..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - كتاب الاداب لفؤاد عبد العزيز الشلهوب
عرض مشاركة واحدة
قديم 31-07-2017, 03:05 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

10- باب آداب التخلي ([577])

- عن سلمان-رضي الله عنه- قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يُعلمكم . حتى يعلمكم الخِراءَة . قال أجل، إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظم، وقال: ( لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار ) ([578]) .

* الآداب *

1- اجتناب الملاعن الثلاث . عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ) ([579]) . وفي حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللعَّانين . قالوا: وما اللعانان يا رسول الله ؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم ) ([580]) . وحديث معاذ انفرد بذكر الموارد والموردة وهي: الطريق إلى الماء ذكره في اللسان ([581]) . وهي المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، يقال: وردت الماء إذا حضرته لتشرب ([582]) . والحديثان صُدر أحدهما باجتناب الملاعن الثلاث، والآخر باتقاء اللاعنين، فما المراد بذلك. قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمرين الجالبين للعن، الحاملين الناس عليه والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا ً لذلك أضيف اللعن إليهما، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن، قلت : فعلى هذا يكون التقدير:اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود. وأما على رواية مسلم فمعنا والله أعلم : اتقوا فعل اللعانين أي صاحبي اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة والله أعلم ([583]) . وعلة النهي عن التخلي في هذه المواضع الثلاثة، هو أن تقذير هذه المواضع وتنجيسها بالقذر فيه إيذاءٌ للمؤمنين وإيذاءهم محرم بنص الكتاب، قال تعالى: { والذين يؤذون المؤمنون والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً } .
فائدة: يُلحق بالظل، المكان الذي يتشمس فيه الناس أيام الشتاء، قال الشيخ ابن عثيمين: وهذ قياسٌ جلي ([584]) . وعلى هذا فلا يجوز التخلي في هذا المكان، لأن العلة في النهي عن الظل موجودة هنا والحكم يدور مع علته وجوداً وعدما ً .
فائدة 2 : الأحاديث تشير إلى أن النهي ينصبُ على حال التغوط فقط دون التبول . وإلى هذا ذهب النووي فقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ( الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم ) قال: فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس. ورد ذلك العظيم آبادي فقال: [و] لا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياساً... وقال: وقد علمت أن المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحادة غائطاً كان أو بولاً... وأنت تعلم أن البراز اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان ، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، فإنه وإن كان اسماً للغائط لكن يلحق به البول ([585]) .
مسألة : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر عند قضاء حاجته بحائش نخلٍ، والحائش له ظل. فكيف نجمع بين فعله صلى الله عليه وسلم وبين نهيه ؟
الجواب: إن الظل الذي يحرم التخلي فيه، هو الظل الذي يقصده الناس ويجلسون فيه،ويجعلونه مقيلاً لهم، وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن هذا الظل غير مقصود ولا مرغوب فيه، وحاشا أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ثم يفعله .
2-النهي عن البول في الماء الراكد (الدائم) . وفيه حديث جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يُبال في الماء الراكد ) ([586]) . والعلة فيه ظاهرة، وهو أن البول في الماء الدائم مظنة التنجيس، والتغوط فيه أشد وأقبح وهو أولى . ويُفهم منه أن حكم النهي لا ينسحب على الماء الجاري. قال النووي: فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ([587]) .
3- كراهية دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله . وذلك صيانة لاسم الله تعالى عن الإهانة والابتذال، و لا يليق بمسلم أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة. قال ابن عثيمين في شرحه، قوله: ( إلا لحاجة ) هذا مستثنى من المكروه، يعني إذا احتاج إلى ذلك كالأوراق النقدية التي فها اسم الله، لأننا لو قلنا؛ لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة للنسيان، وإذاكان في محل بارح صارت عرضة لأن يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضة لأن تسرق ([588]) .
وأما المصحف فلا نشك في تحريم الدخول به إلى مكان قضاء الحاجة، وعليه أهل العلم، ولكنهم أجازوا الدخول به إن كان يُخشى عليه السرقة، ومع ذلك فإن المسلم عليه أن يتقي الله ربه، ولا يعرض كلام الله للإهانة، وعليه أن يتحرز في ذلك الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً كأن يُعطي شخصاً آخر ذلك المصحف حتى يخرج من الخلاء ونحو ذلك من السبل، فإن عُدمت فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها ([589]) .
4- النهي عن استقبال القبلة واستدبارها . وفيه أحاديث صحاح، منها حديث أبي أيوب الأنصاري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرِّقوا أو غربوا ) ولفظ مسلم وغيره:( ... فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائطٍ ولكن شرقوا أو غربوا ) ([590]) . ومنها حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- فعن واسع بن حبان قال: عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله ابن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيتٍ لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته ... الحديث) ([591]) . ومنها حديث سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيءٍ حتى الخراءة قال، فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... الحديث ) ([592]) . ومنها حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببولٍ فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها ) ([593]) . وعن مروان الأصفر قال: ( رأيت ابن عمر-رضي الله عنهما- أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى . إنما نُهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيءٌ يسترك فلا بأس ) ([594]) .
فالأحاديث السابقة ظاهرها التعارض ولأجل ذا اختلف أهل العلم في حكم استقبال القبلة واستدبارها، عند قضاء الحاجة في البنيان وغير البنيان . فحديث أبي أيوب-رضي الله عنه- يفيد النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً سواءٌ في الصحراء أو البنيان، وحديث ابن عمر-رضي الله عنهما- في رقيه على ظهر بيت حفصة -رضي الله عنها- يفيد جواز استدبار القبلة دون استقبالها في البنيان أو ما يقوم مقامه، كوضع ابن عمر راحلته بينه وبين القبلة عند قضائه حاجته ، وحديث سلمان-رضي الله عنه- فيه النهي عن استقبال القبلة مطلقاً في البنيان وغيره، وحديث جابر-رضي الله عنه- فيه أن آخر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هو جواز استقبال القبلة.
ومذاهب أهل العلم في هذا كثيرة تبعاً لظواهر النصوص المتعارضة، ولكن الجمع بينها ممكن، قال النووي: ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لايصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها ([595]) . والمختار عندنا هو تحريم قضاء الحاجة مستقبل القبلة أو مستدبرها في الخلاء، وجواز ذلك في البنيان، أو بوجود ساتر بين المتخلي وبين القبلة استقبالاً أو استدباراً . وإلى هذا ذهبت اللجنة الدائمة ([596]) .
5- ما يقال ويفعل عند الدخول والخروج من الخلاء . مواضع قضاء الحاجة محل للنجاسات والقذر، والشياطين معروفةٌ بملابستها للنجاسات ومحبتها لذلك، ولذا فهي تأوي إلى الكُنف والحُشوش(مكان قضاء الحاجة)، فعن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن هذه الحشوش محتضرة ... الحديث ) ([597]) . والشيطان عدوٌ للإنسان، لا ينفك عن عداوته وإيذاءه ويجد بغيته في الحشوش والكنف، ولهذا جاء الشرع بما يحفظ للإنسان بدنه وعقله، فشرع له أذكاراً تحفظه بأمر الله -سبحانه وتعالى-. فيقدم الداخل إلى الخلاء رجله اليسرى، قال شيخ الإسلام: وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الأبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك . وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء وخلع النعل، والخروج من المسجد ([598]).
وعند دخول الخلاء يستحب للداخل أن يقول: ( بسم الله) لما وراه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول : بسم الله ) ([599]) . ويسن له أن يقول:( أعوذ بالله من الخبث والخبائث ([600]) ) . فقد روى عبد العزيز بن صهيب أنه قال: سمعت أنساً يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: ( اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) ... [وقال البخاري]: وقال سعيد بن زيد: ( إذا أراد أن يدخل ) ([601]) . وقوله :( إذا أراد الخلاء ) أفاد أن الداخل يقول هذا الذكر قبل دخوله لا بعده .
وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث، لأن هذا المكان خبيث، والخبييث مأوى الخبثاء، فهو مأوى الشياطين فصار من المناسب إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهو النفوس الشريرة، قاله في ابن عثيمين ([602]) .
وعند الخروج من الخلاء يقدم الرجل اليمنى ويقول: ( غفرانك )، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: ( غفرانك ) وعند الترمذي :( إذا خرج من الخلاء ) ([603]) . وقولها: ( عند الخروج ) المراد بذلك بعد الخروج من الخلاء .
فائدة: هذا الأدب لا يقتصر على الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، بل يستحب فعله حتى في الصحراء، فإذا اقترب المتخلي من المكان الذي اختاره لقضاء حاجته فليقل ذكر الدخول، وإذا فرغ منه قال ذكر الخروج. قال النووي: وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله أعلم ([604]) .
6-التستر عند قضاء الحاجة . وهو أدبٌ نبوي، أرشد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إلى أن يستتروا عند قضاء حاجتهم، وذلك لأن قضاء الحاجة مدعاة إلى كشف العورة، والشرع جاء بالستر وحفظ العورات لا كشفها. روى المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال:( كنتُ في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فقال: يا مغيرة خُذ الإداوة فأخذتها فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جُبة شامية... الحديث ) وعند مسلم: (فمشى حتى توارى في سواد الليل) وعند أحمد : ( فانطلقنا حتى برزنا عن الناس فنزل عن راحلته ثم انطلق فتغيَّب عني حتى ما أراه ..)([605]) . وعنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب ([606]) أبعد ) ([607]) . وعن عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه- قال : ( أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فأسر إليَّ حديثاً لا أُحدثُ به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفٌ أو حائشُ نخلٍ ([608]) قال ابن اسماء في حديثه يعني حائط نخل ) ([609]) . قال النووي: وفي هذا الحديث من الفقهه استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط أو هدف أو وهدة أو نحو ذلك، بحيث يغيب جميع شخص الإنسان عن أعين الناظرين وهذه سنة متأكدة والله أعلم ([610]) .
والمتخلي في البنيان قد كُفي مشقة التحرز من كشف العورة، لوجود المرافق والمراحيض المستورة، فلله الحمد والمنة على تيسيره .
فائدة: ينبغي على المتخلي في الصحراء أن لا يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وخصوصاً إذا كان هناك من يمكنه النظر إليه .
7-البول قائماً وقاعداً . الأصل في البول أن يكون من قعود، قالت عائشة -رضي الله عنها- :( من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً ) ([611]) . وذلك لأن البائل قائماً لا يسلم عادةً من تلوث في بدنه وثوبه، ولكن إن دعت الحاجة إلى البوم واقفاً فلا بأس بذلك، لما رواه حذيفة -رضي الله عنه - قال: ( رأيتني أنا والنبي صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة ([612]) قومٍ خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه، فأشار إليَّ فجئته فقمت عند عقبه حتى فرغ ) ([613]) . ولا منافاة بين حديث حذيفة،وبين قول عائشة-رضي الله عنهما- فكلام عائشة يُحمل على الأغلب من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا ذلك لثبوت بوله قائماً -صلى الله عليه وسلم - . وحمل العلماء بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، على أن ذلك لبيان الجواز، أو أنه كان في مكان لا يستطيع معه البول جالساً .

فائدة : لجواز البول قائماً شرطان :
(1) أن يأمن التلويث .
(2) أن يأمن الناظر . قاله ابن عثيمين ([614]) .
مسألة : هل يجوز البول قائماً لغير حاجة ؟
الجواب : قالت اللجنة الدائمة: لو بال قائماً لغير حاجة لم يأثم لكنه خالف في القضاء حاجته الأفضل والأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم ([615]) .
8-النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة. اعلم أن من تأمل نصوص الشرع، فإنه يجد أنها جاءت بتكريم اليد اليمنى والرجل اليمنى على الرجل اليسرى واليد اليسرى، وأرشدت العباد إلى أن يستخدموا أيمانهم في فعل الأمور الكريمة، وشمائلهم على الضد من ذلك. ومن هذا الباب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر والاستنجاء باليد اليمنى . قال ابن الجوزي: وإنما وقع النهي عن مس الذكر والاستنجاء باليمين لمعنيين: أحدهما: لرفع قد اليمين عن الاستعمال في خساس الأحوال، ولهذا تجعل في آخر دخول الخلاء وأول دخول المسجد، وتُجعل اليمين للأكل والشرب والتناول، وتُمتهن اليسرى في الأقذار. والثاني: أنه لو باشرت اليُمنى النجاسة لكان الإنسان يتذكر عند تناول طعامه بيمنه ما باشرت ومست، فينفر الطبع ويستوحش، ويخيل إليه بقاء ذلك الأثر فيها، فُنزهت عن هذا ليطيب عيشه في التناول ([616]) .
روى أبو قتادة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمنه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء ) وعند مسلم وغيره : ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمنه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمنه ...) ([617]) . قال النووي: أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم ([618]) .
مسألة : لم يرد في الأحاديث النهي عن مس الدبر باليمين عند التغوط ؟
والجواب: النهي عن مس الدبر عند التغوط أولى من النهي عن مس الذكر عند التبول. فهو قياس الأولى، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالأخف اكتفاءً به للدلالة على الأشد، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ) ([619]) . ولا يرد علينا أن الحياء يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من تبليغ الدين؛ لأن البلاغ حصل بذكر الأخف تنبيهاً على الأشد، والله أعلم .
مسألة 2 : قال طلق بين حبيب-رضي الله عنه- قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ، فقال: ( هل هو إلا مُضغةٌ منه) أو قال: ( بضعةٌ منه ) ([620]) . والسؤال هنا : إن ظاهر حديث طلق يدل على إباحة مس الذكر في جميع الأحول ، فما الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة ؟
الجواب : أنه لا تعارض بينهما فحديث طلق -رضي الله عنه- مطلق، وحديث أبي قتادة-رضي الله عنه- مقيد في حال البول. قال ابن أبي جمرة: [قوله] :( إنما هو بضعةٌ منك ) فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة ([621]) .
9-الاستنجاء والاستجمار ([622]) . من محاسن الشريعة، أنها جاءت باليسر والتخفيف، ورفع الحرج عند المشقة وعدم الاستطاعة، قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . ومن التيسير الذي منَّ الله به على المكلفين أن أباح لهم التنظف بالاحجار و نحوها كالأوراق والمناديل وشبهها بعد الفراغ من تخليهم واستطابتهم، وهو يقوم مقام الماء في التطهير، ولا شك أن هذا من التيسير لأن الماء غير مقدور عليه في كل الأحوال .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج لحاجته فكان لا يلتفتُ فدنوت منه، فقال: ابغني أحجاراً استنفض ([623]) بها أو نحوه و لا تأتني بعظم ولا روثٍ فأتيته بأحجارٍ بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه وأعرضت عنه فلما قضى أتبعهُ بهنَّ )([624]).
فائدة: الاستنجاء قد يكون بالماء، وقد يكون بالأحجار، وقد يكون بهما جميعاً. أما الأول والثاني فقد وردت فيهما آثاراً صحيحة، وأما الثالث : [فـ]هذا لا أعلمه وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من حيث المعنى لا شك أنه أكمل تطهيراً، قاله ابن عثيمين ([625]) .
10-كراهية الاستجمار بالعظم والروث . لما أباح الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، استعمال الأحجار ونحوها عوضاً عن الماء في التنظيف، منعهم من استعمال الروث العظم لمعاني فيها، إما على جهة التعبد أو أنها ليست لها خاصية التطهير كما في الأحجار وشبهها .
روى عبد الله ابن مسعود-رضي الله عنه- أنه : ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدتُ حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركسٌ ) ([626]) . وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- السابق- لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ابغني أحجاراً استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا روثة ) .... قال : ( فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال: هما من طعام الجن. وإنه أتاني وفد جنِّ نصيبين ونعم الجنُّ فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظمٍ ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً ) ([627]) . فتبين بهذه الرواية سبب المنع من استعمال العظم والروث في التنظيف .
فائدة : يمنع الاستنجاء أو الاستجمار بطعام الآدميين، قياساً على طعام الجن، من باب قياس الأولى . كما يحرم الاستنجاء أو الاستجمار بالأوراق المحترمة ككتب علوم الشريعة لأنها لا تخلوا من الآيات القرآنية، وألفاظ الجلالة، والقرآن من باب أولى .
11- استحباب الاستجمار وتراً . وهذا من أجل إنقاء المحل، وأقله ثلاث مسحات تعم المحل، لحديث سلمان -رضي الله عنه-المتقدم- ( لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار ) ([628]) . فإن حصل الإنقاء بدون ثلاث مسحات وجب تكميلها، وإن حصل الإنقاء بعد الثلاث وكان شفعاً كالأربع والست استحب قطعه على الوتر لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- : ( إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً ...الحديث ) ([629]) .
12-كراهية الكلام في الخلاء . كره كثيرٌ من أهل العلم الكلام على قضاء الحاجة، وأخذوا ذلك من حديث ابن عمر ( أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم فلم يرد عليه ) ([630]) . واستثنوا من ذلك إذا كان لضرورة أو حاجة كإرشاد ضرير يكاد يقع في بئر، أو طلب ماء ونحو ذلك ([631]) .


11- باب آداب حضور المساجد

- قال تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ } ([632]) . أي: عند كل صلاة .
- قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه) ([633]) .

* الآداب *
1-النهي عن حضور المساجد لمن أكل الثوم أو البصل ونحوهما.
يجب على من أكل بصلاً أو ثوماً نيئاَ أن يجتنب المساجد حتى لا يؤذي المصلين برائحته الخبيثة، ومن آذى المصلين فقد آذى الملائكة .. وعن جابر –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو قال فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته )([634]) . وعنه-رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها. فقال: ( من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأنس )([635]) ومع صراحة الأحاديث في نهي آكل الثوم و البصل عن حضور المساجد ورفع الإثم عنه لأجل تركه شهود الجماعة؛ إلا أن هناك طائفة من الناس أبت إلا المخالفة . والله يقول في كتابه { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }([636]) . وبعضهم لا يريد المخالفة ولا يقصدها ولكن لحسن نيته يجد أن من الصعب عليه أن يترك الجماعة ولا يشهدها حتى ولو كان آكلاً للثوم أو البصل، وليس هذا عذرٌ يقبل. وبعض العامة يعلم بالنهي ولكن لا يلقي له اهتماماً، وهذا من ضعف الإيمان في قلبه .

تنبيه : يُقاس على الثوم والبصل والكراث كل رائحة خبيثة تؤذي المصلين، (كالدخان)، أو الروائح الكريهة التي تنبعث من الجسد، أو الملابس المنتنة . فعلى المصلي تفقد نفسه قبل حضور المساجد، حتى لا يؤذي المصلين فيأثم بذلك .
فائدة : إذا تعاطى آكل البصل والثوم شيئاً يمنع رائحتهما الخبيثة، فإنه لا يمنع من شهود المساجد، ولكن ليتحقق الآكل أن الرائحة قد زالت بالكلية وأنها لا تؤذي المصلين . وأما ما يفعله بعض الناس اليوم من اتخاذ (معجون الأسنان) كمزيل لرائحة البصل والثوم، فهذا خطأ بين، لأن رائحة البصل والثوم تنبعث من المعدة وليست من الفم .
2 -استحباب التبكير إلى المساجد .
رغب النبي صلى الله عليه وسلم في التبكير إلى المساجد والمسارعة إليها، فقد روى أبو هريرة –رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) وعند مسلم: (لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة ) ([637]) . ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على فضل وعظم أجر التبكير إلى المساجد، وذلك يتضح من إبهام الرسول صلى الله عليه وسلم لأجر المبكر إلى المسجد، فإنه يدل على أن المبكر إلى المسجد قد حاز أجراً عظيماً. ثم اقتراعهم على الصف الأول فيه دلالة قوية-أيضا- على عظم هذا الأجر .
3 -المشي إلى الصلاة بخشوع وسكينة .

يستحب للماشي إلى الصلاة، أن يكون مشيه إليها في خشوع وسكون وطمأنينة، لأن من قدم إلى الصلاة وهو مطمئن في مشيه؛ كان ذلك أدعى لخشوعه في صلاته وإقباله عليها، وعكسه من جاء إليها مسرعاً مستعجلاً فإنه يدخل في صلاته وهو مشتت الفكر والذهن . ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يسعوا إلى صلاتهم حتى ولو أقيمت الصلاة .فعن أبي قتادة –رضي الله عنه- قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: ( ما شأنكم ؟ ) قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: ( فلا تفعلوا . إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) ([638]). وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا )([639]) .
والمتأمل في الحديثين يجد أن حديث أبي قتادة-رضي الله عنه- جاء بلفظ: (إذا أتيتم الصلاة) وحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- بلفظ: ( إذا أقيمت الصلاة ). فهل بينهما تعارض ؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن قدوم المصلي إلى المسجد يجب أن يكون في خشوع وسكينة سواء أقيمت الصلاة أو لم تقم . وقوله صلى الله عليه وسلم ( إذا أقيمت الصلاة) فيه بيان للأمر الذي يحمل الناس –غالباً- على السعي إلى الصلاة . فبان بذلك أن لا تعارض بين اللفظين، والله أعلم .
4-ما يقال من الدعاء عند المشي إلى الصلاة .
يستحب للماشي إلى الصلاة أن يدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الصلاة. ففي حديث مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة-رضي الله عنهما- قال -في آخره-: فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام فصلى ولم يتوضأ وكان في دعائه: (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وعظم لي نورا …) ولفظ أبي داود: (..ثم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورا واجعل في لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم وأعظم لي نورا الحديث ) ([640]) .
5-الدعاء عند دخول المساجد وعند الخروج منها .
يستحب للداخل إلى المسجد أن يقول:
أ- اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج يقول: اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم إني أسألك من فضلك . تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله المسجد وعند خروجه منه . فعن أبي حميد وأبي أسيد-رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) . وعند أبي داود: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) ([641]).
ب- ويستحب للداخل إلى المسجد-أيضاً- أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم .
جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: ( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ) قال([642]): أقط . قلت: نعم. قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم ([643]).

6- استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج منه .
يستحب للداخل إلى المسجد أن يقدم رجله اليمنى؛ لأن ذلك هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن المسجد أشرف الأماكن فناسب تقديم اليمنى لشرفه. وعند الخروج منه تقدم الرجل اليسرى لفعله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن الأماكن غير المسجد دونه في الشرف. ومن عادة الشرع أن جعل اليد والرجل اليمنى لمباشرة الأشياء الفاضلة الكريمة، وجعل الشمال لمباشرة الأشياء الوضيعة . والقاعدة العامة في هذا الباب هو حديث عائشة-رضي الله عنها- قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله )([644]).
وفي دخول المسجد سنة ذكرها أنس –رضي الله عنه- قال: ( من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى )([645]) . ومن المعلوم عن أهل الحديث أن قول الصحابي من السنة أن له حكم الرفع . وقد بوب البخاري على حديث عائشة المتقدم بقوله: باب التيمن في دخول المسجد وغيره . ثم ساق أثر ابن عمر فقال: وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى . ومعروفٌ عن ابن عمر-رضي الله عنهما- بشدة متابعته لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
7-استحباب أداء تحية المسجد عند دخول المسجد .
يستحب لداخل المسجد أن يبدأ بركعتين هما: تحية المسجد . وهي ليست واجبة، ولكنها سنة مؤكدة لأمره بها صلى الله عليه وسلم أصحابه في كذا موضع، كحديث أبي قتادة السلمي-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ([646]).
والذي صرف أمره صلى الله عليه وسلم من الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخر كحديث طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه-قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خمس صلوات في اليوم والليلة ). فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوع .-وفي آخر الحديث- قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق )([647]). وعلى هذا فلا ينبغي لأهل الإيمان أن يرغبوا عن هاتين الركعتين ففيهما خيرٌ كثير .

8- فضل القعود في المسجد .
مما جاء في فضل القعود في المساجد وانتظار الصلاة، قوله صلى الله عليه وسلم: (.. . فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث ) ([648]) .وهذا من رحمة الله بعباده وجزيل كرمه؛ أن رتب على جلوسهم في المساجد وانتظار الصلاة، كأجر المصلي . ثم جعل ملائكته يدعون لمنتظر الصلاة في المسجد، بالرحمة والمغفرة والتوبة ! .
ولكن ينبغي أن يعلم، أن هذا الثواب ودعاء الملائكة لمنتظر الصلاة مقيد بأمور: أولاً : أن تكون الصلاة هي التي تحبسه عن الذهاب إلى أهله أو شغله . ثانياً: أن دعاء الملائكة لمنتظر الصلاة مرهونٌ ببقاء المصلي في موضعه الذي صلى فيه، وفيه وجهٌ آخر: وهو أن دعاء الملائكة لمنتظر الصلاة يشمل من كان ينتظر الصلاة في المسجد، وفي موضعه الذي صلى فيه. وسياق الأحاديث يقوي الأول . ثالثاً: أن ثواب منتظر الصلاة ودعاء الملائكة له، ينتفي بالإحداث أو الإيذاء، فالإيذاء أي: يحصل منه أذى للملائكة أو للمسلم بالفعل أو القول، قاله ابن حجر([649]) . والإحداث أي: أن يأتي منتظر الصلاة بناقض من نواقض الوضوء .
تنبيه: يفرط كثيرٌ من الناس بالوقت الفاضل-وقت انتظار الصلاة(بين الأذان والإقامة)، فتجدهم يقلبون أعينهم في المصلين أو التالين، وبعضهم يُرسل بصره وعقله في تأمل نقوش المسجد وعمارته إلى غير ذلك، ولو أنهم اغتنموا هذا الوقت الفاضل بقراءة القرآن، أو ذكر الله، أو الاجتهاد في الدعاء لأنه وقت إجابة، لكان فيه خيرٌ كثير .
تنبيه آخر: الإمامة في الصلاة نوع من الولاية، فيجب على الإمام أن يرفق بالمأمومين ولا يشق عليهم بأي نوع من أنواع المشقة . فعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به )([650]) . قال النووي: هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس وأعظم الحث على الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى .اهـ([651]).
والواقع أن بعض الأئمة-وفقهم الله- يشقون على الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فيؤخرون إقامة الصلاة، ويحبسون الناس عن أعمالهم وقضاء حوائجهم، ويوقع المصلي الذي له حاجة لا تؤخر في الحرج، هل يصلي منفرداً ؟ أو ينتظر هذا الإمام ؟ .
والإمام الموفق من جعل لجماعة المسجد وقتاً معلوماً([652])، بحيث لو تأخر عليهم لأمر عارض أقاموا الصلاة، فلا يشق عليهم بتأخره ويرفع عنهم الحرج . وهذا من رفق الإمام بجماعة مسجده وحسن رعايته لهم، والله الموفق .
9-جواز الاستلقاء في المساجد .
لا بأس بالاستلقاء في المسجد، فقد استلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى . فعن عبد الله بن زيد بن عاصم-رضي الله عنه- : أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى. وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال كان عمر وعثمان يفعلان ذلك ([653]).
ولكن ينبغي الأمن من كشف العورة لأن وضع الرجل إحداهما على الأخرى مظنة كشف العورة، ومن أمكنه التحرز فلا يمنع منه .
فائدة: يتحرج بعض الناس من مدِّ أرجلهم إلى القبلة تورعاً. ولكن هذا الحرج ليس في محله؛ ومن مدَّ رجله أو رجليه إلى القبلة في المسجد أو خارجه فهو ليس بآثم([654]) .
تنبيه: يجب على من مدَّ رجله أو رجليه إلى القبلة في المسجد أن لا تكون مصوبة إلى المصاحف([655]) ، تأدباً مع كلام الله وتعظيماً له، بل إن الناس يذمون وينكرون على من مدَّ رجله أو رجليه أمامهم وفي مجالسهم، فكيف بمن يمد رجليه باتجاه المصاحف؟ لا شك أن الإنكار عليه أعظم .
10-جواز النوم في المسجد .
يجوز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك، ولقد كان أصحاب الصُّفة-رضي الله عنهم-([656]) ينامون في المسجد([657])، وكان ابن عمر-رضي الله عنهما- ينام في المسجد قبل أن يكون له أهل. فعن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- : أنه كان ينام وهو شابٌ أعزب لا أهل له في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ([658]).
تنبيه: إذا احتلم [المسلم] وهو نائم به[بالمسجد] أسرع بالخروج منه حين يستيقظ ليغتسل من الجنابة ([659]).
11-النهي عن البيع والشراء في المساجد .
لا يجوز البيع والشراء في المساجد فهي لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله، وإقامة الصلاة، وتعليم الناس أمور دينهم.. الخ . ومن رأى رجلاً يبيع أو يبتاع في المساجد فليدع عليه وليقل: لا أربح الله تجارتك . فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك .. الحديث ) ([660]).
تنبيه: حول البيع أو الشراء في الغرف أو الصالات الملحقة بالمسجد أو القاعات المخصصة للصلاة . قالت اللجنة الدائمة : لا يجوز البيع والشراء ولا الإعلان عن البضائع في القاعة المخصصة للصلاة إذا كانت تابعة للمسجد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك ) .. . –وقالت-: أما الغرف ففيها تفصيل: فإن كانت داخلة في سور المسجد فلها حكم المسجد والقول فيها كالقول في القاعة، أما إن كانت خارج سور المسجد ولو كانت أبوابها فيه فليس لها حكم المسجد؛ لأن بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي تسكنه عائشة-رضي الله عنها- كان بابه في المسجد ولم يكن له حكم المسجد ([661]).
فائدة: اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن من سمع رجلاً يبيع أو يبتاع في المساجد فليقل له: لا أربح الله تجارتك . وظاهر اللفظ أنه لا فرق بين العالم بالحكم أو الجاهل به .
12-النهي عن إنشاد الضالة([662]) في المساجد .
مساجد الله بُنيت لذكره، وتسبيحه، وتلاوة القرآن، والصلاة فيه . ولم تجعل مكاناً للسؤال عن الضوال، أو المفقودات . فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ) وعند أحمد: ( لا أداها الله عليك ) وعند الدارمي: ( لا أدى الله عليك ) ([663]) .
وعلى هذا: فمن سمع من ينشد ضالته، فليقل: لا ردها الله عليك، أو لا أداها الله عليك، أو لا أدى الله عليك، والمعنى واحد .
13- رفع الصوت في المساجد .
عن كعب بن مالك-رضي الله عنه- أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: ( يا كعب ) قال: لبيك يا رسول الله. قال: ( ضع من دينك هذا ) وأومأ إليه أي: الشطر. قال: لقد فعلت يا رسول الله. قال: ( قم فاقضه ) ([664]).
وعن السائب بن يزيد قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب. فقال: اذهب فأتني بهذين. فجئته بهما. قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا:من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ([665]).
والمتأمل في الحديثين يجد أن ظاهرهما التعارض؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من رفع صوته في المسجد وإنما أمر كعباً –رضي الله عنه- بوضع الشطر من دينه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر البيان عن وقت حاجته . وأثر عمر-رضي الله عنه- يدل على كراهية رفع الصوت في المسجد، وعمر –رضي الله عنه- أجلَّ من أن ينكر على أحد بدون دليل يعلمه، وهذا له حكم الرفع . ولعل هذا يؤيد ما ذهب إليه مالك في إحدى روايتيه: ( التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لابد منه فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه فلا ) قاله ابن حجر ([666]).
تنبيه : قالت اللجنة الدائمة : السؤال محرم في المسجد وفي غير المسجد إلا للضرورة، فإن كان السائل مضطراً إليه لحاجته، وانتفاء ما يزيل عوزه، ولم يتخط رقاب الناس، ولا كذب فيما يرويه عن نفسه ويذكر من حاله، ولم يجهر بمسألته جهراً يضر بالمصلين؛ كأن يقطع عليهم ذكرهم، أو يسأل والخطيب يخطب، أو يسألهم وهم يستمعون علماً ينتفعون به، أو نحو ذلك مما فيه تشويش عليهم في عبادتهم- فلا بأس بذلك، فقد روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً ؟ ) فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه. قال المنذري: وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي بنحوه . فهذا الحديث يدل على جواز التصدق في المسجد، وعلى جواز المسألة عند الحاجة، أما إذا كانت مسألة لغير حاجة أو كذب على الناس فيما يذكر من حاله أو أضرَّ بهم في سؤاله فإنه يمنع من السؤال ([667]).
14- النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى المسجد قبل الصلاة، وجوازه بعدها .
ثبت عنه صلى عليه وسلم أنه شبك بين أصابعه غير مرة، في المسجد وخارجه، مما يدل على جواز تشبيك الأصابع مطلقاً، كحديث أبي موسى-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه )([668]) . وحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- في سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة- قال: ( فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه الأيسر.. الحديث)([669]).
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن تشبيك الأصابع، فقد روى كعب بن عجرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة ) ([670]) .
وطريق الجمع في ذلك أن يقال: إن النهي عن تشبيك الأصابع يكون قبل الصلاة لأن العامد إلى المسجد في حكم المصلي، وبعد انقضاء الصلاة يكون المصلي في حكم المنصرف منها .
15-جواز التحدث بالأمور الدنيوية المباحة في المسجد .
يجوز أن يتحدث الرجل مع أخيه –في المسجد- بالأمور الدنيوية المباحة، ولا أثم عليه في ذلك، فقد فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان أصحابه يتحدثون بالمسجد وهو معهم ويقرهم على ذلك، وهذا دالٌ على جوازه . فعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: ( أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم ) ([671]). وعن سماك بن حرب قال: ( قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . قال: نعم . كثيراً كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم ) ([672]).
ولكن ينبغي مراعاة عدة أمور، عند التحدث في المسجد فيما يتعلق بشئون الدنيا . أولاً: أن لا يشغل من حوله من المصلين أو التالين للقرآن أو المشتغلين بالعلم . ثانياً: أن لا يُتخذ عادة . ثالثاً: أن يجتنب فيه الأقوال أو الأفعال المحرمة . رابعاً: أن يكون الكلام قليلاً لا كثيراً .
16-جواز الأكل والشرب في المسجد.
لا بأس بالأكل والشرب في المسجد، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل في المسجد، وفعله دليل الجواز. قال عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي –رضي الله عنه-: ( كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الخبز واللحم )([673]) . ولكن ينبغي على من شرب أو أكل طعاماً في المسجد أن لا يلوث المسجد بفضلات الطعام أو الشراب([674]) .
17-جواز قول الشعر في المسجد .
يجوز نشيد الشعر في المسجد، وهذا محله ما إذا كان مباحاً ليس محرماً، ويجتنب فيه ما يجتنب في الكلام؛ لأن الشعر كلامٌ حسنه حسن، وسيئه سيئ . وقد كان حسان بن ثابت-رضي الله عنه- يقول الشعر في المسجد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمدح رسول الله والمؤمنين، ويهجو المشركين ويرد عليهم . بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له . فعن سعيد بن المسيب([675]) قال: ( مر عمر في المسجد وحسان ينشد فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك([676]) . ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس قال نعم ) ([677]) .
18-جواز اللعب بالحراب ونحوها في المساجد .
عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم ) وفي رواية: قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم. فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال: دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب. فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال: فاذهبي ) ([678]).
واللعب هنا كان بالحراب وفي يوم عيد؛ ويوم العيد يوم فرح وسرور، واللعب كان بالحراب وهو تدريب على الطعن والمقاتلة . ولذا لم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من اللعب بالحراب في المسجد بل أمرهم بذلك، لأن فيه فائدة ترجى من وراء ذلك،وهو ليس لعباً محضاً ([679]).
19- استحباب إظهار الزينة لصلاة الجمعة والعيدين.
يستحب للمسلم أن يتخذ لصلاة الجمعة والعيدين ثوباً جميلاً يتجمل به، لأن لبس الجميل من الثياب لصلاة الجمعة والعيدين مرغبٌ فيه من الشارع . يدل على ذلك ما حدث به عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- فقال: ( أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة...الحديث)([680]). والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر اتخاذ الحلة الجميلة للجمعة وعند استقبال الوفود؛ إنما أنكر لبس مثل هذه الحلة التي فيها الحرير، فبهذا يعلم أن التجمل للجمعة والعيدين وللوفود مرغوب فيه .
ومن الزينة أن يمس القادم إلى الجمعة من الطيب أو الدهن، وفيه ترغيب عظيم . فقد روى سلمان الفارسي-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) ([681]).
20- النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان .
يكره الخروج من المسجد لمن أدركه الأذان وهو فيه، إلا لمن كان عنده عذرٌ يسوغ له الخروج من المسجد، كتجديد وضوء ونحوه . فعن أبي الشعثاء قال: ( كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة-رضي الله عنه- فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم )([682]). والحديث له حكم الرفع لأن أبا هريرة-رضي الله عنه- لم يكن له أن يجتهد في مثل هذا- وحاشاه- . فلا يجوز لمن أدركه الأذان وهو بالمسجد أن يخرج منه حتى يؤدي الصلاة المكتوبة، إلا لعذر . لأن من خرج بعد الأذان بدون عذرٍ، قد يشغله أو يعوقه ما يمنعه من إقامة الصلاة مع الجماعة، فيكون سبباً في تفويت صلاة الجماعة .
21- من السنة الصلاة بالنعال في المساجد .
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه صلى في نعاله، بل أمر بها. سُئل أنس بن مالك : ( أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال: نعم . ) ([683]). وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ( ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ ). قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا أو قال أذى ) وقال: ( إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ) وعند أحمد: ( فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثاً فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما ) ([684]) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصلاة في النعلين سنة أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر إذا كان فيها أذى أن يدلكهما بالأرض فإنها لهما طهور. وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وصلاته صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالنعال في المسجد مع أنهم يسجدون على ما يلاقي النعال، كل ذلك دليل على طهارة أسفل النعل، مع أنهم كانوا يروحون بها إلى الحش للبراز. فإذا رأى عليهما أثر النجاسة فدلكها بالأرض طهرتا.اهـ ([685]).
تنبيه : في هذه الأزمان المتأخرة أصبحت المساجد تُفرش (بسجاد)، وجرت عادتهم أن لا يدخلوا المساجد بنعالهم وخفافهم، ولا يوطئونها فرشهم، وإذا كان الأمر كذلك، فإن على الغيورين على سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الاندثار، والحريصين على تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم-، أن لا يدخلوا هذه المساجد بنعالهم وخفافهم، حتى لا تحدث مفسدة في سبيل تحصيل مصلحة. لأن أكثر العوام يجهلون هذه السنة، وبسبب جهلهم فإن الداخل إلى المسجد بنعليه لا يأمن إنكار العوام عليه، وارتفاع أصواتهم ولغطهم في المسجد، هذا مع ما قد تسببه النعال أو الخفاف في تلويث هذه الفرش التي أصبح الناس يولونها عناية كبيرة .
وعلى الراغب في تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بالنعلين، أن يصلي بهما في بيته، أو عند خروجه للنزهة، أو عند السفر، أو في مسجد أهله يصلون بنعالهم وخفافهم .
22- آداب حضور النساء للمساجد .
لا تمنع المرأة من شهود المساجد، ولا ينبغي منعها منه، مادامت أنها لم ترتكب محذوراً شرعياً . جاء ذلك صريحاً في حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ) ([686]). قالت اللجنة الدائمة: يجوز للمرأة المسلمة أن تصلي في المساجد، وليس لزوجها إذا استأذنته أن يمنعها من ذلك ما دامت مستترة ولا يبدو من بدنها شيء مما يحرم نظر الأجانب إليه.. . [ ثم قالت اللجنة بعد أن أوردت الأدلة من الكتاب والسنة: ] فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن المرأة المسلمة إذا التزمت آداب الإسلام في ملابسها وتجنبت ما يثير الفتنة ويستميل ضعفاء الإيمان من أنواع الزينة المغرية، لا تمنع من الصلاة في المساجد، وأنها إذا كانت على حالة تغري بها أهل الشر وتفتن من في قلبه ريب منعت من دخول المساجد، بل تمنع من الخروج من بيتها ومن حضور المجامع العامة.. ([687]).
وتنفرد النساء عن الرجال عند حضورهن للمساجد بأمور عدة، منها :
أ- أن لا تتطيب أو تتزين بما يدعو إلى الفتنة .

كأن تلبس ملابس مغرية، أو تلبس خلخالاً، فمتى وجدت هذه أو بعضها فإن المرأة تمنع من شهود المسجد.
فأما الطيب فورد فيه نص بخصوصه، قالت زينب امرأة عبد الله- بن مسعود رضي الله عنه-: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا ) ([688]). وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة )([689]) . وأما الزينة الأخرى فمتى تجملت المرأة تجملاً يحرك الغرائز، ويوقض الفتنة، فإنها تمنع درءً للفتنة، وإغلاقاً لموارد الشر .
ب- لا تمكث الحائض والنفساء بالمسجد .
لا يجوز دخول الحائض والنفساء ولا الجنب إلى المسجد، إلا إذا كانوا عابري سبيل لقوله تعالى: { ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } . ومن الأدلة على منع الحائض من دخول المسجد- والنفساء قياساً عليها-: ما روته عائشة-رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ناوليني الخمرة من المسجد ). قالت فقلت: إني حائض ؟ . فقال: ( إن حيضتك ليست في يدك )([690]) . وقول عائشة-رضي الله عنها- ( إني حائض ) فيه دليل على أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تمكث فيه إلا ما استثني . والعلة هو خوف تلوث بقعة المسجد بنجاسة الدم .
فائدة : يجوز للمستحاضة أن تدخل المسجد بل وتعتكف فيه، ولكن مع التحرز من تلوث المسجد بالنجاسة . روت عائشة-رضي الله عنها-:( أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة )([691]) .
ت- الصلاة خلف الرجال، وعدم الاختلاط بهم .
صفوف النساء في المسجد تكون خلف صفوف الرجال، وكلما كانت المرأة أبعد عن الرجال كلما كان ذلك أفضل لها وخير لها، وذلك لما رواه أبو هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها )([692]) . لأن قرب الرجال من النساء قد يهيج الشهوة ويحركها، ويضيع معه لب الصلاة وهو الخشوع فيها، فمن أجل ذلك حرص الشرع على أن يبتعد الرجال عن النساء، والنساء عن الرجال، حتى في المسجد .
ومن حرص صاحب الشريعة-رسول الله صلى الله عليه وسلم- على ابتعاد الرجال عن النساء في المسجد أنه كان إذا صلى يمكث في مصلاه يسيراً من أجل أن ينصرف النساء قبل الرجال وينقلبن إلى بيوتهن قبل أن يدركهن الرجال عند الخروج من المسجد ويحدث الاختلاط بهن . فعن أم سلمة-رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم-: ( أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال ) ([693]). والناس لهم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلف، فينبغي لهم أن يتأخروا في مصلاهم قليلاً حتى يذهب النساء، وعلى النساء أن لا يتأخرن في مصلاهن بعد انصراف الإمام بل يخرجن سريعاً وينقلبن إلى بيوتهن، ذلك خيرٌ لهم ولهن . ولكن إن كان مخرج النساء بعيداً عن مخرج الرجال ولا يحصل بذلك اختلاط فلا بأس بخروج الرجال بعد انصراف الإمام مباشرة أو انتظار النساء قليلاً في مصلاهن لانتقاء العلة والله أعلم .
تنبيه : إذا كان مصلى النساء معزولاً عن مصلى الرجال، فإن خير صفوف النساء عندئذٍ يكون أولها، وشرها آخرها . وذلك لأن العلة التي من أجلها جعل النبي صلى الله عليه وسلم شر صفوف النساء أولها قد انتفت بانعزال الرجال عن النساء فعادت الخيرية للصف المقدم .



12- باب آداب النوم

- قال تعالى : { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لأياتٍ لقومٍ يسمعون } ([694]) .
- وقال تعالى : { وجعلنا نومكم سباتاً } ([695]) .
- وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم اسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك ... الحديث ) ([696]) .

* الآداب *

1- إغلاق الأبواب وإطفاء النار والمصابيح قبل النوم . جاء في حديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب،.... ) ([697]) . وفي رواية: ( وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا لمصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت ) ([698]) . وعن ابن عمر-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ) ([699]) . في الآثار السابقة الأمر بإطفاء المصابيح والنار، وغلق الأبواب. والأمر هل هو للوجوب أم للندب أو للإرشاد، مُختلفٌ في ذلك.
وعلة الأمر بإطفاء النار والمصابيح: هو الخوف من انتشار النار واشتعالها على أهلها، وبُينت هذه العلة في الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الفويسقة [ الفأرة ] ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت ) . قال القرطبي: في هذا الأحاديث أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه أن يطفئها قبل نومه أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق، وكذا إن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم وأحقهم بذلك آخرهم نوماً، فمن فرط في ذلك كان للسنة مخالفاً ولأدائها تاركاً ([700]) .
وأما إغلاق الأبواب قبل النوم، فقد جاء في رواية مسلم من حديث جابر: ( وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً ) ([701]) . قال ابن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد ولا سيما الشياطين، وأما قوله: ( فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً ) فإشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخصه بالتعليل تنبيهاً على ما يخفى مما لا يطلع عليه إلا من جانب النبوة .. ([702]).
مسألة : إذا أُمن الحريق وعُمل لذلك أسباباً تمنع من حدوثه، فهل يُقال بجواز ترك النار والمصباح دون إطفاء ؟
الجواب : إن أمن ذلك ... فالظاهر أنه لا بأس بها لا نتفاء العلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن الفويسقة تضرم على أهلها البيت بيتهم فإذا انتفت العلة زال المنع، قاله النووي ([703]) .
2- الوضوء قبل النوم . وفيه حديث البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ... الحديث ) ([704]) . والوضوء ليس واجباً بل مستحب في حق كل من أراد النوم، ورواية أحمد تؤيد ذلك: قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أويت إلى فراشك طاهراً... ) ([705]) . فإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت من ليلته وليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه، قاله النووي([706]).
3- نفض الفراش قبل الاضطجاع عليه . من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه، أنه كان ينفض فراشه بداخلة إزاره ثلاثاً قبل اضطجاعه عليه، روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره ([707]) ، فإنه لا يدري ما خلفه عليه...الحديث ) وفي رواية : ( إذا جاء أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات ... الحديث) وعند مسلم : ( فليأخذ إزاره فلينفض بها فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه ) وعند الترمذي: ( إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه ...الحديث) ([708]) . وفي الحديث برواياته فوائد : منها استحباب نفض الفراش قبل النوم، ومنها أن النفض يكون ثلاثاً، ومنها التسمية عند النفض، ومنها أن من قام من فراشه ثم رجع إليه فيستحب له أن ينفضه مرة أخرى . والعلة في ذلك بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( فإن أحدكم لا يدري ما خلفه عليه ) . والحكمة من تخصيص داخلة الإزار غير ملعومة لنا، وللعلماء في ذلك أقاويل مختلفة . ولا يتوقف العمل على العلم بالحكمة منه، بل متى ثبت الخبر عُمل به ولو جُهلت حكمته، ومردُ ذلك إلى الانقياد والتسليم، وهذا أصلٌ عظيم فتشبث به .
4- النوم على الشق الأيمن، ووضع الخد على اليد اليمنى . وفيه حديث البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن... الحديث ) ([709]) . وحديث حذيفة-رضي الله عنه- قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده .. الحديث ) وعند أحمد: ( إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده ... ) ([710]) .
وفي النوم على الجانب الأيمن فوائد: منها أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم، ومنها قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نص الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا: يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن ساعة ثم ينقلب على الجانب الأيسر، قاله في الفتح ([711]) .
5- قراءة شيءٍ من القرآن . كان من هدي نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، أنه لا ينام حتى يقرأ شيئاً من القرآن . وفي قراءة القرآن قبل النوم حفظٌ للمسلم من تلاعب الشيطان به، وأصدق لرؤياه. والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة ومتنوعة، وسوف نذكر ما يتيسر جمعه .
أ- قراءة آية الكرسي . وفيه قصة أبي هريرة-رضي الله عنه- مع الذي يسرق من الزكاة، فلما عزم أبو هريرة-رضي الله عنه- رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال له : ( دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هو ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم } حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح . [قال أبو هريرة] فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليتُ سبيله . قال: ما هي؟ قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية { الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم } وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، -وكانوا أحرص شيٍ على الخير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقك وهو كذوبٌ، تعلم من تخاطب منذُ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة . قال: لا . قال: ذاك شيطان ) ([712]) .
ب- قراءة سورة الإخلاص والمعوذتان والنفث ([713]) بها . كان صلى الله عليه وآله وسلم يداوم على قراءة سورة الإخلاص والمعوذتان، وينفث بها في كفيه ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاثاً ) ([714]) . وأفاد هذا الحديث مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الأمر لقول عائشة-رضي الله عنها- :( كل ليلة ) ، وأن القراءة بها تكون نفثاً في الكفين ثم يسمح بهما ما يُستطاع من الجسد ابتداءً بالرأسو الوجه وما أقبل من الجسد، وأفاد الحديث -أيضاً- أن ذلك النفث يكون ثلاثاً .وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشرة للرقية والذكر الحسن... قاله القاضي ([715]) .
فائدة: النفث بسورة الأخلاص والمعوذتان، ليس مخصوصاً عند النوم فقط، بل يستحب لمن اشتكى وجعاً أن ينفث بهذه السور على كفيه ثلاثاً ويمسح بهما جسده. روى البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها-: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى في وجعه الذي توفِّي فيه طَفِقتُ أنفث على نفسه بالمعوذات ([716]) التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه ) ([717]) .
ت- قراءة سورة ( الكافرون) براءة من الشرك . عن فروة بن نوفل عن أبيه-رضي الله عنه- : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنوفل: ( اقرأ { قل يا أيها الكافرون } ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك ) ([718]) .
ث- قراءة سورة (تبارك) و ( آلم تنزيل السجدة ) . فعن جابر -رضي الله عنه- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ( آلم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك ) ([719]) .
فائدة: جاء في سورة تبارك أثرٌ يرغب في تلاوتها والمحافظة عليها، فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سورةٌ من القرآن ثلاثون آية تشفعُ لصاحبها حتى يُغفر له، تبارك الذي بيده الملك ) ([720]) .
ج- قراءة الآيتين الآخرتين من سورة البقرة، وعن أبي مسعود البدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلةٍ كفتاه ) ([721]) . وقوله: ( كفتاه ) قال النووي: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل الجميع ([722]) .
6- قراءة بعض الأدعية والأذكار . من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في نومه أنه كان يدعو بكلمات يختم بها ليلته، قال أبو هريرة-رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من اضطجع مضجعاً لم يذكر الله تعالى فيه إلا كان عليه ترةً يوم القيامة، ومن قعد مقعداً لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة ) ([723]) .
ومن نظر في دعائه-صلى الله عليه وآله وسلم- عند نومه يجد أنه اشتمل على معاني عظيمة وجليلة، ففيه التوحيد بأقسامه، وفيه إظهار الفقر بين يدي الله، وفيه سؤال المغفرة والتوبة والإنابة والوقاية من العذاب الأخروي، وفيه الاستعاذة بالله من النفس والشيطان، وفيه حمده على نعمه، وغير ذلك من المعاني التي لا يتسع المقام لحصرها . وسوف نذكر بعضاً من أدعيته -صلى الله عليه وآله وسلم- لكي يستفيد منها راغب الاستزادة من الخير، والموفق من سبق إلى الخيرات .
أ- قول: ( اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ) . عن حفصة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده، ثم يقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك . ثلاث مرار )([724]).
ب- قول: ( باسمك اللهم أموت وأحيا ) . عن حذيفة بن اليمان-رضي الله عنه- قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسيلم إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك الله أموت وأحيا... ) ([725]) .
ت- قول: ( اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها.... ) . فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: ( اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية ) فقال له رجلٌ أسمعت هذا من عمر؟ فقال: من خيرٍ من عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ([726]) .
ث- قول: ( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه.... ) . روى أبو هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ) ([727]) .
ج- قول: ( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم... ) .عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيءٍ، فالق الحب والنوى، ومنزل التوارة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك قيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ) ([728]) .
ح-قول: ( اللهم فاطر السموات والأرض... ) . فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله مرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: ( قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه ) قال: ( قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) ([729]) .
خ- قول: ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا....) روى أنس-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ) ([730]) .
د- التسبيح والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين . عن علي -رضي الله عنه- أن فاطمة -رضي الله عنها- شكت ما تلقى في يدها من الرحى فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم فقال: مكانك فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال:( ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؛ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهذا خيرٌ لكما من خادم ) ([731]) .
ذ-قول: ( بسم الله وضعت جنبي، اللهم أغفر لي ذنبي...) . عن أبي زهير الأنماري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: ( بسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسىء شيطاني، وفكَّ رهاني، واجعلني في النَّديِّ الأعلى ) ([732]) .
ر- قول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه...) لمن يشتكي الفزع في نومه . فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن : ( رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلماتٍ: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ) وعند أحمد بلفظ: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولها عند النوم من الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات ... الحديث ) ([733]) .
ز- قول: ( اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك...) . عن البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به ...) ([734]) .
فائدة: عن شداد بن أوس-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . قال: ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة ) ([735]) .
وهذا من فضل الله على عباده المؤمنين، عملٌ يسير وأجرٌ كبير ! . ولذا لا ينبغي لمسلمٍ أن يفرط في هذا الدعاء في يومه وليلته، وليواظب عليه مع استحضار شرطه، حتى يفوز بجنة عرضها السموات والأرض، اللهم إنا نسألك أن نكون من أهل جنتك، الذين رضيت عنهم وأرضيتهم. آمين .
7- ما يراه النائم، وما يقوله ويفعله إذا رأى مايسره أو يفزعه . ما يراه النائم قد يكونُ حلماً، وقد يكون رؤيا، فالرؤيا من الله، والحلم من الشيطان. عن أبي قتادة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليبصق علي يساره وليتعوذ من بالله من شرها فإنها لا تضره ) ([736]) . وعند البخاري من طريق آخر: ( فمن رأي شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً، وليتعوذ من الشيطان )، وعند مسلم: (الرؤيا الصالحة، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره ولا يخبر بها أحد، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب )، وعنده أيضاً من حديث جابر :( فليبصق على يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه )، وعنده من حديث أبي هريرة: (فإن رأي أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس ) .
وفي الحديث بمجموع طرقه فوائد : فمنها: أن الرؤيا قد تكون صالحة وقد تكون سيئة، فالصالحة من الله، والسيئة من الشيطان وتسمى حلماً. ومنها: أن من رأى رؤيا حسنة فليستبشر وليؤمل خيراً، ولا يخبر بها إلا من يحب، وهي بشرى من الله فعند أحمد: ( من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله عز وجل ) . ومنها: أن من رأي ما يسوءه فمستحبٌ له أن يتفل على يساره ثلاثاً، ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو من شرها وإن كررها ثلاثاً فهو أفضل، ثم ليتحول عن جنبه الذي كان عليه، ثم إن قام يصلي فهو أفضل، فإن فعل ذلك أو بعضه -كما جاءت به الأحاديث- فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحداً .
8- كراهية النوم على الوجه . عن طخفة الغفاري أنه كان من أصحاب الصفة، قال: بينا أنا نائم في المسجد من آخر الليل، أتاني آتٍ وأنا نائم على بطني، فحركني برجله فقال: ( قم؛ هذه ضجعة يبغضها الله ) . فرفعتُ رأسي فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم على رأسي ([737]) . وعند ابن ماجه بلفظ: ( ما لك ولهذا النوم، هذه نومةٌ يكرهها الله، أو يبغضها الله )، والحديث صريحٌ في النهي عن هذه النومة، وأن الله -سبحانه وتعالى- يمقتها، وما كان مكروهاً لله فيجتنب. وأما سبب الكراهة فقد بينتها رواية أبي ذر -رضي الله عنه- قال: ( مربي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعٌ على بطني فركضني برجله وقال يا جنيدب: إنما هذه ضجعة أهل النار ) ([738]) . وبهذا الحديث يتبين أن سبب الكراهة هي مشابهة أهل النار في نومهم، والله أعلم .
9-كراهية النوم على سطح غير محجر . وفيه حديث علي بن شيبان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بات على ظهر بيتٍ ليس عليه حجاب ([739]) فقد برئت منه الذمة ) وعند أحمد: ( من بات فوق إجار أو فوق بيت ليس حوله شيءٌ يردُّ رجله فقد برئت منه الذمة...) ([740]) . قال فضل الله الجيلاني : ... أنه يلزم الإنسان أن لا يقصر في مراعاة الأسباب العادية لجلب ما ينفع ودفع ما يضر، وهذا الحديث من أدلة ذلك، فمن بات على سطح لا حجاب عليه فقد قصر في مراعاة الأسباب العادية لاجتناب لاضرر، فإن النائم قد ينقلب في نومه وقد يقوم ولا يزال أثر النوم عليه فيسعى إلى غير الطريق فيسقط، فكان ينبغي له مراعاة الأسباب العادية بأن لا ينام في ذلك الموضع، فإذا نام فقد عرض نفسه للسقوط فيسقط، فمن تعاطى الأسباب العادية وذكر اسم الله تعالى واعتمد عليه فهو في ذمة الله عز وجل، إنا أن يحفظه وإما أن يثيبه على ما أصابه من ضرر بكفارة السيئات أو رفع الدرجات، فإن أصابه ما فيه هلاكه بعد اتخاذ الأسباب فهو شهيد كما ورد في المتردي والغريق ونحوهما، ومن قصّر بعد وسعه لم يكن في ذمة الله عز وجل، فإن أصابه ضرر لم يثب، وإن هلك لم يكن شهيداً، بل يخشى أن يعد قاتلاً نفسه، والله أعلم بالصواب ([741]) .
10- ما يقوله النائم إذا استيقظ . شرع في حق النائم دعوات وتلاوة آيات يقولها إذا استيقظ من نومه، ونحن ذاكرون لك طرفاً منها :
أ- من تعارَّ من الليل فليقل: ( لاإله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد...) . فعن عبادة بن الصامت-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تعارَّ ([742]) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قُبلت صلاته ) ([743]) .
ب- تلاوة العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران . ورد ذلك في حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- في قصة مبيته عند خالته ميمونة، قال: ( حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شنٍّ معلقة فتوضأ منها فأحسن الوضوء ثم قام يصلي... الحديث ) ([744]) .
ت- قول: ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) . جاء ذلك في حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك الله أموت وأحيا، وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) ([745]) .
















13- باب آداب السفر


- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليُعجِّل إلى أهله ) ([746]) .

* الآداب *

1-استحباب التوديع للمسافر . يستحب للمسافر أن يودع أهله وقرابته وإخوانه، قال ابن عبد البر: إذا خرج أحدكم في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعلٌ في دعائهم بركة. قال: وقال الشعبي: السنة إذا قدم رجلٌ من سفر أن يأتيه إخوانه فيسلموا عليه، وإذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم ([747]) . وفي التوديع سنة مهجورة قلَّ من يعملها، ألا وهي توديع المسافر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم . فعن قزعة قال: قال لي ابن عمر هلمَّ أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ) ([748]) . وقوله: ( أستودع الله دينك ) أي: أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك. ( وأمانتك ) قال الخطابي: الأمانه ههنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سبباً لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما ([749]) .
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: أراد رجلٌ سفراً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، قال: ( أوصيك بتقوى الله عز وجل، والتكبير على كل شَرَفِ ) فلما مضى ، قال: ( اللهم ازو له الأرض، وهون عليه السفر ) ([750]) .
2-كراهية الوحدة في السفر . وفيه حديث عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لو يعلم الناسُ ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده) ([751]) . وفي الحديث فوائد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر أمته بما يعلمه من الآفات التي تحدث من جراء سفر الرجل وحده مبالغةً منه في التحذير من التفرد في السفر، وثانيها: أن النهي مخصوصٌ في وقت الليل لا النهار، وثالثها: أن النهي يعم الراكب والراجل، ولعل قوله صلى الله عليه وسلم:( ما سار راكب بليلٍ ) أنه خرج مخرج الغالب، وإلا فالراجل في معنى الراكب،والله أعلم. وفي النهي عن الوحدة في السفر -أيضاً - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب ) ([752]) . قال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعو إليه، وكذلك الاثنان، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب جماعة وصحب قال: والمنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها ([753]) .
3-استحباب التأمير في السفر إذا كانوا ثلاثة فأكثر . نادى الشرع بالاجتماع وعدم التفرق، وحث على ذلك ورغب فيه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ) ([754]) . ولما كان السفر من الأمور التي يحصل بها الاجتماع والملازمة بين الناس، استحب للقوم المسافرون -الذين يبلغون ثلاثة فأكثر- أن يؤمروا أحدهم يسوسهم ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وعليهم الطاعة والاتباع ما لم يأمر بمعصية الله، فإن فعلوا ذلك حصل لهم من اجتماع الكلمة، وسلامة الصدور، ما يجعلهم يقضون حاجتهم من سفرهم دون منغصات أو مكدرات تحدث بينهم . وفي حث النبي صلى الله عليه وسلم على تأمير الثلاثة في السفر لأحدهم تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم على الاجتماع الأعظم، والله أعلم .
4- النهي عن اصطحاب الكلب والجرس في السفر . نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اصطحاب الكلب والجرس في الأسفار، فقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصحب الملائكةُ رُرفقهً فيها كلب ولا جرس ) ([755]) . وسبب النهي عن الجرس لأنها مزامير الشيطان، جاء ذلك مصرحاً عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجرس مزامير الشيطان ) ([756]) . وأما الكلب فقد أُختلف في سبب النهي عن اصطحابه، فقيل لما كان الكلب منهياً عن اقتنائه -إلا كلب ماشية أو صيد - عوقب متخذه من بتجنب الملائكة عن صحبته، فحرم من بركتهم واستغفارهم وإعانتهم على طاعة الله، وقيل لكونه نجساً ([757]). والله أعلم .
5-النهي عن سفر المرأة بدون محرم . نهى الشرع المطهّر عن سفر المرأة بدون محرم، لما قد يترتب عليه من الفتنة لها ولمن حولها من الرجال . والأحاديث الواردة في ذلك صحيحة لا مجال لتوهينها، ولا تأويلها، فقد روى الشيخان وغيرهما أن أبا هريرة-رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومٍ وليلة ليس معها محرم ) ولفظ مسلم: ( لا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ تسافر مسيرة ليلةٍ إلا ومعها رجلٌ ذو حرمةٍ منها ) ([758]) . وعن ابن عباسٍ-رضي الله عنهما- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يخلون رجلٌ بامرأة ولا تسافرن امرأةٌ إلا ومعها محرم. فقام رجلٌ فقال يا رسول الله: اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجَّةً . قال: اذهب فحج مع امرأتك ) ([759]) . وكما ترى فإن النهي صريحٌ في منع المرأة من السفر مسيرة يوم وليلة بدون محرمٍ لها، زوجها أبوها ابنها أخوها ونحوهم من محارمها. بل إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أُكتتب في الغزو أن يلحق بأهله الذين خرجوا للحج لهو أبلغ دليل على تحريم سفر المرأة بدون محرم . قال النووي: فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها ([760]) .
شبهة : يتردد على ألسنة بعض الناس أن سفر المرأة وحدها في هذا العصر ضرورة لا بد منها، فظروف العصر تقتضي ذلك، ويحتجون بأن الخلوة تنتفي بسفرها بالطائرة أو القطار ونحوهما. وقد يقول قائلهم ما المانع إذا أوصلت زوجتي إلى المطار وتأكدت من ركوبها الطائرة ثم استقبلها أخوها في البلد الآخر ؟
والجواب : أولاً: فتنة النساء من أعظم الفتن التي تبتلى بها الأمم، والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا منها بقوله: ( إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ([761]) . فإذا تُركت المرأة تسرح وتمرح، وتعمل مع الرجال جنباً إلى جنب، وتتولى المناصب القيادية، فإن ذلك نذيرٌ بأن يصيبنا ما أصاب بني إسرائيل -عياذاً بالله- .
ثانياً: لابد من تقرير حقيقة لا مكابرة فيها وهي أن المرأة ضعيفة سريعة التأثر، سريعة الانجذاب، تحتاج إلى رجلٍ يحميها ويقوم بشئونها ([762]) ، فإذا انضاف إلى ذلك ضعف الإيمان والوازع الديني في قلوب كثير من الرجال، ازداد الأمر خطورةً وعظمت الفتنة. ومن قال إن الخلوة تنتفي بركوب الطائرة ونحوها مما يكون فيه النقل جماعياً، يردُ عليه أن جلوسها بين الأجانب، ومباشرتها الكلام معهم في قضاء حوائجها فيه ما فيه، فالذين في قلوبهم مرض كثير، وأصحاب العيون الخائنة أكثر، وفوق ذلك لا رقيب عليها- من محارمها- ولا حسيب.
وأما إركابها ألة السفر لوحدها كالطائرة مثلاً واستقبالها في البلد الأخر، فإنه يقال لهذا وأمثاله: ما أدراك لو اضطرت الطائرة إلى النزول في بلد آخر غير المكان المقصود لخلل بها -وهذا يحدث أحياناً- . وأكبر من ذلك لو اضطر المسافرون إلى البقاء يوماً أو يومين في هذا البلد. فأين المحرم؟ ومن سيباشر إجراءات السكن والأكل والشرب ؟ ! .
6-استحباب السفر يوم الخميس أول النهار . من هديه صلى الله عليه وسلم في أسفاره، أنه كان يحب الخروج في يوم الخميس، وكان يخرج في أول النهار، فعن كعب بن مالك -رضي الله عنه- ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس ) وعند أحمد: ( قلَّ ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجُ إذا أراد سفراً إلا يوم الخميس ) ([763]) . وعن صخر الغامدي- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم بارك لأمتي في بكورها ) وكان إذا بعث سريَّة أو جيشاً بعثهم من أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته من أول النهار، فأثرى وكثر ماله ([764]) .
مسألة : ما حكم السفر يوم الجمعة ؟
الجواب : المذهب: أنه لا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال، ولو قيل : بعد النداء كان أولى لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالسعي إلى الجمعة بعد النداء وترك البيع، فعلق الحكم على النداء، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } . ولكن يقال: إن الزوال هو سبب وجوب الجمعة، فبالزوال يدخل الوقت.
7- دعاء السفر وما ورد فيه من أذكار . حفلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بأدعية وأذكار، يقولها المسافر ابتداءً من وضع رجله على المركوب وحتى عودته لمحله . فمنها :
أ- دعاء ركوب آلة السفر. عن علي بن ربيعة قال: شهدتُ علياً -رضي الله عنه- وأُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله . فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون }. ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ثم ضحك، فقيل له، يا أمير المؤمنين من أي شيءٍ ضحكت ؟ قال: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلتُ ثم ضحك، فقلتُ يا رسول الله :من أيَّ شيءٍضحكتَ ؟ قال: ( إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري ) ([765]) .
ب- ومن دعائه -أيضاً- عند سفره وعودته . ما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون } اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل . وإذا رجع قالهن وزاد فيهنًّ آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ) ([766]) .
وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزوٍ أو حجٍ أو عمرة، يكبرُ على كل شرفٍ من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: ( لاإله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ) ([767]) .
ت- الذكر عند علو الثنايا والهبوط من الأودية. ففي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- السابق- أنه قال في آخره : ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك ) ([768]) .
ث- دعاء دخول القرية ونحوها. قال ابن القيم: وكان [ صلى الله عليه وسلم ] إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: ( اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهله، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ) ([769]) .
ج- ما يستحب ذكره في السحر للمسافر. روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر وأسحر يقول:( سَمِعَ سامعٌ بحمد الله وحُسن بلائه علينا ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذاً بالله من النار ) ([770]) .
فائدة: ينبغي للمسافر أن يغتنم سفره، ويدعو لنفسه وآبائه وأهله ومن يحب، وأن يجتهد في ذلك، ويتحرى الدعاء الجامع، مع0 الإلحاح والخضوع، فللمسافر دعوة مستجابة فلا ينبغي التفريط فيها. روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث دعوات مستجاباتٌ لا شك فيهنًّ، دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ) ([771]) .
8-صلاة التطوع في السفر . من السنن المهجورة، صلاة المسافر التطوع على مركوبه، فقل من تراه يصلي النافلة أو الوتر في الطائرة أو في غيرها من الآت السفر . ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك على راحلته، ولا يلزم تحري القبلة في صلاة النافلة للمسافر إن كان راكباً لمشقة ذلك، والأفضل أن يستقبل القبلة عند الإحرام . روى ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يوميء إيماءً، صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته ) ([772]) . ولذا فإنه يستحب للمسافر أن يصلي النافلة والوتر على آلة السفر اقتداءً بنبينا صلى الله عليه وسلم .
مسألة : هل يجوز للمسافر أن يصلي الفريضة على الطائرة أو السيارة أو القطار إذا أُضطر لذلك ؟ أم يؤخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يؤديها فيها ؟ وهل يلزم التوجه إلى القبلة؟
الجواب: أجابت اللجنة الدائمة عن سؤال مماثل فقالت:
إذا كان راكب السيارة أو القطار أو الطائرة أو ذوات الأربع، يخشى على نفسه لو نزل لأداء الفرض ويعلم أنه لو أخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يصلي فيه فات وقتها، فإنه يصلي على قدر استطاعته، لعموم قوله تعالى ‎: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } وقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }، وقوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } . وأما كونه يصلي أين توجهت المذكورات أم لابد من التوجه إلى القبلة دوماً واستمراراً أو ابتداءً فقط، فهذا يرجع إلى تمكنه، فإذا كان يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلاة وجب فعل ذلك، لأنه شرط في صحة صلاة الفريضة في السفر والحضر، وإذا كان لا يمكنه في جميعها، فليتق الله ما استطاع، لما سبق من الأدلة ([773]) .
9-دعاء نزول المنزل . يحتاج المسافر إلى النزول من مركوبه للنوم أو الأكل أو قضاء الحاجة، والبرية فيها من الهوام والسباع والشياطين ما الله به عليم، فكان من نعمة الله علينا أن شرع لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، دعاءً نقوله يحفظنا -بإذن الله- من شر كل مخلوق . فعن خولة بنت حكيم السلمية -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شر ما خلق . لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ) ([774]) .
وفي الحديث فوائد: منها : أن هذا الدعاء يقال عند حلول كل مكان أو النزول فيه وليس مخصوصاً بنزول المسافر من مركوبه. ومنها: أن كلام الله منه تبارك اسمه وصفة من صفاته ليس بمخلوق، لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق،وعلى هذا جماعة أهل السنة، قاله ابن عبد البر ([775]) . ومنها: أن قائل هذا الدعاء عند النزول محفوظٌ بحفظ الله له، فلا يضره شيء حتى يغادر محله. قال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلاً وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدبة ليلاً، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات ([776]) .
10-استحباب الاجتماع عند النزول وعند الأكل . جعل الله في الاجتماع القوة والعزة والمنعة والبركة، وجعل في التفرق الوهن والضعف وتسلط الأعداء ونزع البركة. والقوم إن كانوا يسافرون جميعاً استحب لهم أن يجتمعوا في مكان نزولهم ومبيتهم، وكذا يجتمعوا على أكلهم لتحصل البركة لهم .
اما الاجتماع عند النزول، فقد روى أبو ثعلبة الخشني-رضي الله عنه- قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان . فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يُقال لو بُسط عليهم ثوبٌ لعمهم ) ([777]) .
والاجتماع على الطعام تحصل به البركة والزيادة، فعن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده :أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يارسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم . قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه ) ([778]) .

فائدة: يستحب التناهد في السفر، والنهد : أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئاً من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعاً ([779]) .
قيل للإمام أحمد: أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره، ولا بأس بالنهد، قد تناهد الصالحون. كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضاً بقدر ما يلقي، يعني في السر ([780]) .
11-النوم في السفر . قد يضطر المسافر على الطرق البرية إلى النوم للراحة من عناء السفر، ولما كان الشرع المطّهر يرشد الناس لما فيه مصلحتهم العاجلة والآجلة؛ كان من جملة ذلك إرشاد المسافر لمكان نومه، حتى لا يؤذى من هوام الأرض ودوابه. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم ([781]) فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل ) ([782]) . قال النووي: وهذا أدب من آداب السير والنزل أرشد إليه صلى الله عليه وسلم، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وتجد فيها من رمة ونحوها، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر منها ما يؤذيه فينبغي أن يتباعد عن الطريق ([783]) .
ثم إنه ينبغي على المسافر إذا أراد نوماً، أن يتخذ ما في وسعه من الوسائل التي تُعينه على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وفي زمننا هذا أصبحت تلك الوسائل-ولله الحمد- متيسرة وبأبخس الأثمان . ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان يحتاط لذلك، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلهُ حتى إذا أدركه الكرى [ أي: النعاس أو النوم] عرَّس وقال لبلال: اكلأ لنا الليل ) ([784]) وعند النسائي وأحمد من رواية جبير بن مطعم-رضي الله عنه- ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سفر له: من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح؟ قال بلال: أنا ...الحديث) ([785]) .
وروى قتادة -رضي الله عنه- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فعرَّس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه ) ([786]) .
12-استحباب رجوع المسافر لأهله بعد قضاء حاجته وعدم الإطالة . يستحب للمسافر إذا نال مراده من سفره أن يعود سريعاً إلى أهله، ولا يمكث فوق حاجته لحكم سوف يأتي ذكرها . وقد أرشد إلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السفر قطعة من العذاب: يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه. فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله ) ([787]) . قال ابن حجر: وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة ([788]) .
13-كراهية قدوم المسافر على أهله ليلاً . عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً ) وعند مسلم :( إذا قدم أحدكم ليلاً فلا يأتين أهله طروقاً حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة ) وعنده أيضاً:( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجلُ أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم ) ([789]) .
ينبغي للمسافر إذا رجع إلى أهله أن لا يدخل عليهم ليلاً، حتى لا يرى ما يكره في أهله من سوء المنظر . قال النووي: ... أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلاً بغته، فأما من كان سفره قريباً تتوقع امرأته إتيانه ليلاً فلا بأس كما قال في إحدى الروايات: إذا أطال الرجل الغيبة. وإذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم ووصولهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نهي بسببه فإن المراد أن يتأهبوا وقد حصل ذلك ولم يقدم بغته ([790]) . قلت: ومثله إذا علموا بقدومه عن طريق أجهزة الاتصال ونحوها .
14- استحباب الصلاة ركعتين في المسجد عند قدوم البلد . من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قدم من سفر، فإن أول شيءٍ كان يبادر إليه هو الصلاة في المسجد ركعتين. قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا قدم من سفر ضُحى دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس ([791]) . وهذه من السنن المهجورة، التي قلَّ من يطبقها، فنسألك اللهم اتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، وبالله التوفيق .































14- باب آداب عيادة المريض


- عن البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال : أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتِّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسِّي، والإستبرق ([792]) .

· الآداب *

1- فضل عيادة المريض . وفي فضلها آثار كثيرة نذكر منها : مارواه ثوبان-رضي الله عنه- مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من عاد مريضاً لم يزل في خُرفة الجنة ([793]) حتى يرجع ) ([794]) . وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من عاد مريضاً خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقر فيها ) ([795]) وفي لفظ آخر : ( من عاد مريضاً خاض الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها، فإذا خرج من عنده خاض الرحمة حتى يرجع إلى بيته ) ([796]) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضتُ فلم تعُدني . قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده ... الحديث ) ([797]) . وعن علي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أتى أخاه المسلم عائداً، مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ) ([798]) .
وبعد ذكر هذه الأحاديث الصحيحة في بيان فضل عيادة المريض، والثواب الذي يناله العائد من عيادته، فلا ينبغي التفريط فيها، بل تلزم المبادرة إليها،والمداومة عليها، حتى تُنال رحمة الرحمن الرحيم . وفي عيادة المريض غير ما ذكر : تطييب قلبه [ أي المريض]، واستعراض حوائجه، والاتعاظ بمصرعه، قاله ابن الجوزي ([799]) .
2- عيادة الصبيان . يُعادُ الصبيان إذا مرضوا، كما يُعاد الرجال. وذلك لأن المعنى الذي من أجله يُعادُ الرجال موجودٌ في عيادة الصبيان من الدعاء للمريض، وتخفيف الآمه، ورقيته بالرقى الشرعية، وكذا حصول الأجر من جراء العيادة للعائد .
فعن أسامة بن زيد-رضي الله عنهما- قال: ( إن ابنة للنبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت إليه وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم وسعدٌ وأُبيٌ، نحسبُ أن ابنتي قد حُضرت فاشهدنا، فأرسل إليها السلام ويقول: إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيئٍ عنده مسمى، فلتحتسب ولتصبر. فأرسلت تُقسم عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا فرفع الصبيُّ في حجْر النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه تقعقع ففاضت عينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله ؟ قال: هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده ، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء ) ([800]) .
3-عيادة النساء للرجال. يجوز للنساء عيادة الرجال ولو كانوا أجانب، ولكن ذلك مشروطٌ بأمن الفتنة، والتستر، وانتفاء الخلوة، فإذا تحققت هذه الشروط جاز للنساء عيادة الرجال الأجانب والعكس. فعن عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- قالت: ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وُعِك أبو بكر وبلال-رضي الله عنهما- قالت: فدخلت عليهما قلت: يا أبت كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك ؟ ... الحديث )، وعند أحمد: قال عروة: ( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اشتكى أصحابه واشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وبلال، فاستأذنت عائشةُ النبيَ صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذن لها فقالت لأبي بكر كيف تجدك ؟ ... الحديث ) ([801]) . وعن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف أنه أخبره: ( أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم ... الحديث ) ([802]) . قال ابن عبد البر: وفيه [أي:الحديث] إباحة عيادة النساء، وإن لم يكن ذوات محرم. ومحل هذا-عندي- أن تكون المرأة متجالة ([803]) ، وإن كانت غير متجالة فلا، إلا أن يسأل عنها ولا ينظر إليها ([804]) .
4-عيادة المغمي عليه . يعزف بعض الناس عن عيادة المرضى الذين لا يشعرون بمن حولهم، كالذي تنتابه حالات الإغماء المتكررة، أو الذين هم في غياب عن الوعي بشكل دائم، بحجة أن هذا المريض لا يشعر بوجوده ولا يحس به فلا حاجة إذاً لزيارته . وهذا فهمٌ خاطيء، وحجة بلا دليل، والدليل بخلافه . فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: ( مرضتُ مرضاً، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أُغمى عليَّ، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صبَّ وَضوءَهُ عليَّ، فأفقتُ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يُجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث ) ([805]) .
قال ابن حجر: ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه، لأن وراء ذلك جبر بخاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ وغير ذلك ([806]) ، ([807]).
5- عيادة المشرك . كره بعض أهل العلم عيادة الكافر لما في العيادة من الكرامة ([808]) ، وبعضهم أجاز عيادته إذا كان يُرجى إسلامه، وهذا القول أقرب إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى أنس بن مالك-رضي الله عنه- : ( أن غلاماً ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: أسلم، فأسلم ) ([809]) . وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قل لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله ) ([810]) .
6- وقت عيادة المريض . لا توجد نصوص عن المعصوم صلى الله عليه وسلم تبين أوقاتاً معينة لعيادة المرضى وزيارتهم، وما دام الأمر كذلك فإنه يباح زيارة المرضى في أي وقت من ليل أو نهار ما لم تكن هناك مشقة عليهم، لأن من معاني العيادة التخفيف على المريض وتطييب قلبه لا الإشقاق عليه . وتختلف أوقات العيادة باختلاف الزمان والمكان، فقد تكون الزيارة في الليل وقت ما مستساغة، ولكنها تكره في زمن آخر . قال المروذي: عُدت مع أبي عبد الله مريضاً بالليل وكان في شهر رمضان، ثم قال لي: في شهر رمضان يُعادُ بالليل ([811]) . وكذا الظهيرة فإن العادة جرت أن يقيل الناس، ويخلدوا إلى الراحة. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله : فلانٌ مريض وكان عند ارتفاع النهار في الصيف، فقال: ليس هذا وقت عيادة ([812]) .
والمكان معتبرٌ في العيادة -أيضاً-، فما تعارف عليه أهل هذه البلاد واعتادوه من أوقات معينة للعيادة والزيارة، قد لا يكون في بلاد أخرى معتاداً عليه .
7- التخفيف عند عيادة المريض . ينبغي على العائد أن لا يطيل الجلوس ولا المكث عند المريض، لأن المريض مشغولٌ بأوجاعه والالآمه، وطول مقام العائد عنده يشق عليه وقد يزيد في ألمه . ولذا كان من حسن العيادة تخفيفها . فعن ابن طاوس عن أبيه قال: أفضل العيادة أخفها ... وقال الأوزاعي : خرجت إلى البصرة أريد محمد بن سيرين، فوجدته مريضاً به البطن، فكنا ندخل عليه نعوده قياماً... وقال الشعبي : عيادة حمقى القرى أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم، يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس ([813]) .
ولكن ينبغي أن يعلم، أنه إن كان المريض يُحب طول مقام العائد عنده وتكرار زيارته ، فالأولى للعائد أن يستجيب لرغبته لما في ذلك من إدخال السرور عليه، وتطييب قلبه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود سعد بن معاذ عندما أصيب يوم الخندق، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تضرب لسعد خيمة في المسجد ليعوده من قريب ([814]) . وأيٌ من الصحابة لا يحب مقام النبي صلى الله عليه وسلم عنده، أو تكرار زيارته ‍‍‍‍! .
8-أين يقعد العائد . يستحب للعائد أن يجلس عند رأس المريض، وهذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من بعده، ففي أنس-رضي الله عنه- قال: ( كان غلامٌ يهوديٌ يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له : أسلم ... الحديث ) ([815]) . وعن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً جلس عند رأسه ... الحديث ) ([816]) . وعن الربيع بن عبد الله قال: ذهبت مع الحسن إلى قتادة نعوده، فقعد عند رأسه، فسأله ثم دعا له ... ([817]) .
وفي جلوس العائد عند رأس المريض فوائد منها: أن فيه إيناساً للمريض، ومنها تمكن العائد من وضع يده على المريض والدعاء له والنفث عليه، إلى غير ذلك .
9-سؤال المريض عن حاله والتنفيس في أجله . من حسن العيادة سؤال المريض عن حاله ومصابه كما في حديث عائشة-رضي الله عنها- قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت : فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك ... الحديث ([818]) .
ومن حسن العيادة -أيضاً- التنفيس في أجل المريض كأن يقال له: لابأس عليك ستشفى بإذن الله، أو إن هذا المرض ليس خطيراً وسيعافيك الله -إن شاء الله- ونحو هذا الكلام، مالم تظهر عليه علامات قرب أجله، وذلك لأن التنفيس عن أجل المريض، يساعد كثيراً في سرعة البرء من المرض، وهذا علاج مجرب ومعروف بين الناس .
فائدة : شكوى المريض لا تخلو من حالين: الأولى: أن تكون على سبيل التضجر والجزع، وهذا لا شك في كراهيته لأنه دليلٌ على ضعف اليقين وعدم الرضا بقضاء الله وقدره .
والثانية: على سبيل الإخبار عن الحال دون الالتفات إلى المخلوقين أو التعلق بهم، وهذا لا ريب في إباحته والدليل يعضده. فعن القاسم بن محمد قال: ( قالت عائشة: وارأساه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاكِ لو كان وأنا حيٌ فأستغفر لك وأدعو لك . فقالت عائشة: واثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذاك لظللتَ آخر يومك معرساً ببعض أزواجك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أنا وارأساه ... الحديث ) ([819]) . وعن ابن مسعود-رضي الله عنه- قال: ( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمَسِستُهُ بيدي فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً . قال أجل كما يوعك رجلان منكم. قال: لك أجران؟ قال : نعم . ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ) ([820]) .
10- البكاء عند المريض . أي ما حكمه . وهل هو مشروع أم ممنوع . والذي يبدو لنا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم الإباحة. روى عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- قال: ( اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود-رضي الله عنهم- فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: قد قضى ؟ قالوا: لا يا رسول الله . فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، بكوا . فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) ([821]) . والحديث فيه إباحة البكاء عند المريض، والميت من باب أولى، ولكن بكاءٌ لا نوح فيه، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النياحة.
11-ما يقال عند المريض من الدعاء ونحوه . ينبغي على من عاد مريضاً أن لا يقول إلا خيراً، لأن الملائكة تؤمن على قوله ، جاء ذلك مصرحاً به في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون . قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات . قال قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة. قالت فقلت، فأعقبني الله من هو خيرٌ منه، محمد صلى الله عليه وسلم ) ([822]) .
ويستحب للعائد أن يدعو للمريض بالرحمة، والمغفرة، والتطهير من الذنوب، والسلامة والعافية . وللنبي صلى الله عليه وسلم دعوات، ينبغي على العائد أن يدعو بها، لأنها صدرت من المعصوم الذي أوتي جوامع الكلم، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.فمن دعائه:
أ- ( لا بأس طهور إن شاء الله ) .
عن ابن عباس-رضي الله عنهما- :( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال : لا بأس طهورٌ إن شاء الله . فقال له: لا بأس طهور إن شاء الله. قال قلتُ طهورٌ كلا بل هي حمى تفور أو تثور على شيخٍ كبيرٍ تُزيره القبور. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فنعم إذاً ) ([823]) .
قوله:(لا بأس) أي أن المرض يكفر الخطايا، فإن حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان، وإلا حصل ربح التكفير.
وقوله: (طهور) هو خبر مبتدأ محذوف أي هو طهور لك من ذنوبك أي مطهرة، قاله ابن حجر ([824]) . وفي الحديث من الفوائد أنه ينبغي على المريض أن يقبل دعاء الناس له، و لايتذمر من دعائهم له بالتطهير من الذنوب كما هو حال ذاك الأعرابي في الحديث .
ب- ( اللهم اشف ... فلاناً ) مرة - أو ثلاث مرار .
ورد هذ الدعاء في حديث سعد بن أبي وقاص، عندما عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، وفيه : ( ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني ثم قال: اللهم اشف سعداً ... الحديث ) وعند مسلم: ( اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً ثلاث مرار ) ([825]) . قال ابن الجوزي: وفي قوله:( اللهم اشف سعداً ) دليلٌ على استحباب الدعاء للمريض بالعافية ([826]) .
ت- ( أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ) سبع مرات .
عن ابن عباس-رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرار : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك . إلا عافاه الله من ذلك المرض ) ([827]) .
ث- ( اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي إلى جنازة [ورواية: الصلاة ] ) .
عن ابن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا جاء الرجل يعود فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي إلى جنازةٍ ) وعند أحمد ( إلى الصلاة ) ([828]) .
12-وضع اليد على المريض . يستحب للعائد أن يضع يده على جسد المريض ويدعو له، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم، وقد يكون لوضع اليد أثرٌ في تخفيف الألم أو إزالته بالكلية ، ولكن لا يمكن الجزم بذلك لعدم ورود النصوص في ذلك الخصوص.
قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحاً. قلت[ ابن حجر] وقد يكون العائد عارفاً بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه ([829]) . وقد جاء ذكر وضع يده صلى الله عليه وسلم -الشريفة- في عدة مواضع . ففي حديث سعد بن أبي وقاص السابق : ( ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني ثم قال: اللهم اشف سعداً.. الحديث ) . وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: بسم الله ) ([830]) .
13-رقية المريض . يستحب للعائد أن يرقي المريض، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، ولا سيما إن كان العائد من أهل التقى والصلاح، فإن رقيته أنفع من رقية غيره لصلاحه وتقواه . وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم بعض المرضى من أهله وغيرهم، وأقر بعض أصحابه على رقاهم، نسوق منها ما يحضرنا، فمنها :
أ- الرقية بالمعوذات .
عن عائشة- أم المؤمنين رضي الله عنها- قالت: ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحدٌ من أهله نفث ([831]) عليه بالمعوذات ([832]) ... الحديث ) ([833]) .
ب- الرقية بــ( فاتحة الكتاب ) .
وفيه قصة أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مع سيد القوم الذي لُدغ، فرقاه أبو سعيد -رضي الله عنه- بفاتحة الكتاب ( فأُعطي قطيعاً من غنم، فأبى أن يقبلها وقال: حتى أذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيتُ إلا بفاتحة الكتاب. فتبسم وقال: ( وما أدراك أنها رقية؟) ثم قال: ( خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم ) ([834]) .
ت- الرقية بــ( أذْهِب البأس، رب الناس، أشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً )
عن عائشة-رضي الله عنها- ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريض أو أُتي به قال: أذهب البأس، رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً ) وعند مسلم : ( كان إذا اشتكى منا إنسانٌ مسحه بيمينه ثم قال: أذهب الباس رب الناس... الحديث) ([835]) .
ث-الرقية بــ( باسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يشفيك، باسم الله أرقيك ) .
عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-: ( أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت ؟ فقال: نعم. قال : باسم الله أرقيك من كل شيءٍ يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ اللهُ يشفيك، باسم الله أرقيك ) ([836]) .
ج- الرقية بــ( بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يُشفى سقيمنا بإذن ربنا ) .
عن عائشة -رضي الله عنها- :( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يُشفى سقيمنا بإذن ربنا ) ولفظ مسلم: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرْحةٌ أو جرحٌ . قال النبي صلىالله عليه وسلم بإصبعه هكذا. ووضع سفيان سبابته على الأرض ثم رفعها ( بسم الله . تربة أرضنا. بريقة بعضنا. ليُشفى سقيمنا. بإذن ربنا ) ([837]) . قال النووي: ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه علىأصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح والله أعلم ([838]) .
تنبيه: يحرص بعض الناس عند زيارة المرضى على اصطحاب (باقة ورد) يقدمها للمريض، وبعضهم يكتب عليها عبارات وأمنيات بالشفاء العاجل ونحو هذا، وهذا عندهم أفضل ما يقدم للمريض. ومن المعلوم عند كثيرٍ من الناس أن هذا التقليد جاءنا من بلاد النصارى، الذي نُهينا عن التشبه بهم، والتشبه باليهود والنصارى محرم .
فعجيبٌ حال هؤلاء استبدلوا الدعاء للمريض بالتطهير والرحمة والمغفرة والعافية، بعبارات جوفاء، وأمنيات لا تقدم ولا تؤخر !. واستبدلوا الرقى الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بباقة ورد قد تذبل بعد يوم أو يومين !. اللهم اهدنا صراطك المستقيم، غير مغضوب عليهم ولا ضآلين . آمين .
14-تلقين المريض الشهادة إذا حضر أجله وإغماض عينيه والدعاء له إذا مات . عندما يدنو أجل المريض وتظهر عليه علامات الموت، فإنه يستحب للعائد أن يذّكر المريض برحمة الله الواسعة ولا يقنطه منها لحديث جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول : ( لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظن بالله عز وجل ) ([839]) . قال العلماء: معنىحسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قاله النووي ([840]) . ويستحب له -أيضاً- أن يلقنه الشهادة برفق ولين . فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) ([841]) . قال النووي: والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه ([842]) . فإذا مات أستحب لمن حضره أن يغمض عينيه ويدعو له، لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال:( إن الروح إذا قُبض تبعه البصر ) فضجَّ ناسٌ من أهله. فقال: ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) ثم قال: ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في القابرين، واغفر لنا وله يارب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه ) ([843]) .












15- باب آداب اللباس والزينة




- قال تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليُريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين آولياء للذين لا يؤمنون } ([844]) .
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة ) ([845]) .

* الآداب *

1-وجوب ستر العورة . أمتن الله على عباده حيث سترهم بلباس حسيٍ، ثم أرشدهم إلى لباس آخر معنوي أعظم من اللباس الأول ، فقال جل وعلا : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليُريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } قال ابن كثير-في تفسير هذه الآية- : يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والريش ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات ([846]) . وستر العورة من الآداب العظيمة التي أمر بها الإسلام، بل نُهي الرجال والنساء عن النظر إلى عورات بعضهم لما يترتب عليه من المفاسد، والشريعة جاءت بسد كل باب يفضي إلى الشر. والعورة هي ما يسوء الإنسان إخراجه، والنظر إليه؛ لأنها من العور وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، قاله ابن عثيمين ([847]) .
عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ([848]) ) ([849]) .
وعن المسور بن مخرمة-رضي الله عنه- قال: أقبلت بحجرٍ أحمله ثقيلٍ وعليَّ إزارٌ خفيفٌ، قال: فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغتُ به موضعه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ارجع إلى ثوبك فخذهُ ولا تمشوا عراة ) ([850]) . وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: ( قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك . قال: قلت : يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحدٌ فلا يرينها . قال: قلت يا رسول الله: إذا كان أحدنا خالياً ؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس ) ([851]) . وعورة الرجل التي أُمر بسترها -ماعدا عن زوجه وأمته- من السرة إلى الركبة. والمرأة كلها عورة- إلا عن زوجها-، وأما محارمها فلهم النظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه، واليدين، والشعر، والرقبة ونحو ذلك . وعورتها مع بنات جنسها من السرة إلى الركبة.
مسألة: هل فخذ الرجل عورة ؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن فخذ الرجل عورة، واستدلوا بأحاديث لا يخلو كل منها عن مقال في سنده من عدم اتصاله، أو ضعف في بعض الرواة، لكنها يشد بعضها بعضاً فينهض بمجموعها للاحتجاج به على المطلوب، ومن تلك الأحاديث... ما رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي من حديث جرهد الأسلمي -رضي الله عنه- قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليَّ بردة وقد انكشفت فخذي فقال: ( غط فخذك فإن الفخذ عورة ) حسنه الترمذي ([852]) . وذهب جماعة إلى أن فخذ الرجل ليست عورة، واستدلوا بما رواه أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذه. رواه أحمد والبخاري وقال حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط ([853]) ، وقول الجمهور أحوط ولأن الأحاديث الأولى نص في الموضوع، وحديث أنس-رضي الله عنه- محتمل ([854]) .
مسألة 2 : تتعمد بعض النساء لبس بعض الملابس التي تُظهر مفاتنها وزينتها الباطنة، كأن تُظهر ظهرها أو فخذها أو جزء منه، أو تلبسُ ما يشفُ جسدها، أو ضيقاً يبرز مفاتنها . ويحتج بعضهن بأن العورة المأمور بسترها بين النساء تكون من السرة إلى الركبة، وإنهن إنما يلبسن ذلك في مجامع النساء فقط . فما الجواب عن ذلك ؟
الجواب: لا شك أن عورة المرأة مع المرأة تكون من السرة إلىالركبة، ولكن هذا مشروطٌ بالأمن من الفتنة، وواقع كثير من النساء اليوم أنهن تجاوزن الحد في ستر عوراتهن ([855]) ، بل أدى الحال إلى افتتان بعض النساء ببعض، ولهن في ذلك قصص معلومة علمها من علمها وجهلها من جهلها . وليس مجمع النساء عذرٌ في لبس ما يحلو للمرأة لبسه، بل متى كان داعياً للفتنة ومحركاً للغرائز فإنه يحرم ولو كان ذلك بين أوساط النساء. وللشيخ ابن عثيمين كلامٌ في لبس الضيق من اللباس، يحسن بنا أن نذكره، فقال ([856]) : لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس-يعني ظلماً وعدواناً- . ونساء كاسيات عاريات ما ئلات مميلات ) ([857]) . فقد فسر قوله: (كاسيات عاريات) بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة، وفُسر بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة، وفُسرت بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو زوجها فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة لقول الله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }، وقالت عائشة : ( كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه ) ([858]) . فالإنسان بينه وبين زوجته لا عورة بينهما، وأما بين المرأة والمحارم فإنه يجب عليها أن تستر عورتها، والضيق لا يجوز عند المحارم ولا عند النساء إذا كان ضيقاً شديداً يبين مفاتن المرأة ([859]) .
فائدة: من الأدب مع الله -سبحانه وتعالى- أن يستتر الذي يريد غسلاً بشيء يستره ويواريه، وخصوصاً من كان في الأمكنة المكشوفة التي لا يحجبها شيء. فقد روى يعلى-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأى رجلاً يغتسل بالبراز ([860]) بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال صلى الله عليه وسلم :( إن الله عز وجل حيىٌ ستيرٌ يحبُ الحياءَ والسترَ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) ([861]) . وفي حديث حكيم عن أبيه عن جده قال:(... قلت يا رسول الله : إذا كان أحدنا خالياً ؟ قال: اللهُ أحقُ أن يستحيا منه من الناس ) ([862]) .
2- تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال . وفيه وعيدٌ شديد، ولعن من الرسول صلى الله عليه وسلم أكيد. فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال ) وفي لفظ آخر: ( لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء . وقال أخرجوهم من بيوتكم . قال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلاناً، وأخرج عمر فلاناً ) ([863]) . والتشبه قد يكون في اللباس، وقد يكون في الكلام، وقد يكون في المشي ونحو ذلك. فمتى تعاطى الرجل ماهو من خصائص النساء في مشيهن أو كلامهن أو لبسهن فقد دخل في اللعن ، أو متى تعاطت المرأة ماهو من خصائص الرجل في مشيهم أو كلامهم أو لباسهم فقد دخلت في اللعن .
مسألة : هل يدخل في الذم واللعن إذا كان ذلك التشبه من أصل الخلقة ؟
الجواب: قال ابن حجر: وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين ([864]) .
3-استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه . يستحب لمن آتاه الله مالاً أن يظهر أثر نعمة الله عليه بلبس الجميل من الثياب من غير إسراف ولا مخيلة. ولا يشدد على نفسه، أو يبخل بماله، بل يلبس الجديد والجميل والنظيف من الثياب إظهاراً لنعمة الله عليه. فعن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبٍ دونٍ ([865]) . فقال: ( ألك مالٌ ) ؟ قال: نعم. قال: ( من أيِّ المال ) ؟ قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: ( فإذا آتاك اللهُ مالاً فليُرَ أثرُ نعمته عليك وكرامته ) ([866]) . والناس في هذا الباب طرفان ووسط، فقومٌ شددوا على أنفسهم وقتروا عليها إما ديناً-بزعمهم- أو بخلاً . وقومٌ أفرطوا وجاوزوا الحد فأنفقوا الأموال الكثيرة، في ثيابٍ تُبلى وتخلق . وقومٌ وسط أظهروا نعمة الله عليهم في ملبسهم ومسكنهم من غير إسراف ولا مخيلة .
4-تحريم جر الثوب خيلاء . توعد الله من جر ثوبه تكبراً وترفعاً أن لا ينظر إليه في يومٍ هو أحوج ما يكون فيه إلى رب العالمين. فروى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا ينظر اللهُ يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطراً)([867]) . وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( بينما رجلٌ يمشي في حُلة تُعجبه نفسه مرجلٌ جُمَّتهُ ([868]) إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ) وعند أحمد: ( بينما رجلٌ يتبختر في حُلة معجبٌ بجمته قد أسبل إزاره إذ خسف الله به فهو يتجلجل أو يهوي فيها إلى يوم القيامة ) ([869]) . والأحاديث كما ترى مصرحةٌ بتحريم جر الثوب تكبراً وترفعاً على الناس، وذلك لأن التكبر من صفات الله -عز وجل- وهي صفة كمال له -سبحانه-، ولا ينبغي لمخلوق أن يكون هذا شأنه. روى أبو سعيد الخدري-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( العزُّ إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته ) ولفظ أبي داود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل :(الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار) ([870]). قال النووي: ومعنى( ينازعني): يتخلق بذلك فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيدٌ شديد في الكبر مصرح بتحريمه ([871]) .
فائدة : الثوب الحسن نفيساً أو غير نفيس، لا يُعد من الكبر الذي تُوعد صاحبه، والذم يقع على من قام في قلبه الكبر، وتبخترَ وبطرَ معجباً بنفسه وهيئته فهذا المذموم. قال ابن حجر: والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضراً لها شاكراً عليها غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النفاسة. ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، فقال: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) ([872]) ، ([873]) .
تنبيه: قال ابن حجر: ويستنبط من سياق الأحاديث ([874]) أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه ([875]) .
5-تحريم لباس الشهرة . يتسابق كثيرٌ من الناس -وخصوصاً النساء- إلى ارتداء الملابس النفيسة بُغية أن يرفع الناس أبصارهم إليها، واشتهارها بينهم، مع الترفع والاختيال والتكبر عليهم. فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لبس ثوب شهرةٍ في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ) وروي بلفظ ( ثوباً مثله ) ([876]).
قال ابن الأثير: الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر...[و] قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره ويلبسه الله يوم القيامة ثوباً يشتهر مذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل... وقوله: ( ثوب مذلة ) أي ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة، والمراد به ثوب يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوباً يتعزز به على الناس ويترفع عليهم، قاله في عون المعبود ([877]) .
تنبيه: ثوب الشهر ليس مختصاً بنفيس الثياب، بل كل ثوب-ولو كان حقيراً- ولكنه يؤدي إلى الشهرة، وكان غرض اللابس اشتهار ذلك بين الناس فهو ثوب شهرة، كمن يلبس رديء الثياب وحقيرها ليعتقد الناس فيه الزهد والورع وما أشبه ذلك . قال ابن تيمية: وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة، والمنخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين، المترفع والمتخفض، وفي الحديث:(من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة). وخيار الأمور أوساطها ([878]) .
6-تحريم الذهب والحرير على الرجال إلا من عذر . حُرم على الرجال لبس الذهب والحرير، وأبيح للنساء، فالذهب من الحلية التي تحتاج المرأة أن تتزين به -وكذا الحرير-، وأما الرجل فهو طالب غير مطلوب، مع مافي الذهب والحرير من تنعم زائد يكسر من جلد الرجل وصلابته، فكيف إذا كان الأمر منهياً عنه بالشرع، فوجب التسليم والإذعان. فعن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: ( إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي ) ([879]) . وعن أبي أمامة-رضي الله عنه- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) ([880]) . وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أنه نهى عن خاتم الذهب) ([881]) . ومع أن الآثار السابقة-وغيرها- قضت بتحريم الذهب والحرير على الرجال، إلا أنه قد أُستثني من هذا التحريم أحوال: فيباح للرجل لبس الحرير إذا كانت به حكة وكان يتأذى بها، فعن أنس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم : رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميصٍ من حرير من حكةٍ كانت بهما ([882]) . ويباح له لبسه في الحرب، أو دفع ضرورة كمن لا يجد ثوباً إلا ثوب حرير يستر به عورته، أو يدفع به عنه البرد . ويباح لبس الحرير إن كان جزء من الثوب بمقدار أربعة أصابع فما دون لحديث عمر بن الخطاب قال: نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ ([883]) .
ويباح استخدام الذهب -للتداوي- للرجال للضرورة، كما حدث لعرفجة-رضي الله عنه- فعن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قُطع أنفه يوم الكُلاب فاتخذ أنفاً من ورِق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفاً من ذهب ([884]) . [ الكلام على المطلي ] فتوى
مسألة: هل يجوز إلباس الصبيان الحرير ؟
الجواب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ... وأما لباس الحرير للصبيان، الذين لم يبلغوا الحلم: ففيه قولان مشهوران للعلماء: لكن أظهرهما أن لا يجوز، فإن ما حرم على الرجال فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير، فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويضربه عليها إذا بلغ عشراً، فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات. وقد رأى عمر بن الخطاب على صبي للزبير ثوباً من حرير فمزقه وقال: لا تلبسوهم الحرير . وكذلك ابن مسعود مزق ثوب حرير كان على ابنه... ([885]).
7-السنة تقصير لباس الرجل، وتطويل لباس المرأة . فرَّقت الشريعة المحمدية بين لباس الرجل والمرأة في الطول والقصر، فحدت للرجل ما بين نصف ساقة إلى ما فوق الكعبين، وألزمت المرأة بستر قدميها فلا يظهر منه شيء. وذلك لأن بدن المرأة أو جزء منه فتنة للرجال فأُمرت بستره كله، وأما الرجال فأمروا برفع أثوابهم، كي لا يدخل الكبر والعجب والخيلاء إلى قلوبهم، مع ما في إرخاء الثوب من تنعم ورفاهية لا تتناسب مع طبع الرجال.
والعجيب أن كثيراً من الناس خالفوا السنة وقلبوا الأمر، فأطال الرجال ثيابهم حتى أصبحت تجر الأرض بل تكنسه ‍!، وقصرت النساء من ثيابهن فبدت سوقهن، ومنهن من تجاوزن ذلك .
والآثار في هذا الباب كثيرةٌ جداً ومعلومة لخاصة الناس وعامتهم، ولكن منعت الشهوات والهوى المخالفين من اتباع الحق ولزومه، ونذكر ما يحضرنا هنا تذكيراً للمؤمنين، وزجراً للعاصين المخالفين -نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة على دينه- .
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار ) ولفظ أحمد : ( إزرة المؤمن من أنصاف الساقين فأسفل من ذلك إلى ما فوق الكعبين فما كان أسفل من ذلك ففي النار ) ([886]) . وعن أبي ذر -رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مراراً. قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب ) ([887]).
وعن أم سلمة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الإزار ( فالمرأة يا رسول الله؟ قال: ترخي شبراً. قالت أم سلمة: إذاً ينكشف عنها. قال: إذاً ذراعاً لا تزيد عليه ) ([888]) .
تنبيه : القصد من تطويل ثوب المرأة هو ستر القدمين، فلو كان ثوب المرأة لا يستر قدميها ولبست مع ذلك (شُراباً) أو نحو ذلك مما يستر جاز . قال ابن عثيمين : فإن ستر قدمي المرأة أمرٌ مشروع بل واجب عند كثير من أهل العلم، فالذي ينبغي للمرأة أن تستر قدميها إما بثوبٍ ضافٍ عليها وإما بلباس شراب أو كنادر أو شبهها ([889]) .
تنبيه 2 : يحتج بعض الناس بفعل أبي بكر الصديق-رضي الله عنه-، وأن ثوبه كان يسترخي. و لاحجة في ذلك لأحد، بل إن الحجة قائمة عليهم . فعن ابن عمر-رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقَّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لست ممن يصعنه خيلاء ) ([890]) . ونقول للمحتج نُبيح لك إرخاء ثوبك إذا توفرت فيك ثلاثة أمور: أولها: أن يكون أحد شقي إزارك يسترخي وليس من جميع جوانب الثوب. والثاني: أن تتعاهد ثوبك برفعه كلما سقط، كما كان أبو بكر -رضي الله عنه- يفعل، فيكون ذلك بغير اختيار منك . قال ابن حجر: عند أحمد[أي في رواية عند أحمد] :( إن إزاري يسترخي أحياناً ) [قال]: فكأن شده كان ينحل إذا تحرك بمشي أوغيره بغير اختياره، فإذا كان محافظاً عليه لا يسترخي لأنه كلما كاد يسترخي شده .اهـ ([891]) . والثالث: أن يشهد لك النبي صلى الله عليه وسلم أنك ممن لا يفعله خيلاء‍ ‍‍‍!. وهذا الأخير منتفٍ الآن،ولا سبيل إليه .
فائدة: جر الثوب على ثلاثة أقسام :
الأول: أن يكون للخيلاء . وهذا لا ينظر الله إليه يوم القيامة .
الثاني: أن يكون عن قصد وعلى وجه دائم، وليس خيلاء إنما تبعٌ لعادة الناس. فهذا ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار ) ([892]) .
الثالث: أن يكون لعارض طاريء، ولم يكن فيه خيلاء. وهذا الأخير لا بأس به لوقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم عندما خسفت الشمس:( فقام يجر ثوبه مستعجلاً حتى أتى المسجد ) ([893]) . قال ابن حجر: فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي...اهـ ([894]) . ولوقوعه من أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- كما مر معنا ([895]) .
8- تحريم إظهار المرآة زينتها إلا لمن استثناهم الله . زينة المرأة إما ظاهرة أو باطنة، قال تعالى: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ابآئهن ... الآية } وقوله: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها، قاله ابن سعدي ([896]) وهي الزينة الظاهرة . ثم قال تعالى : { ولا يبدين زينتهن } أي الباطنة إلا للأزواج والآباء والأبناء ...الخ . والزينة الباطنة مثل الوجه والعنق والحلي والكفين. وبهذا يُعلم أن الوجه من الزينة الباطنة التي يحرم على المرأة المسلمة أن تظهرها إلا لمن استثناهم الله في الآية.
ثم قال تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } أي : لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة ([897]) .
9-تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان أو تصاوير. والمقصود بالصلبان ما فيها صورة الصليب، والمقصود بالصور التي فيها الروح. ولقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة -أم المؤمنين -رضي الله عنها- عندما اتخذت له وسادة فيها صورة من ذوات الأرواح. فعن القاسم عن عائشة-رضي الله عنها- ( أنها اشترت نُمرُقة فيها تصاوير، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالباب فلم يدخل، فقلتُ أتوب إلى الله مما أذنبت. قال: ما هذه النمرقة ؟ قالت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصورة ) ([898]) . قال النووي: قال العلماء: سبب امتناعهم[ أي الملائكة ] من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى ([899]) .
وعن عمران بن حطان أن عائشة -رضي الله عنها- حدثته :( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه ) ولفظ أحمد: ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعُ في بيته ثوباً فيه تصليب إلا نقضه ) ([900]) .
فمما سبق يتضح لنا جلياً تحريم لبس ما فيه تصاوير من ذوات الأرواح أو الصلبان، ومن أُبتلي بشيءٍ من ذلك فليتق الله وليطمسها ويغير من حالها، ثم إن شاء فليتخذها وينتفع بها، كما فعلت عائشة -رضي الله عنها- قالت: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه، وقال: أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله . قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين ) ([901]) .
مسألة: هل تصح صلاة من صلى بلباس فيه تصاوير أو صلبان ؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة في إحدى فتاويها: لا يجوز له أن يصلي في ملابس فيها صور ذوات الأرواح من إنسان أو طيور أو أنعام أو غيرها من ذوات الأرواح، ولا يجوز للمسلم لبسها في غير الصلاة، وتصح صلاة من صلى في ثوب فيه صور مع الإثم في حق من علم الحكم الشرعي... [وفي جواب آخر عن لبس الساعة أم صليب قالت:] لا يجوز لبس الساعة أم صيلب لا في الصلاة ولا غيرها حتى يزال الصليب بحك أو بوية تستره، لكن لو صلى وهي عليه فصلاته صحيحة. والواجب عليه البدار بإزالة الصليب؛ لأنه من شعار النصارى، ولا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم ([902]) .
10- من السنة التيامن في اللباس ونحوه . والأصل في ذلك حديث عائشة-أم المؤمنين-رضي الله عنها- أنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن في طُهوره وترجله وتنعله ) ولفظ مسلم: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في شأنه كله في نعليهه وترجله وطُهوره ) ([903]) .
قال النووي: هذه قاعدة مستمرة في الشرع،وهي إنما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصحافحة وإستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه. وأما ما كان بضده كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسرواويل، والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها والله أعلم ([904]) .
11-السنة في التنعل . أن تُدخل الرجل اليمنى أولاً ثم تليها اليسرى، وعند خلعهما اليسرى أولاً ثم اليمنى، جاء ذلك في حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تُنعل وآخرهما تُنزع ) ([905]) . وكُره للمسلم أن يمشي في نعل واحدة، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها ) ([906]).وعنه-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمشي أحدكم في نعلٍ واحدة ليُحفهما جميعاً أو ليُنعلهما جميعاً ) ولفظ مسلم : ( ليُنعلهما جميعاً أو ليَخلعهما جميعاً ) ([907]). وليعلم أن جميع ما ذكر على وجه الاستحباب لا الوجوب، فمن عرض له عارض أو انقطع نعله أو خفه فليقف حتى يصلح نعله أو يخلع الأخرى ويكمل سيره، ولا ينبغي لمؤمن أن يخالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان الأمر كراهة لا تصل إلى التحريم، فليعود المرء نفسه على سلوك هدي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، لينال شرف الاتباع الحقيقي . ثم اعلم أن العلماء ذكروا عللاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المشي في نعل واحدة. قال النووي: قال العلماء: وسببه أن ذلك تشويه ومثلة ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيتعسر مشيه وربما كان سبباً للعثار ([908]) وغير ذلك .
ثم وجدت أن الشيخ الألباني-حفظه الله- أورد في سلسلته الصحيحة ما أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: عن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة ) ([909]) . وبهذا يتضح لنا علة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المشي في نعل واحدة، وأنها مشية الشيطان . فإذا ثبت ذا فقد أغنانا عن كثير من التكلف، واستجلاب العلل .
فائدة: من السنة الاحتفاء -أحياناً- أي المشي حافياً . فعن بريدة-رضي الله عنه- أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه فقال: ( أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجوتُ أن يكون عندك منه علمٌ. قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: فما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثيرٍ من الإرفاه. قال: فما لي لا أرى عليك حذاءً ؟ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً ) ([910]) .
12-ما يقال عند لبس الجديد . أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية كان يقولها إذا لبس جديداً منها :
أ-( اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) . فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه، إما قميصاً أو عمامة ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صُنع له... الحديث ) ([911]) .
ب- ( الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه ) . فعن معاذ بن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل طعاماً ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه [وما تأخر] ومن لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه [وما تأخر] ) ([912]) .
ويستحب أن يُقال لمن لبس جديداً :
أ- ( البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً ) . عن ابن عمر-رضي الله عنهما- ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عمر قميصاً أبيض، فقال: ثوبك هذا غسيلٌ أم جديدٌ ؟ قال : لا . بل غسيلٌ ([913]) . قال: البس جديداً، وعش حميداً، ومُت شهيداً ) ([914]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ( البس جديداً ) : صيغة أمر أريد به الدعاء بأن يرزقه الله الجديد ([915]) .
ب-( تُبْلي ويُخلفُ الله تعالى ) . روت أم خالد بنت خالد بن سعيد فقالت: ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصةٌ سوداء صغيرة، فقال: من ترون أن نكسو هذه فسكت القوم . فقال: ائتوني بأُم خالد: فأتي بها تُحمل فأخذ الخميصة بيده فألبسها وقال: أبْلي وأخْلقي . وكان فيها علمٌ أخضر أو أصفر . فقال: يا أُم خالد هذا سَنَاهْ، وَسَنَاهْ بالحبشية: حسنٌ ) ([916]) .
قال أبو نضرة في حديث أبي سعيد الخدري-السابق-: فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تُبْلي ويُخْلفٌ اللهُ تعالى ([917]) .
فائدة: نادى النبي صلى الله عليه وسلم أم خالد بكنيتها دون اسمها، وفي هذا بيان لعنايته صلى الله عليه وسلم بالصغار وحسن ملاطفتهم . ومناداة الصغار من الأولاد والبنات بالكنية بدلاً من الاسم، يُشعرهم بأهميتهم وأن لهم شأناً ومكانه كالكبار، ومن جرب عرف ذلك .
تنبيه: يجب أن نستحضرسنة النبي صلى الله عليه وسلم في التيامن ، وهنا يستحب تقديم الجهة اليمنى عند اللبس واليسرى عند النزع .
13-استحباب لبس البياض . وفيه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم... الحديث ) ([918]) . ومن طريق سمرة بن جندب-رضي الله عنه- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم ) ([919]) .
وفي المقابل نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل عن لبس الثوب المعصفر والثوب المشبع بحمرة ([920]) . فعن عبد الله بن عمر بن العاص قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين فقال: إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها ) وفي لفظ آخر :( قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين . فقال: أأمك أمرتك بهذا ؟ قلت: أغسلهما . قال: بل أحرقهما ) ([921]) . قوله: ( أأمك أمرتك بهذا ) معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، قاله النووي ([922]) . وقد يكون النهي عن لبس المعصفر لأجل التشبه بالكفار، وهو أولى لما جاء في الحديث: ( إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها ) .
مسألة : كيف الجمع بين النهي عن لبس الثوب المشبع بحمرة، وبما ثبت عند البخاري من حديث البراء-رضي الله عنه- أنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعاً، وقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئاً أحسن منه ) ([923]) .
الجواب: أن النهي ينصب على الثوب الأحمر الخالص، أما إذا كان فيه أعلاماً من ألوان أخر فلا بأس بذلك . وقد ساق ابن حجر في الفتح سبعة أقوال في لبس الثوب الأحمر، ونحن نذكر القول الذي نرتضيه في هذا المقام. قال : القول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله؛ وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها، وقال ابن القيم: كان بعض العلماء يلبس ثوباً مشبعاً بالحمرة يزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط، فإن الحلة الحمراء من برود اليمن والبرد لا يصبغ أحمر صرفاً([924]) .
14- التختم الجائز للرجال . يجوز للرجال أن يتختموا بالفضة لا الذهب فإنه محرم عليهم . وموضع الخاتم المستحب أن يكون في الخنصر لحديث أنس-رضي الله عنه- قال: ( صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً وقال: إنا اتخذنا خاتماً ونفشنا فيه نقشاً، فلا ينقش عليه أحد. قال: فإني لأرى بريقه في خنصره ) ([925]) . ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الخاتم في الوسطى أو السبابة، فعن علي -رضي الله عنه- قال: ( نهاني، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أن أجعل خاتمي في هذه. أو التي تليها -لم يدر عاصم ([926]) في أي الثنتين- ...الحديث) ([927]) . وعلى هذا فيستحب لمن أراد التختم أن يضعه في خنصره، ويكره له وضعها في الوسطى والتي تليها وهي كراهة تنزيه ([928]) . وأما في أي اليدين يتختم فهذا أمرٌ اختلف العلماء فيه، لورود الآثار بهذا وهذا. قال النووي: وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء فأجمعوا على جواز التختم في اليمين وعلى جوازه في اليسار ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل، فتختم كثيرون من السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار ... ([929]). والأمر في هذا واسع ولله الحمد .
15-استحباب استعمال الطيب . وهو من الزينة التي تذكي النفس، وتبعث على الانبساط. ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان أطيب الناس ريحاً يقول أنس-رضي الله عنه- :( ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحاً قطٌّ أو عرفاً قطٌّ أطيب من ريح أو عرف النبي صلى الله عليه وسلم ) ولفظ الدارمي: ( ولا شممت رائحةً قط أطيب من رائحته مسكةً ولا غيرها ) ([930]) . والطيب مباحٌ للرجال والنساء على حدٍ سواء، ولكن يحرم عليهما جميعاً حال الإحرام بحج أو عمرة لحديث ابن عباس-رضي الله عنهما- مرفوعاً- في الذي وقصته ناقته- قال: ( ولا تمسوه طيباً ) ([931]) . ولحديث ابن عمر-مرفوعاً- -رضي الله عنهما- في الرجل الذي سأل الثيباب التي يلبسها المحرم- قال: ( ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه زعفران ولا الورس ) ([932]) .
وتختص النساء بالمنع منه -أيضاً- في حالين، الحال الأولى: أن تكون محادة على زوج فتمتنع منه أربعة أشهر وعشرة أيام لحديث أم عطية وغيره، أنها قال: ( كنا ننهى أن نُحد على ميت فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، وقد رُخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز ) ([933]) .
والحال الأخرى: إذا كانت المرأة ستغشى مكان فيه رجال أجانب، حتى ولو مرت في طريقهم فوجدوا ريحها فهي داخلة في النهي-وهذا الجانب فرط فيه كثيرٌ من النساء وتساهلن فيه مع صراحة الأحاديث وشدة الوعيد فيها-، لحديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيُّما امرأة استعطرت فمرت على قومٍ ليجدوا من ريحها فهي زانية ) ([934]) . ولحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( لقيته امرأةٌ وجد منها ريح الطيب ينفحُ ولذيلها إعصارٌ، فقال: يا أمة الجبار جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم . قال: إني سمعتُ حِبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: لا تُقبل صلاةٌ لامرأةٍ تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة ) ([935]) .
16- السنة في ترجيل الشعر وحلقه . يستحب للرجل أن يزين من شعره وينظفه ويعتني به ، والأصل في ذلك ما رواه جابر ابن عبدالله-رضي الله عنهما- قال: ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً فقال: أما كان يجد هذا ما يُسكن به رأسه، ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة، فقال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه ) ([936]) . وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان له شعرٌ فليكرمه ) ([937]) . ولكن لا يكن تزيناً وتنظيفاً وإكراماً مبالغاً فيه يخرجه عن الحد المعقول فيكون مشابهاً للنساء، لإن المبالغة في تزين الشعر والاعتناء به من خصائص النساء، فقد روى عبد الله بن مغفل-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن الترجل إلا غباً ) ([938]) . وعن حميد بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم، كما صحبه أبو هريرة اربع سنين، قال: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم ) ([939]) .
وأما حلق الشعر : فاعلم أولاً أن الأفضل ترك الشعر على حاله وإرساله إلى شحمة الأذنين كما هو شعر النبي صلى الله عليه وسلم . قال البراء بن عازب -رضي الله عنه- :( كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعاً بعيد ما بين المنكبين له شعرٌ يبلغ شحمة أذنه ...الحديث ) وعند مسلم: ( عظيم الجمة ([940]) إلى شحمة أُذنيه ) ([941]) . وحلق الشعر قد يكون واجباً، أو محرماً، أو مستحباً أو جائزاً.
فيجب حلقه : إذا كان في حج أو عمرة، ولم يُقصر صاحبه، [أو] كان فيه مشابهة لغير المسلمين... ويحرم حلقه: إذا كان بقصد به التدين أو التعبد من غير حج أو عمرة كما يفعله بعض المتصوفة... ويستحب حلقه: إذا أسلم الكافر -لاسيما إذا كان غزير الشعر. [أو] إذا مر على الصبي المولود سبعة أيام فإنه يستحب لوليه أن يحلق رأسه ويتصدق بوزنه. [أو] إذا طال الشعر طولاً فاحشاً بحيث تجاوز مقدار شعره صلىالله عليه وسلم ... ويستحب حلق شعر الرأس -أيضاً- إذا كان يكسو صاحبه جمالاً يكون به مصدراً للفتنة سواء للرجال أو النساء.... ويجوز حلقه: إذا لم يستطع الإنسان أن يعتني به لانشغاله عنه بأمور أخرى هي أهم منه... (قال الإمام أحمد: هو سنة؛ لو نقوى عليه اتخذناه، ولكن له كلفة ومؤنة ). [ويجوز] حلقه للتداوي ([942]) .
تنبيه: ظهرت بين أوساط الشباب حلاقة الرأس على هيئة نهت عنها الشريعة، وهي حلاقة بعض الرأس وترك بعضه، وهو يعرف في الشرع واللغة باسم القزع ([943]) . وعن ابن عمر-رضي الله عنهما- : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن القزع ) وعند مسلم: ( قلت لنافع: وما القزع ؟ قال: يُحلق بعض رأس الصبي ويُترك بعضٌ ) ([944]) . قال ابن القيم : والقزع له أربعة أنواع : أحدها: أن يحلق من رأسه موضع من ههنا وههنا. مأخوذ من تقزع السحاب وهو تقطعه . الثاني: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه، كما يفعله شماسة النصارى. الثالث: أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش والسفل. الرابع: أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره، وهذا كله من القزع والله أعلم. اهـ ([945]) .
فائدة: يستحب لمن أراد أن يحلق شعره أن يبدأ بالجانب الأيمن منه أولاً ثم الأيسر. وذلك لما رواه أنس ابن مالك:( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق،خُذْ وأشار إلى إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه للناس) ([946]).
17-السنة للرجال توفير اللحى، وقص الشارب . السنة الواجبة في حق الرجال هي توفير اللحى وإرخاؤها، وتقصير الشارب والأخذ منه . وليس هذا الأمر لنا فيه سعة حتى نأخذ ما نريد ونذر ما نريد، بل هو حتمٌ يجب علينا الامتثال والانقياد له. قال تعالى: { و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } . أي لا ينبغي ولا يليق، من اتصف بالإيمان إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما: فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة { إذا قضى الله ورسوله أمراً } من الأمور،وحتماً به وألزما به{ أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا ؟ . بل يعلم المؤمن والمؤمنة أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجاباً بينه وبين أمر الله ورسوله، قاله ابن سعدي ([947]) .
والأحاديث في الأمر بإعفاء اللحية وقص الشارب-من رسول الله صلى الله عليه وسلم- كثيرة جداً وبالفاظ متعددة فمنها: ( وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) ([948]) . ومنها: (انهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى ) ([949]) . ومنها قوله-صلى الله عليه وسلم-: ( خالفوا المشركين. أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى ) ([950]) . ومنها قوله-صلى الله عليه وسلم-: ( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى. خالفوا المجوس ) ([951]) .
والأمر بتوفير اللحى وجز الشوارب اجتمع فيه أمران : الأول: أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الواجب الذي لا صارف له، والذي لا يجوز لمسلم بحال مخالفته . الثاني: الأمر بمخالفة المشركين، وقد عُلم من نصوص الشرع أن التشبه بهم محرم . ولذا كان لزاماً على المسلم أن ينصاع لأمر الله ورسوله ولا يخالف أمرهما حتى لا يقع في الفتنة أو يناله العذاب الأليم . { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } .
ولبعض أهل العلم كلامٌ في الأخذ من اللحية طولاً وعرضاً، تمسكاً بآثار عن السلف الكرام، ولكن الألفاظ التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحةٌ تُغني عنها، والحجة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا في كلام أو فعل أصحابه وأتباعه .
والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير أصلاً، والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة والله أعلم، قاله النووي ([952]) .
18- السنة تغيير الشيب بغير السواد . يُسنُ لمن شاب شعر رأسه ووجهه أن يغيره بالصبغ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) ([953]) . ولكن يُجتنب السواد لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصبغ به . ففي عام الفتح لما أُتي بأبي قحافة ورأسه ولحيته بيضاء قال صلى الله عليه وسلم: ( غيِّروا هذا بشيء وجنبوه السواد ) ([954]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ( وجنبوه السواد ) نصٌ قاطع في التحريم . فيُغير السواد بأي شيء إلا بالسواد، وهذا نهيٌ للرجال والنساء على حدٍ سواء .
قيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن والد أبي بكر -رضي الله عنهما- ( وجنبوه السواد ) ([955]) .
فائدة :
كيما يُعدَّ به من الشبان

يا أيها الرجلُ المُسوِّدُ شيبهُ

بيضاء ما عُدَّت من الغربان ([956])

أقصر فلو سودت كل حمامة

19-ماجاء في الاكتحال . هو للنساء زينة، وللرجال والنساء علاج ومنفعة . والعرب كانوا يتخذونه علاجاً من الرمد . ففي حديث أم عطية-رضي الله عنها- في المرأة التي توفي عنها زوجها واشتكت عينيها، فذكروها للنبي صلى الله عليه وسلم وذكروا له الكحل ([957]) أي كعلاج 0لها.وفي حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا بها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد ([958]) ، يجلو البصر ويُنبت الشعر ) ([959]) . والسنة فيه أن يكون وتراً، أي يكتحل في العين اليمنى ثلاثاً وفي اليسرى ثلاثاً، أو في اليمنى اثنتين وفي اليسرى واحدة فيكون الجميع وتراً أو العكس أو أكثر من ذلك ما دام وتراً . ورجح ابن حجر الأول ([960]) .
تنبيه: لا ينبغي أن يتخذ الرجال الكحل زينة، فهو طالبٌ لا مطلوب، وليس من الرجولة أن يتزين الرجل كما تتزين النساء، والنبي صلى الله عليه وسلم رغب في الإثمد لما فيه من الفوائد فقال: ( عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر ) ([961]) . أما أن يتخذه الرجالُ جمالاً وزينةً للعينين فلا .
20-ما يحرم من الزينة على النساء . أباح الله -سبحانه وتعالى- للنساء أن يتخذوا أنواعاً عديدة من الزينة كالكحل، والطيب، والحنا ونحو ذلك مما تتجمل به المرأة. وحرم عليها أموراً تتخذها المرأة زينة وهي في حقيقتها لا تعدو كونها تغييراً لخلق الله الذي خلقها عليه. كالوشم ([962]) ، والنمص ([963]) ، والتلفج ([964]) للحسن، والوصل ([965]) . فعن عبد الله ابن مسعودٍ قال: ( لعن الله الواشمات، والمُوتشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت: إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت . فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } قالت: بلى . قال: فإنه قد نهى عنه .قالت: إني أرى أهلك يفعلونه . قال: فاذهبي فانظري. فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً . فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها ) ولفظ مسلم:( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ..الحديث ) وعند البخاري وغيره عن عبد الله ( لعن الله الواصلة ) ([966]) .
ومع صراحة الأحاديث في ذلك، وشدة وعيدها، إلا أن كثيراً من النساء يفعلن ذلك أو بعضه، وهل هذا إلا ضعف إيمان، وإلا فأي امريءٍ تهون عليه نفسه ويعرضها لسخط الجبار ! . اللهم إنا نسألك السلامة والعافية في ديننا ودنيانا .
تنبيه: لا يختص اللعن بالنساء، بل يدخل فيه الرجال إذا نمصوا، أو وشموا، أو وصلوا، أو تفلجوا للحسن!. أو طلبوا من غيرهم أن يفعل بهم شيئاً من ذلك . وتخصيص النساء باللعن من باب الأغلبية فإن تلك الفعال تكون في النساء أغلب كالنائحة، والله أعلم .






16- باب آداب الركوب والمشي


- قال تعالى : { والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } ([967]) .

* الآداب *

1-النهي عن مشية الخيلاء . التبختر في المشي من الصفات الذميمة التي تنم عن كبرٍ وعجبٍ بالنفس. والمؤمن من صفاته التواضع والاستكانة لا الكبر والغطرسة . والكبر رداء الله فمن نازعه فيه عذبه .فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( العزُّ إزاره والكبرياء رداؤه . فمن ينازعني عذبته ) ([968]) . وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجلٌ يمشي في حُلةٍ تُعجبه نفسه مرجلٌ جمته، إذا خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ) ([969]) . ولا يكون التبختر إلا في مواطن الحرب لإغاظة الأعداء، كما فعل أبو دجانة-رضي الله عنه- عندما اعتصب بعصابة -له- حمراء ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه يتبختر إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن .
2-أحسن المشي وأعدله . قال ابن قيم الجوزية: كان [صلى الله عليه وآله وسلم ] إذا مشى، تكفَّأ تكفُّؤاً ([970]) ، ([971])، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها وأسكنها. قال أبو هريرة-رضي الله عنه- ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث ([972]) . وقال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صبب ([973]) ، ([974]) ، وقال مرة: إذا مشى تقلع ([975]) ، ([976]) . قلت: والتقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط من الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت ([977]) .
فائدة : ذكر ابن قيم الجوزية في الهدي عشرة أنواع من المشيات:
فالأولى: أحسنها وأعدلها هي مشية التكفؤ والتقلع، كحال المنحط من الصبب، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثانية: أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة-أيضاً- وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إذا كان يكثر الالتفات حال مشيه يميناً وشمالاً .
الثالثة: أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة.
الرابعة: السعي.
الخامسة: الرمل، وهو أسرع المشي مع تقارب الخُطا، ويسمى الخبب.
السادسة: النسلان، وهو العدْو الخفيف الذي لا يزعج الماشي .
السابعة: الخَوْزَلي، وهي مشية التمايل، وهي مشية، يقال: إن فيها تكسراً وتخنثاً .
الثامنة: القهقرى، وهي المشية إلى الوراء.
التاسعة: الجمزى، وهي مشية يثب فيها الماشي وثباً .
العاشرة: مشية التبختر، وهي مشية أُولي العجب والتكبر .اهـ ([978]) .
3-كراهة المشي في نعل واحدة ([979]) .
4-من السنة الاحتفاء أحياناً . لقول فضالة بن عبيد-رضي الله عنه- :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً ) ([980]) . وفي حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن عبادة، قال: ( فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر رجلاً ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشي في تلك السباخ ...الحديث ) ([981]) . وفي الاحتفاء كسرٌ لما اعتاده المرء من التنعم الحاصل بالمداومة على التنعل ([982]) .
5-رب الدابة أحق بصدر دابته . من ملك شيئاً فهو أحق به من غيره، وركوب الدواب الحي منها والجماد يأخذ الحكم نفسه. فصاحب الجمل أو الخيل أو (السيارة) أحق بصدر دابته ومقدمته من غيره، فلا يُركب في مقدمتها إلا بإذنه . يبين ذلك حديث بريدة-رضي الله عنه- فقال: ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي جاء رجل ومعه حمارٌ، فقال: يا رسول الله اركب . وتأخر الرجل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أنت أحق بصدر دابتك مني إلا أن تجعله لي . قال: فإني قد جعلته لك . فركب ) ([983]) .
6-جواز الارتداف على الدابة إذا لم يشق عليها . ومن آداب الركوب أنه لا بأس بركوب اثنين أو ثلاثة ما دامت الدابة تطيق ذلك. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أردف بعض أصحابه كمعاذ ([984]) وأسامة ([985]) والفضل ([986]) وكذا إردافه لعبد الله بن جعفر والحسن أو الحسين معاً ([987] )وغيرهم-رضي الله عن الجميع- ([988]) . أسامة أس
7-كراهية إتخاذ الدواب منابر . وفيه حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم ) ([989]) . والمعنى: لا تجلسوا على ظهورها فتوقفونها وتحدثون بالبيع والشراء وغير ذلك بل انزلوا واقضوا حاجاتكم ثم اركبوا، قاله القاري ([990]) . و لايعكر على ذلك وقوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على دابته في حجة الوداع، فإن ذلك كان لمصلحة راجحة وهو لا يتكرر. قال ابن القيم: وأما وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته في حجة الوداع وخطبته عليها، فذاك غير ما نهى عنه، فإن هذا عارض لمصلحة عامة في وقت ما، لا يكون دائماً، ولا يلحق الدابة منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا لمصلحة، بل يستوطنها ويتخذها مقعداً يناجي عليها الرجل، ولا ينزل إلى الأرض، فإن ذلك يتكرر ويطول، بخلاف خطبته صلى الله عليه وسلم على راحلته ليسمع الناس، ويعلمهم أمور الإسلام وأحكام النسك، فإن هذا لا يتكرر ولا يطول ومصلحته عامة ([991]) .























17- باب آداب الطريق

- قال تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبيرٌ بما يعملون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن... الآية } ([992]) .
- عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا: ما لنا بدٌ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها . قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر )([993]) .

* الآداب *

1-وجوب أداء حقوق الطريق :
وحقوق الطريق بينها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي: ( غض البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر ) وهذه الحقوق ليست من باب الحصر، وإنما هي بعضها،وقد بينت أحاديث أخر حقوقاً للطريق غيره هذه، فعُلم أن المذكورات التي في الحديث ليست من باب الحصر.
أ- غض البصر . الأمر بغض البصر يشترك فيه الرجال والنساء على حدٍ سواء، وذلك لأن إطلاق البصر فيما يحرم يجلب عذاب القلب وألمه، وهو يظن أنه يروح عن نفسه ويبهج قلبه، ولكن هيهات . وأعظمهم عذاباً مدمنهم، وكما قال ابن تيمية: تعمد النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الانسان، وإن قويت حتى صارت غراماً وعشقاً زاد العذاب الأليم، سواء قدر أنه قادر على المحبوب أو عاجر عنه، فإن كان عاجزاً فهو في عذاب أليم من الحزن والهم والغم، وإن كان قادراً فهو في عذاب أليم من خوف فراقه، ومن السعي في تأليفه وأسباب رضاه ! ([994]) . وأصل ذلك ومبدؤه من النظر، فلو أنه غض بصره لارتاحت نفسه وارتاح قلبه .
والشرع المطهر لم يغفل ما قد يقع من الناس بدون قصد منهم، بل أمر من نظر إلى امرأة اجنبيه بدون قصد منه أن يصرف بصره عنها ولا يتمادى . قال جرير بن عبد الله-رضي الله عنه- ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفُجأة فأمرني أن أصرف بصري ) ([995]) . ومعنى نظر الفجأة: أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث قاله النووي ([996]) .
ب- كف الأذى . ومن حقوق الطريق، كف الأذى، وعدم إيذاء الناس في أبدانهم أو أعراضهم. وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده... الحديث ) ([997]) . والحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وآله وسلم، فيشمل اللسان من تكلم بلسانه وآذى الناس في أعراضهم أو سبهم ، ويشمل من أخرج لسانه استهزاء وسخرية. وكذا اليد فإن أذيتها لا تنحصر في الضرب، بل تتعداها إلى أمور أخر كالوشاة بالناس والسعي في الاضرار بهم عن طريق الكتابة ، أو القتل ونحو ذلك. بل إن من محاسن هذا الدين أن كان كف المرء شره وأذه عن الناس صدقة يتصدق بها على نفسه . جاء ذلك صريحاً في حديث أبي ذر-رضي الله عنه- قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم :( أي العمل أفضل ؟ قال: إيمان بالله وجهادٌ في سبيله . قلت: فأي الرقاب أفضل ؟ قال: أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها . قلت: فإن لم أفعل ؟ قال: تُعين صانعاً أو تصنع لأخرق . قال: فإن لم أفعل ؟ قال: تدعُ الناس من الشر فإنها صدقةٌ تصدق بها عن نفسك ) وعند مسلم: ( تكفُّ شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك ) ([998]) .
ت- رد السلام . ومن حقوق الطريق: رد السلام، وهو واجب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- :( خمسٌ تجب للمسلم علىأخيه رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز ) ([999]) . وقد قصَّر في هذا الباب خلقٌ كثير، واقتصر سلامهم على المعرفة، فمن عرفوه سلموا عليه أو ردوا عليه سلامه، ومن لم يعرفوه لم يعيروه اهتماماً . وهذا خللٌ ومخالفة للسنة ([1000]) .
ث-وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . هذا بابٌ عظيم الشأن والقدر، به كانت هذه الأمة خير الأمم: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } ([1001]) . قال ابن كثير: قال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى:{ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } ([1002]) .
وبتركه يحل بهم العقاب . فقد روى الامام أحمد في مسنده قال: ( قام أبو بكر -رضي الله عنه- فحمد الله عز وجل وأثنى عليه فقال أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية { يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم } إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر، لا يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب ) ([1003]) .
وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوائد عظيمة للأمة، منها: نجاة سفينة المجتمع من الهلاك والغرق، ومنها: قمع الباطل وأهله، ومنها: كثرة الخيرات والحد من الشرور، ومنها: استتباب الأمن، ومنها: نشر الفضيلة وقمع الرذيلة ... الخ.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقصوراً على جهةٍ معينة (كالهئية مثلاً) أو أُناس معينين ( كرجال الحسبة )، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ على كل أحد، كلٌ بحسب استطاعته. والحديث الوارد في ذلك عامٌ لم يخصص أحداً من أحد . قال أبو سعيد الخدري-رضي الله عنه- ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ([1004]) . ولكن ينبغي الإشارة هنا إلى أمور :
أولاً: التدرج في الإنكار، فلا يتحول المرء إلى مرتبة حتى يعجز عن التي قبلها . فلا ينكر بقلبه من يستطيع الإنكار بلسانه، وهكذا .
الثاني: أن من كانت له ولاية فإنكاره يكون بأعلى مراتب الإنكار . فرب الأسرة هو السيد المطاع في البيت وتغييره يكون بيده فهو قادرٌ على إزالة المنكر بيده ولا يعذر بذلك .
الثالث: العلم بالمنكر أنه منكر قبل الإنكار،وهل هو من الأمور التي يسوغ فيها الخلاف، وهذا بابٌ غلط فيه فئام من الناس، فليتنبه له .
الرابع:يجب أن يستشعر المُنكِر قاعدة المفاسد والمصالح، وأن لا يبادر إلى الإنكار إلا إذا علم أن مصلحته راجحة على مفسدته، ومتى علم رجحان المفسدة وجب عليه الكف حتى لا يفتح باب شر وإفساد .
الخامس: إذا عجز المُنكِر عن المرتبة الأولى والثانية، فلا يغفل عن قلبه ويمر عليه المنكر دون إنكار بالقلب وظهور آثار ذلك على صفحات وجهه .
ج- هداية السائل عن الطريق . ومن حقوق الطريق-أيضاً- إرشاد السائل عن الطريق، وهدايته إليه، سواءٌ كان ضالاً أو أعمى . وجاء هذا الحق مصرحاً به في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حق الطريق- قال: ( وإرشاد السبيل ) ([1005]) . وفي حديث آخر لأبي هريرة-رضي الله عنه- ما يبين أن هداية السبيل من الصدقات، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ودلُّ الطريق صدقه ) ([1006]) .
2-إزالة الأذى من الطريق . من الآداب المستحبة في الطريق؛ إزالة الأذى عن الطريق، بل هي من الإيمان : قال صلى الله عليه وآله وسلم ( الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلها قولُ لاإله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ([1007]) .
وهي من الصدقات، وبسببها أُدخل رجلٍ الجنة . ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل سُلامي من الناس عليه صدقة ... ثم قال: وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) ([1008]) . وعنه -أيضاً- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( بينما رجل يمشي بطريقٍ وجد غُصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له ... الحديث) وعند أبي داود : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( نزع رجلٌ لم يعمل خيراً قط غُصن شوك عن الطريق، إما كان في شجرةٍ فقطعه وألقاه وإما كان موضوعاً فأماطه فشكر الله له بها فأدخله الجنة ) ([1009]) .
3-تحريم قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم. حذر رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، من التخلي في طريق الناس أو ظلهم، لأن ذلك حق عام، فلا يحل لامريءٍ أن يفسد على الناس طرقهم التي يمشون عليها، أو ظلهم الذي فيه يجلسون، وبه يتقون حر الشمس. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا اللعانين. قالوا وما اللعانان يا رسول الله ؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) ([1010]) . ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( اتقوا اللعانين ) أي: اجتنبوا الأمرين الذي يجلب لعن الناس وشتمهم، لأن من تخلى في طريق الناس أو ظلهم، لا يكاد يسلم من سب الناس وشتمهم ([1011]) .
4-الرجال أحق بوسط الطريق من النساء. من حرص صاحب الشرع-صلى الله عليه وآله وسلم- على تميز النساء عن الرجال، وقطع كل طريق يؤدي إلى الفتنة بهن، أن جعل حافة الطريق للنساء وأوسطه للرجال، حتى لا يختلط الرجال بالنساء وتعظم الفتنة-كما هو الحال الآن إلا من رحم الله- . فعن أبي أسيد الأنصاري-رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارجٌ من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء :( استأخرن فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق ([1012]) ، عليكن بحافات الطريق ) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به ([1013]) . وسير النساء بمحاذاة جوانب الطريق أستر لهن، وأقرب للحياء، لا أن ينافسن الرجال في طريقهم ويقتحمونه معرضين أنفسهن وغيرهن للفتنة. وأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهلاكها كان بسبب ذلك .
5- إعانة الرجل في حمله على دابته أو رفع متاعه عليها . ومن آداب الطريق المستحب فعلها أنك إذا رأيت رجلاً يريد أن يركب دابته وكان ذلك يشق عليه، فإنك تعينه على ذلك، أو تعينه في حمل متاعه، ويمكن فعل ذلك الآن، فإن بعض كبار السن قد لا يتمكن من الركوب في (العربات المتحركة) بسهولة، وخصوصاً إذا كانت كبيرة.
وفعل ذلك كله من الصدقة التي يؤجر المسلم عليها. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل سُلامي عليه صدقة، كل يوم يُعين الرجل في دابته يُحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة...الحديث) ولفظ مسلم :( فتحمله عليها ) ([1014]) .








18- باب آداب الجوار

- قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب ... الآية } ([1015]) .
- قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )([1016]) .

* الآداب *

1- إكرام الجار والوصية به . أوصى الله سبحانه في كتابه بالجار فقال: { والجار ذي القربى والجار الجنب } . فالجار القريب له حقان: حق القرابة وحق الجوار، والجار البعيد له حق الجوار . وكلاهما يُكرم ويُتعاهد ويُحسن إليه . وفي حديث عائشة-رضي الله عنها- تأكيد لهذا الحق، قالت: قال صلى الله عليه وسلم : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ([1017]) . قال الحافظ : قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ...ويحصل امتثال الوصية به[الجار] بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة، كالهدية، والسلام، واطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية . اهـ ([1018]) . وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) ([1019]) .
فائدة: اسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد . وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطى كل حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوى ، قاله في الفتح ([1020]) .
2-الجار الأدنى وحقوقه . الجار الأدنى الملاصق له من الحقوق ما ليس للجار البعيد . ويُؤخذ هذا الحكم من سؤال عائشة -رضي الله عنها- قالت:( قلتُ : يا رسول الله إن لي جارتين فإلى أيهما أُهدي ؟ قال: إلى أقربهما منك باباً ) ([1021]) . فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخصيص الهدية للجار القريب دون البعيد، عُلم أن حقه مقدم على حق البعيد. ومن الحِكم في ذلك: أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وإن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات لا سيما في أوقات الغفلة، قاله الحافظ ([1022]) . وأكثر الناس على ذلك، فإنهم يخصون القريب منهم بمزيد عناية وتعاهد، ما لايجده الجار البعيد .
ومن حقوق الجار أن لا يمنع الجار جاره من غرز الخشب أو وضعه على جداره من أجل بناء غرفة أو نحو ذلك. فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبةً في جداره ) ([1023]) . ولكن لا بد من مراعاة عدة أمور:
أولاً: أن يكون البناء لا يضر بالجدار.
ثانياً: أن يكون الجار الآخر مضطراً لذلك .
ثالثاً: أن لا توجد طريقة أخرى يمكن بواسطتها البناء، إلا بالاعتماد على جدار الجار.
فإن اختل أحد أو بعض هذه الأمور فإنه لا يجوز للجار المستفيد البناء والاعتماد على جدار جاره لما في ذلك من الإضرار الذي نهى عنه الشرع : فــ ( لا ضرر ولا ضرار ) ([1024]) .
3-تحريم أذى الجار. لايحل لمؤمن أن يؤذي جاره بشتى أنواع الأذى، وفي حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- نهيُ وتغليظٌ على من آذى جاره، فقد قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين أذية الجار، مما يدلنا على عظم أذيته-، فقال: قال صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ... الحديث ) ([1025]) . وفي الحديث الآخر؛ حديث أبي شريح-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن . قيل من يا رسول الله؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوايقه ([1026]) ) ([1027]) . ومن رواية أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ([1028]) .
ففي حديث أبي شريح-رضي الله عنه- أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على نفي الإيمان-ثلاثاً- على من لم يأمن جاره بوائقه . والمراد أن الجار الذي لا تؤمن غوائله وشروره غير كامل الإيمان، فهو بعصيانه وظلمه قد زنقص إيمانه .
وفي حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-، أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الجنة لا يدخلها الجار الذي لا تؤمن بوائقه، والمراد-والله أعلم- أنه لا يدخلها ابتداءً، وقلنا ذلك لأن النصوص بمجموعها تفيد أن الموحد يدخل الجنة وإن عُذب قبل ذلك . أو أن سنة الله اقتضت أن الذي لايأمن جاره بوائقه يموت كافراً .
وأذية الجار قد تتفاوت، فبعضها يسير بالنسبة إلى غيرها وبعضها عظيم، بل إن أعظم أذية تنال الجار، هي أذيته في أهله، وهي من أعظم الذنوب عند الله . فعن عبد الله بن مسعودٍ قال: ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك. قلت: ثم أي ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك ) ([1029]) .
فائدة : روى أبو هريرة -رضي الله عنه- ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره. فقال: اذهب فاصبر. فأتاه مرتين أو ثلاثاً. فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق. فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يعلنونه، فعل الله به ، وفعل وفعل. فجاء إليه جاره فقال له : ارجع لا ترى مني شيئاً تكرهه ) ([1030]) .







19- باب آداب العطاس والتثاؤب

- قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ... الحديث )([1031]) .

* الآداب *

أولاً : آداب العطاس :
1- تشميت العاطس ([1032]) مأمورٌ به، ومندوبٌ إليه . من محاسن ديننا أن شرع لهم دعاء يقولونه بعد العطاس -الذي هو نعمة من الله عليهم ([1033])- ، فبه يحمدون الله، وبه يتراحمون ويسألون الله الهداية وصلاح البال. فعن البراء بن عازب-رضي الله عنه- قال: ( أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم )([1034]) . وتشميت العاطس فرض على الكفاية إذا فعله بعض الحاضرين سقط الأمر عن الباقين ([1035]) . ولا ينبغي تركه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ( فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله ).
2- تشميت العاطس يكون عند سماع حمد العاطس. وذلك لما رواه أنس -رضي الله عنه- قال: ( عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشمت أحدهما ولم يُشمت الآخر. فقال: الرجل يا رسول الله: شمَّت هذا ولم تشمتني ؟ قال: إن هذا حمد الله، ولم تحمد الله ) ([1036]) . وعن أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه ، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه ) ([1037]) .
مسألة: هل يلزم سماع حمد العاطس لتشميته، أو يُكتفى بعلم ذلك من تشميت من حوله ؟
الجواب: الأظهر أنه يشمته إذا تحقق أنه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمَّت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن حمد الله، فشمتوه. هذا هو الصواب، قاله ابن القيم ([1038]) .
مسألة 2 : هل يستحب تذكير من نسى حمد الله بعد العطاس حتى يُشمت ؟
الجواب: اختار بعض أهل العلم كالنخعي والنووي تذكيره، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، والنصيحة، والأمر بالمعروف. وأختار بعضهم كابن العربي وابن القيم أنه لا يُذكر، قال ابن قيم الجوزية: وظاهر السنة يقوي قول ابن الأعرابي: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشمت الذي عطس، ولم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزير له، وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسي الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته، والدعاء له، ولوكان تذكيره سنة، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها ([1039]) .
3- السنة أن يقول العاطس أولاً: الحمد لله أو الحمد لله على كل حال . لحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله...الحديث ) ولفظ أبي داود: ( فليقل الحمد لله على كل حال ) ([1040]) .
4- السنة أن يقول المشمت: يرحمك الله . لحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- السابق: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله ...الحديث ) .
5- السنة ان يقول العاطس ثانياً بعد تشميت المشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم أو يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم . ففي حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-السابق أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم ([1041]) ). أو يقول يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا ولكم، جاء ذلك صريحا في حديث نافع عن ابن عمر : ( أن عبد الله بن عمر كان إذا عطس فقيل له يرحمك الله . قال: يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا ولكم ) ([1042]) .
6- استحباب خفض العاطس صوته . وفائدته أنه لما كان العاطس -غالباً- يُحدث صوتاً رفيعاً مزعجاً أُستحب له أن يخفض من صوته بوضع يده على وجهه أو بثوبه. وفي وضع اليد أو الثوب على الفم فائدة أخرى وهي: أن العاطس لا يأمن-غالباً- من خروج شيءٍ من فمه، فاستحب له أن يضع يده على فيه . وفي هذا سنة . فقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه- ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو بثوبه وغض بها صوته ) ([1043]) .
7- التشميت ثلاثاً، فما زاد فهو زكام . حدث سلمة بن الأكوع أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وعطس رجلٌ عنده، فقال له : ( يرحمك الله ) ثم عطس أخرى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الرجل مزكوم ) ([1044]) . وهذا الحديث قيد التشميت بمرتين فقط، ولكن جاءت نصوص أخرى تفيد أنه العاطس يُشمت ثلاثاً، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( شمت أخاك ثلاثاً فما زاد فهو زكام ) ([1045]) . قال النووي: واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل: يقال له في الثانية: إنك مزكوم، وقيل: يقال له في الثالثة، وقيل: في الرابعة، والأصح أنه في الثالثة. قال: والمعنى أنك لست ممن يشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس ([1046]) . وقوله في الحديث :( الرجل مزكوم ) تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك التشميت بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه صلى الله عليه وسلم كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى، قاله ابن القيم ([1047]) .
8-جواز تشميت أهل الذمة . وفيه حديث أبي موسى-رضي الله عنه- قال: كانت اليهود تعاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يقول لها يرحمكم الله، فكان يقول: ( يهديكم الله ويصلح بالكم ) ([1048]) . وعلى هذا يجوز الدعاء لأهل الذمة -إذا حمدوا الله بعد عطاسهم- بالهداية والتوفيق للإيمان، ولا يُدعى لهم بالرحمة والمغفرة، فهم ليس أهلٌ لذلك.
فائدة : يجوز لمن عطس في الصلاة أن يحمد الله، ولا يجوز لمن سمعه أن يشمته ([1049]).



ثانياً: آداب التثاؤب :
- استحباب كظم التثاؤب وهو من الشيطان . وفيه حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان... الحديث ) ([1050]) . قال النووي: والثتاؤب يكون غالباً مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل، وإضافته إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى الشهوات، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المأكل وإكثار الأكل ([1051]) .
وأما كظم التثاؤب فمستحب . وفيه أحاديث كثيرة، فمنها حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان ) ولفظ مسلم: ( فإذاتثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع ) ولفظ أحمد:( فليرده ما استطاع ولا يقل آه آه، فإن أحدكم إذا فتح فاه فإن الشيطان يضحك منه أو به ) ([1052]) .
وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا تثاوب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل ) ولفظ أحمد: ( إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب ) ([1053]) . والكظم قد يكون عن طريق التحكم بالفم ومنعه من انفتاحه، وقد يكون بضغط الاسنان على الشفة، وقد يكون بوضع اليد أو الثوب على الفم ونحو ذلك .





20- باب آداب معاشرة الإخوان

- قال تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ([1054]) .
- عن أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )([1055]) .

* الآداب *

1-اختيار الرفيق والجليس . تقدم حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-المرفوع: ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) والمعنى: أن الإنسان على على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فليتأمل ويتدبر (من يخالل) فمن رضي دينه وخلقه خاللـه ومن لا تجنبه، فإن الطبع سراقه، قاله في عون المعبود ([1056]) . وروى أبو سعيد الخدري-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ([1057]) . والنهي في المصاحبة يشمل النهي عن مصاحبة أهل الكبائر والفجور، لأنهم ارتكبوا ما حرم الله، ومصاحبتهم تضر بالدين، ويشمل النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين من باب أولى. وقوله: ( ولا يأكل طعامك إلا تقي ) . قال الخطابي: إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك لأن الله سبحانه قال: { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } ومعلوم أن اسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين ولا أتقياء، وإنما حذر عليه السلام من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب ([1058]) .
ورفيق السوء وجليس السوء مضرته متحققة لا محالة مهما كانت وسائل التحرز، بنص قوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى أبو موسى الأشعري-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة ) ([1059]) .
2- المحبة في الله . أعظم مقامات الأخوة أن تكون في الله ولله، لا لنيل منصب، ولا لتحصيل منفعة عاجلة أو آجلة، ولا من أجل كسب مادي، أو غير ذلك. ومن كانت محبته في الله وأخوته في الله فقد بلغ الغاية، وليحذر أن يشوبها شيءٌ من حظوظ الدنيا فيفسدها. ومن كانت محبته في الله فليبشر بموعود الله ونجاته من هول الموقف يوم القيامة، ودخوله في ظل عرش الجبار جل جلاله . فقد روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أُظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي ) ([1060]) . وعن معاذ بن جبل-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ ) ([1061]) . وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال أين تريد ؟ قا: أريد أخاً لي في هذه القرية . قال: هل لك عليه من نعمة تربها ([1062]) ؟ قال: لا . غير أني أحببته في الله عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه )([1063])
تنبيه: ينبغي على من أحب أخاً له في الله أن يعلمه بذلك، وفي هذا سنة معلومة، رواها أنس ابن مالك وغيره، فقال: ( أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به رجلٌ، فقال يا رسول الله: إني لأحب هذا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعلمته ؟ قال: لا . قال: أعلمه . فلحقه فقال: إني أُحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له ) وعند أحمد: ( قال: قم فأخبره تثبت المودة بينكما. فقام إليه فأخبره، فقال: أني أحبك في الله أو قال أحبك لله . فقال الرجل: أحبك الله الذي أحببتني فيه ) ([1064]) .
تنبيه 2 : مما ينبغي -أيضاً- على المتحابين في الله، أن يتفقدوا أنفسهم وقلوبهم بين وقت وآخر، وينظروا هل خالط هذه المحبة ما ينغصها ويكدرها ويخرجها عن حقيقتها أم لا . لأن المحبة في أول أمرها قد تكون خالصة لله، ولكن لا تلبث -إن غفل عنها أهلها- أن تتحول إلى أخوة تبادل المنافع، وقد تتحول مع التمادي والمجاوزة إلى شيء من العشق والغرام، فمخالطة المردان باسم الأخوة في الله، وتجاوز بعض النساء عن الحد المشروع مع بنات جنسهن قد يُفضي إلى مثل ذلك .
3-البشاشة واللين والتودد للإخوان . إن أقل ما يتلقى به الأخ أخيه، هو وجه طلق، وثغر باسم، وهو من المعروف والأدب الذي ينبغي أن يكون بين الأخ وأخيه؛ أن يهش ويبش في وجهه كلما لاقاه أو رآه . عن أبي ذر-رضي الله عنه- قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) ([1065]) ومن رواية جابر -رضي الله عنه-:( كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق...الحديث)([1066]) .
واللين والرفق والتودد مما يقوي الروابط بين الإخوان، ويعمق الصلة بينهم، فـ (الله يحب الرفق في الأمر كله ) ([1067]) . وهو سبحانه:( رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لايعطي على ما سواه ) ([1068]) . ومادام ذلك كذلك، فالإخوان أحرى وأولى أن يرفق بعضهم ببعض، وأن يلين بعضهم لبعض. روى ابن مسعود-رضي الله عنه- قال:قال صلى الله عليه وسلم:( حُرم على النار كل هينٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناس )([1069]) . ومن الأمور التي تعين على استدامة المحبة، وإزالة الشحناء من القلوب؛ التهادي بين الإخوان، فقد روى مالكٌ في موطأه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ) ([1070]) .
ولقد أحسن القائل ([1071]) :
تــولــد في قـلـوبهم الوصـالا

هدايا الناس بعضهم لبعــض

وتكسوهم إذا حضروا جــــمالا

وتزرع في الضمير هوى وودا


4-استحباب بذل النصيحة وهي من تمام الأخوة . النصيحة مطلبٌ شرعي مُرغبٌ فيه من لدن الشارع . وهي من الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبايع عليها أصحابه، كما قال جرير بن عبد الله-رضي الله عنه-: ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ) ([1072]) . وكون النبي صلى الله عليه وسلم يقرنها مع الصلاة والزكاة التي هي من أركان الإسلام، ليدلنا على عظم شأنها وعلو منزلتها. ومثله حديث تميم بن أوس الداري-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ([1073]) . قوله:( الدين النصيحة ) أي: أن النصيحة أفضل الدين وأكمله ([1074]) . وقال ابن الجوزي: اعلم أن النصيحة لله عز وجل المناضلة عن دينه والمدافعة عن الإشراك به وإن كان غنياً عن ذلك، ولكن نفعه عائد على العبد، وكذلك النصح لكتابه الذب عنه والمحافظة على تلاوته، والنصيحة لرسوله إقامة سنته والدعاء إلى دعوته، والنصيحة لأئمة المسلمين طاعتهم، والجهاد معهم، والمحافظة على بيعتهم، وإهداء النصائح إليهم دون المدائح التي تغر، والنصيحة لعامة المسلمين إرادة الخير لهم، ويدخل في ذلك تعليمهم وتعريفهم اللازم، وهدايتهم إلى الحق ([1075]) .
وعلى هذا فتكون نصيحة الإخوان بإرادة الخير لهم، وبيان الحق لهم، ودلالتهم عليه، وعدم غشهم ومجاملتهم في دين الله، ويدخل فيه أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو خالف هواهم وطريقتهم . وأما مسايرتهم في طريقتهم، ومجاملتهم في دين الله باسم الأخوة، وحتى لا ينفضوا أو ينفروا، فهذا ليس من النصح الذي أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام. نعم، الحكمة مطلوبة عند عرض النصيحة عليهم، ولكن الحق لابد أن يبين ويعلم، وخصوصاً إذا كان ذلك بين الإخوان فهو مقدورٌ عليه .
5-التعاون فيما بين الإخوان . ولنا في ذلك قدوة وأسوة، وأعظم به من قدوة-رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وما كان جناب الرسالة مانعاً له صلى الله عليه وآله وسلم من مشاركته أصحابه، وتقديم العون لهم . ومن ذلك مشاركته صلى الله عليه وسلم أصحابه في بناء مسجده في المدينة. يقول أنس-رضي الله عنه- : وجعلوا ينقلون الصخر وهو يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول:
فاغفر للإنصار والمهاجره ([1076])

ا للهم لا خير إلا خير الآخرة

ومثله يوم الخندق؛ قال جابر-رضي الله عنه- : إنا يوم الخندق كنا نحفر، فعرضت كُدية شديدة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق. فقال: ( أنا نازل )، ثم قال وبطنه معصوبٌ بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب حتى عاد كثيباً أهيل أو أهيم ... الحديث ([1077]) .
ومن حديثه صلى الله عليه وسلم، مارواه أبو موسى-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه ) ([1078]) .
والإخوان يحتاج بعضهم بعضاً، فيتعاونون فيما بينهم في سد خلة فقيرهم، أو الشفاعة الحسنة في قضاء حاجة محتاجهم، أو غير ذلك من شتى صور التعاون، ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) ([1079]) .
6- تواضع الإخوان فيما بينهم وعدم التكبر أو الفخر عليهم . التواضع ولين الجانب للإخوان تديم العشرة بينهم، وتقوي روابط الأخوة بينهم . والتكبر أو الاختيال أو الفخر عليهم سببٌ في نفور بعضهم من بعض، وعلامةٌ على تفكك رابطة الأخوة بينهم .
والتواضع مطلوب ومأمور، والفخر منهي عنه ومذموم، فقد روى عياض بن حمار-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ ولا يبغِ أحدٌ على أحدٍ ) ([1080]) . والفخر والكبر طريق إلى الظلم والعدوان والبغي .
ولا شك أن الناس يتفاضلون في الحسب والنسب والمال، وهذه سنة الله في خلقه، فليس الشريف هو الذي جعل نفسه شريفاً، وليس الوضيع هو الذي جعل نفسه وضيعاً، ولا الفقير ولا الغني كذلك، بل حكمة الله البالغة اقتضت ذلك- فلله في خلقه شؤون . وليس التفاضل مسوغاً لأحد في ترفعه على غيره أو فخره عليه، بل متى كان الشريف أو الحسيب أو الغني متواضعاً لله، ليناً سمحاً مع إخوانه، ازادا بذلك رفعةً عند الله وقبولاً عند خلقه . روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه ) ([1081]) .
7-حسن الخلق . طوبى لمن ألبسه الله ثوب حسن الخلق، فإنه ما من رجلٌ أُثر عنه ذلك، إلا طاب ذكره عند الناس، ورُفع قدره بينهم. وحسن الخلق هو بسط الوجه، واحتمال الأذى، وكظم الغيظ، وغير ذلك من المعاني والخصال الحميدة . قال ابن منصور: سألت أبا عبد الله : عن حسن الخلق: قال: أن لا تغضب ولا تحتد ... وقال إسحاق بن راهويه: هو بسط الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك، ذكره الخلال ... وروى الخلال عن سلام بن مطيع في تفسير حسن الخلق، فأنشد هذا البيت :
كأنك معطيه الذي أنت سائله ([1082]) .

تراه إذا ما جئته متهللاً

وخير الناس أحسنهم خلقاً بقول خير البرية-صلى الله عليه وآله وسلم-وهو أحسن الناس خُلقاً- : ( خياركم أحسنكم أخلاقا ) ([1083]) . وكان من دعائه في الاستفتاح -صلى الله عليه وآله وسلم- ( واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ) ([1084]) . ومن كان كذلك أحبه الناس، ورغبوا في مجلسه ومجالسته، واستأنسوا بحديثه، وبضده صاحب الخلق السيء؛ فحديثه ممل، ومجلسه ينفر عنه الناس، وهو مبغوضٌ ثقيل على القلب . أُثر عن الفضيل بن عياض أنه قال: من ساء خلقه ساء دينه، وحسبه ومودته ([1085]) .
ومعاشرة الإخوان لها نصيب من ذلك كبيرٌ ، فبحسن الخلق تدوم العشرة، وتأتلف القلوب، وتُسل السخائم من الصدور . فحريٌ بالإخوان أن يبسطوا وجوههم لإخوانهم، وأن ينتقوا أطايب الكلام لهم، وأن يغضوا عن هناتهم وزلاتهم ويلتمسوا لهم المعاذير ([1086]) .
8-سلامة الصدر . كان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم :( واسلل سخيمة ([1087]) قلبي ) وعند الترمذي : (واسلل سخيمة صدري ) ([1088]) . وهذه منقبة وخلة عظيمة الشأن قليل هم الذين يتحلون بها؛ لأنه عسيرٌ على النفس أن تتجرد من حظوظها، وتتنازل عن حقوقها لغيرها، هذا مع ما يقع من كثير من الناس من التعدي والظلم، فإذا قابل المرء ظلم الناس وجهلهم وتعديهم بسلامة صدر، ولم يقابل إساءتهم بإساءة، ولم يحقد عليهم، نال مرتبة عالية من الأخلاق الرفيعة والسجايا النبيلة . وهو عزيز ونادر في الناس، ولكنه يسير على من يسره الله عليه . روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم ) ([1089]) . قوله: ( والمؤمن غرٌكريم ) قال المباركفوري: وفي النهاية: أي ليس بذي مكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً، ولكنه كرم وحسن خلق، كذا في المرقاة. وقال المناوي: أي يغره كل أحد ويغيره كل شيء ولا يعرف الشر وليس بذي مكر، فهو ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه . وقوله: ( والفاجر خب لئيم ) أي بخيل لجوج سيء الخلق ([1090]) .
9-إحسان الظن بالإخوان وعدم التجسس عليهم . ومن حسن المعاشرة بين الإخوان إحسان الظن بهم، وحمل كلامهم وما يصدر منهم من الأفعال على أحسن المحامل . ونُهينا عن ظن السوء فإنه أكذب الحديث، كما في الحديث أن أبا هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا([1091]) ...الحديث ) ([1092]) . والمراد بالنهي هنا هو النهي عن ظن السوء . قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس؛ فإن ذلك لا يملك. ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه، ويستقر في قلبه، دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به كما سبق في حديث:( تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة ما لم تتكلم أو تعمد ) وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر، قاله النووي ([1093]) . وقال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: { ولا تجسسوا } وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهي عن ذلك،وهذا الحديث يوافق قوله تعالى:{ اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً } فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأ تحقق، قيل له:{ ولا تجسسوا } فإن قال تحققت من غير تجسس قيل له: { ولا يغتب بعضكم بعضاً } ([1094]) .
فائدة: من إحسان الظن بالإخوان؛ حمل كلامهم على أحسن المحامل، فإذا بلغك شيءٌ تكرهه، فالتمس له العذر، وقل: لعله أراد كذا، ولعله أراد كذا، حتى لا تجد له محملاً .
10-العفو عن الزلات وكظم الغيظ . لما كانت مخالطة الناس ومعاشرتهم-لا بد- وأن يعتريها شيءٌ من التقصير والتفريط والتعدي من بعضهم على بعض إما بقولٍ أو فعلٍ؛ أُستحب لمن ظُلم أن يكظم غيظه ويعفو عمن ظلمه، قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ([1095]) . وقال تعالى : { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } ([1096]) . قوله:{ والكاظمين الغيظ } أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم . وقوله: { والعافين عن الناس } يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل. والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة، مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله، رحمة بهم، وإحساناً إليهم، وكراهة حصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير،كما قال تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله } اهـ ([1097]) . والكاظم غيظه مع قدرته على إنفاذه موعود على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخير جزيل، فقد روى معاذ بن أنس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يُخيره الله في أيِّ الحور العين شاء ) ([1098]) .
والعفو عن الزلات والهنات والمظلمات ليس ضعفاً ولا نقصاناً، بل هو رفعة لصاحبها وعزاً . روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه ) ولفظ أحمد: ( ولا عفا رجلٌ عن مظلمةٍ إلا زاده الله عزاً ) ([1099]) . والمتآخيين في الله جديرٌ بهم أن يتجاوزوا عن زلات بعضهم، ويعفوا محسنهم عن مسيئهم، فإنهم إذا تم لهم ذلك سلمت قلوبهم وتصافت، وعاشوا في أحسن حال .
فائدة: من العفو قبول عذر المسيء، وفيه أقوالٌ بليغة :
قال الحسن بن علي -رضي الله عنهما- لو أن رجلاً شتمني في أذني هذه، واعتذر في الأخرى، لقبلت عذره ما يعلم كذبه .
ومن النظم في معناه :
وقعود الفتى عن الضيم عارُ

قيل لي: قد أساء إليك فلانٌ

دية الذنب عندنا الاعتذارُ

قلت: قد جاءنا فأحدث عذراً

وقال الأحنف: إن اعتذر إليك معتذرٌ فتلقه بالبشر ([1100]) .
11-النهي عن التحاسد والتباغض والهجر . وفيه حديث أنسٍ -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ([1101])وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيامٍ ) ([1102]) . والحسد نوعان محمودٌ ومذموم، فالمذموم هو تمني زوال نعمة الغير، وهذا ظلمٌ وبغيٌ وعدوان. والمحمود هو الغبطة، وهي تمني مثل نعمة الغير من غير زوالٍ لها . وهي المقصودة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( لا حسد إلا في اثنتين رجلٌ آتاه الله الكتاب وقام به آناء الله، ورجلٌ أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار ) ([1103]) . والتباغض ضد التحاب، والتدابر هو الهجران.
والمعنى: أن لا يتمنى أحدكم زوال نعمة أخيه التي ساقها الله إليه فإن ذلك من الظلم والعدوان، ولا يبغض أحدكم أخيه؛ بل تحابوا، ولا يهجر أحدكم أخاه فوق ثلاث، فإن الهجران محرم بين المسلمين . وقوله: ( وكونوا عباد الله إخواناً ) أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق، والشفقة والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك من صفاء القلوب، والنصيحة بكل حال، قاله النووي .اهـ ([1104]) .
تنبيه: الهجر قد يكون لحق الله وهو الهجر على وجه التأديب ، وقد يكون لحظ النفس. فما كان لحظ النفس لم يُرخص فيه فوق ثلاث ليالٍ، وعليه يُنزل قوله صلى الله عليه وسلم: ( تُفتح أبواب الجنة يوم الأثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) ولفظ الترمذي:( إلا المتهجرين، يقال ردوا هذين حتى يصطلحا ) ([1105]) . وما كان لحق الله؛ كهجران صاحب المنكرات حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خُلفوا حتى أنزل الله توبتهم. وهذه لم تحدد بوقت؛ بل متى ما حصل المقصود امتنع الهجر وحرُم ([1106]) .
فائدة 2 : قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- : وهذا الهجر[هجر التأديب] يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً. وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين.اهـ ([1107]) .
فائدة: رخص الشرع في هجر المسلم أخاه ثلاثة أيام، إذا كان هجراً لحظ النفس، ولم يُبح له أن يزيد على ذلك. والحكمة في ذلك أن النفس البشرية تنتابها من العوارض والحوادث ما يجعلها تغضب، فرُخص لمن وجد على أخيه أن يهجره ثلاثة ليالٍ وهي كافية في كسر سورة الغضب وزوال موجدته على أخيه . ومُثل ذلك المحادة على غير زوجٍ، فقد رُخص لها أن تحد ثلاثة أيام ولا تزيد على ذلك للعلة نفسها؛ فالموت من أعظم المصائب والنفس ينالها من الحزن ما ينالها، فأُبيح لها أن تحد وتُرسل نفسها في التنفيس عن مصابها غير متجاوزة ثلاثة أيام . ولله الحكمة البالغة .
12-النهي عن التنابز ([1108]) بالالقاب . من آفات اللسان التي تجلب الإثم، وتوغر الصدور، وتسبب الفرقة بين الإخوان؛ التنابر بالألقاب، وتلقيب الآخرين بألقاب مُشينة مذمومة يُعيرون بها، ويُضحك عليهم منها، وفيه نهيٌ من الله جل في علاه، قال تعالى: { ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } ([1109]) . والمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده .
روى أبو جبيرة بن الضحاك-رضي الله عنه- قال: نزلت هذه الآية في بني سلمة { ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } قال قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس منا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان. فيقولون : مه يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم فأُنزلت هذه الآية { ولا تنابزوا بالألقاب } ([1110]) .
وعامة الناس اليوم يكثر فيهم هذا، وهو من العدوان بالقول، ومن أوزار اللسان وآفاته. والناجي من أخذ بلسانه وكفه عن أعراض المسلمين، ولم ينالهم بسوء. وقانا الله وإياكم آفات اللسان وسقطاته .
13-استحباب الإصلاح بين الإخوان . لا محيد عن وجود بعض الخصام والنزاع بين الإخوان، مما قد ينتج عنه بعض الشحناء والإحن بينهم. والموفق من الناس من جعله الله مصلحاً بين المتهاجرين أو المتخاصمين . روى أبو الدرداء-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى . قال: صلاح ذات البين ([1111]) ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) ([1112]) . والشرع المطهر حريص على اجتماع الكلمة، وتوحيد الصفوف، وسلامة القلوب، وينهى عن الاختلاف والتباعد والمفارقة . ومن أجل ذلك رُخص للمصلح بين الناس أن يكذب، وليس هو بآثم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ) ([1113]) . بل هو مأجور لسعيه في إصلاح ذات البين، وسل السخائم من القلوب . قال صلى الله عليه وسلم: ( كل سُلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ...الحديث ) وفي رواية : ( كل يومٍ تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة ) ([1114]) . وأولوا الألباب خليق بهم أن يكونوا سباقين للإصلاح بين الناس، فلا ينبغي لهم العزوف عنه، ولا الحيدة عن طريقه بعد ما عرفوا ما فيه من الأجر العظيم .
14-تحريم المنّ . غالباً ما يكون بين الإخوان تهادي وأُعطيات، فهذا يهدي لهذا، وهذا يُعطي هذا . وهذا من تمام المعاشرة بينهم، وداعي إلى دوامها واستقرارها. ولكن النفوس الضعيفة تسلك سبيل المنِّ عند العطاء إما بُخلاً أو عُجباً . قال القرطبي: المن غالباً يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطي والمنُّ محرمٌ في الشرع، والمنَّانُ مذموم وعلى خطر عظيم . قال ابن مفلح :ويحرم المنُّ بما أعطى، بل هو كبيرة على نصِّ أحمد. اهـ ([1115]) . والآيات والأحاديث قاضية بتحريم المنِّ، كقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذًّى .. الآية } ([1116]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي ذر-رضي الله عنه- قال:( ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم . قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار . قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المُسبل، والمنَّان، والمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب ) ([1117]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: ( لا يدخل الجنة منَّانٌ ولا عاقٌ ولا مدمنُ خمر ) ([1118]) .
15-حفظ السر وعدم إفشاؤه . وهو من الأمانات التي يجب حفظها وكتمانها . والمُفشي للسر خائنٌ للأمانة، وهي من خصال المنافقين. روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاثٌ، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) ([1119]) . وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنه- عن النبي صلىالله عليه وسلم: ( إذا حدث الرجلُ الحديث ثم التفت فهي أمانة )وعند أحمد:( إذا رأى المُحَدَّثُ المُحَدِّثَ يتلفت فهي أمانه ) ([1120]). وسرٌ يجب كتمانه وعدم التحدث به للناس جميعاً أو اشتاتاً . وهذا من حرص الشرع وعنايته بحفظ الناس لأسرارهم، حيث عدَّ التفات المتكلم على وجه التأكد من خلو المكان، قائماً مقام قوله: هذا سرٌ فاكتمه عني .
وفي هذا-أيضاً- ما رواه ثابت عن أنس -رضي الله عنه- فقال: ( أتى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا فبعثني إلى حاجةٍ فأبطأت على أُمي. فلما جئتُ قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سراً . قالت: لا تحدثنَّ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً . قال أنس: والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك يا ثابت ) ولفظ البخاري: ( أسرَّ إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم سراً فما أخبرت به أحداً بعده، ولقد سألتني أمُّ سُليم فما أخبرتها به ) ([1121]) .
16 - ذم ذو الوجهين . ذو الوجهين بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( تجدُ من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين. الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) ([1122]) . قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل والكذب، مدخل للفساد بين الناس. وقال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق محض كذب وخداع وتحيل وإطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة. قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال غيره: الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح للأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح. اهـ ([1123]) .













توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس