراً وتجبراً . روى سلمة بن الأكوع-رضي الله عنه- ( أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله. فقال: كل بيمينك . قال: لا أستطيع. قال : لا استطعت ما منعه إلا الكبرُ، فما رفعها إلى فيهِ ) وفي رواية أحمد: ( قال: فما وصلت يمينه إلى فمه بعد ) ([518]) . قال النووي: وفي هذا الحديث: جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال حتى في حال الأكل، واستحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفه ([519]) .
فائدة : إذا هناك ثمَّ عذرٌ يمنع من الأكل باليد اليمنى كالمرض والجراحة ونحوهما، فلا حرج في الأكل بالشمال، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
7- الأكل مما يلي الآكل . في إحدى روايات حديث عمر بن أبي سلمة،أنه قال أكلت يوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلتُ آخذ من لحمٍ حول الصحفة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مما يليك ) ([520]) . وعلة النهي في ذلك؛ لأن الأكل من موضع أيدي الناس فيه سوء أدب، وقد يتقذر الآكلين من هذا الفعل- وهو الغالب-. لكن قد يعترض علينا معترضٌ فيقول: ما تقولون في حديث أنس قال: إن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه فذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقرب خبز شعير ومرقاً فيه دباءٌ وقديدٌ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة ([521]) . والجواب عن هذا الاعتراض أنه لا تعارض بين الحديثين، ونقول: ما قاله ابن عبد البر: إن المرق والادام وسائر الطعام،إذا كان فيه نوعان أو أنواع،فلا بأس أن تجول اليد فيه، للتخير مما وضع على المائدة... ثم قال- معلقاً على قوله: ( وكل مما يليك ) -: وإنما أمره أن يأكل مما يليه، لأن الطعام كله كان نوعاً واحداً، والله أعلم. كذا فسره أهل العلم ([522]) . وبهذا يتضح الجمع بين الحديثين -والله الموفق-.
8-استحباب الأكل من حوالي الصحفة، دون أعلاها . وفيه حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها ) ولفظ أحمد: ( كلوا في القصعة من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها ) ([523]) . وخُص الوسط بنزول البركة، لأنه أعدل المواضع، وعلة النهي حتى لا يُحرم الآكل البركة التي تحِلُ في وسطه، وقد يُلحق به ما إذا كان الآكلون جماعة، فإن المتقدم منهم إلى وسط الطعام قبل حافته قد أساء الأدب معهم، واستأثر لنفسه بالطيب دونهم، والله أعلم ([524]) .
9- استحباب الأكل بثلاثة أصابع ولعق اليد بعده . من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل بأصابعه الثلاث، وكان يلعق يده بعد الفراغ من طعامه. جاء ذلك في حديث كعب ابن مالك عن أبيه أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها ) ([525]) .
قال ابن القيم: فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل، ولا يمريه، ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة... والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآته، وعلى المعدة، وربما انسدت الآلات فمات، وتُغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه وسلم، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث اهـ ([526]) .
وعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها)وعند أحمد وأبي داود:(فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يُلعقها )([527]). والعلة في ذلك مبينةً في حديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنهما-: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: إنكم لا تدرون في أيِّهِ البركة ) ([528]) . وفي قوله : ( لا تدرون في أيه البركة ) معناه والله أعلم أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والامتاع به، والمراد هنا والله أعلم ما يحصل به التغذيه وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، قاله النووي ([529]) .
10-استحباب رفع اللقمة عند سقوطها ومسح ماعلق بها واكلها . وفيه حديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان.. الحديث ) وفي رواية : ( إن الشيطان يحضُرُ أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضرُه عند طعامه. فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان . فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيِّ طعامه تكون البركة ) ([530]) . وفي هذا الحديث فوائد، منها: أن الشيطان يتربص بالإنسان ويلا زمه ويحاول النيل منه، ويرغب في مشاركته حتى في أكله وشربه. ومنها: إماطة الأذى من تراب وغيره عن اللقمة الساقطة ثم أكلها وحرمان الشيطان منها؛ لأنه عدو، والعدو ينبغي حرمانه والتحرز منه. ومنها: أن بركة الطعام قد تكون في اللقمة الساقطة فلا يفرط فيها . ومنها : أن الشيطان يحضر ويلازم الإنسان، ولا مدخل للعقل في إنكار حضوره، كما يزعم أهل العقول .
11-النهي عن القران بين التمرتين. وهذا النهي يتنزل على الجماعة لا الواحد . وفيه أحاديث صحيحة، منها: عن شعبة عن جبلة قال: كنا بالمدينة في بعض أهل العراق فأصابنا سنةٌ، فكان ابن الزبير يَرْزقنا التمر، فكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يمر بنا فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه ([531]) . قال ابن الجوزي في المشكل: فأما حكم الحديث فإن هذا إنما يكون في الجماعة، والعادة تناول تمرة واحدة، فإذا قرن الإنسان زاد على الجماعة واستأثر عليهم، فافتقر إلى الأذن.اهـ ([532]) . والنهي هنا إما للتحريم أو الكراهة وكلٌ قد قال به أهل العلم . وذهب النووي إلى التفصيل فقال: والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حالٍ أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام، وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن لا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلاً ويريد الإسراع لشغل آخر ([533]) .
مسألة : هل يقاس على التمر غيره من صنوف الطعام التي تتناول إفراداً ؟
الجواب: نعم يقاس عليه ما كانت العادة بتناوله إفراداً . قال ابن تيمية: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله إفراداً ([534]) .
12- استحباب الأكل بعد ذهاب حرارته. عن أسماء بنت أبي بكر-رضي الله عنهما- أنها كانت إذا ثردت ([535]) غطته شيئاً حتى يذهب فوره، ثم تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنه أعظم للبركة ) ([536]) . وقال أبو هريرة-رضي الله عنه- : ( لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره ) ([537]) . ولم يكن [النبي صلى الله عليه وسلم] يأكل طعاماً في وقت شدة حراراته، قاله ابن القيم ([538]) . وأقرب المعاني للبركة هنا هو ما يحصل به التغذيه وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، قاله النووي ([539]) .
13- النهي عن عيب الطعام واحتقاره . وفيه حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، كان إذا اشتهى شيئاً أكله وإن كرهه تركه ) ([540]) . وعيب الطعام كقولك: مالح قليل الملح حامض رقيق غليظ غير ناضج ونحو ذلك، قاله النووي ([541]) . وعلة النهي في ذلك؛ لأن الطعام خلقة الله فلا تعاب، وفيه وجهٌ آخر وهو أن عيب الطعام يُدخل على قلب الصانع الحزن والألم لكونه الذي أعده وهيأه، فسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب حتى لا يجد الحزن طريقاً إلى قلب المسلم، والشريعة تأتي بمثل هذا دائماً .
مسألة: هل يتعارض هذا الحديث مع امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الضب ([542]) ، وهل يُعد قوله صلى الله عليه وسلم في الضب: (... فأجدني أعافه ) وفي رواية: ( هذا لحم لم آكله قط ) امتناعه من عيب الطعام ؟
الجواب: أنه لاتعارض بين الحديثين، وليس قوله صلى الله عليه وسلم في الضب من عيب الطعام، بل هو إخبارٌ عن سبب امتناعه،وهو أنه لا يشتهي هذا النوع من الطعام ولم يعتاده. قال النووي: وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام، إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا أشتهيه ([543]).
14- حكم الشرب والأكل قائماً . اختلف العلماء في حكم الشرب قائماً، ويعود اختلافهم فيه إلى وجود أحاديث صحيحة ظاهرها التعارض، فبعضها كانت تنهى عن الشرب قائماً، وبعضها كانت على العكس من ذلك، ونحن نسوق لك بعضاً منها :
أولاً: أحاديث النهي عن الشرب قائماً :
1- روى أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم :( زجر عن الشرب قائماً ) وفي رواية : ( نهى أن يشرب قائماً ) ([544]) .
2- وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ( أن النبي صلى الله عليه سول زجر عن الشرب قائماً ) ([545]) .
3- وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يشربن أحد منكم قائماً . فمن نسي فليستقي ) ([546]) .
ثانياً: أحاديث جواز الشرب قائماً :
1- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم ) ([547]) .
2- وعن النَّزَّال قال: ( أتي عليٌ -رضي الله عنه- على باب الرَّحبة فشرب قائماً فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائمٌ وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت ) وفي رواية أحمد : ( فقال: ما تنظرون إن أشرب قائماً فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً، وإن أشرب قاعداً فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشرب قاعداً ) ([548]) .
3- وعن ابن عمر-رضي الله عنهما- أنه قال: ( كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نشرب قياماً ونأكل ونحن نسعى ) ([549]) .
4- وفيه عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، أنهما لا يريان بشرب الإنسان وهو وقائم بأساً. ورؤي ابن عمر، وابن الزبير وهما يشربان قياماً ([550]) .
ولأجل هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض وغيرها، تنازع أهل العلم في بيان حكمه، وأعدل الأقوال عندي ما قاله ابن تيمية في فتاويه قال: ولكن الجمع بين الأحاديث أن تحمل الرخصة على حال العذر، فأحاديث النهي مثلها في الصحيح:( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً ) وفيه عن قتادة عن أنس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً) قال قتادة: فقلنا: الأكل؟ فقال: ذاك شر وأخبث . وأحاديث الرخصة مثل حديث ما في الصحيحين عن علي وابن عباس قال: ( شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائماً من زمزم ) وفي البخاري عن علي: أن علياً في رحبة الكوفة شرب، وهو قائم. ثم قال : إن ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. وحديث علي هذا قد روى فيه أثر أنه كان ذلك من زمزم، كما جاء في حديث ابن عباس، هذا كان في الحج، والناس هناك يطوفون ويشربون من زمزم، ويستقون ويسألونه، ولم يكن موضع قعود، مع أن هذا كان قبل موته بقليل، فيكون هذا ونحوه مستثنى من ذلك النهي، وهذا جاز عن أحوال الشريعة: أن المنهي عنه يباح عند الحاجة؛ بل ماهو أشد من هذا يباح عند الحادة؛ بل المحرمات التي حرم أكلها وشربها كالميتة والدم تباح للضرورة ([551]) .
15-كراهية التنفس في الإناء، والنفخ فيه . من آداب الشرب، أن لا يتنفس الشارب في الإناء، ولا ينفخ فيه، وفي ذلك أحاديث صحيحة، فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي قتادة-رضي الله عنه- : ( إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ... الحديث ) ([552]) . ومنها: حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه ) ([553]) . والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك، قاله النووي ([554]) . وأما النفخ في الشراب فإنه يُكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولاسيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه، ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه، قاله ابن القيم .. ([555]).
16-استحباب التنفس في الإناء ثلاثاً، وإباحة الشرب دفعة واحدة . وفيه حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول: إنه أروى وأبرأُ وأمرأُ ) قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً ([556]) . والمراد بالتنفس في الشراب ثلاثاً، هو إبعاد الإناء عن فيِّ الشارب ثم التنفس خارجه، وإلا فالتنفس في الإناء منهيٌ عنه .
ويباح الشرب دفعة واحدة ولا كراهة في ذلك، ويستدل لذلك بحديث أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- أنه لما دخل على مروان بن الحكم قال له: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النفخ في الشراب ؟ فقال له أبو سعيد: نعم. فقال له رجلٌ يا رسول الله إني لا أروى من نفسٍ واحدٍ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فابن القدح عن فاك ثم تنفس قال: فإني أرى القذاة فيه ؟ قال : فأهرقها ([557]) . قال مالك: فكأني أرى في ذلك الرخصة، أن يشرب من نفس واحد ما شاء، ولا أرى بأساً بالشرب من نفس واحد، وأرى فيه رخصة لموضع الحديث: ( أني لا أروى من نفس واحد ) ([558]) . وقال شيخ الإسلام: وفيه دليل-أي الحديث المتقدم- على أنه لو روى في نفس واحد ولم يحتج إلى النفس جاز، وما علمت أحداً من الأئمة أوجب التنفس، وحرم الشرب بنفس واحد ([559]) .
17-كراهية الشرب من فيِّ السقاء . وفيه أحاديث صحيحة، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم القربة أو السقاء وأن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جداره ) ([560]) . وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فيِّ السقاء ) ([561]) .
في الحديثين نهيٌ صريح عن الشرب من فم القربة أو السقاء، والذي ينبغي هو صبُ الشراب في الإناء ثم الشرب منه . وهذا النهي حمله بعض أهل العلم على التحريم وحمله بعضهم على كراهة التنزيه وهم الأكثر، ومنهم من جعل أحاديث النهي ناسخة للإباحة ([562]) . وقد ذكر أهل العلم بعض الحكم التي من أجلها جاء هذا النهي، نذكر بعضاً منها : فمنها : أن تردد أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة ورائحة كريهة يُعاف لأجلها، ومنها: أنه ربما يكون في القربة أو السِّقاء حشرات أو حيوانات أو قذاة أو غيرها لا يشعر بها الشارب فتدخل في جوفة فيتضرر بها، ومنها: أنه ربما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره ([563]) . ومنها: أن ريق الشارب ونَفَسه قد يكون ممرضاً غيره، لما ثبت عند الأطباء أن العدوى قد تنتقل عن طريق الريق والنفس .
مسألة : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب من فيِّ قربة معلقة ([564]) . فكيف نجمع بين فعله صلى الله عليه وسلم الدال على الجواز، وبين نهيه القولي ؟
الجواب: قال ابن حجر: قال شيخنا في شرح الترمذي: لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسراً ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي. قلت- [ القائل ابن حجر]-: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً بل على تلك الصورة وحدها، وحملها على حال الضرورة جمعاً بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم ([565]).
18- استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً . والأصل في ذلك حديث قتادة -رضي الله عنه- الطويل- قال: ( ...فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم صب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اشرب . فقلت : لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله . قال: إن ساقي القوم آخرهم شرباً . قال: فشربت وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث ) ([566]) . ودلالة هذا الحديث ظاهرة في أن من تولى سقاية قوم فإنه يقدمهم على نفسه ويكون هو آخرهم شرباً اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم .
19 -استحباب الكلام على الطعام . مخالفة للعجم فإنها من عاداتهم ([567]) والمشابهة منهيٌ عنها . قال ابن مفلح: قال إسحاق بن إبراهيم: تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله[أحمد بن حنبل] وقرابة له، فجعلنا لا نتكلم وهو يأكل ويقول: الحمد لله وبسم الله، ثم قال: أكلٌ وحمدٌ خيرٌ من أكل وصمت. ولم أجد عن أحمد خلاف هذه الرواية صريحاً، ولم أجدها في كلام أكثر الأصحاب. والظاهر أن أحمد -رحمه الله- اتبع الأثر في ذلك ؛ فإن من طريقته وعادته تحري الاتباع ([568]) .
20 - استحباب الاجتماع على الطعام . من الآداب النبوية، استحباب الاجتماع على الطعام، وأن اجتماعهم سببٌ لحلول البركة فيه ، وكلما زاد عدد الآكلين زادت البركة، ففي حديث جابر ابن عبد الله-رضي الله عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الأثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) ([569]) . قال ابن حجر: وعند الطبراني من حديث ابن عمر ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله: ( كلوا جميعاً ولا تفترقوا فإن طعام الواحد يكفي الأثنين ) الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة ([570]) .
وعن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده :( أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسليم قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع . قال: فلعلكم تفترقون. قالوا: نعم . قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يُبارك لكم فيه ) ([571]) .
21-كراهية الإكثار من الطعام، أو الاقلال منه بحيث يضعف الجسم. الاكثار من الطعام ممرضٌ للجسم، ويصيبها بأدواء كثيرة، وهو يُصيب الجسم بالخمول والكسل فيثقل عن فعل الطاعات، وهو يورث القلب القسوة-أعاذنا الله من ذلك-. وعكسه الاقلال منه، فهو يوهن البدن ويضعفه عن فعل الطاعات . ولا نجد علاجاً ناجعاً مثل علاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أننا امتثلناه لما احتجنا إلى مراجعة الطبيب في غالب أحوالنا. فعن مقدام ابن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنٍ، بحسب ابن آدم أُكلاتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه ) ([572]) .
وللسلف كلام في هذا الجانب يحسن بنا أن نقف عنده، قال ابن مفلح: ذكر ابن عبد البر وغيره أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- خطب يوماً فقال: إياكم والبطنة، فإنها مكسلةٌ عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من الأشَرِ، وأصحُّ للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءاً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه . وقال عليٌّ -رضي الله عنه-: المعدةُ حوض البدن، والعروق واردة عليها وصادرة عنها، فإذا صحت صدرت العروق عنها بالصحة، وإذا سقمت صدرت العروق عنها بالسقم. وقال الفضيل بن عياض: تنتان تُقسيان القلب: كثرة الكلام وكثرة الأكل .
وروى الخلال في (جامعه) عن أحمد أنه قال: وقيل له: هؤلاء الذي يأكلون قليلاً، ويقللون من طعامهم ؟ قال: ما يعجبني! سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول:فعل قومٌ هكذا فقطعهم عن الفرض ([573]).
22-تحريم الجلوس على مائدة بها خمر . وفيه حديث عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين، عن الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجلً وهو منبطح على بطنه ) ([574]) . وعند أحمد ([575]) بلفظ: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُشرب عليها الخمر...الحديث) والحديث صريحٌ في النهي، والعلة في ذلك أن الجلوس مع وجود ذلك المنكر فيه إشعارٌ بالرضى والإقرار عليه ([576]) .


توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس