..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - التسييس والتجييش أس بلاء القبيلتين ( 3 - 3 )
عرض مشاركة واحدة
قديم 30-05-2019, 12:51 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
منتقي المقالات
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة arab league

افتراضي التسييس والتجييش أس بلاء القبيلتين ( 3 - 3 )

التسييس والتجييش أس بلاء القبيلتين
العلاقات بين الرزيقات ودينكا ملوال (3 - 3)
التقي محمد عثمان

رغم ان صاحب هذا الكتاب استهله بامنيته ان يكون (هدى لبنيان وحدوي قوي يساعد في وحدة السودان بأكمله)، الا اننا في (الصحافة) ننشره ليكون عاصما من قواصم انفصال الجنوب الوشيك، وذلك للترابط بين ما يتناوله الكتاب وارتفاع الاصوات المحذرة من ايلولة منطقة جنوب دارفور حيث يتداخل الرزيقات ودينكا ملوال لأن تصير بؤرة أخرى للنزاع شبيهة بمنطقة ابيي، فالبحث المقدم لنيل درجة الماجستير في التاريخ الإجتماعي من جامعة أم درمان الإسلامية في عام 2007 عن (العلاقات بين الرزيقات ودينكا ملوال) يتناول تفاصيل هذه العلاقة في بعديها الاجتماعي والجغرافي بعمق لما تتيحه المعرفة والمعايشة للمؤلف محمد عيسى عليو ابن المنطقة ورئيس هيئة شورى قبيلة الرزيقات.
ومثلما قدم الكاتب كتابه في ثلاثة فصول فاننا نلخصه في ثلاث حلقات نعرض في الأولى حروب الرزيقات وكيفية استقرارهم في منطقتهم الحالية مع التركيز على أقسام القبيلة وإدارتها، والمشاكل التي تعيشها. كما نعرض للردود على المزاعم التي اتهمت القبيلة ببعض الممارسات الخاطئة، وفي الثانية نتناول مراحل استقرار قبائل جنوب السودان مع التركيز على قبيلة الدينكا وبالأخص دينكا ملوال، والمشاكل التي وقعت بين الرزيقات والدينكا، والقيم الاجتماعية عند دينكا ملوال والرزيقات. وفي الثالثة نعرض للحديث عن قيم التمازج في القبائل السودانية، واشارات المؤلف إلى التمازج في دارفور، مع التركيز على التمازج والانصهار أحيانا عند الدينكا والرزيقات.
القيم والتمازج
وفي هذا الفصل الأخير يتحدث المؤلف عن التمازج السوداني الذي يعتز ويفتخر به السودانيون مقدما نماذج منه ليدلف بعدها الى تناول التمازج الرزيقي الدينكاوي، ويقول ان الرزيقات جبلوا على التمازج منذ أن وطئت أقدامهم أرض دارفور، سواء عن طريق مصاهرتهم للقبائل العربية الأخرى كالعلاقة بين المحاميد والبني هلبة، حيث تزوج أحد زعماء المحاميد ببنت زعيم البني هلبة جمعان العويصى، أما علاقتهم مع قبائل دارفور فهي في قمة التمازج، فجدة مادبو الكبير والدة أبيه علي كانت من قبائل الزغاوة، وجدة موسى مادبو كانت من قبائل الدينكا، وأما إبنا موسى مادبو إبراهيم ومحمود فقد كانت والدتهما من قبائل الكروبات في شمال دارفور، ومحمود موسى مادبو ناظر الرزيقات للفترة من 1960 - 1973م فقد زوج ابنته «حرم» لسلطان دار مساليت عبد الرحمن بحر الدين، ووالدة حرم تنحدر من أسرة توفيق صالح جبريل الأسرة الأم درمانية المعروفة، وأن موسى مادبو نفسه لم يتزوج من بنات عمه إلا ثلاث فقط أما الأربع الباقيات فهن من جنوب السودان وجنوب كردفان، وكذلك ابناه الكبيران إبراهيم ومحمود، فقد تزوجا بأكثر من امرأة جنوبية، أما محمود فقد كانت له أكثر من ثلاثة زوجات من الإقليم الجنوبي، وجميعهن أنجبن أبناء هم الآن من قادة القبيلة في الرأي والحكمة والشجاعة والجود والكرم.
ويشير الى بطن آخر من الرزيقات هم أولاد أم أحمد يتاخمون دينكا ملوال، وهم الأكثر زواجا من الدينكا بل وصل الأمر أن تشربوا كل ثقافات الدينكا، يتكلمون لغتهم بطلاقة ويسبحون كما يسبح الدينكا، وهناك عادات أسرية اكتسبها هذا البطن من الدينكا كزراعة الذرة حول البيوت وتسمى عند الرزيقات «جبراكة» وصيد الزواحف، واستخراج العسل من أشجار الجنوب .. التداخل الأسري بين هذا البطن والدينكا عميق لدرجة أن المرء يخيَّل إليه أن أمامه دينكاوي لولا نطقه اللغة العربية بطلاقة، كما أن هناك من الدينكا من إذا سمعته يتحدث يخيَّل إليك أنه رزيقي، ولكن ما أن يستبين لك حتى تعرف أنه دينكاوي من تقاطيع وجهه.
كما امتد امتزاج الرزيقات لشتى قبائل دار فور والجنوب، فالنوابية امتزجوا مع أهل راجا وبالذات مع قبيلة الفرتيت تحديدا أسرة الزعيم فرتاك، والمحاميد امتزجوا مع جيرانهم البرقد والزغاوة أم كملتي، وفيهم من الانصهار ما يعجزك من معرفة من البرقداوي أو الرزيقي أو الزغاوي إذا ما صادفتهم في أي من المنتديات.
أما الماهرية فلوقوعهم في جيرة قبائل التماس الجنوبية الشمالية، كقبائل شات والنقلقلي والمنضلة والدينكا فقد امتزجوا مع هذه القبائل تماماً. بل أن قبيلة المنضلة الكبيرة التي كانت لها سلطنات وجبال معروفة كإيرة وتنبيرة، وكان من قادتها الزعيم حمدان أبو عنجة، طلبت الانضمام والانصهار مع الرزيقات لهم ما على الرزيقات وعلى الرزيقات ما عليهم، واختفى اسم المنضلة من قاموس القبائل كاسم مستقل وأصبحوا جزءاً أصيلا من الرزيقات، وأصبحوا عمدا وشيوخا وسياسيين محترفين في القبيلة وأصحاب قطعان. ولذلك أعظم عقوبة تقع على الرزيقات إذا نعت شخصا من المنضلة ونسبه لجذوره كأن يقال له يا منضلاوي فهذه جريمة كبرى تهون أمامها قطع الرقاب وينبذ من كافة المنتديات القبلية حتى يصبح حقيرا لا يدانيه أحد.. والسبب في ذلك إكرام هذه القبيلة التي انضمت للرزيقات بقضها وقضيضها وبزرعها وضرعها وأرضها، ولولا انضمام هذه القبيلة الكبيرة لاختل ميزان القوى بين الرزيقات والدينكا، لاسيما إذا إستطاع الدينكا استقطاب هذه القبيلة الكبيرة كلها أرضا وقبائلا والتي كانت في تماس في الحدود الشمالية الجنوبية، وكذلك تم التمازج مع قبيلة شات ولكنها لم تصل مرحلة انصهار قبيلة المنضلة، إذ لا يزالون يحتفظون بمسمياتهم ولهم مشايخهم ولكنهم تحت إدارة الرزيقات.
ويقول عليو إن التمازج بين الرزيقات والدينكا وصل مرحلة يصعب الفكاك منها مهما كانت الظروف ففي الحرب مثلا مهما يتقاتل الطرفان لن يصلا مرحلة القطيعة التامة، ويظل الأمل معقودا في الصلح والتعايش السلمي وأسنة الرماح وسنابك الخيل تتقاطر منها الدماء وغبار المعارك، والعجب فالذين أكثر شراسة ضد بعضهم البعض هم الذين ينحدرون من أصول دينكاوية وأصول رزيقية فلا شفقة بينهم ولا تراجع، فالرزيقي الذي ينتمي لأم دينكاوية تجده أكثر جرأة وشراسة ضد أخواله من الدينكا الآخرين وهذا من عجائب التمازج.
القيم عند الرزيقات
وفي المبحث الثاني من هذا الفصل يتحدث عليو عن القيم عند الرزيقات والدينكا، ويقول ان الرزيقات لا يختلفون كثيرا عن قبائل السودان في عاداتهم وقيمهم ولكن هناك تفاوت في بعض التقاليد، فمثلاً هناك ملاحظة فارقة يختلف فيها العرب البقارة عن العرب الأبالة في كردفان وعرب الجعليين. فالرزيقات لا يتجالدون بالسياط مطلقاً في حالات الأفراح، بينما نجد هذه العادة متجذرة عند بعض العرب الأبالة وتمتد إلى بعض قبائل الإقليم الشمالي، ثم عادة احتساء الشاى ربما نجدها متوفرة عند الرزيقات ولكنهم يتوافقون في ذلك مع الشايقية. لذلك لابد من الإشارة إلى التفاوت فقط في بعض العادات والقيم، كما أن الرزيقات مجملاً لا يحتسون الخمر ويكرهونها، لكن بعض إخوانهم العرب الأبالة الآخرين يتناولونها بكميات قليلة في المناسبات.. الزواج يختلف عند الرزيقات عن الدينكا في زواج الأقارب فالرزيقات بفضلون ذلك بل أن إبن العم حتى لو كان مسكيناً يرفض ترك بنت عمه الغنية لآخرين، في حالات كثيرة يحصل صدام مرير في ذلك ربما تنتظر البنت البالغة ابن عمها الذي لم يبلغ الحلم بعد لمدة تزيد عن السنتين، وأحيانا يتزوج ابن العم ابنة عمه وهو لم يبلغ الحلم بعد، وكذلك ربما يتزوج ابن العم ابنة عمه وهي لم تبلغ بعد وأحياناً يتنازل عنها لآخر مقابل مبلغ من المال «ترضية» بينما الدينكا يتعففون من مثل هذا الزواج فبنت العم تعتبر أختاً له.
والزواج عند الرزيقات يبدأ بالحالات العادية. ربما رأى الرجل المرأة في مناسبة فأعجبته أو رشحتها له أمه أو أخته أو صديقه، فتبدأ الزيارة الأولى لأهل الفتاة أو المرأة ويقدم فيما يسمى بالطعُمة وهي عبارة عن أرطال من السكر والشاي وبعض المبلغ البسيط. هذه الأشياء ستكون عبارة عن هدية رمزية لا ترد سواء قبل طلبه أو رفض، بعد ذلك تأتي مرحلة الموافقة وهنا يعطى الرجل المهر ويسمى عدل البيت لتجهيز البيت بالأدوات اللازمة من سرير أعمى? وهو أشبه بسرير الدبل ينسج من القنا والسيور المصنوعة من جلد البقر وكذلك الشكاكيب وبعض البروش المُتفتة? للزينة وأدوات المأكل والملبس في أحيان كثيرة يصاحب المهر فيما يسمى بالعَقُود وهو عبارة عن التزام العريس بتقديم هدية للعروس مصاحبة للمهر كبقرة حلوب أو عدد من الضأن أو عِجْلة صغيرة وهذه تنزع من الرجل لصالح المرأة في حالات الطلاق .
الاحتفالات بالزواج دائماً تكون في فصول ما بعد الخريف وفي حالات ارتياح البهائم التام من توفر للماء والكلأ ويدعى لهذه المناسبة الأهل من قبل فترة كافية ويُعد لهذه المناسبة إعداداً جيّدا أشبه بالإعداد للزفات خاصة مناسبات زعامات القبيلة، يكون هناك سباق للخيل ويتخلل ذلك الرقصات الشعبية، ويعرض الفرسان شجاعتهم وفروسيتهم أمام بنات أعمامهم المغنيات المكتملات بغاية الزينة من عطور ودهون وكحل وتمشيط جيّد لشعرهن. وفي هذه المناسبات يتم التعرف على البنات غير المخطوبات وربما تتم أكثر من خطوبة في تلك المناسبة. أما كبار السن فيجدونها فرصة لاجترار الذكريات وهم في شجرة بعيدة عن كل تلك الضوضاء، وغالباً ما تعقد أكثر من جودية في تلك الشجرة. ويأتي كل مدعو بأخباره السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلاقات مع القبائل الأخرى. وربما يكون التركيز عن تنبؤات الخريف القادم وكيف سيكون سلوك الدينكا معهم هذه السنة.
يتصف الرزيقات بالكرم بصفة. عامة ولكن هناك بخلاء يُعيرُّون بهذا البخل سواء إليهم مباشرة أو لأبنائهم أو حتى لسلالتهم فيما بعده بثلاث أو أربع أجيال. ويكون الكرم أشد عندما يأتي للرجل ضيوفٌ أعزاء، قد لا يتعدى عددهم ثلاث أو أربع ولكنه ربما يذبح أكثر من بهيمة، منهم من يذبح بقرته الحلوب أو عنزته ويترك ابنها صارخاً يتضور جوعاً. ويبلغ الكرم أشده إذا ما حل الناظر أو العمدة بأحدهم، لذلك دائماً الزعماء يتجنبون النزل في أي من فرقان الرزيقات. وحتى في حالة نزولهم بعيداً فعندما يلحظهم أحد أهل البادية فما أن تمر ساعة حتى تشاهد مجموعات كثيرة كل يحضر خروفه أما على حماره الذي يركبه أو يسوقه أمامه ماشياً ليقدمه لضيفه الكبير. أحياناً النساء يجتمعن ويذهبن للخلاء لوحدهن لأيام ومسافات بعيدة وهذا يسمى «الفزع» وهو البحث عن اللحاء أو القنا والأمر عبارة عن نزهة أكثر من البحث عن مهنة. هؤلاء النساء إذا ما حللن في أي من رجال البادية فيلاقين كرماً ما بعده كرم، وإذا لم يفعل فسيتعرض لنقد لأذع وربما تقطع فيه «غنية»? هجاء يسير بها الركبان فحتى البخلاء يخشون من مثل هذه الأفواج النسائية فتجدهم يصطنعون الكرم فيذبحون لهن خرافاً ولكنهم في داخلهم يغلون كغلي المرجل لفقدهم لتلك الكنوز المدخورة.
أدب الجوديات:
الرزيقات يميلون لأدب الجودية حتى القضية وبعد وصولها المحكمة يأمر العمدة بإرجاعها للأهل خارج المحكمة، بل ويوصى بأن أذهبوا لفلان وفلان حلوها برا. وفي هذه الحالات يرجع الرزيقات في الجودية الى العادات والتقاليد الماضية ويقارنوا كل قضية بمثيلاتها كيف حلت في السابق ، وهناك متخصصون في الأعراف غير مكتوبة، فمثلاً إذا ضرب شخص أخر كفاً ويسمونها «أمضان» فعرفهم كان في السابق أن تكون الغرامة خمسين قرشاً. ومن الأعراف أن لا ينبذ الرجل بأصله إذا لم يكن رزيقي حقيقي فهناك حلفاء دخلوا في بيت القبيلة. فإذا ما أخطأت ونعته بأصله يا شايقي أو يا هباني أو يا دينكاوي فهذه جريمة كبرى حدها الأدنى ستة شهور سجن وعجلتين رباعيتين غرامة، والرزيقي تأخذ كل أمواله ولا تضعه في السجن شهراً واحداً، بعضهم يبكي لفراق أرضه الشاسعة والحرية الكافية وأبنائه وأصدقائه. والرزيقات يرفضون الجلوس في «الأدبخانات?» وهذا ما يلاقونه في السجن تكراراً ومراراً. وكذلك المساجين يأكلون البليلة وهي الدخن المقلي بالماء وهذا ما يأبونه. وكذلك المسجون تصدر إليه الأوامر وأحياناً ربما يركله الخفير وهذا غاية الأذى بالنسبة له. والسجن يحرمه من بهائمه لأنه هو الناشط عليها ولا يرتاح أن يرعاها حتى أبناؤه. وكذلك سيصيبها الهزال والضعف ويكون الأمر عجباً أن كان له حصان أو فرس أهملت أثناء سجنه، وهذه النفسية عرفها النظار في شخصية الرزيقي فيهددونهم بالسجن ولا يدخلونهم فيه إلا نادراً لذلك كان الرزيقات أكثر حرصاً على الانضباط وعدم التعدي خوفاً من السجن والكلباش أي تقييد اليدين والرجلين في حالات القتل النادرة.
الفروسية: يمتاز الرزيقات بالفروسية، فالفرس والحربة أم طبايق إذا توفرت عند شخص فهذا لا يخشى إلا الله لا سيما إذا انتدبته القبيلة لمهنة شاقة والجبناء يعيرون ربما لا يؤاكلون أو يزوجون
القيم عند الدينكا:
الدينكا من ناحية عقائدية فيهم مسيحيون والمسلمون أقلية، ولكن الغالبية العظمي يدينون بالكجور وإذا أراد قائدهم أن يبدي التزامه الشديد بأي اتفاقية فإنه يحلف علي الحربة ويلحسها لحسه خفيفة تماماً كالمسلم عندما يؤدي القسم. وهم قوم إذا ما التزموا بشي ما غالباً ما يؤدونه علي وجهه، وهم لا يعتبرون الالتزام الديني عائقاً بين الناس وإنما يعتبرونه سلوك شخصي فليس معتاداً منهم أن يذهبوا إلي مواقع التجمعات ليقوموا بدعاية لديناتهم، الدينكا كرماء مضيافون يقدمون أولاً اللبن للضيف ومن ثم تذبح الذبائح. والضيف عندهم عزيز حتي يغادر. وكالعادة يعرشون العريش في شكل (راكوبة) تنام عليها الأسرة خوفاً من الباعوض والحشرات الأخري، فإذا ما أتاهم ضيف يخلوا له الموقع وهم يحرسونه في أسفل هذا الموقع ويقدمون للضيف المسلم اللبن والعسل ولا يقدمون له اللحم قيمهم قيم سودانية أصيله إلا من بعض التفاوت في العادات وسنذكرها في حينها.
الدينكا لهم نظام متقدم جداً في فهم القضايا عن المتشاكين، بالإضافة إلي السماح لكل من أراد الحضور للمحكمة والسماع للقضية. وبعد الإنتهاء من سماع مرافعات الشاكي والمشتكي يعطي كل أحد من الحضور فرصته للإدلاء برأيه دون مقاطعة من الطرف الآخر أحياناً يتحدث المرء لأكثر من ساعة دون أن تسمع أي حراك يدل علي السأم أو الضجر للقاضي أو الناظر يستمع لكل الأراء. وفي نهاية المطاف يقول الرأي القاطع والنهائي بناءً علي المداولات التي سمعها. أحياناً يخيل إلي المرء من شدة طول الجلسة وسكون القاضي أو الناظر كأنه قد نام ولكنه كان يستمع جيداً. عكس بعض المحاكم الأهلية عند العرب أولاً لا تخلو من المقاطعة في الحديث من طرف لآخر، ومن خلال هذه المقاطعات تضيع معالم الكلمات من المتحدثين وارتباك الأمر. ثانياً في المحاكم الأهلية عند العرب القاضي أو الناظر يقول رأيه ثم الأجاويد يتدخلون ويخفضون الغرامة المالية وشهور السجن التي حكم فيها الناظر علي المجرم ولكن عند الدينكا الأعضاء هم الذين يقررون ثم يتركون الأمر النهائي للقاضي.
من قيم الدينكا التي تؤخذ عليهم سلباً حالات التعري التي كانت جزءاً من حياتهم، ولهم فلسفة في ذلك فيقولون أن البضاعة الجيدة لا تخفي، فالملابس هي التي تخفي العيوب ولو لم يكن هناك عيباً لما استتر منه الإنسان. وهم يقولون أيضاً في هذا المجال لا سيما عند البنات فالبنت البكر تبدو واضحة جداً من خلال كل شي بارز كالأثداء المنتصبة وطريقة المشي والجلوس والوقوف.
ومن القيم التي يمتاز بها الدينكا أنهم لا يسرقون أبداً إلا في حالات نادرة جداً. لهم تقاليدهم ولهم مقوماتهم وأخلاقهم فهم لا يسرقون إلا شذوذاً عند الجوع وهم لا يكذبون، وهم يوفون إذا عاهدوا وهم يحترمون نساءهم. وهم بالجملة لا يزنون كما قال صاحب الكتاب من وحي الجنوب فإن الدينكا لا يميلون إلي الكذب في كل شي وإذا دفع أحدهم للكذب ربما يسكت ولا ينطق، كما أن الزنا عندهم نادراً وإذا ما حصل هذا فيعاقب الرجل أكثر مما تعاقب المرأة ففي حالات الزنا النادرة إذا ما اعتدي شخص علي حرمات رجل آخر فالغرامة تكون أبقاراً كثيرة ولكن إذا ما حملت المرأة من الزاني وأنجبت فزوجها سيرد للزاني جزءاً من تلك الأبقار لأن المرأة جاءته بفائدة خاصة إذا كانت بنتاً فيعتبر إبن فراش وإذا زنت البكر فتزوج عقاباً من الأكبر سناً من الشيوخ وبمهر مؤخر وبعد سنة يمكن طلاقها.
قيم الزواج:
في الغالب الأعم أن لا يتزوج الدينكاوي من بنات عمومته علي اعتبار إنهن أخواته، وطريقة اختيار الزوجة تتم بنفس الطريقة السودانية المعروفة ربما يختار هو أو تختار له أخته أو أمه. ومن ثم يذهب الفوج الأول من الخاطبين وإذا تمت الموافقة فسيذهب الشيوخ الكبار، وإذا ما تمت الخطوبة يمكن للخاطب أن يذهب ويطلب خطيبته علناً وتأتي إليه وتسلم عليه وهم وقوف ممنوع منعاً بتاتاً من الجلوس في الأرض فيتحدثان وهم وقوف لساعات طويلة ثم يرجع قافلاً إلي منزله بعد تأكده من دخولها منزلها وإذا ما شاهده أخوتها وهم علي الأرض فما عليهم إلا تصويب حرابهم عليهم فيقتلونه علي الفور.
بعد انتهاء مدة الخطوبة تأتي مرحلة دفع الأبقار وهي كثيرة جداً تفوق أحياناً الخمسين والسبعين بقرة علي حسب طول المرأة أو قصرها ومكانة والدها الاجتماعية وأيضاً إذا ما أنجبت العروس بنتاً فأهل البنت من أبيها يزيدون في المهر لأن المرأة أنجبت لهم بنتاً والبنت تأتي بالأبقار وإذا ما أنجبت ولداً فيرجعون أهل المرأة بعضاً من الأبقار. أحياناً ومحاولة لإبراز سيطرة الرجل يضرب العريس عروسه يوم الدخّلة. ولكن من الضروري مشاورة البنت في الزواج ولا تكره البنت على الزواج من رجل لا تحبه مهما كلف من أمر وفي حالة إنجاب المرأة عند الدينكا طفلاً مشوهاً فرحمة به يتخلصون منه بأي طريقة ربما يقتل سريعاً لأنهم دائماً يحبون أن يكونوا معافين دون إعاقات، كل هذه العادات كانت في السابق عند الدينكا ولكن مع تطور الثقافات أصبح بعضها أثراً بعد عين، لاسيما الاحتشام فقليل من الدينكا الآن عراة في ديارهم.
مؤتمر الحبشة
وفي المبحث الثالث يتوقف عليو عند مؤتمر الحبشة فبراير 2004م الذي عقد باثيوبيا وكانت أهدافه خاصة بالتعايش بين الرزيقات ? الدنيكا ? المسيرية وهي كالتالي: اولا، تهيئة المسرح لتفعيل السلام بعد تحقيقه، ثانيا، إحياء صور العلاقات الأزلية التي حجمتها حرب العشرين عاماً، ثالثا، فض النزاعات والإشكالات العالقة.
ويلخص عليو ما دار في جلسة بين الرزيقات والدينكا ملوال داخل هذا المؤتمر ويقول ان المشاركين فيه من الطرفين اتفقوا على أن جذور وأسباب النزاع والعوامل المؤثرة عليه بين الرزيقات والدينكا تعود إلى أسباب طبيعية واقتصادية وأسباب خارجية حيث قسموا الأسباب الخارجية إلى قسمين التسييس وقسم إلى الآتي:
1. عدم استقرار النظم السياسية في السودان وعدم ثبات توجهات الدولة.
2. تدخلات الأحزاب ومساهمتها في تأجيج النزاع.
3. إضعاف دور الإدارة الأهلية.
أما القسم الآخر فهو التجييش لإنشاء المليشيات القبلية العشوائية مما أدي إلى عسكرة هذه المجتمعات وإطلاق يد المليشيات دون ضوابط (المراحيل) وتفلت بعض القبائل وعدم السيطرة عليهم وأخيراً انتشار السلاح دون ضوابط.
مشيرا الى التوصيات الصادرة من المؤتمر بإعادة الاعتبار للمعاهدات التقليدية لأنها مكنت من حل الصراعات بين مجتمعات الدينكا والمسيرية والرزيقات بطريقة ودية ومرضية. والتوصية بعقد مؤتمر سلام ومصالحة بين المجتمعات في تاريخ لا يتجاوز مايو 2004م. سبيلاً لمؤتمر مستقبلي بهدف الحوار وبناء السلام. ورفع قيم التعايش السلمي وحقوق الإنسان عبر إنشاء هياكل ثابتة وملائمة ومعاملات يتم الاتفاق عليها فيما بعد على مستوي القواعد. كما تم الاتفاق على آلية لتسهيل التخطيط الإضافي اللازم بين اللجان المختلفة. وأمن المشاركون على الالتزام الكامل بالمضي قدماً بنفس الروح التي سادت هذا الاجتماع التاريخي وأكد المجتمعون على الرغبة في الحفاظ على التعايش السلمي والتنمية طويلة المدى لمجتمعات الدينكا المسيرية- الرزيقات تتم بالالتزام الكامل بالشفافية التي تتطلبها العملية.
ويقول انه رغم أهمية هذا المؤتمر وأهمية التوصيات فيه، إلا أن الحكومة للأسف لم تلتزم بأهم توصية وهي قيام المؤتمر الجامع لهذه القبائل، والذي حدد له بعد شهرين من ذلك التاريخ، ويقول عليو انه في إحدى لقاءاته بالشيخ أحمد عبد الرحمن محمد مسؤول هيئة الصداقة الشعبية والمسؤول الحكومي الثاني لمؤتمر أديس ابابا ذكر أن عدم أسباب عدم انعقاد هذا المؤتمر عدم التمويل.
وفي خاتمة الكاتب يقول عليو إن قبائل التماس في كل الدول تسبب هاجسا للوضع الإجتماعي والاقتصادي للدول المجاورة، لاسيما الدول الفقيرة التي لم تستطع ضبط حدودها، ويقول انه إذا قامت حروب حدودية بين الأطراف مباشرة تدفع قبائل التماس فاتورة الحرب دون طائل. وهنا تأتي حروب التماس بين الرزيقات والدينكا، مشيرا الى أنه ومنذ قيام الحركات المسلحة الجنوبية عام 1955م وحتى توقيع اتفاقية نيفاشا 2005م، ظلت منطقة التماس بين الرزيقات والدينكا ملتهبة للغاية إلا من فترات متقطعة خاصة فترة الهدنة ما بين 1972 حتى 1983م، والسبب في ذلك الصراع بين هذه الحركات والحكومات المركزية إذ ظل كل طرف يعبئ الطرف الذي يظن أنه موالٍ له من هذه القبائل ضد الآخر، وبذلك فقدت هذه القبائل أنفس عزيزة وانهيار اقتصادي واجتماعي بالكامل، ويشير الى المؤتمر التمهيدي في أديس أبابا الذي مولته الصناديق الأجنبية. وكان الاتفاق أن يقوم مؤتمر أكبر تُمثل فيه كل القواعد القبلية توطئة لفتح صفحة جديدة للتعايش السلمي، وحسب الاتفاق إن المؤتمر سيعقد فور الرجوع من الحبشة ولكنه لم يعقد حتى هذه اللحظة، موصيا بقيام هذا المؤتمر الكبير حتى تناقش القبائل كل مشاكلها ولتتخطى مآسي الأيام ولاستشراف مستقبل جماعي يكون عونا للبلاد.


توقيع : الارشيف
الارشيف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس