..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - خصوصية بيت المقدس !
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-04-2019, 01:28 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي مكانة بيت المقدس في الإسلام ! الجزء الثاني .


ألمطلب الثاني " 2 " !
مكانة بيت المقدس في الإسلام
.......

والناظر في تاريخ السيرة وتاريخ الأحكام وتَنَزُّل القرآن يدرك السبب ويدرك المُسبب تمام الإدراك , فبالإضافة إلى ما ذُكِر من قبل , فقد توجَّه المسلمون إلى بيت المقدس فور توجههم إلى الله تعالى بالصلاة , وبقوا على هذا قريباً من أربعة عشر عاماً ونصف , ثلاثة عشر عاماً في مكّة المكرمة منذ أن أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً كما ورد في حديث البراء رضي الله عنه قال " صلّينا مع النبي نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً , ثم صرفه نحو القبلة " يقصد المسجد الحرام .
والصلاة وإن لم تكن فُرِضَت على النحو الأخير إلا ليلة أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , إلا أن المسلمين قد صلّوا منذ عرفوا الإسلام , وإنما صلّوا نحو بيت المقدس طول تلك المدّة , وإن كان نفرٌ من العلماء ذهبوا إلى أن مدّة استقبال بيت المقدس كانت تلك التي صلاّها أول مقدمه المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً , والأول قول الجمهور , ويمكن تقرير الخلاف في المسألة والترجيح فيها على وجه العجل كما يأتي :
ألإجماع قد انعقد على أن المسلمين قد استقبلوا بيت المقدس بعد هجرتهم إلى المدينة مدّة من الزمان حدّدها البراء بن عازب بستة عشر أو سبعة عشر شهراً وقد ذُكر خلافٌ في تحديدها لكن الخلاف إنما وقع في قبلة المسلمين قبل الهجرة إلى المدينة , هل كانوا مأمورين باستقبال الكعبة أو بيت المقدس ؟ فقالت طائفة : كانت صلاته إلى بيت المقدس من حين فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن قدم المدينة ثم بالمدينــة حينــاً مــن الزمان اختلفوا في تقديره – كما أشرت - .
ورووا في ذلك عن مجاهد عن ابن عباس قال : " صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس وهو بمكًة والكعبة بين يديه وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم صُرف إلى الكعبة " , وقال ابن إسحق : " كانت قبلة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إلى الشام وكانت صلاته بين الركن اليماني والركن الأسود ويجعل الكعبة بينه وبين الشام .
وذهبت طائفة أخرى إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى أوّل ما افترضت عليه الصلاة إلى الكعبة ولم يزل يصلّي إلى الكعبة طول مقامه بمكّة ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهراً أو ستة عشر شهراً أو نحوها حتى صرفه الله إلى الكعبة .
ورووا كذلك آثاراً منها : عن ابن جريج قال : صلى نبي الله أوّل ما صلى إلى الكعبة ثم صُرف إلى بيت المقدس فصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث جُمَع وصلى بعد قدومه ستة عشر شهراً ثم وجهه الله إلى الكعبة البيت الحرام .. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أوّل ما نُسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره أن يستقبل بيت المقدس ففرحت يهود فاستقبلها رسول الله بضعة عشر شهراً ثم انصرف إلى الكعبة .
وقد رجّح ابن بطّال في شرحه على البخاري رأي الفريق الأول من منحى حديثي فقال في الموازنة بين الروايات المذكورة عن ابن عباس – والتي سلف ذكرها : " ففي خبر علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه عليه السلام لم يُصّلِّ إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف ما في خبر مجاهد عنه وخلاف ما قال ابن جريج , وخبر مجاهد أولى بالصواب لآن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس .
وأما ابن عبد البر فقد رجّح الرأي الثاني واستدلَّ بحديث البراء – الذي ندرسه – فقال " فظاهر هذا الخبر يدُل على أنه لمّا قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس لا قبل ذلك .
وتُسمّى هذه الدلالة من الحديث " مفهوم المخالفة " وفيها يُعطى للمسكوت عنه حكم بخلاف الحكم الذي أعطي للمذكور , وفي حديث البراء نصَّ على أنه صلى بالمدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس فدلّ – على طريقة مفهوم المخالفة – على أنه قبل هذه المدة قد استقبل المسجد الحرام .
والحق أن مفهوم المخالفة هو أضعف المفاهيم عند الأصوليين , ففي الاستدلال به ضعف غير خافٍ خصوصاً عند التأمّل في السياق .
وعلى أية حال فالمسألة محتملة وآيات سورة البقرة كذلك النازلة في المسألة لا تدُل من وجه القطع على أحد الأمرين , على أن الأوّل هو الأشهر بين العلماء , وهو الذي يميل إليه خاطري بسبب النظر في المسألة ودواعيها وملابساتها والله أعلم بالصواب من ذلك .
وإذا كان هذا صحيحاً فقد صلى المسلمون معظم البعثة النبوية باتجاه بيت المقدس , فلا غرو إذا أن تتعلّق قلوبهم وأن يتشوَّقوا إلى تحريره وتخليصه من الرومان في ذلك الأوان .
ثم إن المتأمل يدرك توجه الأحداث نحو تحقيق مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين وفي عقيدة الإسلام , ذلك أنه كان يمكن أن يعرج بالنبي صلوات الله وسلامه عليه إلى السماوات العُلى مباشرة بدون الإسراء به إلى بيت المقدس , لكن حكمة العليم الخبير اقتضت أن يكون ذلك المسجد وتكون تلك الأرض محطة رئيسة في هذه الرحلة الشهيرة , يؤم فيها النبي سائر الأنبياء , في إشارة إلى تسليم زمام الإمامة إليه عليه السلام , وإيكال مهمة رفع راية التوحيد لهذه الأمة المسلمة , خاتمة الأمم وخيرها .
وإنما كان ذلك والله أعلم ليُشار إلى أن إرث الأنبياء الأقدم في هذه البقعة وعمق جذور التوحيد فيها قد تسلمتها هذه الأمة " رسمياً " من أنبياء الله جميعاً , ينوب عنها نبيها صلوات الله وسلامه عليه وعليهم , فيزداد المسلمون تعلقاً بمسرى نبيهم ومشهد لقائه مع إخوانه الأنبياء , ويُسَطّر القرآن الحادثة – حادثة الإسراء – في سورة الإسراء في منتصف كتاب الله تقريباً , ألأمر الـــذي أدرك رواد الدعـــوة الإسلامية الأُوَل مغازيه وأسراره , فأوقع في قلوبهم ما ذكرنا من التعلّق بتلك الأرض والتحرك في الفتوح تجاهها .
ثم بيّن النبي أن المسجد الأقصى أحد ثلاثة مساجد تُشَد إليها الرحال ولا تُشَد لغيرها , فقال عليه السلام ( لا تُشّدٌّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد , المسجد الحرام ومسجد رسول الله والمسجد الأقصى ) , ولم يكن المسلمون بطبيعة الحال – إذ ذاك – قد فتحوا المسجد الأقصى ولا خرجوا خارج جزيرة العرب بجيوشهم – اللهم إلا إن كانوا قد خرجوا إلى مؤتة وتبوك .
فكان في الحديث إلماحاً إلى الحَثِّ على تخليص المسجد من السيطرة الرومانية على طريق اللزوم , إذ يلزم حتى تُشَد الرحال إليه وتتم العبادة فيه على وجهها أن يتم تحريره , وقد قعّد الأصوليون أن " الأمر بالشيء أمر بلازمه " .
ومثل هذا حديث ميمونة بنت سعيد مولاة رسول الله قالت : يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ؟ قال ( إيتوه فصلوا فيه – وكانت البلاد إذ ذاك حرباً – فإن لم تأتوه وتصلّــوا فيــه فابعثــوا بزيــتٍ يُســرج فــي قناديله ) .
وقد استوقفني قولها " وكانت البلاد حرباً " , والمقصود أنها دار حرب لأنها لم تُفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من الهجرة , فهل في هذا الحديث على الرغم من الحالة السياسية في بيت المقدس أمر بإتيانه على ما أحدثه فيه الرومان ؟ أم أنه إذ أمر بإتيانه أمر بلازم الإتيان – وهو الفتح والتحرير - ؟ يميل خاطري إلى الثاني لأسباب , الأستطراد في بيانها قد يخرج بنا عن مقصود الطلب .
وفي غزوة تبوك يروي لنا مالك بن عوف الأشجعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له , يقول فيه : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قُبَة من أَدَمٍ فقال ( اعدُد سِتّاً بين يدي الساعة .. موتي ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقُعاصِ الغنم ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ثم فتنة لا يبقى بيتٌ من العرب إلا دخلته ثم هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتوكم تحت ثمانين غاية , تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ) .. وهذا وإن كان خبراً من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا منه التوجيه نحو الفتح , وهذا ما كان منهم , حيث توجه أشياخهم نحو تنفيذ الوصية النبوية .
وحاصل الأمر أن كل هذا قد أحدث في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم اهتماماً بالغاً بأمر بيت المقدس , حتى إنه – كما رأينا في حديث ميمونة – وهي مولاة رسول الله – يصل الاهتمام ببيت المقدس إلى الصحابيات بل إلى الموالي منهن , حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغة " أفتنا " المنبّئة عن وجود ما يقتضي الفصل والبيان .
وحتى يتذاكر الصحابة مسائل بيت المقدس في مجلس رسول الله , وتذهب طائفة منهم – كما يبدو – إلى تفضيل بيت المقدس على مسجد رسول الله إلى أن بيّن لهم – عليه الصلاة والسلام – أن مضاعفة أجر الصلاة في المسجد النبوي أعظم من مضاعفتها في المسجد الأقصى , فعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال : تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل .. أمسجد رسول الله أفضل أم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه , ولنعم المصلى , وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً ) .
وفي الحديث فوائد عظيمة , منها التنبيه على مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الأقصى , وأنها تعدل مائتين وخمسين صلاة فيما سواه , إذ ثبت أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه , وأما الفائدة الثانية ههنا , فهي في قوله عليه الصلاة والسلام " وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً " , وشطن الفرس هو الحبل الذي يُربط به , وهذا حديث عجيب .
أيُّ منزلة تلك التي تجعل لبيت المقدس كل تلك المكانة العظيمة في قلوب أجيال التحرير " أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يُرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً " ؟؟
وفي الحديث إخبارٌ بالغيب , وهو وجود مثل هذه الحالة العجيبة من الشَّوق إلى بيت المقدس بل إلى رؤيته ولو من بعيد .
فقوله " ليوشكن " دليل ذلك والإشارة فيه إلى زمن يَقدُم ليست صِفَته حاصلة وقتها فهو إخبار عن قُرب ذلك العهد الذي تقع فيه هذه الصورة .
والأعصُر التي كان المسلمون فيها محافظين على مسجدهم الأقصى لم يكن هذا الوصف واضحاً إذ كان الرجل يمكنه أن يأتي المسجد الأقصى كما يأتي مكّة والمدينة فيُطفىء شوقه إلى الصلاة فيه والاعتكاف ويروي ظمأه من ذلك وتقرّ عينه بجماله ويبرد شوقه بوصله , لكن مثل هذه المشاعر إنما تفيض في زمن حيل بين المؤمنين أصحاب الحق وبين المسجد ومُنِعوا دونه وهم يتوقون إلى رؤيته ويذوبون شوقاً إلى تحريره , ولعله هذا الزمان .
لعل التأمل في هذا الحديث يُسهم في تصوّر مكانة بيت المقدس في الإسلام , نعم , " حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً " .
ويمكن للكلام أن يكون أطول بكثير مما قدّمت في الصفحات القليلة لكن أكتفي بما ذُكر ليدُل على ما وراءه , والحمد لله رب العالمين .
يتبع المبحث الثاني " العداء اليهودي للدعوة الإسلامية " !
.......


توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس