..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - ألرسالة الرابعة !!!
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-06-2018, 05:35 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي


ألجزء الثاني من الكلمة الطيبة !


والكلمة الدالة على حسن الرعاية والإقرار بصنع الجميل هي كلمة طيبة كذلك , فما يوجهه القرآن إلى الأولاد من نصح في معاملة الوالدين عُني فيه – في الدرجة الأولى – باختيار التعبير الذي هو بعيد كل البعد عما يشعر بالإساءة في أدنى درجاتها فتقول الآية :
{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا , إما يبلغن عندك أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما , وقل لهما قولا كريما } " الإسراء : 23 " .
والعناية هنا بالجانب المعنوي في الرعاية للوالدين أوضح من ذلك الجانب الآخر وهو الجانب المادي , فوضع الوالدين في شيخوختهما لا يحرص على الاستمتاع بالمتع المادية , بقدر ما يحرص على الإحساس بتقدير الأبناء لهم , اعترافاً بحسن صنيعهم معهم فيما مضى , يوم أن كانوا هم في حاجة ماسة إلى رعاية الوالدين لهم دون غيرها .
ومن أجل الأثر النفسي البنّاء للكلمة الطيبة في حياة الإنسان وحياة الآخرين معه كان وضع " الكلمة الطيبة " في الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل مساوياً لعبادة الله وحده , وإقامة الصلاة , وإيتاء الزكاة .. ولكنهم تخلوا عن اتباع ما جاء فيه , فتقول الآية القرآنية : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون } " البقرة : 83 " .
وكذلك كان نصح القرآن للمنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحديد موقفهم من أحداث الأمة الإسلامية إذ ذاك أن يطيعوا وأن يقولوا المعروف : { ... فأولى لهم طاعة وقول معروف } " محمد : 20 , 21 " .. فإنهم إذا قالوا المعروف تجنبوا النفاق حتماً , فقول المعروف أو الكلمة الطيبة هي التعبير عن المعاني الإنسانية والبعد فيه مما يؤذي الآخرين , إن في النصح والمشورة أو في المعاملة أو في الإقناع .. أو في الرعاية والزيادة , والنفاق إنما هو خداع , وانتهازية , وأنانية , ولا شيء من الخداع والانتهازية والأنانية ينطوي على صفة إنسانية كريمة لا يمكن أن يسيء من يتصف بها إلى الآخرين .
ومنزلة الكلمة الطيبة إذن في دائرة التقييم والتقدير هي بمثابة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة , وفي دائرة التطبيق العملي في حياة الفرد والمجتمع تساوي الإيمان الصريح بالقيم والمبادىء العامة وتساوي الإنسانية في خصائصها الكريمة .
ولكن كيف ينزل بالكلمة الطيبة من يطالب بها في مجال التطبيق ؟ أو بعبارة أخرى .. كيف يكون الإنسان صاحب تعبير مستحسن أو صاحب قول معروف ؟ .
من السهل على الإنسان أن يكون نابياً في لفظه وكلمته , ومن السهل عليه أيضاً أن يكون قبيحاً , ومن السهل عليه كذلك أن يكون انانياً فيستخدم الخداع والنفاق فيما يعبر وينطق به , كما أنه من السهل أن يتبع الإنسان شهوات نفسه وهواه ويعتدي على حقوق الآخرين وحُرُماتهم .
ولكن ليس السهل على الإنسان أن يكون مستقيماً في سلوكه , ومتخيراً لألفاظه وعباراته , بحيث يبتعد فيما يختاره عما يجرح إحساس غيره الآخرين ويسيء إلى اعتبارهم البشري , وليس من السهل عليه أن يكون أيضاً متأنياً في تفكيره ومرجحاً بعد تأمّل لما يراه .
إن هذا يحتاج إلى دربة , والدربة في نجاحها تتوقف على إرادة وعزم صادقين , وقد كان فيما أراده الله من عبادة الصوم كل عام أياماً معدودات – عدا النافلة أو الكفاءة – ما يكون العزم والإرادة الصادقة , أو ما يشد أزرها ويقويها في مواجهة الإغراء أو في مواجهة الأزمة والضيق .
فالصوم من خصائصه , وهو الإمساك عما يمتع الإنسان أو يحتاجه البدن فترة اليوم في كل الأيام المعدودات , كفيل بتدريب النفس الإنسانية على اتخاذ موقف الحرمان تجاه الذات نفسها , والدافع إلى هذا الموقف هو " العبادة " أو القربى إلى الله أن ييسر على النفس ما تتقرب به , وهو هنا الصوم .
وإذا تعودت النفس على موقف الحرمان تجاه الذات فيما يتعلق بمتعة البدن فإنها تتعود كذلك على نفس الموقف تجاه ما ينطق به اللسان , أو يجري في التفكير فلا تندفع في التعبير والنطق , كما لا تسرع في المنطق والفكر , ويؤدي عدم الاندفاع أو عدم التسرع في هذا وذاك إلى التريث والانتقاء , وعندئذ يكون اختيار الكلمة أو الكلمة الطيبة عنوان الفكرة المفيدة .
والفكرة المفيدة والكلمة الطيبة هما شعار الإنسانية التي خلصت من شائبة الحيوانية أو من مشابهتها , وأمارة التريث إذن في الفكرة , والاختيار للكلمة أنه لا يكون من نتائج أي منها أذى للنفس التي فكرت واختارت ولا لنفس أخرى قريبة أو بعيدة في المجتمع .
والعبادة إذن التي تدفع إلى الإمساك والحرمان – وهي عبادة الصوم – وسيلة في تخليص إنسانية الإنسان من حيوانية الحركة فيه , فشأن الحركة الحيوانية الانطلاق والاندفاع , ولو إلى التردّي في الموت والهلاك . بينما شأن إنسانية الإنسان في حركتها التمهل للكشف والتبصر , فالعقل يتمهل ليكشف والعين تدور في رؤيتها لتبصر , ثم تكون حركة القدم بعد هوى , وفي مأمن إذن من الضرر والضرار .
فعبادة الإمساك , هي عبادة للإنسان ككل , وليست عباد لبدنه وحده , إنها عبادة للبدن , وعبادة للإنسان , وعبادة للفكر والمنطق , ومن يعتبرها عبادة للبدن وحده كمن يجعل " الصلاة " في الإسلام تمريناً لأعضاء الجسم , وليست وسيلة للإنتهاء من الفحشاء والمنكر .
والكلمة الطيبة التي يجب أن يمارسها الصائم عن طريق صومه هي رمز لإنسانيته قبل أن تكون تعبيراً يبتعد فيه عن الإيذاء والإيلام للآخرين .
والصوم إذا أُخذ على أنه عبادة وليس عادة , له فعالية في حياة الصائم – أو يجب أن يكون – يقربه فيها من الإنسان بقدر يبعده عن الحيوان .
يتبع – إيمان القلب !


توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس