الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد....منقول للفائدة - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
عاد الثانيه .
بقلم : خلدون عبدالله شحاده الدويري
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: يامن لكم الخبره في كشف تزويرالمشجرات هلموا فهناعملية تزوير (آخر رد :أبو شاكر)       :: الاعلان عن بدء اسبوع حب الرسول صلى الله عليه وسلم (آخر رد :الجارود)       :: ارغب في التعرف على حقيقة الانتماء إلى ال مهنا الاشراف (آخر رد :علاء على الانصاري)       :: قرى الضبعية فى مصر (آخر رد :الضباعي)       :: فروع جهينة القديمة و الحديثة (آخر رد :ابن جنـاب)       :: قبيلة الغابات (آخر رد :الضباعي)       :: آل فراج الضباعي (آخر رد :الضباعي)       :: هل ال الرشيد حكام نجد السابقين من الاشراف ؟ (آخر رد :البراهيم)       :: الهكسوس والفراعنة في القرآن ! (آخر رد :أبو مروان)       :: ما قاله العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف (آخر رد :أبو مروان)      




إضافة رد
  #1  
قديم 10-05-2012, 01:25 AM
الصورة الرمزية قاسم سليمان
قاسم سليمان غير متواجد حالياً
باحث في الانساب
 
تاريخ التسجيل: 07-11-2011
الدولة: من مدينة البيرة قضاء رام الله فلسطين-من سكان الولايات المتحدة الامريكية ولاية كولورادوحالياً
العمر: 59
المشاركات: 327
افتراضي الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد....منقول للفائدة

الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد

| فصل: اتخاذ القبور مساجد من الكبائر المحرمة
اتخاذ القبور، وبالأخص قبور الأنبياء والصالحين، مساجد من المحرمات الكبائر التي يستحق فاعلها اللعنة والطرد من رحمة الله، وهو من شرار الخلق عند الله. والمسجد هو مكان السجود، أي المكان المتخذ المخصص للصلاة، لا فرق بين مسجد مبني مشيد مزخرف كما هو الحال في أكثر مساجد المسلمين اليوم، ومكان متميِّز، له حدود معروفة، مخصص للسجود، حتى ولو لم يكن مبنياً، كما هو متيقن من قوله، عليه الصلاة والسلام، الثابت بالتواتر: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، أي: مكانا طاهراً صالحاً للصلاة.
والمسجد قد يكون:
(1) دائمياً: في بقعة معلومة مخصصة من الأرض، تكون عادة مبنية، وفي بعض الأحوال القليلة، تكون حدوده مجرد خطوط في الأرض، أو مرسومة بالدهان على الأرض الصخرية، أو معلمة بالحجارة، كمساجد البدو الرحل، ونحوها: فهذه كلها مساجد دائمية مرفوعة مشيدة حكماً، وإن لم تكن كذلك باللبن والحجارة والإسمنت المسلح فعلاً.
(2) وقد يكون مؤقتاً: فيكون مكان الصلاة عند دخول المصلي في الصلاة، وهو البقعة المستطيلة التي تمتد من مؤخرة أعقاب المصلي من وراءه، إلي موضع السجود، أو الحائط، أو الحائل من أمامه، وعن يمينه ويساره بقدر مجافاته بين مرفقيه في السجود. فإذا سلم المصلي من صلاته ذهب ذلك المسجد المؤقت وزال.

وقريب من اتخاذ القبور مساجد في الإثم والشر جعلها عيداً، أي موسما يجتمع الناس فيه في أوقات مخصوصة، تتكرر أبداً، كالعيد. وفعل ذلك أو بعضه قد يجعل القبر يبدو كأنه«وثن»، أي رمزاً من رموز الكفر والشرك، كما تخوفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

الأوثان تنقسم إلى أصناف:
الصنف الأول: أصنام، وهي: تصاوير وتماثيل منحوتة من حجر، أو خشب، أو مسبوكة من معدن، أو غير ذلك، على صورة إنسان، أو حيوان، أو كائن متخيل مركَّب: بعضه إنسان وبعضه حيوان، فيكون الجسد جسد أسد مثلاً، والرأس رأس آدمي، أو الجسد جسد إنسان والرأس رأس صقر مثلاً، أو بعضه من حيوان والبعض من حيوان آخر كالخيول المجنحة؛ فكل صنم تمثال، وليس كل تمثال صنم، وكل صنم وثن، وليس كل وثن صنم. والأصنام هذه ترتبط عادة – في ذهن الوثني المشرك - بالكائن الإلاهي الذي تمثله ارتباطاً متيناً، فكأن الكائن الإلاهي متحد بها، فهما شئ واحد، ذو طبيعة واحدة؛ أو مقيم حالُّ فيها بصفة دائمية، فهو بمثابة الروح، والصنم هو الجسد. وربما أعتقد المشرك أنها صالحة لحلول الكائن الإلاهي، فهو يسكنها في بعض الأحايين دون بعض. هذا على وجه الإجمال، أما التفصيل فهو متعذر عموما لأن عقائد عوام المشركين في هذا غامضة مشوشة متناقضة. هذا الارتباط من المتانة والقوة بحيث لا تجد العامي من المشركين يكاد يفرق بين الكائن الإلاهي وبين الصنم الممثل له، فيقول مثلاً: {نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}، (الشعراء؛ 26:71)، كما حكى القرآن عن قوم إبراهيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أو كما حكى القرآن عن بني إسرائيل: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}، (لأعراف؛ 7:138)، فكأن (الصنم) عندهم هو (الإلاه) بعينه، وهذا مما تلقنوه من عبدة الوثن المصريين، وكذلك كان يفكر السامري: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ}، (طـه؛ 20:88)، وقال تعالى رواية لقول إبراهيم وهو يدعو قومه أوّل الأمر: {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً، وتخلقون إفكاً}، (العنكبوت؛ 29: 17)، ثم قال كذلك رواية لقول إبراهيم قبيل هجرته بعد أن أنجاه الله من النار: {وقال: إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضاً، ومأواكم النار، وما لكم من ناصرين}، (العنكبوت؛ 29:25)، ومعلوم أن قوم إبراهيم كانوا يعبدون آلهة تمثلها الأصنام، كما سلف قريباً باعترافهم، وكان أبوه من كبار سدنتها ونُحَّاتِها.
ولقد استقر هذا منذ قديم الزمان حتى ساغ أن يقال: (عبد الصنم الفلاني)، بدلاً من قولك: (عبد إلاهاً يمثله الصنم الفلاني)، واستخدمه القرآن حكاية عن إبرهيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}، (ابراهيم؛ 14:35).
بل بلغ الأمر ببعض المشركين أن عجزوا عن تصور إلاه لا صنم له، أو لا يوجد له تجسد مادي أصلاً، فسأل بعضهم عن الله تبارك وتعالي: (أمن ذهب هو، أمن فضة هو؟!). أما خواص المشركين وحذاقهم وفلاسفتهم فيتبرؤون من هذا ويقولون: (إن الصنم إنما هو رمز للإلاه، وقِبْلَة لتوجيه الشعائر والدعاء)، بل إن بعضهم يقول: (إن الألهة ما هي إلا مظاهر ومسميات لإله واحد)، ولكن مقدرة العوام على التفكير المجرد محدودة، فالمصلحة الاجتماعية والسياسية تقتضي تركهم وشأنهم.
أما كون المعبود حقيقة هو الكائن الإلاهي، علوياً سماوياً أو سفلياً أرضياً، المتحد أو الحال أو الساكن في الصنم، وليس ذات مادة الصنم وهي من حجر، أو خشب أو ذهب أو غيره من المواد، فمدرك بضرورة الحس والعقل. فمن المحال الممتنع أن يدعو إنسان عاقل مادة صماء عمياء ميتة وهو يعتقد يقيناً أنها كذلك: أي مادة صماء عمياء ميتة فحسب. بل وحتى لو وجدنا أحد نزلاء مصحة عقلية ينغمس في حوار مع حذائه، أو قلمه، لجزمنا بأنه – لخلل في دماغه – يتوهم انه يسمع منه كلاماً، ويدير معه حواراً: فالمسكين يعيش في عالم خيالي من صنع دماغه المختل.
الصنف الثاني: أوثان عامة: وهي إما: (1) أصنام: وقد سبقت مناقشتها لأهميتها الخاصة، (2) أو معابد: خصصت للإلهة، لها حجاب وسدنة، وتكون فيها عادة: أصنام وتصاوير، وحولها في العادة: منطقة محظورة بمثابة حرم، (3) أو حرم: وهو مجرد قطعة من الأرض محظورة، أي لا معبد فيه، (4) أو أنصاب: وهي مباني من الحجر، أو منحوتات لغير ذوات الأرواح، أو مذابح مبنية، ومحاريب مشيدة، أو أعمدة منفردة، تستخدم عادة لتقديم الذبائح والقرابين، ونصب الرايات، وربما طرحت عليها الذبائح أو علقت ليأخذ منها من شاء ما شاء، لذلك قال تعالى: {وما ذبح على النصب}. وتكون عادة في رؤوس التلال، تنحر عندها القرابين، أو على قوارع الطريق، يتمسح بها المارة،وقد يكون النصب مجرد أحجار مرصوصة، أو دكة مشيدة، وقد يكون فيه صنم، وقد لا يكون، ولا بد أن يتميز بنقوش وطلاسم ورموز معينة أو رايات مخصوصة؛ (5) عيد مكاني: وهو قطعة من الأرض لا معبد فيه، تقام فيها الاحتفالات أو تعقد فيها الأسواق والاجتماعات (عادة في أوقات مخصوصة تتكرر وتعود) فهي إذاً مواضع أعياد أهل الشرك، وأسواقهم التي تقام للطواغيت. أما أسواق التجارة والأدب كسوق عكاظ في الجاهلية، فهي ليست أوثاناً لأنها لم تؤسس تعظيماً لشيء من الطواغيت؛ وهكذا وهكذا بما قد لا ينحصر؛ كل ما سلف أعمال إنشائية من صنع الإنسان.
وقد يكون الوثن شيئاً طبيعياً، وليس من صنع الإنسان: (6) صخرة طبيعية: يزعم أن أحد الآلهة جلس عليها، أو ولد عنها، أو دخل فيها، أو اتحد بها، أو غير ذلك من آثار وأفعال الآلهة، كالصفاة الطويلة المنقوشة بالطائف التي كانت ترمز إلى اللات التي تعظمها ثقيف؛ (7) شجرة: يزعم أن أحد الآلهة استظل تحتها، أو ولد تحتها، وما شاكل، كالشجرة التي كانت بنخلة (بين الطائف ومكة) وعليها بناء وأستار وهي تمثل «العزَّى» التي تعظمها قريش. وقد تحاط الصخور والأشجار بحرم، وربما تطورت وكثر روادها فأصبح لها سدنة وحجاب. وكذلك الأشجار والصخور في حرمكل معبد، أو في المناطق المحضورة،لها قدسية ورمزية خاصة؛ وهكذا وهكذا بما قد لا ينحصر.
الصنف الثالث: أوثان خاصة: وهي التي لا علاقة لها بالآلهة مباشرة، وإنما هي رمز أو شعار لعقيدة شرك أو كفر.
أظهر مثال لذلك: (الصليب)، لأنه يعظم ويعلق لكونه يرمز لعقيدة كفر وشرك ألا وهي: التضحية بابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لخلاص البشرية من «الخطيئة الموروثة» المزعومة المكذوبة؛ والصليب وثن، ذلك بنص قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعدي بن حاتم الطائي عندما دخل عليه وفي عنقه صليب من ذهب فقال له: «يا عدي، اطرح عنك هذا (الوثن)». و«الصليب» بالقطع لا يعبد، بل يعلق ويعظم فقط؛ و(نار المجوس) التي ترمز إلى إله النور والخير (يَزْدَانْ)؛ (الرايات) التي ترمز لعقيدة شرك وكفر، كأن يرسم عليها صنم لإله، أو يكتب عليها ثناء أو دعاء وثني، أو تحتوي رمزاً آخر لعقيدة شرك وكفر كالصليب أو (المطرقة والمنجل) التي ترمز إلى المادية الجدلية؛ أما أعلام البلاد والقبائل ووحدات الجيوش فهي في الأصل ليست أوثاناً، إلا إذا كان بها رمز لشرك أو كفر.
أما الأعياد، وواحده عيد: ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. والعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد.
فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذى بقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، بكيفية متكررة مرتبة، وأسلوب معين مخصوص. والأعياد الوثنية المكانيةهي مواضع أعياد أهل الشرك، وأسواقهم الموسمية التي تقام للطواغيت، وهي بذاتها رجس ووثن، يجب اجتنابه. أما أسواق التجارة والأدب كسوق عكاظ في الجاهلية، فهي ليست أوثاناً لأنها لم تؤسس تعظيماً لشيء من الطواغيت، كما أسلفنا، وقد أخرج الإمام أبو داود في سننه (ج3/ص238/ح3313) بإسناد في غاية الصحة: [حدثنا داود بن رشيد حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو قلابة قال حدثني ثابت بن الضحاك قال نذر رجل على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبل ببوانة فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال هل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص76/ح1341)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص83/ح19926).؛ وبالضد من ذلك فإن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء، ومثابة وحرماً آمناً، كما جعل أيام التعبد فيها عيداً.
وأما الزمان، فواضح، وهو الذي يتبادر إلى الذهن عند سماع لفظة: (عيدوقد أخرج أبو داود في سننه (ج2/ص320/ح2419) بإسناد صحيح على شرط مسلم: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا وهب حدثنا موسى بن علي (ح) وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن موسى بن علي والإخبار في حديث وهب قال سمعت أبي أنه سمع عقبة بن عامر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام؛ وهي أيام أكل وشرب)]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج5/ص252/ح3004)؛ وابن حبان في صحيحه (ج8/ص369/ح3603)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج3/ص292/ح2100)؛ والترمذي في سننه (ج3/ص144/ح773)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص600/ح1586)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج2/ص420/ح3995)، و(ج2/ص463/ح4181(؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص298/ح8245)؛ وغيرهم.
وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوّضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر.
فـ«الوثن»: إذاً هو عموماً كل رمز للشرك أو الكفر من الأصنام، والأنصاب، والأشجار والأحجار، والصلبان، والرايات، ومزارات الطواغيت ومعابدهم، والأعياد، سواءً كان معبوداً أم لم يعبد، وهو على أي حال رجس يجب اجتنابه، كما قال تعالى: {...، فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به}، (الحج؛ 22: 30 - 31).

وقد يقول قائل: (فما معنى جملة: «عبدة الصليب»، التي تطلق على النصارى كثيراً؛ وكذلك جملة «عبدة النار»، التي تطلق على الثنوية المجوس كثيراً؟!)، فنقول: أين جاء هذا اللفظ عن الله ورسوله؟! أما ما يستخدمه الناس من الأساليب «الخطابية»، و«الدعائية»، و«التنابز بالألقاب» مع خصومهم فليس من شأننا، ولا هو مما يعنينا، وإنما تعنينا فقط نصوص الوحي، أي نصوص الكتاب والسنة، لأنهما الوحي المعصوم، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.

وأهل الأوثان، ويقال كذلك، عبدة الأوثان، هم المشركون من غير أهل الكتاب، تقال في مقابلة أهل الكتاب، فقد ثبت أنه، صلى الله عليه وسلم: [مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: (لا تغبروا علينا!)، فسلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليهم]؛ كما أخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص1663/ح4290) بطوله مع تمام القصة بإسناد في غاية الصحة؛ وأخرجه في مواضع أخرى مطولاً ومختصراً، وكذلك في الأدب المفرد (ج1/ص379/ح1108)؛ ومسلم في صحيحه (ج3/ص1424/ح1798)؛ وجمهور الأئمة. وقد وردت نسبة أهل الكتاب، ونسبة بعض أقوالهم وأفعالهم، إلى الشرك، وتسمية بعض رموزهم كالصليب بالوثن، ولكن لم يرد قط تسميتهم: «أهل وثن»، فليلاحظ بكل دقة!
قلت: لقد خفيت بعض هذه الحقائق حتى على المتخصصين في علوم التاريخ والآثار، لأنهم لم يستوعبوا كافَّة النصوص والآثار، ولم يستطيعوا التجرد والإنفلات من معتقداتهم وتصوراتهم الذاتية، فمثلاَ:
* قد جاء في (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، (1/3342): [ويجب ان ننتبه إلى ان الكتابات الجاهلية وكذلك أخبار أهل الأخبار، قد نص على اسم الإلهة الشمس، فدعوها باسمها، اي الشمس. أما القمر، فلا نجد لاسمه الخاص ذكراً يتناسب مع مقامه. نعم ذكر بـ(شهر) و(سين) في النصوص العربية الجنوبية. و(شهر) القصر في العربيات الجنوبية، ولا زال الناس يسمونه بهذه التسمية في جنوبي جزيرة العرب. لكننا نجد أسماءه المأخوذة من النعوت، اي من صفاته تطغى عليه. فهو (ود) في الغالب في النصوص المعينية. ويظن من لا علم عميق له بالعربيات الجنوبية، انه اسم إلهَ خاص، بينما هو اسم من أسماء عديدة للاله القمر عند شعب مَعِين، وهو (.المقه)، اي المنير والنور عند السبئيين اي صفة للشر. وهكذا قل عن باقي أسمائه، فهي صفات له في الغالب، لا اسم علم خاص به، كما في حالة الشمس.
ونحن نجد هذه الظاهرة في روايات أهل الأخبار أيضاً. فبينما تنص أخبار أهل الأخبار على تعبد بعض العرب للشمس، وعلى مخاطبتهم لها بـ(الالاهة) وبـ(لاهة)، وعلى تعبد بعضهم لزحل أو للمشتري أو لغيرهما من الأجرام السماوية كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، لا نجد للقمر ذكراً في أخبار أهل الأخبار. فلم يشيروا إلى اسمه ولا إلى تعبد الجاهليين له، حتى ليذهب الظن بعد تتبع جميع ما ورد في تلك الأخبار واستقصاءها استقصاءً تاماً ان الجاهليين لم يعرفوا عبادة القمر. والظاهر أن أهل الأخبار كانوا في جهل من عبادة الجاهليين للقمر، بسبب ما شاهدوه من تعبد أهل مكة وغيرهم وكذلك القبائل إلى الأصنام وتقربهم اليها، وقولهم انها تقربهم إلى الله، وبسبب نص القرآن الكريم على تعبد الجاهليين وتقربهم للأصنام والأوثان. فذهبوا إلى أنهم كانوا مجرد عبدة أوثان، ولم يفطنوا إلى أنهم اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للالهة التي هي أجرام سماوية في الأصل]

قلت: قوله: (اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للالهة التي هي أجرام سماوية في الأصل) خطأ، بل الأصنام والأوثان كلها كانت إما نائبة أو قائمة مقام الآلهة، أو بمثابة الجسد للآلهة، التي كان بعضها، وليس كلها، كائنات سماوية، وربما تمت مساواتها ببعض الأجرام السماوية، وهذه بدورها هي الشفيع والوسيط للإله الأعلى، كبير الآلهة، رأس الهرم الإلاهي: الله، تبارك وتعالى وتقدس عن هذه القبائح.

| فصل: أدلة تحريم اتخاذ القبور مساجد
أما كون اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد من المحرمات الكبائر التي يستحق فاعلها اللعنة والطرد من رحمة الله، وهو من شرار الخلق عند الله، فأدلته كثيرة متواترة، منها:

* ما أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص168/ح425) عن عائشة وعبد الله بن عباس: [حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما نُزِل برسول الله، صلى الله عليه وسلم، طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يحذر ما صنعوا]؛ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج3/ص1273/ح3267)، (ج4/ص1615/ح4179)، (ج5/ص2190/ح5478)؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص377/ح531)؛ والإمام النسائي في سننه (ج2/ص41/ح703)؛ والإمام ابن حبان في صحيحه (ج14/ص587/ح6619)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص218/ح1884)، (ج6/ص34/ح24106)، (ج6/ص275/ح26396)؛ والإمام النسائي في سننه الكبرى (ج1/ص260/ح782)، (ج4/ص256/ح7089)، (ج4/ص257/ح7090)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص80/ح7011)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1/ص406/ح1588)، (ج8/ص464/ح15917)؛ والإمام الدارمي في سننه (ج1/ص381/ح1403)؛ والإمام ابن الجارود في المنتقى (ج1/ص53/ح175)؛ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج2/ص25/ح1113)؛ وأخرجه الإمام أبو عوانة، والإمام ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، وغيرهم.
- وأخرجه الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج4/ص216/ح3131)، وبعينه في معجمه الأوسط (ج2/ص25/ح1113)، بإسناد صحيح عن عائشة فقط، لفظه: [حدثنا أحمد قال حدثنا أبو جعفر قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة حدثته قالت كان على عهد رسول الله خميصة سوداء حين أشتد به وجعه فهو يضعها مرة على وجهه ومرة يكشفها ويقول: «قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يحذر ذلك على أمته]، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص274/ح26393)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص447/ح1265) عن عائشة حديثاً آخر: [حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن هلال هو الوزان عن عروة عن عائشة عن النبي قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ قالت: (ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا)]، وأخرجه أيضاً في مواضع أخرى من صحيحه (ج4/ص1614/ح4177)، (ج1/ص468/ح1324)؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص376/ح529)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص80/ح24557)، (ج6/ص121/ح24939)، (ج6/ص255/ح26221)؛ والإمام إسحاق بن راهويه في مسنده (ج2/ص264/ح767)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص151/ح7547)؛ وغيرهم.
* وأخرجه الإمام النسائي في سننه (ج4/ص95/ح2046) بإسناد صحيح من طريق ثانية بلفظ: [أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا خالد بن الحارث قال حدثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة أن النبي قال: «لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص146/ح25172) بلفظ: [حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد (ومحمد بن بكر أخبرنا سعيد) عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم،لعن قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ وقال محمد بن بكر ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم،لعن أقواماً...؛ وقال الخفاف ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج6/ص97/ح2327)، (ج7/ص456/ح3182)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص229/ح25958)، (ج6/ص252/ح26192)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص658/ح2173)، (ج4/ص258/ح7093)؛ وابن راهويه في مسنده (ج3/ص987/ح1711)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص151/ح7552)، (ج3/ص30/ح11820)؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج7/ص362/ح7734)؛ وغيرهم. وقال بعض الأئمة أن قتادة خالف هاهنا، فوهم وجعله عن عائشة، وإنما هو عن أبي هريرة، كما سيأتي قريباً، وهذا لا يضر على أي حال لأن في الطرق الأخرى الصحاح إلى كل من عائشة وأبي هريرة غنيةوكفاية، وفوق الكفاية.

* أخرج البخاري في صحيحه (ج1/ص450/ح1276) عن عائشة حديثاً ثالثاً: [حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت لما اشتكى النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج1/ص165/ح417)، و(ج1/ص168/ح424)، و(ج3/ص1407/ح3660)؛ أخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص376/ح528)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص51/ح24297)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص455/ح3181)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص7/ح790)؛ وابن راهويه في مسنده (ج2/ص265/ح768)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص81/ح7012)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج8/ص93/ح4629)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص151/ح7548)، و(ج3/ص30/ح11815)؛ وغيرهم.
* وأخرجه النسائي في سننه (ج2/ص42/ح704)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص260/ح783) بلفظ: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى قال حدثنا هشام بن عروة قال حدثني أبي عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة]

* وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص168/ح426) عن أبي هريرة: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص377/ح530)؛ والنسائي في سننه (ج4/ص96/ح2047)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص217/ح3227)؛ وابن حبان في صحيحه (ج6/ص96/ح2326)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص284/ح7813)، (ج2/ص285/ح7818، ح7822)، (ج2/ص366/ح8774)، (ج2/ص396/ح9133)، (ج2/ص454/ح9849)، (ج2/ص518/ح10726)، (ج2/ص518/ح10727)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص658/ح2174)، و(ج4/ص257/ح7092)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص80/ح7010)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج10/ص222/ح5844)؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص330/ح8776)؛ وغيرهم؛ وربما جاء بلفظ: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ أو: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
- وأخرجه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده (ج1/ص329/ح316) من طريق أخرى محتملة: [أخبرنا الفزاري حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»]
- ولكن أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص246/ح7352) من طريق ثالثة بزيادات مهمة، وهذا لفظها: [حدثنا سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا؛ لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج12/ص34/ح6681)، وقال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص445/ح1025)؛ وتجده أيضاً في فضائل المدينة (ج1/ص51/ح58). أما بخصوص هذه الزيادة: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا) فلنا عليها كلام في فصل مسقل بذاته، سيأتي قريباً، إن شاء الله تعالى.

* وأخرج مسلم في صحيحه (ج1/ص378/ح532) عن جندب بن عبد الله البجلي: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي بكر (قال إسحاق: أخبرنا)؛ وقال أبو بكر: حدثنا زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث النجراني قال حدثني جندب قال سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد: ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)]؛ وأخرجه الإمام عبد الله بن بن حنبل في فضائل الصحابة (ج1/ص100/ح71)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص168/ح1686)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص329/ح11123)؛ وأخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج2/ص150/ح7546)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص150/ح7546)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص333/ح4357)؛ وابن حبان في صحيحه (ج14/ص334/ح6425)؛ وأخرج الحاكم في مستدركه (ج2/ص599/ح4018) شطره الأول، ثم قال معقباً: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، وقد أخرجه مسلم كما ترى، وجندب هو أبو عبد الله جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي، رضي الله عنه، وليس هو جندب صاحب قصة الساحر؛ ولم يخرج البخاري لعبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني شيئاً، وهو ثقة إجماعاً.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص195/ح1691) بإسناد صحيح عن أبي عبيدة عامر بن الجراح: [حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا إبراهيم بن ميمون حدثنا سعد بن سمرة بن جندب عن أبيه عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي، صلى الله عليه وسلم: (اخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب؛ واعلموا ان شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]؛ وأخرجه ابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج1/ص185/ح234 - 235)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص208/ح18529)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص435/ح4143) عن عبد الله بن مسعود: [حدثنا عبد الرحمن حدثنا زائدة عن عاصم عن شقيق عن عبد الله قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)]؛ وأخرجه أيضاً في مسنده (ج1/ص405/ح3844)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص30/ح11816)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج9/ص216/ح5316)؛ وابن حبان في صحيحه (ج6/ص95/ح2325)، و(ج15/ص262/ح6847)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص7/ح789)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج10/ص188/ح10413) والبزار في مسنده (ج2/ص383/ح1724)؛ وفي جزء محمد بن عاصم الثقفي (ج1/ص16/ح14)؛ وفوائد العراقيين لأبي سعيد النقاش (ج1/ص103/ح76)؛ ومعجم أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (ج2/ص89/ح415)؛ وتاريخ أصبهان (1/75) أثناء ترجمة (أحمد بن جعفر بن هانئ الصوفي)؛ ومسند للشاشي (ج2/ص59/ح481)؛ وغيرهم. قلت: هذا إسناد حسن قوي لذاته (بسبب عاصم بن أبي النجود بهدلة)، ولكن الحديث يصح، إن شاء الله تعالى، بشواهده الكثيرة، وبالمتابعة التالية:
- التي أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص454/ح4342): [حدثنا عفان حدثنا قيس أخبرنا الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن من البيان سحراً؛ وشرار الناس: الذين تدركهم الساعة أحياء، والذين يتخذون قبورهم مساجد)]؛ والبزار في مسنده (ج2/ص404/ح1781) بلفظ: [حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبَيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رَفَعَهُ، قَالَ: (إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)]؛ ثم قال والبزار: (وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاَّ قَيْسٌ)؛ وأخرج القضاعي في مسند الشهاب (ج2/ص98/ح962) صدره فقط: (إن من الشعر حكما وإن من البيان سحرا).

هذه سبعة أحاديث صحاح، من طرق كثيرة صحاح وحسان، عن ستة من خيرة أصحاب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، وترجمان القرآن الحَبْر البحر عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، وحافظ الإسلام أبي هريرة، رضي الله عنه، وجندب بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه،وأمين هذه الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح، رضي الله عنه، والإمام القدوة عبد الله بن مسعود حافظ القرآن، رضي الله عنه. فهذا نقل تواتر يوجب العلم اليقيني القاطع بأن (اتخاذ القبور مساجد) من الكبائر المحرمة، الموجبة لفاعلها اللعنة والطرد من رحمة الله، وقد نص الكتاني على هذا التواتر (والكتاني هو: أبو عبد الله محمد بن أبي الفيض جعفر الحسني الإدريسي، الشهير بـالكتاني، المتوفى: 1345هـ) في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر)، كما نص عليه غيره من الأئمة كابنحزم، والشوكاني، وغيرهم.
وهذا العلم اليقيني القاطع، بأن «اتخاذ القبور مساجد من الكبائر المحرمة»، يخرج من جحده أو أنكره من الإسلام، ويلحق بالكافرين، إن لم يكن قبل ذلك قد خرج من العقل ولحق بالمجانين والمبتلين، لا سيما إذا أضفنا إليه أدلة الفصول التالية، لا سيما الأدلة المحرمة للبناء على القبور مطلقاً!

وقد جاءت روايات أخرى، ليست بدرجة السابقة في الصحة والثبوت، تشهد لهذا وتؤيده، وتزيده قوة، منها:
* ما أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص186/ح21667) عن زيد بن ثابت: [حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا بن أبي ذئب (وعثمان بن عمر أخبرنا بن أبي ذئب) عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن زيد بن ثابت أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال قاتل الله اليهود (وقال عثمان لعن الله اليهود) اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]؛ وأيضاً أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص184/ح21644)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج5/ص150/ح4907)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص109/ح244)؛ وغيرهم؛ ولكن عقبة بن عبد الرحمن، وهو عقبة بن عبد الرحمن بن أبي معمر، ليس بالمعروف، فيه جهالة، ولم يرو عنه إلا ابن أبي ذئب، ووثقه ابن حبان على قاعدته، ولم يذكره أحد بخير أو شر.

* وجاء في جامع معمر بن راشد (ج4/ص213/ح1470) عن علي بن أبي طالب: [عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أنه قال: «إن شرار الناس، أو من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتعجل بالشهادة قبل أن يسأل عنها، ومن يتخذ القبور مساجد»]؛ وهو بعينه في مصنف عبد الرزاق (ج11/ص402/ح20848): [أخبرنا عبد الرزاق عن معمر]؛ ومن طر يق ثانية في مصنف عبد الرزاق (ج1/ص405/ح1586): [عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي (وأحسب معمراً رفعه) قال: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد]؛ وفي الحارث الأعور الكلام المعروف، وقد مشَّاه الإمام النسائي فأصاب، لأننا نعتقد أن الحارث الأعور قد ظلم.

* وأخرج الإمام إبن عدي في الكامل (2/177) خلال ترجمة (الجَلِد بن أيوب البصري)، عن عمران بن حصين: [حدثنا أبو عروبة حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن هشام عن الجلد عن معاوية بن قرة عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)]: قلت: هشام، هو: هشام بن حسان، ثم قال الإمام إبن عدي معقباً: (وللجلد بن أيوب غير ما ذكرت وليس بالكثير وقد روى أحاديث لا يتابع عليها، على أني لم أر في حديثه حديثاً منكراً جداً).
* وأخرج الإمام سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي، في مسنده (ج1/ص88/ح634) عن أسامة بن زيد: [حدثنا قيس عن جامع بن شداد عن كلثوم الخزاعي عن أسامة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي مات فيه ادخلوا على أصحابي فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافري فقال: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص204/ح21822)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج1/ص164/ح393)، (ج1/ص167/ح411)؛ وغيرهم، كلهم عن قيس بن الربيع، وهو صدوق تغير حفظه لما كبر وأفسد ابنه حديثه، فأخشى أن يكون هذا وهما، لأن الأعمش رواه بلفظ: (لعن الله اليهود! يحرمون الشحوم ويأكلون أثمانها)
- كما جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد (2/241): [أخبرنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم عن أسامة بن زيد قال: دخلنا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نعوده وهو مريض فوجدناه قائما قد غطى وجهه ببرد عدني فكشف عن وجهه فقال: لعن الله اليهود! يحرمون الشحوم ويأكلون أثمانها]

* وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج19/ص41/ح89) عن كعب بن مالك، رضي الله عنه: [حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن كعب بن مالك الأنصاري قال عهدي بنبيكم، صلى الله عليه وسلم، قبل وفاته لخمس ليال فسمعته يقول: (لم يكن من نبي إلا وله خليل في أمته وإن خليلي أبو بكر بن أبي قحافة وإن الله عز وجل اتخذ صاحبكم خليلا؛ ألا وإن الأمم قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد وإني أنهاكم عن ذلك؛ اللهم هل بلغت)، ثلاث مرات، ثم قال: (اللهم اشهد!)، ثلاث مرات ثم أغمي عليه هنية ثم قال: (الله الله فيما ملكت أيمانكم اشبعوا بطونهم والبسوا ظهورهم ولينوا القول لهم)]، ولكن أبا عبد الملك علي بن زيد بن أبي هلال الألهاني الدمشقي، ضعيف باتفاق أئمة هذا الشأن، وقد جاءت من طريقه طوام وبلايا!

- وقال الألباني في كتيبه المسمَّى: «تحذير الساجد»: [عن أمهات المؤمنين أن أصحاب رسول الله، صلي الله عليه وسلم، قالوا: كيف نبني قبر رسول الله، صلي الله عليه وسلم؟! أنجعله مسجداً؟! فقال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله، صلي الله عليه وسلم، يقول: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]، ثم همَّش قائلاً: [رواه ابن زنجويه في «فضائل الصديق» كما في «الجامع الكبير» (3/147/1)]، ولم يتكلم عن الإسناد، ولا ذكره، ولا عقب بتصحيح أو تضعيف. هكذا هو في رسالته: (تحذير الساجد، من اتخاذ القبور مساجد)، كما هي أمامي الآن في طبعتها الرابعة، من اصدار «المكتب الإسلامي» بتاريخ. 1403 هـ، الموافق 1983م.
وجاءت أيضاً مراسيل، أكثرها صحاح الإسناد إلى منتهاها، هي دليل على شهرة هذا المعنى، وانتشاره عند التابعين، بل وتواتره عندهم، منها:
* ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ (ج2/ص892/ح1583): [عن إسماعيل بن أبي حكيم انه سمع عمر بن عبد العزيز يقول كان من آخر ما تكلم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ان قال: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ لا يبقين دينان بأرض العرب)]؛ وهو بنحوه عند البيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص208/ح18530).
* وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج6/ص135/ح11520) مطولاً من طريق ثانية: [أخبرنا أبو الحسن المقري حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي مات فيه: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ لا يبقين دينان بأرض العرب: فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلى أهل نجران إلى البحرانية واشترى عقرهم وأموالهم وأجلى أهل فدك وتيماء وأهل خيبر واستعمل يعلى بن منية فأعطى البياض على أن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلعمر الثلثان ولهم الثلث وإن كان منهم فلهم الشطر وأعطى النخل والعنب على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (وأشار البخاري إليه في ترجمة الباب وهو مرسل قال البخاري في ترجمة الباب وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع قال البخاري وزارع علي وسعد بن مالك وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي بن وابن سيرين وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع).
* ومالك في الموطأ (ج1/ص172/ح414): [عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِى وثنا يُعْبَدُ؛ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»]
* أخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1/ص406/ح1587): [عن معمر عن زيد بن أسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، فإنه اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]
* وأخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1/ص406/ح1591): [عن ابن جريج عن عمرو بن دينار - وسئل عن الصلاة وسط القبور - قال: ذكر لي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور انبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى)]
* والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص150/ح7544): [حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى له، اشتد عضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد)]
* وأخرج ابن راهويه في مسنده ج3/ص738/ح1347): [أخبرنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت الحسن يقول: كان المسلمون اختلفوا في دفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أين يدفن فقالت طائفة منهم يدفن في البقيع حيث اختاره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لولده وللمسلمين قال فقالوا أتبرزون قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كلما أحدث أحد حدثا عاذبه قال وقال طائفة ندفنه في المسجد فقالت عائشة إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،غشي عليه فلما أفاق قال: (قاتل الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ فعرفوا أن ذلك نهيا منه فقالوا يدفن حيث اختار الله أن يقبض روحه فيه فحفر له في بيت عائشة]
* وجاء في (فضل الصلاة على النبي) للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي البصري ثم البغدادي المالكي الجهضمي (المتوفى: 282هـ)، (ج1/ص30/ح29): [حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل قال: جئت أسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي فدعاني فجئته فقال: ادن فتعش قال: قلت: لا أريده قال: مالي رأيتك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دخلت المسجد فسلم عليه)، ثم قال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله يهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»]
* وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه: [حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى، وهو فى بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالى رأتيك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: (إذا دخلت المسجد فسلم). ثم قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: (لا تتخذوا بيتى عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم)؛ ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء]؛ هكذا نسبه الإمام ابن تيمية لسنن سعيد بن منصور في عدة مواضع من مصنفاته، منها: اقتضاء الصراط المستقيم (ص 331)؛ ومجموع الفتاوى (ج27/ص122)؛ والفتاوى الكبرى (ج2/ص424).

| فصل: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»
ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد فضل على كافة الأنبياء بفضائل كثيرة، ذكرنا طرفاً طيباً منها في أوائل كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، منها: أن الأرض قد جعلت له، ولأمته، مسجداً وطهوراً. هذا عموم لا يخرج منه إلا ما استثني بنص صحيح. والقبر، والمقبرة مما استثني لما سبق، وللنصوص الصحيحة الصريحة التالية:

* ما أخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص381/ح920): [أخبرنا عبد الله بن محمد الصيدلاني حدثنا محمد بن أيوب أخبرنا إبراهيم بن موسى حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه يحيى بن عمارة؛ حدثنا أبو بكر بن إسحاق أنبأ أبو المثنى حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة الأنصاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه). قلت: الإسناد الأول جاء متصلاً مرفوعاً من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الواحد بن زياد، وحماد بن سلمة، وأرسله سفيان الثوري، وكذلك ابن عيينة، إلا أن الشافعي ذكر أنه وجده في كتابه (ربما من طريق سفيان بن عيينة) موقوفاً وموصولاً. ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه، وقال محمد بن إسحاق: (وكان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم) ولكنه لم يصرح بذكر أبي سعيد فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم،. وقد رجح الترمذي إرساله لمكانة سفيان الثوري. قلت: لا شك في ارتفاع مرتبة السفيانَيْن، ولكن مجيء الاتصال صريحاً من ثلاثة ثقات مشاهير، أحدهم مدني (وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي) من بلد عمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني يقوي جانب الاتصال. فالحق إذاً: أن رفعه زيادة ثقات، لا بد من قبولها، فنسيان بعض الرواة لا يضر حفظ من حفظ، وما ذنب الحافظ الضابط إذا نسي أو ضيَّع غيره؟! لذلك صححه بحق الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، ووافقه شعيب الأرناؤوط، والحاكم، ووافقه الذهبي، وكذلك ابن حزم في المحلَّى. أما الإسناد الثاني فصحيح لا اضطراب فيه، وهو موجب للقطع بثبوته متصلاً مرفوعاً، فثبتت صحة الحديث بلا شبهة، ولم يعد للاحتجاج بالاضطراب أو الإرسال معنىً أصلاً، والحمد لله رب العالمين.
وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص381/ح919)؛ والترمذي في سننه (ج2/ص131/ح317)؛ وابن حبان في صحيحه (ج4/ص599/ح1699)، (ج6/ص89/ح2316)، (ج6/ص90/ح2318)، (ج6/ص92/ح2321)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص7/ح791)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص246/ح745)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص83/ح11805)، (ج3/ص96/ح11938)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص435/ح4071)، (ج2/ص435/ح4072)، (ج2/ص435/ح4070) مرسلاً من طريق سفيان الثوري، (ج2/ص435/ح4073) من الطرق الثانية: طريق عمارة بن غزية؛وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص503/ح1350)؛ والدارمي في سننه (ج1/ص375/ح1390)؛ والشافعي في مسنده ج1/ص20/ح0)؛ وغيرهم.

* وأخرج أبو يعلى في مسنده (ج5/ص175/ح2788) بإسناد صحيح: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن عن أنس قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة بين القبور]؛ (بين القبور) يعني (في داخل المقبرة المعلومة)، كما سنفصله عند تحريرنا لمعنى (مقبرة).

* وأخرج ابن ماجه في سننه (ج1/ص247/ح747): [حدثنا علي بن داود ومحمد بن أبي الحسين قالا حدثنا أبو صالح حدثني الليث حدثني نافع عن بن عمر عن عمر بن الخطاب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظاهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق)]؛ قلت: هذا إسناد جيد في الظاهر، وهو صحيح إن كان من كتاب أبي صالح، ولم يكن فيه غلط أو وهم، وقد جاءت متابعة مستقلة، ولكن لا يفرح بها كثيراً:
* كما أخرجها الترمذي في سننه (ج2/ص177/ح346): [حدثنا محمود بن غيلان حدثنا المقرئ حدثنا يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله]؛ (فوق ظهر بيت الله) يعني (فوق الكعبة)؛ ولكن أبا جبيرة زيد بن جبيرة بن محمود الأنصاري المدني، ضعيف متروك. وأخرجه من طربق أبي جبيرة ابن ماجه في سننه (ج1/ص246/ح746)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص383/ح0)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص330/ح3613)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص246/ح765)؛ وغيرهم.

ومن القرائن القوية على كون المقبرة لا تصلح أن تكون مسجداً قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا) كما سنبينه في الفصل الآتي.

| فصل: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»
* أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص398/ح1131): [حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا وهيب عن أيوب وعبيد الله عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا)؛ تابعه عبد الوهاب عن أيوب]؛ قلت: وتابع إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم (هو: ابن عليَّة) كلَّاً من وهيب، وعبد الوهاب الثقفي عن أيوب. وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص539/ح777)؛ والبخاري في صحيحه (ج1/ص167/ح422)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص212/ح1205)؛ والترمذي في سننه ج2/ص314/ح451)؛ وأبو داود في سننه (ج1/ص274/ح1043)، و(ج2/ص69/ح1448)؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص439/ح1377)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص6/ح4511)، (ج2/ص16/ح4653)، (ج2/ص123/ح6045)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص189/ح2860)؛ والنسائي في سننه (ج3/ص197/ح1598)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص408/ح1290) من طريق الوليد بن أبي هشام عن نافع؛ وغيرهم.

* وما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص539/ح780): [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب وهو بن عبد الرحمن القاري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر: إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة]؛ وأخرجه الترمذي في سننه (ج5/ص157/ح2877)، ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص284/ح780)، (ج2/ص337/ح8424)، (ج2/ص378/ح8902)، (ج2/ص388/ح9030)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج5/ص13/ح8015)، (ج6/ص240/ح10801)؛ وغيرهم؛ ولم ينفرد به يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري المدني ثم الاسكندراني، وهو ثقة من رجال الشيخين والجمهور، بل قد رواه الأئمة: معمر بن راشد، ووُهَيْب (وهو وُهَيْب بن خالد بن عجلان الباهلي)، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وربما غيرهم، وقد سمع عامة هؤلاء من سهيل قبل تغير حفظه.

* وما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص192/ح21721) بإسناد صحيح: [حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الملك عن عطاء عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)]؛ وهو أيضاً عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص114/ح17071)، (ج4/ص116/ح17085)؛ وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص116/ح275)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج5/ص258/ح5278 - 5280)؛ وغيرهم.
* وهو عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص116/ح17085) بتمام لفظه: [حدثنا إسحاق بن يوسف أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا بيوتكم قبورا: صلوا فيهاً؛ ومن فطر صائما كتب له مثل أجر الصائم لا ينقص من أجر الصائم شيء؛ ومن جهز غازياً في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب له مثل أجر الغازي في انه لا ينقص من أجر الغازي شيء)].

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص367/ح8790) بإسناد صحيح: [حدثنا سريج قال حدثنا عبد الله بن نافع عن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)]؛ عبد الله بن نافع هو عبد الله بن نافع الصائغ، ثقة صحيح الكتاب، وليس حفظه بذاك، ولكن هذه من كتاب، حيث صرَّح الإمام أحمد بن صالح المصري بأنه قرأ عليه:
* كما أخرجه أبو داود في سننه (ج2/ص218/ح2042): [حدثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)]
* والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص81/ح8030): [حدثنا موسى بن هارون حدثنا مسلم بن عمرو الحذاء المديني حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (قال لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم)]؛ ثم قال الإمام الطبراني: (لم يصل هذا الحديث عن ابن أبي ذئب إلا عبد الله بن نافع تفرد به مسلم بن عمرو)؛ قلت: رحم الله الإمام الطبراني: لم ينفرد به أبو عمرو مسلم بن عمرو بن مسلم بن وهب الحذاء المدني؛ وهو ثقة من شيوخ الترمذي والنسائي، عامة روايته عن عبد الله بن نافع الصائغ، بل حدَّث به الأئمة: أحمد بن صالح المصري، وسريج بن النعمان الجوهري البغدادي، وربما غيرهم.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص65/ح24411): [حدثنا حسن حدثنا بن لهيعة قال حدثنا أبو الأسود عن عروة عن عائشة ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها عليكم قبوراً)]؛ قلت: هذا إسناد صحيح لأن سماع الحسن بن موسى الأشيب من ابن لهيعة قديم، وقد صرَّح ابن لهيعة بالتحديث. ولبعضه متابعات صحاح متصلة ومرسلة:
* فقد أخرج أبو يعلى في مسنده (ج8/ص282/ح4867) بإسناد صحيح: [حدثنا عبد الرحمن بن صالح عن عبد الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم)]؛ وقال الشيخ حسين سليم أسد: (إسناده صحيح)؛ ومالك في الموطأ (ج1/ص168/ح402) مرسلاً: [وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم)].

* وأخرج الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده (ج12/ص132/ح6761) نحو ذلك عن أمير المؤمين الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليهما: [حدثنا موسى بن محمد بن حيان حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الله بن نافع أخبرني العلاء بن عبد الرحمن قال سمعت الحسن بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم لا تتخذوها قبورا، ولا تتخذوا بيتي عيدا: صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم)]؛ ولكن َّعبد الله بن نافع هنا هو عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، ضعيف، لا تقوم به حجة.

وكون المقابر والصلاة لا يجتمعان أبداً بيِّن أيضاً من ألفاظ الأحاديث آنفة الذكر:
* من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً». وقد فسَّر النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً»، بقوله: «صلوا فيها»،
* وكذلك في حديث زيد بن خالد الجهني، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً: صلوا فيها»،
* وأوضح من ذلك ما جاء في الحديث الآخر عند الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر! فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه»،
* وأوضحها حديث عائشة: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها عليكم قبوراً).

فهذه النصوص تبطل قول من زعم أن جملة: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً» تقتضي النهي عن الدفن في المنزل، أي أن يكون القبر في المنزل، وهو ما قد يتبادر إلى الذهن، لأن الذي تكفل بالبيان، تباركت أسماؤه، بين علي لسان نبيه أن هذا مجاز يقصد به: «صلوا فيها»، «اقرؤوا فيه القران، لا سيما سورة البقرة». ونحن نعلم ضرورة أن الذكر بشتى أنواعه، لا سيما الدعاء، وقراءة القرآن في المقبرة جائز مباح، في أقل تقدير، إن لم يكن مستحباً. فالدفن في كل مكان من العالم جائز، لا فرق بين البحر في أعالي البحار، والفضاء الخارجي لرواد الفضاء، وطبقات الثلج والجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وغيرها، إلا المسجد المعلوم، لما سلف، والمزابل والمراحيض لأن ذلك لا يكون إلا لتحقير الميت والانتقاص من حرمته، وهذا لا يجوز أن يفعل بمسلم، وهو مثلة قبيحة، لا تجوز لمسلم أو كافر.

فلا بد من القطعبأن لفظة: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا) إنما هي مجاز يقصد به الحث على الصلاة في البيت لأن عدم الصلاة فيه يجعله بمثابة المقبرة، التي تحرم الصلاة فيها. فهي إذاً لا تعني أبداً أن الدفن في البيت غير جائز: معاذ الله أن يكون هذا هو مراد الله ورسوله، ثم يأذن، جل جلاله، بوقوع ذلك لأفضل خلق الله، نبي الله الخاتم، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وفي أشرف بيت في الدنيا، بيته وبيت زوجه أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وبإجماع وموافقة من خير قرون بني آدم: أصحاب رسول الله: هذا لا يظنه إلا كافر عنيد، أو حمار بليد!

ويترتب على النصوص آنفة الذكر بطلان الصلاة في المقبرة، إلا صلاة الجنازة التي ورد النص بجوازها في المقبرة عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بالرغم من كون بعض المقابر، كقبور الأنبياء والصالحين من أشرف وأطهر بقاع الأرض، ولكن الصلاة فيها باطلة، لا بعلة النجاسة، كما زعم بعض السخفاء من أدعياء الفقه، بل بأمر صاحب الحكم والربوبية والسيادة، جل ذكره، كبطلانها في المكان النجس، لأن طهارة الموضع شرط في صحة الصلاة؛ وكذلك تبطل الصلاة في الحمام سواءً بسواء، مع كون الحمام ليس نجساً في أغلب أحواله، بل لعله أنظف وأطهر من مرابض الغنم، التي تجوز فيها الصلاة، وإنما النجس دوماً هو «الكنيف»، أي المرحاض، وهو بيت الخلاء، ونحوه.

ماهية المقبرة: المقبرة هي المكان المحدد أو الأرض المخصصة لدفن الموتى، بحدود معلومة، وقد تكون مُسَوَّرة، وقد لا تكون، ولكنها علي كل حال معلومة محدودة، ولا تكون قطع الأرض المحددة المعلومة مقبرة بمجرد تخصيصها وحجزها لهذا الغرض، بل لا بد أن يكون قد تم فيها دفن فعلياً، ولو قبر واحد، حينئذ يصح أن تسمَّى مقبرة، وتنطبق عليه أحكام المقبرة: بقعة كل قبر بعينه، وكذلك الفضاء بين القبور الموجودة في تلك المقبرة، مهما كان ذلك الفضاء واسعاً. فإذا اندرست، وذهبت معالمها، وجهلت حدودها سقط عنها اسم المقبرة، وعادت أرضاً فضاءً، لا غير، وبالضرورة العقلية والشرعية لم يعد ينطبق عليها شيء من أحكام المقبرة.

وقد يوجد أحياناً قبر منفرد أو قبور منفردة مبعثرة في الفضاء لا تضمها مقبرة معلومة، ففي هذه الحالة يكون كل قبر بمفرده وبذاته، بحدوده المعلومة، مقبرة مستقلة، أما الفضاء بين تلك القبور المبعثرة المنفردة فهو أرض فضاء، تقع بين مقابر متباينة، مهما كان صغيراً أو ضيقاً، فليس هو إذاً من المقبرة، ولا تسري عليه أحكامها، بخلاف الفضاء بين المقابر الواقعة داخل مقبرة واحدة معلومة.

وقد اختلط النهي عن «اتخاذ القبور مساجد» بقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً» في أذهان بعض الضعفاء من الرواة، فتولدت متون منكرة، لا تحل روايتها إلا على وجه التعجب،والتحذير منها، من مثل:
* ما أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، (ج:2 ص:241): [أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس أخبرنا أبو بكر بن عياش عن أبي المهلب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن كعب بن مالك قال إن أحدث عهدي بنبيكم، صلى الله عليه وسلم، قبل وفاته بخمس فسمعته يقول: «إنه من كان قبلكم اتخذوا بيوتهم قبورا ألا وإني أنهاكم عن ذلك ألا هل بلغت اللهم اشهد اللهم اشهد»]،
قلت: هذا باطل سنداً لأن أبا المهلب مطرح بن زيد الأسدي الكناني الكوفي ثم الشامي ضعيف، وكذلك علي بن يزيد بن أبي هلال الألهاني الدمشقي الشامي ضعيف، بل لعله أسوأ حالاً من أبي المهلب، والواسطة بينهما هو عبيد الله بن زحْر الأفريقي ليس بالقوي وضعفه جماعة منهم أبو حاتم بن حبان على تساهله، بل قد قال ابن حبان: (إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة: علي بن يزيد، وعبيد الله بن زحْر، والقاسم بن عبد الرحمن فهو مما عملته أيديهم)، فلعل أصل الحديث كحديث الحارث النجراني، رضي الله عنه، سمعه كعب بن مالك في نفس المناسبة، ثم أفسده علي بن يزيد أو أبو المهلب، أو اشتركا في إفساده، هذا إن لم يكن مخترعاً موضوعاً من أساسه. أما متناً فهو باطل أيضاً لأن المحفوظ هو حديث الحارث النجراني، ولأن كعب بن مالك كان حاضراً كما هو في نص الحديث، وهو من أكابر الصحابة عقبي شجري، شهد المشاهد كلها إلا بدر وتبوك، فلو كانت جملة: «إنه من كان قبلكم اتخذوا بيوتهم قبورا ألا وإني أنهاكم عن ذلك ألا هل بلغت اللهم اشهد اللهم اشهد»، محفوظة، وكان الحديث السابق ثابتاً، لأخبر به كعب بن مالك الصحابة أثناء تداولهم وتشاورهم حول موضوع الدفن، ولما دفنوا النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في بيته.

| فصل: «اللهم لا تجعل قبري وثنا»
سبق أن أوردنا أعلاه ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص246/ح7352) عن أبي هريرة من طريق ثالثة: [حدثنا سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا؛ لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج12/ص34/ح6681)، وقال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص445/ح1025)؛ وتجده أيضاً في فضائل المدينة (ج1/ص51/ح58)؛ ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء»، وأخرجه كذلك ابن سعد، كلهم من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح.

وكنا – في طبعة سابقة لهذا البحث - قد اغتررنا بتصحيح الشيخ حسين أسد، وغيره، لهذه الرواية فاعتمدناها. ثم استدركنا أنه، جل جلاله، قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (الحجر؛ 14:9). فكيف تنقل إلينا جملة: (لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وما شابهها، نقل تواتر، يفيد القطع واليقين، من طريق النجوم الثواقب من أئمة النقل، ثم لا تأتينا قرينتها المزعومة: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا) إلا من طريق حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح؟! نعم: حمزة بن المغيرة بن نشيط الكوفي المخزومي، رجل معروف صالح، من سراة الموالي في الكوفة، قليل الحديث، وليس له رواية في الكتب السته، وليس هو من أئمة النقل الجهابذة المشاهير، الذين تقوم بهم الحجة القاطعة. نعم: لم يتكلم فيه أحد بجرح، وكذلك لم يصرح بتوثيقه أحد إلا يحيى بن معين، حيث قال: (لا بأس به)، وهي تزكية ضعيفة، ووثقه ابن حبان على قاعدته. وسهيل بن أبي صالح صدوق تغير حفظه بآخرة، وتحاشاه البخاري إلا في مواضع قليلة فأخرج له مقروناً أو متابعة، فلا ندري متى سمع منه حمزة بن المغيرة. فالواجب إذاً اعتبار هذه الزيادة: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا) زيادة شاذة، لا تثبت، يجب رفضها، ولا يجوز التدين بها.
وقد جاء الآن، بعون الله تعالى، أوان دراسة هذه الزيادة المهمة: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا)، لعلنا نصل إلى حقيقة مصدرها، ومن أين جاءت. فلعلنا نذكرطرقها المختلفة، وكلها مراسيل:
* فقد أخرجها الإمام مالك في الموطأ (ج1/ص172/ح414) عن عطاء بن يسار: [عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِى وثنا يُعْبَدُ؛ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»]

* وأخرجها الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج1/ص406/ح1587) عن زيد بن أسلم: [عن معمر عن زيد بن أسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، فإنه اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]
- وأخرجها الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص150/ح7544): [حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى له، اشتد عضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد)]

* وأخرجها الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج8/ص464/ح15916) عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري: [عن إبراهيم بن أبي يحيى وابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم إني أعوذ بك أن يتخذ قبري وثنا، ومنبري عيدا)]
نعم: ورواه ابن عبد البر من طريق البزار (غير طريق مالك) موصولاً:
* كما جاء في «التمهيد لابن عبد البر»، (ج5/ص42): [حدثنا إبراهيم بن شاكر ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب الرقى قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا سليمان بن سيف قال حدثنا محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني قال أخبرنا عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد؛ اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»]، ثم قال ابن عبد البر نصاً: (إلا أن عمر بن محمد أسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وعمر بن محمد ثقة روى عنه الثوري وجماعة)، وقال بعد قليل: (وقد أسند حديثه هذا عمر بن محمد وهو من ثقات أشراف أهل المدينة روى عنه مالك بن أنس والثوري وسليمان بن بلال وغيرهم وهو عمر بن محمد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهذا الحديث صحيح ثم من قال بمراسيل الثقات وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له وهو ممن تقبل زيادته وبالله التوفيق).
قلت: رحم الله الإمام ابن عبد البر فقد وهم ها هنا وهماً شنيعاً، فإن عمر بن محمد هذا هو عمر بن صُهْبان، كما جاء مصرحاً به منسوباً في بعض نسخ البزار، وليس هو الثقة المشهور عمر بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب. وعمر بن صهبان هذا ضعيف ساقط، لا تقوم به حجة.

* ولكن جاء في علل الدارقطني (ج2/ص220 – 221/ح233)ما يشفي الغليل، ويرفع الوهم، ويحسم القضية: [وسئل عن حديث المعرور بن سويد عن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وحدثنا؛ وكان بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ فقال يرويه أصحاب الاعمش عنه عن المعرور عن عمر موقوفا وأسنده عبد الجبار بن العلاء عن بن عيينة عن الاعمش عن المعرور عن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم،ولم يتابع عليه، والمحفوظ هو الموقوف]
قلت: عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار، لا بأس به، من شيوخ الأئمة: مسلم والترمذي والنسائي، له عشرات الأحاديث في الكتب الستة، وبالرغم من ذلك لم يأبه الإمام الدارقطني بتفرده وشذوذه، فحمزة بن المغيرة بن نشيط الكوفي المخزومي أولى بأن يعرض عنه فيما شذ به من الرواية.

فهذا هو إذاً أصل الحديث: وإنما هو من كلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، واجتهاده. والاعمش عن المعرور عن عمر إسناد صحيح على شرط الشيخين. ولعل لفظه كان هكذا: [اللهم لا تجعل قبر نبيك وثنا (أو: قبر محمد وثنا)؛ وكان بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]، أو نحواً من ذلك، لأن الإمام الدارقطني إنما ذكر اللفظ المرفوع، بزعمهم، فقط. وهذا المتن لا غرابة فيه لأنه موافق لمذهب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في آثار الأنبياء، وهو مذهب معروف مشهور.

ويحتمل أن عمر، رضوان الله وسلامه عليه، إنما أخذه من تعقيب لأبي بكر، رضوان الله وسلامه عليه، بكلام مشابه؛ فقد ذكر الألباني في كتيبه المسمَّى: «تحذير الساجد»: [ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها رضي الله عنهما، فأخرج ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال: لما ائتمروا في دفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه! وقال أبو بكر: (معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد)، وقال الآخرون: ندفنه في البقيع حيث دفن إخوانه المهاجرون،... إلخ]؛ ولنا عودة إلى هذا الموضوع، ولكننا لا ندري ما حال إسناد ابن زنجويه إلى عمر مولى غفرة. وحتى لو كان ذلك الإسناد من أصح أسانيد الدنيا، فهو لا يغني شيئاً، لأن عمر مولى غفرة ليس بقوي، ولا هو بالحجة، وليس هو بشاهد عيان للقصة، وإنما أرسلها إرسالاً.
كما يحتمل، وهو الأرجح والأقوى،هو أن نسبة هذه الجملة: (معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد) إلى أبي بكر خطأ، وإنما القائل هو عمر فقط، كما تصدقه رواية الدارقطني الصحيحة؛ وأياً ما كان الأمر، فهذه الجملة موضع البحث ليست مرفوعة.
ثم بعد ذلك تصرف بعض الرواة في هذا الأثر فظنوه مرفوعاً، وربما أدرجوا لفظة (يعبد) أو (يصلى له) في محاولة لبيان المعنى، ووهموا ثانية فربطوه بالثابت من قول النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فظنوا أنه قالها في ذلك السياق.
فما جاء في علل الدارقطني، هكذا عرضاً من غير تكلف، ما هو إلا نموذج عملي، وواحد من مصاديق قوله، جل جلاله، وسما مقامه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (الحجر؛ 14:9): صدق الله، وصدق رسوله: حقاً وصدقاً، أزلاً وأبداً.

فزيادة (اللهم لا تجعل قبرى وثنا)، سواءً اكتفي بها هكذا، أو ألحقت بها لفظة: «يعبد»، أو «يصلى إليه»، لم تأت موصولة قط من طريق فيها خير، فلا تقوم بها الحجة، فلا يجوز التدين بها، بل يجب طرحها حتماً، ولا يجوز الأخذ بها مطلقاً، وإنما هي من رأي عمر واجتهاده، والرأي يخطيء ويصيب، وليس كذلك الوحي المنزل من عند عالم الغيب والشهادة. وقد وافقت هذه الزيادة الشاذة هوى بعض الناس فطاروا بها كل مطار ظانين أنها تنصر باطلهم، وهي بالعكس من ذلك تماماً: وكذلك الهوى، لا سيما إذا بلغ درجة الهوس، يعمي ويصم!!
ومن أمثلة هذا الهوس الخالص، بل الجنون المحض:
* ما جاء شرح العقيدة الطحاوية للدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي (1/1045): [وهذا مثل ما جَاءَ في الحديث الآخر الذي روته عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ وثنا) فخشية أن يتخذ وثنا لم يجعل بارزا]؛ قلت: ما شاء الله كان: بلغ الهوس بأصحابه أن انقلبت عندهم لفظة: (مسجداً) فأصبح (وثنا)؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وحتى لو ثبتت هذه الجملة: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا)، لما كان فيها إلا استعاذة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أن يصبح قبره وثنا، والوثن إنما هو كل رمز لعقيدة كفر وشرك. كما أسلفنا بما لا مزيد عليه، والحمد لله رب العالمين. فلا يصبح قبر النبي وثنا، إلا إذا اعتقد بعض الناس فيه هو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم،اعتقاداً كفرياًأو شركياً، ولا يهم بعد ذلك إذا ما: تبرك الناس بقبره أم لم يتبركوا، تمسح الناس بقبره أو لم يتمسحوا، عكفوا على قبره أو لم يعكفوا، اتخذوا قبره عيداً أو لم يتخذوا، ولا حتى إن سجدوا إلى قبره أو لم يسجدوا، ومعاذ الله أن يعوذ خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات من الله، فقط من مجردتبرك أو تمسح أو عكوف أو اعتياد، أو حتى سجود، لقبره الشريف، ولا يستعيذ من كل عقيدة باطلة في شخصه النبوي الكريم، وهو الذي كان دوماً يحذر من الغلو في ذاته الشريفة، ويحذر من إطرائه كما فعلت النصاري بالسيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته:
* كما أخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1271/ح3261) بإسناد في غاية الصحة: [حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يقول أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم: فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله)]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج6/ص2503/ح6442)؛ وابن حبان في صحيحه (ج2/ص152/ح413)، (ج2/ص152/ح414)، (ج14/ص133/ح6239)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص23/ح154)، (ج1/ص24/ح164)، (ج1/ص47/ح331)، (ج1/ص55/ح391)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص6/ح24)؛ والحميدي في مسنده (ج1/ص16/ح27)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص143/ح153)؛ والدارمي في سننه (ج2/ص413/ح2784)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج2/ص265/ح1937)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج5/ص439/ح9758)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد (ج 1/ص83/ح211): [حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن المفضل قال حدثنا أبو مسلمة عن أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبى انطلقت في وفد بنى عامر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (أنت سيدنا!)؛ قال: (السيد الله!)؛ قالوا: (وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً!)؛ قال: فقال: (قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان!)]؛ قلت: أبو مسلمة هو سعيد بن يزيد بن مسلمة، الأزدي القصير، ثقة من رجال الشيخين والجماعة، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وحقه أن يكون على شرط الشيخين، إلا أن البخاري إنما أخرج لأبي نضرة في صحيحه متابعة فقط. وأخرجه أبو داود في سننه (ج4/ص254/ح4806)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص70/ح10076)؛ وغيرهم.
* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص25/ح16350) من طريق ثانية متصلة صحيحة على شرط الشيخين: [حدثنا حجاج حدثني شعبة قال سمعت قتادة قال سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنت سيد قريش!)؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (السيد الله!)؛ قال: (أنت أفضلها فيها قولا، وأعظمها فيها طولا!)؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ليقل أحدكم بقوله ولا يستجره الشيطان)]؛ وهو في مسنده (ج4/ص25/ح16359)؛ وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص70/ح10074)؛ وغيرهم.

* وأخرج النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص70/ح10077) بإسناد صحيح: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا العلاء بن عبد الجبار قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا ثابت وحميد عن أنس أن رجلا قال: (يا محمد: يا سيدنا وابن سيدنا؛ وخيرنا وابن خيرنا!)؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس: قولوا بقولكم ولا تستجرينكم الشياطين، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله)]؛ و(ج6/ص71/ح10078): [أخبرنا أبو بكر بن نافع قال حدثنا بهز قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا ثابت عن أنس أن ناسا قالوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يا خيرنا وابن خيرنا ويا سيدنا وابن سيدنا)؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان؛ اني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تعالى أنا محمد بن عبد الله: عبده ورسوله)]، وهذا أيضاً إسناد صحيح؛ أخرجه ابن حبان في صحيحه (ج14/ص134/ح6240)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص153/ح12573)، (ج3/ص241/ح13553)، (ج3/ص249/ح13621)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص390/ح1309)، (ج1/ص397/ح1337)؛ وربما غيرهم. وقد سمعه عفان بن مسلم، وهدبة بن خالد، والحسن بن موسى الأشيب، وحجاج بن منهال، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم من حماد بن سلمة.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص347/ح3247) بإسناد صحيح: [حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى عن أجلح قال حدثنا يزيد بن الأصم عن بن عباس قال جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يراجعه الكلام فقال: (ما شاء الله وشئت)؛ فقال: (جعلتني لله عدلا: ما شاء الله وحده)]، وهو أيضاً في مسند أحمد (ج1/ص214/ح1839)، و(ج1/ص224/ح1964)، و(ج1/ص283/ح2561)؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص274/ح783)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص244/ح13005 - 13006)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص245/ح10825)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص217/ح5603)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص74/ح29573)؛ وغيرهم. وقد رواه عن أبي حجية الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندي، جمع من الأكابر: سفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وهشيم، وأبو معاوية، وعلي بن مسهر، وجعفر بن عون.

* وأخرج الحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج2/ص883/ح952) مرسلاً في غاية الجودة: [حدثنا خلف بن الوليد حدثنا الأشجعي عن سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن علي بن حسين قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا ترفعوني فوق حقي ان الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبياً)]
* وهو في الذرية الطاهرة لأبي بِشْر محمد بن أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الدولابي الرازي (المتوفى: 310هـ) (ج1/ص186/ح153) مرفوعاً متصلاً: [حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا علي بن قاسم، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يحيى بن سعيد، قال: كنت عند علي بن حسين فجاءه نفر من الكوفيين فقال علي بن الحسين: يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام فإني سمعت أبي يقول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا ترفعوني فوق حقي فإن الله عز وجل قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا»؛ قال يحيى بن سعيد: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: «وبعد ما اتخذه نبيا»، صلى الله عليه وسلم]

* وأخرج ابن الجعد في مسنده (ج1/ص474/ح3290) مرسلاً بإسناد جيد: [أخبرنا جسر بن الحسن عن الحسن البصري أن رجلا لقي النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (مرحبا بسيدنا وابن سيدنا!)؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (السيد الله، تبارك وتعالى)]

| فصل: تحرير معنى «اتخاذ القبور مساجد»
بقي تحرير معنى جملته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (اتخاذ القبور مساجد)، ماذا يتضمن، وماذا يعني. وبالرجوع إلى تحرير معنى «المسجد»، كما سبق، وكذلك لمفهوم «المقبرة» يتبين أن الجملة، جملة (اتخاذ القبور مساجد)، تعني ضرورة واحداً أو أكثر مما يلي:
(1) أن يكون القبر موجوداً أو المقبرة موجودة ثم يتخذ فوق أرضها مسجدا:
(أ) إما مسجداً محدداً دائمياً بحيث يكون القبر كله أو بعضه مشاركاً للمسجد في المساحة،
(ب) أو مسجداً مؤقتاً، أي بأن يسجد أو يصلى عليه، أي على ذات القبر،
(ج) أو مسجداً مؤقتاً، أي بأن يسجد أو يصلى في المسافات بين القبور في المقبرة المعلومة المحددة، لأن تلك المسافات، وإن خلت من قبر، إلا أنها بعض «المقبرة»، وتقع داخل حدودها، فهي منها لغة وعرفاً وحكماً، فلا تجوز الصلاة فيها.
والمسجد الذي يبنى على قبر معلوم أو مقبرة معلومة، مسجد لم يؤسس على التقوي، لأنه نشأ خلاف الحكم الشرعي، فإبطاله بالهدم والإزالة واجب، لا هوادة فيه، كمسجد الضرار الشهير ولا فرق، لأنه نشأ باطلاً، تماماً كالمسجد المبني على أرض مغصوبة، والقبر أو المقبرة أصيل سابق.
(2) الدفن في المسجد الموجود المحدد، مبنياً مشيداً كان أو لم يكن. ففي هذه الحالة طرأ القبر على المسجد، فالواجب هو إزالة القبر الطاريء، بنبش الميت بكل احترام وأدب، يقوم به أهل الاحتراف تعلوهم السكينة والوقار، ثم تنقل بقايا الميت، إن وجد شيء أصلاً بعد تغليفها بكفن جديد مناسب، إلى مكان لا مسجد فيه، في أرض حلال: غير مغصوبة أو معتدى عليها.
فلا يمكن أن تكون البقعة الواحدة مسجداً ومقبرة في آن في هذه الشريعة المباركة الخاتمة: فإن كان مقبرة حرم تحويلها إلى مسجد إلا بإبطال كونها مقبرة إما بنبش الموتى ونقلهم، كما أسلفنا، أو باندراس المقبرة وذهاب أثرها مع تطاول الزمن بحيث لا تتميز عن الأرض الفضاء فيسقط عنا اسم «المقبرة». وإن كانت الأرض أو البناء مسجداً أصبح موقوفة على هذه الوظيفة فلا يجوز بيعها، ولا التصرف فيها إلا بما أذن به النص الشرعي صراحة، لا يجوز تحويلها إلى سوق أو مسكن، ومن باب أولى لا يجوز تحويلها إلى مقبرة، لما أسلفنا.
وليس ما قلناه بدع من القول، ولا هو وسوسة أو تنطع، بل قد قال بمثله بعض أئمة السلف:
* كما جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج:1 ص:404): [عن ابن جريج قال قلت لعطاء أتكره أن نصلي في وسط القبور أو في مسجد إلى قبر قال نعم كان ينهى عن ذلك قال أرأيت إن كان قبر وبيني وبينه بعد أو على مسجد ذراع فصاعدا قال يكره أن يصلي وسط القبور]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج:1 ص:405): [عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال لا تصلين إلى حش ولا البغوي؛ ولا في المقبرة]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج:1 ص:405): [عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال لاتصلين إلى حش؛ ولا في الحمام ولا في المقبرة]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج:1 ص:407): [عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني ابن طاووس عن أبيه قال لا أعلمه إلا كان يكره الصلاة وسط القبور كراهة شديدة]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج:1 ص:406): [أن ابن جريج قال قلت لنافع أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور قال لقد صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع قال والإمام يوم صلينا على عائشة، رضي الله عنها، أبو هريرة وحضر ذلك عبد الله بن عمر]، قلت: هذا خارج عن الموضوع، لأن صلاة الجنازة تجوز نصاً في المقبرة.

وزعم قوم أن جملة (اتخاذ القبور مساجد) تتضمن النهي عن استقبال القبر بسجود أو في الصلاة، أي أن يكون في القبلة، أو ما هو - بزعمهم - شر من ذلك: أن يتخذ قبلة. وهذا قول سخيف باطل، بين البطلان، فالمسجد غير القبلة، و(اتخاذ القبور مساجد) ليس هو (اتخاذ القبور قبلة)، ولا هو (استقبال القبر في الصلاة)، بضرورة اللغة، المنبنية على ضرورة الحس والعقل.
نعم:الصلاة إلى القبر محرمة، ولكن ليس بدلالة ما سبق، كما زعم بعض من تسطح فكره، أو فسُد دماغه، أو استحوذت الوساوس على عقله، وإنما بدليل مستقل، كما سيأتي الآن، إن شاء الله تعالى.

|فصل: النهي عن الصلاة إلى القبور، أي اتخاذها قبلة
* أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص135/ح17254) بإسناد غاية في الصحة عن أبي مرثد الغنوي: [حدثنا الوليد بن مسلم قال سمعت بن جابر يقول حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي انه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول حدثني أبو مرثد الغنوي سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص668/ح972)؛ والنسائي في سننه (ج2/ص67/ح760)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص274/ح836)؛ وربما جاء بلفظ: (لا تجلسوا على القبور،ولا تصلوا إليها)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج1/ص244/ح316) من طريق صدقة بن خالد: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبيد الله قال سمعت واثله بن الأسقع يقول سمعت أبا مرثد الغنوي يقول سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تصلوا على القبور ولا تجلسوا عليها)]؛ قلت: هذا الحرف (على) إنما تفردت به هذه الطريق، فهو حرف شاذ، بل منكر، ولعله من أغلاط النساخ؛ ثم قال بن أبي عاصم: (ورواه أيوب بن سويد والوليد بن مسلم فقالا عن بسر قال سمعت واثله بن الأسقع؛ وقال بن المبارك عن بسر سمعت أبا إدريس الخولاني عن واثله وقال عن الوليد أيضا مثله واخطأ. قال أبو بكر بن أبي عاصم: وصدقة من أثبتهم في بن جابر؛ قال أبو مسهر: سمعته من دحيم)؛ قلت: وكذلك رواه عيسى بن يونس، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد البيروتي كما رواه صدقة بن خالد مما يبرهن على أن الإمام عبد الله بن المبارك قد وهم وأخطأ فيه (يعني: عندما زاد أبا إدريس الخولاني في الإسناد): ولكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وتجده هلى الصحيح عند ابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص8/ح793)؛ وأخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص217/ح3229)؛ والحاكم في مستدركه (ج3/ص244/ح4975)، و(ج3/ص244/ح4976)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج19/ص193/ح433)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص330/ح580 - 581)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص80/ح7007)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص515)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص376/ح12051) بإسناد حسن عن بن عباس: [حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري حدثنا يحيى بن أكثم القاضي حدثنا الفضل بن موسى حدثنا عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا الى قبر، ولا تصلوا على قبر)]؛ عبد الله بن كيسان فيه ضعف يسير من جهة حفظه، ولكنه حفظ ها هنا، فالحديث صحيح، كما تشهد المتابعة التالية:
- التي أخرجها الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص412/ح12168): [حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا عبد الرحمن بن مغراء حدثنا رشدين بن كريب عن أبيه عن بن عباس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يُصَلَّي إلى قبر، ولا على قبر)]

قوله: «لا تصلوا إليها»، أو «لا تصلوا الى قبر»، أو «لا يُصَلَّي إلى قبر»، يعني ضرورة لا تصلوا في اتجاهها، أي لا تجعلوها في قبلتكم، إلا أن يكون هناك جدار أو ساتر. فإن وجد جدار أو ساتر، كقارعة طريق فاصل، أو عَنَزَة، ولو خط رمزي يخطه المصلي بين يدي مكان صلاته في الفضاء، كما جاء في بعض الروايات. فإن وجد ساتر، مهما كان نوعه، فقد انقطعت الجهة، ولم يعد المصلي مستقبلاً القبر، ولا هو مصلياً إليه.

أما بالنسبة للمسجد المحدد الثابت فلا يجوز من ثم أن تكون القبور في قبلته مباشرة إلا إذا انفصلت بحاجز ثابت، ويكفي في هذا جدار واحد بارتفاع يمنع المصلين من رؤية القبور، سواء كانت هذه القبور قبراً منعزلاً، أو قبوراً مبعثرة في الفضاء أو مقبرة محددة لا سور لها. وإما إذا لم تكن المقبرة في قبلة المسجد مباشرة، كأن يفصل بينهما قارعة طريق مطروقة، فقد تم الانفصال، ولا حاجة لجدار أو غيرهن وإن كنا نستحب أن يكون الجانب القبلي من المسجد مسوَّرا بجدار على كل حال لمصلحة خشوع المصلين، ودفع الأذى عنهم. وقد جاء نحو ذلك عن السلف:
* كما جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج1/ص404/ح7007): [عن ابن جريج عن عطاء قال: (لا تصل وبينك وبين القبلة قبر؛ وإن كان بينك وبينه ستر ذراع فصل)]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»، (ج1/ص404/ح1581): [عن معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال رآني عمر بن الخطاب وأنا أصلي ثَمَّ قبر فجعل يقول: (القبر!)؛ قال فحسبته يقول: (القمر!)؛ قال: (فجعلت أرفع رأسي إلى السماء فأنظر)؛ فقال: (إنما أقول القبر: لا تصل إليه)، قال ثابت: فكان أنس بن مالك يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي، فيتنحى عن القبور]
* جاء في «مصنف عبد الرزاق»،(ج1/ص405/ح1583): [عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قالوا كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة: القبر والحمام والحش]، قلت: أما القبر فلما سلف، وأما الحمام والحش فلعله من باب التنزه، والأدب الراقي، والذوق الرفيع، وإلا فما ثمة نص في هذا!
و(الصلاة إلى القبور)، كما بيناه، حرام، ولكنه ليس من جنس (اتخاذ القبور مساجد)، ولا هو من بابه، ولا من درجة تحريمه فهذا كبيرة قبيحة من كبائر الذنوب جاء النص صريحاً بلعن فاعلها، وتلك، أي (الصلاة إلى القبور)، جاء النهي عنها مجرداً عن اللعن أو الوعيد، فهو من صغائر الذنوب.
وفي كلتا الحالتين، أي (اتخاذ القبور مساجد) و(الصلاة إلى القبور) قد ورد النهي عن الصلاة، وفي الأولى النهي كذلك عن مطلق السجود.
والحق الذي لا يجوز أن تكون فيه شبهة: أن النهي يقتضي البطلان، فمن صلى كذلك وقعت صلاته باطلة، لأنه لم يصل كما أمر، بل صلى مخالفاً للنهي، إلا من عذر بجهل أو تأويل أو إكراه ملجئ، أو غيره من الأعذار الشرعية المعتبرة. فلا صحة لتقاسيم الألباني السخيفة الساقطةالمنكرة حيث فرق بين حالتين:
الأولى: أن يقصد الصلاة فيها من أجل القبور، والتبرك بها، كما يفعله كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة!
الثانية: أن يصلي فيها اتفاقاً لا قصداً للقبر.
وهذا هو عين لفظ الألباني كما هو في رسالته: (تحذير الساجد، من اتخاذ القبور مساجد)، كما هي أمامي الآن في طبعتها الرابعة، من اصدار «المكتب الإسلامي» بتاريخ. 1403 هـ، الموافق 1983م.
فنقول: هذه تقاسيم يستعاذ بالله منها! وسؤالنا للألباني ومقلدته: أين وجدتم هذه التقاسيم في نصوص الأحاديث المذكورة آنفاً؟! فلعلها فاتت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم عرفتموها أنتم واستدركتموها عليه؟! فإن كان هذا قولكم فحسبكم الكفر، وإن كان غير ذلك: فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
نعم: سيسارع القوم بذكر سلسلة من التعليلات والحِكَم المزعومة المكذوبة في هذه النواهي النبوية الشريفة آنفة الذكر لتبرير قسمتهم الباطلة، فنقول: اصبروا قليلاً حتى نهاية هذا البحث لتعرفوا مكانة تعليلاتكم الفاسدة من الشرع والعقل!

|فصل: النهي عن البناء على القبور والأمر بتسويتها
والبناء على القبور، وتجصيصها، أي طلائها بالجص وهو الجبس أو النورة، محرم كذلك، على الإطلاق، لا فرق بين فعل ذلك لاتخاذها مسجداً، فتتضاعف الحرمة وتغلظ، وتصبح كبيرة من كبائر الذنوب يستحق فاعلها لعنة الله وغضبه، أو لمجرد الزخرفة والزينة، أو للمظاهر والرياء وتنافس السفهاء من الأغنياء، للأدلة التالية:
* فقد أخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص504/ح6488) بإسناد متصل صحيح عن جابر بن عبد الله: [أخبرنا بن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يقعد الرجل على القبر، وأن يُقَصَّص، وأن يبنى عليه]؛ يُقَصَّص لغة في يُجَصَّص؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص295/ح14181): [حدثنا عبد الرزاق حدثنا بن جريج بعينه]؛وأبو داود في سننه (ج3/ص216/ح3225): [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق بعينه]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص339/ح14688): [حدثنا حجاج حدثنا بن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يقعد الرجل على القبر أو يقصص أو يبني عليه]؛ ومن طريق حجاج مسلسلاً بالتحديث أخرجه النسائي في سننه (ج4/ص88/ح2028)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص653/ح2155)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص436/ح3165)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص4/ح6553)؛ وبنحوه، ولكن معنعناً، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص667/ح970)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص434/ح3163)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص25/ح11764)؛ وغيرهم.

* ولكن قال الترمذي في سننه (ج3/ص369/ح1052): [حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمد بن ربيعة عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ]؛ ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح قد روى من غير وجه عن جابر وقد رخص بعض أهل العلم منهم الحسن البصري في تطيين القبور وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر)؛ وهكذا بذكر (النهي عن الكتابة) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص516/ح0)؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص525/ح1369)، ثم قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم وقد خرج بإسناده غير الكتابة فإنها لفظة صحيحة غريبة؛ وكذلك رواه أبو معاوية عن بن جريج)، فساق الحديث (ج1/ص525/ح1370)، ثم قال: (هذه الأسانيد صحيحة وليس العمل عليها فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف).
قلت: رحم الله الإمامين أبا عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي وأبا عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم فقد اغترا بوثاقة رجال هذا الحديث بطوله مع الزيادة: (وأن يكتب عليه)، وهي زيادة ساقطة دلسها ابن جريج عن راوٍ لا شك أنه ضعيف، وذلك لأن الإمام الحجة عبد الملك بن جريج، مع جلالة قدره ووثاقته المتفق عليها، إذا صرح بالتحديث، ليس كذلك إذا عنعن، لأنه يدلس تدليساً قبيحاً، ولا يكاد يدلس إلا عن مجروح، ولم تأت هذه اللفظة: (وأن يكتب عليه)، وما شابهها، إلا من طرق معنعنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد كان الأولى بالإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم أن يتنبه لبطلان تلك الزيادة لأنه هو نفسه الذي لاحظ، بحق: (وليس العمل عليها فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف) ومعاذ الله أن يكون عمل الأمة كلها، من شرقها إلى غربها، خلافاً لنهي نبيها!

ثم بحثنا فوجدنا البرهان اليقيني القاطع على بطلان هذه الزيادةالمكذوبة المنكرة: (وأن يكتب عليه):
* حيث أخرج الإمام النسائي في سننه (ج4/ص87/ح2027)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص653/ح2154): [أخبرنا هارون بن إسحاق قال حدثنا حفص عن بن جريج عن سليمان بن موسى وأبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص؛ زاد سليمان بن موسى: (أو يكتب عليه)]؛ وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص325/ح1075): [حدثني بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه؛ وقال سليمان بن موسى: (وأن يكتب عليه)]
فظهر الحق لكل ذي عينين أن النهي عن الكتابة على القبر إنما هو من أفاعيل سليمان بن موسى. وسليمان بن موسى هذا هو أبو أيوب الأموي الدمشقي الأشدق، تساهل معه الحافظ، فقال: (صدوق في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل)، وكان حقه أن يقال فيه أيضاً: (كثير الخطأ، في حديثه لين، لا يقيم الأسانيد، ويرسل ويدلس)، أو ما هو شر من ذلك: (ضعيف)، فهو بالقطع ليس بحجة إذا انفرد. وسليمان بن موسى نفسه لا يدري من أين أخذها، فهو تارة يذكرها عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هكذا مرسلة، بل معضلة، من غير إسناد؛ وتارة يذكر الحديث بطوله أو بعضه عن جابر، وهو ما رأى جابر ولا لقيه قط، ومرة بواسطة عطاء، وإليك بعض هذه التخاليط والوساوس، للعظة والعبرة:
- فقد أخرج ابن حبان في صحيحه (ج7/ص435/ح3164): [أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو معاوية قال حدثنا بن جريج عن أبي الزبير عن جابر؛ وعن سليمان بن موسى قالا: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن تجصيص القبور والكتاب عليها والبناء عليها والجلوس عليها]؛
- وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ج3/ص410/ح6526: [أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري أنبأ جدي يحيى بن منصور القاضي حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ حفص بن غياث عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله؛ وعن سليمان بن موسى: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه أبان بن أبي عياش عن الحسن وأبي نضرة عن جابر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ولا يزاد على حفيرته التراب وفي الحديث الأول كفاية، أبان ضعيف)؛
- وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص295/ح14182): [حدثنا محمد بن بكر حدثنا بن جريج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينهى أن يقعد الرجل على القبر وأن يجصص أو يبنى عليه]؛
- وأخرج ابن ماجه في سننه (ج1/ص498/ح1563): [حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يكتب على القبر شئ]؛
- وأخرج الطبراني في مسند الشاميين (ج3/ص191/ح2057): [حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يجلس على القبور ونهى أن تجصص وأن يبنى عليها]؛
- وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط (ج7/ص351/ح7699): [حدثنا محمد بن داود حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن قيس بن الربيع عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يكتب على القبر شئ]؛ فحسبك بهذه التخاليط، ويكفيك من شر سماعه!

* وأخرج ابن حبان بعض هذا الحديث في صحيحه (ج7/ص434/ح3162) من طريق أيوب عن أبي الزبير، بإسناد صحيح: [أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان قال حدثنا عمر بن يزيد السياري قال حدثنا عبد الرزاق عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ان تقصص القبور؛ قال: وكانوا يسمون الجِص:القِصَّة]؛وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص88/ح2029)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص653/ح2156)، من طريق ثانية صحيحة: [أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله عن تجصيص القبور]؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص498/ح1562)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص332/ح14605): [حدثنا بن علية أو غيره حدثنا أيوب به]؛ وغيرهم.
* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل بعضه في مسنده (ج3/ص399/ح15321) من طريق أخرى، إلا أنها منقطعة: [حدثنا عفان حدثنا المبارك حدثني نصر بن راشد سنة مائة عمن حدثه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال نهانا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تجصص القبور أو يبني عليها]؛ وهو كذلك عند الطيالسي في مسنده (ج1/ص248/ح1796).

* وأخرج ابن ماجه في سننه (ج1/ص499/ح1564) بإسناد صحيح عن أبي سعيد: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا وهيب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يبنى على القبر]؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص297/ح1020) بلفظ أتم، وإسناد صحيح: [حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا وهيب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد قال نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها]

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص299/ح26598) مرسلاً: [حدثنا على بن إسحاق حدثنا عبد الله أخبرنا بن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب عن ناعم مولى أم سلمة ان النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى ان يجصص قبرا أو يبنى عليه أو يجلس عليه]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص299/ح26597) متصلاً عن أم سلمة: [حدثنا حسن حدثنا بن لهيعة حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ان يبنى على القبر أو يجصص]؛ قلت: لا شك أن الإمام عبد الله بن المبارك أثبت في بن لهيعة وأقدم سماعاً من الحسن بن موسى الأشيب، ولكن يزيد بن أبى حبيب كثير الإرسال، فلأرجح أن يكون بن لهيعة قد كتب عنه هذا الخبر مرة متصلاً، والأخرى مرسلاً. لذلك نستخير الله ونقول بصحته متصلاً مرفوعاً لنظافة متنه، وكثرة شواهده، والله أعلم.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص397/ح19565) بإسناد جيد حسن عن أبي موسى الأشعري: [حدثنا معتمر بن سليمان التيمي قال قرأت على الفضيل بن ميسرة في حديث أبي حريز أن أبا بردة حدثه قال أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: (إذا انطلقتم بجنازتي فاسرعوا المشي ولا يتبعني مجمر ولا تجعلوا في لحدي شيئا يحول بيني وبين التراب ولا تجعلوا على قبري بناء وأشهدكم أني برئ من كل حالقة أو سالقة أو خارقة)؛ قالوا: (أو سمعت فيه شيئا؟!)؛ قال: (نعم: من رسول الله، صلى الله عليه وسلم)]، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج7/ص422/ح3150)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص395/ح6446)؛ وابن ماجه مختصراً في سننه (ج1/ص477/ح1487).

* وجاء نحو هذا عن فقهاء السلف فقد أخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص506/ح6493): [عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن أبيه كان يكره أن يبنى على القبر أو يجصص أو يتغوط عنده، وكان يقول لاتتخذوا قبور إخوانكم حشانا]

وقد يحق لقائل أن يقول أن كافة الروايات السابقة إنما أخبرتنا أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (نهى أن يبنى على القبر)، ولكنها لم تورد لنا اللفظ النبوي المعصوم بعينه، فلا يمكننا القطع بأنه نهي تحريم، بل جاز أن يكون نهي كراهية فقط. فنقول: نعم، هذا حق، ولكن الأحاديث التالية الآمرة بتسوية القبور، مما يعني ضرورة، هدم ما قد يكون بني على ذات القبر، من قبة أو نحوه، مع ما نعلمه من عمومات الشريعة الناهية عن التخريبوالفساد وإضاعة المال، كل ذلك قرينة كافية، توجب اعتبار النهي آنف الذكر نهي تحريم:
* فقد أخرج مسلم في صحيحه (ج2/ص666/ح969) عن علي بن أبي طالب: [حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قال يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لا تدع تمثالا إلا طمسته،ولا قبرا مشرفا إلا سويته]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص89/ح2031)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص653/ح2158)؛ والترمذي في سننه (ج3/ص367/ح1049)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص215/ح3218)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص96/ح741)، (ج1/ص129/ح1064)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص524/ح1366 - 1367)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص3/ح6548)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص285/ح343)، و(ج1/ص289/ح350)، و(ج1/ص456/ح614)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص503/ح6487)؛ وربما غيرهم.
* وأخرجه الطيالسي في مسنده (ج1/ص23/ح155) بلفظ: [حدثنا قيس بن الربيع عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج قال لي علي استعملك على ما استعملني عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: على مسخ التماثيل،وتسوية القبور]
قلت: أبو الهياج الأسدي هو حيَّان بن حُصَين الأسدي الكوفي، ثقة من كبار التابعين، كان علي شرطة إمام الهدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، وكان كذلك قد كتب لعمار بن ياسر أيام إمارته للكوفة في خلافة عمر بن الخطاب، فلقب «كاتب عمار»، وهو والد منصور وجرير ابني حيان. قلت: ليس في الأسانيد المذكورة ما يتخوف منه إلا عنعنة حبيب بن أبي ثابت لكثرة تدليسه وإرساله، ولكنه معروف بالسماع من أبي وائل، فالحديث صحيح بذاته كما قرره الإمام مسلم، فإن لم يكن بذاته،فبالشواهد، والمتابعات التالية:
* كالتي أخرجها الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص268/ح4163): [حدثنا علي قال: حدثنا محمد بن نباتة الرازي قال حدثنا عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ عن عمرو بن ابي قيس عن الاعمش عن ابي وائل قال: قال علي لابي الهياج ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال لا تدعن قبرا مشرفا الا سويته، ولا تمثالا الا طمسته]؛ علي هو علي بن سعيد الرازي، تكلموا فيه لدخوله في عمل السلطان، وهذا إسناد جيد.
* والتي أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص89/ح683): [حدثنا يونس بن محمد حدثنا محمد حدثنا حماد يعني بن سلمة عن يونس بن خباب عن جرير بن حيان عن أبيه ان عليا رضي الله عنه قال أبعثك فيما بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم،أمرني أن أسوى كل قبر، وأطمس كل صنم]؛ وأخرجه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند (ج1/ص111/ح889)، وفي فضائل الصحابة (ج2/ص701/ح1197): [حدثنا شيبان أبو محمد حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا يونس بن خباب عن جرير بن حيان به]
* والتي أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص145/ح1238): [حدثنا يزيد أنبأنا أشعث بن سَوَّار عن بن اشوع عن حنش بن المعتمر ان عليا رضي الله عنه بعث صاحب شرطته فقال أبعثك لما بعثني له رسول الله، صلى الله عليه وسلم:لا تدع قبرا الا سويته، ولا تمثالا الا وضعته]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص150/ح1283)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص28/ح11796)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص392/ح507)، و(ج1/ص425/ح563)؛ وغيرهم؛ ولكن أشعث بن سَوَّار ضعيف، ولكن لعله حفظ هنا.
* والتي أخرجها الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده (ج1/ص16/ح96) في قصة: [حدثنا شعبة عن الحكم عن رجل من أهل البصرة، (ويكنونه أهل البصرة أبو المورع وأهل الكوفة يكنونه بأبي محمد وكان من هذيل)، عن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم،في جنازة فقال: (أيكم يأتي بالمدينة فلا يدع فيها وثنا إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها،ولا قبرا إلا سواه؟!)؛ فقام رجل من القوم فقال: (يا رسول الله: أنا!)؛ فانطلق الرجل فكأنه هاب أهل المدينة فرجع؛ فانطلق علي فرجع فقال: (ما أتيتك يا رسول الله حتى لم أدع فيها وثنا إلا كسرته ولا قبرا إلا سويته ولا صورة إلا لطختها)؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من عاد لصنعة شيء منها)؛ فقال فيه قولا شديدا؛ وقال لعلي: (لا تكن فتانا ولا مختالا ولا تاجرا إلا تاجر خير فإن أولئك المسبوقون في العمل)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص87/ح657): [حدثنا معاوية حدثنا أبو إسحاق عن شعبة بنحوه؛ إلا أنه قال: (من عاد إلى صنعة شيء منه فقد كفر بما أنزل على محمد)]؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج1/ص390/ح506): [حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة بنحوه]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص87/ح658): [حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة باختلاف طفيف]؛ وغيرهم.
* وأخرجه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند (ج1/ص139/ح1170): [حدثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد حدثنا أبو شهاب عن شعبة عن الحكم عن أبي المورع عن على قال كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم،في جنازةفقال من يأتي المدينة فلا يدع قبر الا سواه ولا صورة الا لطخها ولا وثنا الا كسره قال فقام رجل فقال انا ثم هاب أهل المدينة فجلس قال علي رضي الله عنه فانطلقت ثم جئت فقلت يا رسول الله لم ادع بالمدينة قبر الا سويته ولاصورة الا لطختها ولا وثنا الا كسرته قال فقال من عاد فصنع شيئا من ذلك فقد كفر بما أنزل الله على محمد: يا علي لا تكونن فتانا أو قال مختالا ولا تاجر إلا تاجر الخير فإن أولئك هم المسوفون في العمل]؛ وهو بعينه في فضائل الصحابة (ج2/ص718/ح1230)؛ وعند الطبراني في معجمه الأوسط (ج3/ص364/ح3412): [حدثنا الحسن بن المتوكل البغدادي حدثنا سليمان بن محمد المباركي حدثنا أبو شهاب عن شعبة؛ باختصار طفيف]
* والتي أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص111/ح881)، و(ج1/ص139/ح1175) باختصار كبير: [حدثنا أسود بن عامر حدثنا شعبة قال: الحكم أخبرنيعن: أبي محمد عن على رضي الله عنه قال بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة فأمره أن يسوى القبور]
* وأخرجه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند (ج1/ص139/ح1176) من طريق ثانية: [حدثني شيبان أبو محمد حدثنا حماد يعنى بن سلمة أنبأنا حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن أبي محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث رجلا من الأنصار أن يسوى كل قبر وأن يلطخ كل صنم فقال يا رسول الله إني أكره أن أدخل بيوت قومي؛ قال: فأرسلني، فلما جئت قال يا علي لا تكونن فتانا ولا مختالا ولا تاجرا إلا تاجر خير فإن أولئك مسبوقون في العمل]
لعلنا نلاحظ ها هنا أمرين:
الأول: أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يباشر ذلك بنفسه، واكتفى بإرسال الأنصاري أولاً، فلم خاف هذا، أو كره هذا المهمة، بعث علياً لإنجازها؛ خلافا للأصنام التي كانت في الكعبة حيث أمر بإخراجها، وأشرف بنفسه على تحطيمها.
والثاني: أن ذلك وقع في المدينة عرضاً، حيث كانوا في جنازة، ولم يكن أول أيام دخوله في المدينة؛ فلم يكن هذا من أولوياته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كما يظن أهل الهوس والغلو.

فهذه أدلة قوية، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها نقل تواتر عن أم المؤمنين أم سلمة، وإمام الهدى علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، رضوان الله وسلامه عليهم، يوجب القطع بحرمة البناء على القبر، ووجوب تسويته فلا يكون مشرفاً، إلا تربيعاً أو تسنيما بارتفاع شبر أو نحوه ليعلم أنه قبر فيتميز، ومن باب أولى لا يجوز أن يكون مبنياً.

هذا التحريم هو تحريم للبناء على ذات القبر: قبة أو ضريحاً أو نحوه. فلا يدخل فيه أن يكون القبر في بناء سابق بني لغرض مشروع كالمساكن، والحصون، والمستشفيات، والمكتبات، وكل بناء حاشا المساجد. برهان ذلك:
أولاً: أن من دفن في بيته لا يقال عنه في لغة العرب، التي خوطبنا بها في القرآن، أن قبره بني عليه أو أن قبره مشرف، ولكن يقال: أنه دفن في بيته فقط، والبيت موجود بني في الأصل لسكنى الأحياء، وهو سابق للقبر؛ فهذا واقع يختلف، بضرورة اللغة، المنبنية على ضرورة الحس والعقل، عن من دفن ثم بني على قبره قبة، بنيت على ذات القبر لأجل القبر، أو جعل على قبره ركام كبير من الحجارة والتراب حتى أصبح علماً مشرفاً مميزاً للقبر، لا وظيفة لها غير ذلك، ولولا وجود ذلك القبر لم تنشأ ولم توجد أصلاً.
ثانياً: أن نبي الله الخاتم، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم، دفن في بيته، وهو حجرة مبنية مسقوفة، بتشاور الصحابة وإجماعهم، وهم أهل اللسان العربي الذين رووا عنه النهي عن البناء على القبر والأمر بتسويته؛ وما كان الله، جل وعلا، ليأذن أن يمس الذات النبوية الشريفة ما لا يرضاه، وهو الذي وعد: {والله يعصمك من الناس}، وقد فصلنا الكلام عن هذا من قبل.

أما الدفن في المسجد الموجود المشيد فلا يجوز لما سلف من النهي المغلظ عن اتخاذ القبور مساجد، فلا يمكن أن يكون البقعة الواحدة مسجداً ومقبرة في آن: فإن كان مقبرة حرم تحويلها إلى مسجد إلا بإبطال كونها مقبرة إما بنبش الموتى ونقلهم، أو باندراس المقبرة وذهاب أثرها مع تطاول الزمن بحيث لا تتميز عن الأرض الفضاء فيسقط عنا اسم «المقبرة». وإن كانت الأرض أو البناء مسجداً أصبح موقوفة على هذه الوظيفة فلا يجوز بيعها، ولا التصرف فيها إلا بما أذن به النص الشرعي صراحة، لا يجوز تحويلها إلى سوق أو مسكن، ومن باب أولى لا يجوز تحويلها إلى مقبرة.

كما لا يدخل في التحريم أن يمتد بناء موجود فيدخل فيه قبر بحيث يصبح القبر مسقوفاً، كأن يحتاج أهل بيت إلى توسعته، ولا سبيل لهم إلا في اتجاه القبر وتجاوزه، وتعذر عليهم نبش القبر أو نقله. فهذا ليس بناء على قبر، بل هو بناء للسكنى، أو لغير ذلك من المقاصد المشروعة، دخل فيه قبر للضرورة.

وكذلك لا يدخل في التحريم أن تتم توسعة مسجد بجوار مقبرة، ولا تتيسر التوسعة إلا بإحاطة المسجد بالمقبرة كالسوار من جميع جوانبها، مع بقاء المقبرة منعزلة مسورة، وذلك لأن المسجد مباين للمقبرة، وإن أحاط بها إحاطة السوار، والمقبرة مباينة للمسجد منعزلة عنه مفصولة بجدارها، وإن أحيط بها من كل جانب فلا يصل إليها أحد إلا عابراً في أرض المسجد. فالمسجد ها هنا مسجد، وليس مقبرة، ولم يبنى على مقبرة، والمقبرة مقبرة، ولم تتحول إلى مسجد، كما هو مدرك بضرورة الحس. وهذا هو واقع القبر النبوي الشريف فهو منعزل في الحجرة النبوية الشريفة، مع إحاطة المسجد الشريف به من كل جانب.

ونسارع فنؤكد أنه في مثل هذه الحالة لا بد أن يكون القبر، أو أن تكون القبور، أو أن تكون المقبرة معزولة مسورة بجدار مرتفع، وإلا وقعت القبور، أو المقبرة، في قبلة بعض المصلين، وهو حرام لا يجوز.كما نؤكد أن الجدار الواحد ساتر كاف، سواء كان الجدار جدار المسجد، أو جدار المقبرة، خلافاً لما تبناه بعض المجتهدين من وجوب وجود جدارين، جدار للمسجد وجدار للمقبرة، لأن ذلك إيجاب شرع ونفقة مال في بناء لم تأت به الشريعة، وهذا كله لا يجوز إلا بنص شرعي، ولا سبيل لهم إلى نص أبداً، ولعل الدافع إلى هذا القول المجرد عن الدليل هو «الوساوس» التي يسمونا «علل» و«حكم»، كما سنناقشه قريباً، إن شاء الله، ولكن نسألهم الآن: ما الذي جعل الجدار الواحد غير ساتر، وجعل اثنين ستراً، فهلا بالغتم في الاحتياط فجعلتوها ثلاثة جدران: جار المسجد، وجدار المقبرة، وجدار ثالث بينهما يكون ستراً فاصلاً، أو حتى أكثر؟!. كل هذا هوس ووسوسة، وإحداث في الدين وابتداع: ينتهي بأصحابه إما إلى خلل في الدماغ، أو إلى غلو ومروق من الدين.

|فصل: لم دفن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في بيته؟!
المشهور علي ألسنة طلبة العلم أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما دفن في بيته، لأن الصحابة إنما تخوفوا أن يتخذ الجهال قبره مسجداَ:
* كما أخرجه البخاري في صحيحه (ج1/ص447/ح1265) بإسانيد صحاح، في غاية الصحة، عن عائشة رضي الله عنها: [حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن هلال هو الوزان عن عروة عن عائشة عن النبي قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ قالت: (ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا)]، وأخرجه أيضاً في مواضع أخرى من صحيحه (ج4/ص1614/ح4177)، (ج1/ص468/ح1324)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص376/ح529)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص80/ح24557)، (ج6/ص121/ح24939)، (ج6/ص255/ح26221)؛ وابن راهويه في مسنده (ج2/ص264/ح767)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص151/ح7547)؛ وغيرهم؛ وربما جاء بلفظ: (فلوا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً).

ولكن ليس في تعقيب عائشة، رضي الله عنها، ذكر أنها كانت حاضرة في شيء من الائتمار والمشاورة حول دفن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنها فقط ذكرت القرار النهائي الذي اتخذه الصحابة، ودوافعهم،حسب معتقدها، وسيأتي تفصيل ذلك قريباً.
وعقب الألباني في كتيبه المسمَّى: «تحذير الساجد» قائلاً: [ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها رضي الله عنهما، فأخرج ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال: لما ائتمروا في دفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه! وقال أبو بكر: معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد، وقال الآخرون: ندفنه في البقيع حيث دفن إخوانه المهاجرون، قال أبو بكر: إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى البقيع، فيعوذ به من الناس لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسول الله، فإن أخرجناه (الأصل: أخرناه) ضيعنا حق الله، وإن أخفرناه(!) أخفرنا قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: فما ترى أنت يا أبا بكر؟ قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما قبض الله نبياً قط إلا دفن حيث قبض روحه»، قالوا: فأنت والله رضي مقنع، ثم خطوا حول الفراش خطاً، ثم احتمله علي والعباس وأهله ووقع القوم في الحفر يحفرون حيث كان الفراش].
هذا هو نص الألباني بعينه، بما في ذلك علامات التنقيط، والظاهر منه أن الألباني لم يفهم النص، فاستبدل لفظة: (أخرناه) التي كانت في الأصل، بلفظة: (أخرجناه)، ظناً منه أن نذلك يجعل المعنى مستقيماً، فلم يوفق، بل الواجب هو استبدالها بلفظة: (أجرناه)، وبذلك تزول علامة التعجب التي كتبها الألباني بعد لفظة أخفرناه، كما أن هناك سقط في جملة: (فيعوذ به من الناس لله عليه حق)، والواجب أن تكون: (فيعوذ به من الناس «من» لله عليه حق):
* فنص رواية عمر مولى غفرة ينبغي أن يكون: [لما ائتمروا في دفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال قائل: (ندفنه حيث كان يصلي في مقامه!)، وقال أبو بكر: (معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد)، وقال الآخرون: (ندفنه في البقيع حيث دفن إخوانه المهاجرون)، قال أبو بكر: (إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله، صلي الله عليه وسلم، إلى البقيع، فيعوذ به من الناس من لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسول الله، فإن أجرناه، ضيعنا حق الله، وإن أخفرناه، أخفرنا قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، قالوا: (فما ترى أنت يا أبا بكر؟)، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما قبض الله نبياً قط إلا دفن حيث قبض روحه»)، قالوا: (فأنت والله رضي مقنع)، ثم خطوا حول الفراش خطاً، ثم احتمله علي والعباس وأهله، ووقع القوم في الحفر، يحفرون حيث كان الفراش].
ولكن هذا منقطع، لا تقوم به الحجة أصلاً، مع كون عمر مولى غفرة ضعيف كالمتفق على ضعفه لكثرة إرساله، فليس هو في ذاته بالساقط تماماً، ولا هو بالحافظ الحجة أيضاً. وبعض المتن مع هذا مخالف لصحاح الروايات. ولكن العجب هو من قول الألباني: (ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها)، فأين قول عائشة: (فلوا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)، من القول المنسوب إلى أبيها: (معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد) أو (إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله، صلي الله عليه وسلم، إلى البقيع، فيعوذ به من الناس من لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسول الله، فإن أجرناه، ضيعنا حق الله، وإن أخفرناه، أخفرنا قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، وهل بين القولين أدنى مشابهة؟! فليس هناك خوف من أن يتخذ مسجداً أصلاً، وإنما هي الخشية من أن:
(1) - يكون في قبلة المصلين كأنه وثن؛ أو
(2) - أن يعوذ به من عليه حد أو حق لله، فيقع المسلمون في الحرج.
ثم كان القرار النهائي بناءً على القول المنسوب إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما قبض الله نبياً قط إلا دفن حيث قبض روحه»، وهذا أيضاً خلاف ما ظنته عائشة، رضي الله عنها، الدافع الرئيس لدفنه في بيته.
* وسبق ذكر قول الألباني في كتيبه المسمَّى: «تحذير الساجد»: [عن أمهات المؤمنين أن أصحاب رسول الله، صلي الله عليه وسلم، قالوا: كيف نبني قبر رسول الله، صلي الله عليه وسلم؟! أنجعله مسجداً؟! فقال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله، صلي الله عليه وسلم، يقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]، ثم همَّش قائلاً: [رواه ابن زنجويه في «فضائل الصديق» كما في «الجامع الكبير» (3/147/1)]، ولم يتكلم الألباني عن الإسناد، ولا عقب بتصحيح أو تضعيف. وليس فيه إلا أنهم فكروا أولاً في جعله مسجداً، وليس فيه ذكر إبراز القبر، أو دفنه في بيته.
* وأخرج الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده (ج3/ص738/ح1347): [أخبرنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت الحسن يقول كان المسلمون اختلفوا في دفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أين يدفن فقالت طائفة منهم يدفن في البقيع حيث اختاره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لولده وللمسلمين قال فقالوا أتبرزون قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كلما أحدث أحد حدثا عاذبه قال وقال طائفة ندفنه في المسجد فقالت عائشة إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غشي عليه فلما أفاق قال: (قاتل الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ فعرفوا أن ذلك نهيا منه فقالوا يدفن حيث اختار الله أن يقبض روحه فيه فحفر له في بيت عائشة]؛ وأخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، (ج2/ص241): [أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرنا عوف عن الحسن بنحوه مختصراً]
قلت: هذا الإسناد، كما هو في «مسند إسحاق بن راهويه»، على شرط مسلم، وهو في غاية الصحة إلى الحسن، ولكن مراسيل الحسن معروفة بالضعف والسقوط. والمعنى يشبه رواية ابن زنجويه، غير أن المعترض ها هنا عائشة، وليس أبو بكر. وهذا أبعد عن منطوق الحديث الصحيح حيث تقول عائشة: (فلوا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)، ولا ذكر ها هنا أنها حاضرة في شيء من الائتمار والمشاورة، أو أنها أعلمت الحاضرين ببعض مسموعاتها عن النبي، صلي الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنها فقط ذكرت القرار النهائي، ودوافعه حسب معتقدها.

وجاءت روايات ضعيفة تزعم أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قال: ««ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض»، أونحو ذلك من المزاعم والوساوس والتخاليط، منها:
* ما أخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص520/ح1628): [حدثنا نصر بن علي الجهضمي أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن بن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثوا إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان يضرح كضريح أهل مكة وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة وكان يلحد فبعثوا إليهما رسولين فقالوا اللهم خر لرسولك فوجدوا أبا طلحة فجيء به ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أرسالا يصلون عليه حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحد. لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: (يدفن في مسجده)، وقال قائلون: (يدفن مع أصحابه)، فقال أبو بكر: (إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض»)، قال فرفعوا فراش رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي توفي عليه فحفروا له ثم دفن، صلى الله عليه وسلم، وسط الليل من ليلة الأربعاء ونزل في حفرته علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم أخوه وشقران مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال أوس بن خولى وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب أنشدك الله وحظنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له علي انزل وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا فدفنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص8/ح39)، و(ج1/ص292/ح2661)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص408/ح6508)؛ وأبو يعلى في مسنده ج1/ص32/ح22)؛ وقال الألباني: (ضعيف، لكن قصة الشقاق واللحد ثابتة)، قلت: أصاب الألباني ها هنا لأن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ضعيف، كالمتفق على ضعفه،ولكن كان الإمام يحيى بن معين حسن الرأي فيه.

* وما أخرجه الترمذي في سننه (ج3/ص339/ح1018): [حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبي مليكة عن عائشة قالت لما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شيئا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه]، وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من حفظه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه فرواه بن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أيضا)، قلت: أصاب الإمام الترمذي لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ضعيف، لا شك في ضعفه، ومع ذلك قال الألباني: (صحيح)، فلا أدري علي أي أساس صححه؟! فلعله للحديث السابق، ولكن الطريقين المستقلتين إنما تبين أن له أصلاً صحيحاً، أما ما هو الأصل فليس ببين من الطريقين لضعفهما، ولكن سنعرفه قريباً إن شاء الله!

* وما أخرجه الحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) - (ج2/ص886/ح955): [حدثنا عبد العزيز بن أبان حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر حدثني أبي عن عبيد بن عمير عن أبي بكر الصديق قال لما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اختلف اصحابه فقال بعضهم ادفنوه في البقيع وقال بعضهم ادفنوه في مقابر اصحابه فقال أبو بكر الصديق أخروا فإنه لا ينبغي رفع الصوت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيا أو ميتا فقال علي: (أبو بكر مؤمن على ما جاء به)، فقال أبو بكر: عهد الي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انه ليس من نبي يموت الا دفن حيث يقبض]؛ قلت: هذا ظلمات بعضها فوق بعض: عبد الرحمن بن أبي بكر ضعيف كما سلف؛ وأما عبد العزيز بن أبان فمتروك متهم بالكذب.

ولكن الحجة القاطعة هي:
* فيما أخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج4/ص263/ح7119): [أنبأ قتيبة بن سعيد قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن سلمة بن نبيط عن نعيم عن نبيط عن سالم بن عبيد قال، وكان من أصحاب الصفة، قال أغمي على النبي، صلى الله عليه وسلم، في مرضه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»، قالوا: (نعم)، قال: «مروا بلال فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»، فقلن: (نعم)، فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس!»، قالت عائشة: (إن أبي رجل أسيف!)، فقال: «إنكن صواحبات يوسف: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس!»، فأمرن بلالا أن يؤذن، وأمرن أبا بكر أن يصلي بالناس، فلما أقيمت الصلاة قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «أقيمت الصلاة؟!»، قلن: (نعم)، قال: «ادعوا لي إنسانا أعتمد عليه»، فجاءت بريرة وآخر معها فاعتمد عليها، فجاء أبو بكر فصلى، فجلس إلى جنبه فذهب أبو بكر يتأخر، فحبسه حتى فرغ من الصلاة. فلما توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، قال عمر: (لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا!)، فسكتوا، وكانوا قوما أميين، لم يكن فيهم نبي قبله، قالوا: (يا سالم: اذهب إلى صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم، فادعه!)، قال: فخرجت فوجدت أبا بكر قائما في المسجد، قال أبو بكر: (مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قلت: إن عمر يقول: (لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا!)، فوضع يده على ساعدي، ثم أقبل يمشي،حتى دخل، قال فوسعوا له، حتى أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأكب عليه حتى كاد أن يمس وجهه وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى استبان له أنه قد مات فقال أبو بكر: {إنك ميت وإنهم ميتون}، قالوا: (يا صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمات رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قال: (نعم)، قال فعلموا أنه كما قال. قالوا: (يا صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم: هل يصلى على النبي، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (وكيف يصلى عليه؟!)، قال: (يدخل قوم فيكبرون، ويدعون، ويجيء آخرون!)، قالوا: (يا صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم: هل يدفن النبي، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (وأين يدفن؟!)، قال: (في المكان التي قبض الله فيها روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيبة)، قال فعلموا أنه كما قال، ثم قال أبو بكر: (عندكم صاحبكم!)، وخرج أبو بكر واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم ثم قالوا: (انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم من هذا الحق نصيبا!)، فأتوا الأنصار فقال الأنصار: (منا أمير، ومنكم أمير!)، فقال عمر: (سيفان في غمد واحد؟! إذا لا يصلحان!)، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: (من له هذه الثلاث: إذ يقول لصاحبه من صاحبه؟! إذ هما في الغار من هما؟! لا تحزن إن الله معنا مع من؟!)، ثم بايعه، ثم قال: (بايعوا!)، فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها]؛ قلت: هذا إسناد في غاية الصحة، وهو متصل مجود، كما برهنا عليه في الملحق، والمتن هو أتم المتون أو من أتمها؛لذا أخترنا هذه الرواية وقدمناها علي غيرها. وأخرجه بنحو هذا تاماً عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص143/ح365)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج7/ص58/ح6367)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج3/ص14/ح1299) بأسانيد غاية في الصحة. وأخرجه النسائي في موضع آخر من سننه الكبرى (ج4/ص265/ح7122) إلى قوله: (فإنكن صواحب يوسف)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج3/ص20/ح1541)، و(ج3/ص60/ح1624) إلى قوله: (فذهب أبو بكر يتنحى فأمسكه حتى فرغ من الصلاة، ثم ذكروا الحديث).وأما المتن فهو في غاية النظافة والمطابقة لما هو في الصحاح من خبر السقيفة، ولما تواتر من كلام عمر وتهديده لمن (يتكلم بموته)، وغير ذلك من الجزئيات.

* وأخرج الإمام ابن ماجهفي سننه (ج1/ص390/ح1234) صدر رواية «الآحاد والمثاني»، فقال: [حدثنا نصر بن علي الجهضمي أنبأنا عبد الله بن داود من كتابه في بيته قال سلمة بن نبيط أنبأنا عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد به إلى قوله: ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض]؛ ثم قال الإمام أبو عبد الله ابن ماجه: (هذا حديث غريب لم يحدث به غير نصر بن علي)؛ قلت: بل رواه كل من: القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، وأبو طالب زيد بن أخزم الطائي، ومحمد بن يحيى الأزدي عن عبد الله بن داود الخريبي، كما هو عند ابن خزيمة، ومسدد عن عبد الله بن داود الخريبي كما هو عند الطبراني؛ ولم ينفرد به عبد الله بن داود الخريبي عن سلمة بن نبيط، بل رواه عنه ثقات، منهم: حميد بن عبد الرحمن، ويونس بن بكير، وابنه سوادة بن سلمة بن نبيط؛ وربما غيرهم.

* وجاء بعضه في «سنن البيهقي الكبرى»، (ج4/ص30/ح6697)، من طريق ثالثة إلي سلمة بن نبيط: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن سلمة بن نبيط عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي عن سالم بن عبيد، وكان من أصحاب الصفة، قال: دخل أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين مات، ثم خرج، فقيل له: (توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، فقال: (نعم)، فعلموا أنه كما قال قيل: (ويصلى عليه، وكيف يصلى عليه؟!)، قال: (يجيئون عصبا عصبا فيصلون)، فعلموا أنه كما قال، فقالوا: (هل يدفن، وأين؟!)، فقال: (حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض الله روحه إلا في مكان طيب!)، فعلموا أنه كما قال]؛ ثم عاد فأخرج آخره (خبر السقيفة والبيعة) في موضع آخر من سننه الكبرى (ج8/ص145/ح16326) بنفس الإسناد.
* وجاء بعضه في «سنن البيهقي الكبرى»، (ج3/ص395/ح6448)، من طريق رابعة إلي سلمة بن نبيط: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو أحمد حمزة بن العباس بن الفضل بن الحارث العقبي حدثنا عبد الله بن روح المدايني حدثنا سوادة بن سلمة بن نبيط عن أبيه سلمة بن نبيط عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد الأشجعي قال لما مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان من أجزع الناس كلهم عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فذكر الحديث إلى أن قال فقالوا يعني لأبي بكر رضي الله تعالى عنه يا صاحب رسول الله أمات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال نعم مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من يغسله قال رجال أهل بيته الأدنى فالأدنى قالوا يا صاحب رسول الله فأين تدفنه قال: (ادفنوه في البقعة التي قبضه الله فيها لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه)]

هذه الروايات الصحيحة تحسم الموضوع وتبين أن دفنه في منزله كان باجتهاد من أبي بكر بأن يدفن (في المكان التي قبض الله فيها روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيبة)؛ أو(في البقعة التي قبضه الله فيها لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه). وسالم بن عبيد، رضي الله عنه، وهو من أهل الصفة، وهم يسكنون المسجد، كان شاهد عيان للواقعة، وحكى جوهر أحداثها. فمن المعقول جداً أن يكون هناك حوار ومشاورة بين الصحابة في شتى نواحي الموضوع. ومن المستبعد جداً أن لا يكونوا قد تشاوروا في موضوع مكان الدفن، حتى حسم أبو بكر الموضوع بمقالته آنفة الذكر. وبلغ بعض الكلام إلى أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، فظنت أنهم لم يبرزوا قبره فقط خشية أن يتخذ مسجداً، وغابت عنها الاعتبارات الأخرى. وبلغت مقولة أبي بكر بعض ضعفاء الرواة فظن أن لها أصلاً مرفوعاً إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فورد من قبلهم اللفظ: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض»، وما شاكله.
فدفن نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، في بيته كان في المقام الأول لاعتقاد أبي بكر أنها أطيب بقاع الأرض، وأولاها بأن تضم الجسد الطاهر النبيل، لأن روحه الشريفة قبضت فيها، وربما كانت هناك اعتبارات ثانوية أخرى، مثل:
(1) - خافوا أن يبرزوه في البقيع، أو غيره، فيتخذه الجهلة مسجداً،
(2) - خافوا أن يبرزوه في البقيع، أو غيره، فيعوذ به من لله عليه حق، فيقع المسلمون في حرج شديد،
(3) - فكروا بدفنه في المسجد، ولكنهم ذكروا بالنهي عن ذلك،
(4) - فكروا في دفنه في المحراب، ولكن خشوا أن يظهر كأنه وثن يعبد، وربما غلا فيه بعض الناس مع تطاول الأزمنة فنسبوا إليه شيئاً من الألوهية، فيعبد فعلاً مع الله،وقد يكون التشاور شمل غير هذا، والله أعلم وأحكم.

|فصل: النهي عن اتخاذ قبره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عيداً
* سبق أن أوردنا ما أخرجه أبو داود في سننه (ج2/ص218/ح2042) بإسناد صحيح عن أبي هريرة: [حدثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)]؛ وقلنا: (عبد الله بن نافع هو عبد الله بن نافع الصائغ، ثقة صحيح الكتاب، وليس حفظه بذاك، ولكن هذه من كتاب، حيث صرَّح الإمام أحمد بن صالح المصري بأنه قرأ عليه، والقراءة على الشيخ إنما تكون من أصل كتاب الشيخ، لا سيما إذا كان التلميذ القارئ من أمثال ابن الطبري، أبي جعفرأحمد بن صالح المصري، من أئمة الحديث وفرسانه)؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص367/ح8790)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص81/ح8030)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده (ج12/ص132/ح6761) نحو ذلك عن أمير المؤمين الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليهما: [حدثنا موسى بن محمد بن حيان حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الله بن نافع أخبرني العلاء بن عبد الرحمن قال سمعت الحسن بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم لا تتخذوها قبورا، ولا تتخذوا بيتي عيدا: صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم)]؛ ولكن َّعبد الله بن نافع هنا هو عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، ضعيف، لا تقوم به حجة، (بالضد تماماً من أبيه نافع، الثقة الثبت)، ولكن الحديث عن الحسن بن علي بن أبي طالب، وربما عن أبيه علي بن أبي طالب، صحيح بشهادة الحديث السابق، وبمجموع الطرق التالية:

* فقد أخرج الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص150/ح7542) عن علي بن أبي طالب: [حدثنا زيد بن حباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين قال حدثني علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو فدعاه فقال ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم)] وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (ج2/ص186/ت2140)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص362/ح469)، كلاهما من طريق ابن أبي شيبة هذه.
* وهو في التاريخ الكبير للإمام البخاري (ج2/ص186/ت2140): [جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين من ولد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي الحجازي قال لي عبد الله بن أبي شيبة العبسي حدثنا زيد بن حباب قال حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين قال حدثني علي بن عمرو عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو فدعاه فقال الا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لا تتخذوا قبري عيدا]
* وأخرجه الإمام البزار في مسنده (ج1/ص329/ح509): [حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ اللَّيْثِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطَّالَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلاَ بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، وَسَلِّمُوا فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي)]؛ ثم قال الإمام البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد روي بهذا الإسناد أحاديث صالحة فيها مناكير، فذكرنا هذا الحديث؛ لأنه غير منكر: (لا تجعلوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبورا). قد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير هذا الوجه). قلت: إن كان هذا محفوظاً فهو يعني أن عيسى بن جعفر بن إبراهيم قد سمع الحديث مع أبيه جعفر بن إبراهيم.
* وأخرجه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في الأحاديث المختارة (ج2/ص49/ح428) وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه: [أخبرنا زاهر بن أحمد الثقفي بأصبهان أن الحسين بن عبدالملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أخبرنا إبراهيم بن منصور أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا أبو يعلى الموصلي؛] فساقه كما هو عند أبي يعلى.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»، (ج4/ص2): (رواه أبو يعلي وفيه جعفر بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وبقية رجاله ثقات).
قلت: علي بن عمر: هو علي بن عمر بن علي بن الحسين، قليل الحديث مستور، لا بأس به إن شاء الله تعالى، له حديث واحد عند أبي داود. ذكره بن حبان في كتاب الثقات وقال يعتبر حديثه من غير رواية أولاده عنه. وجعفر بن إبراهيم: هو جعفر بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (ذي الجناحين)، رضي الله تعالى عنهم. ذكره البخاري في في التاريخ الكبير (ج2/ص186/ت2140)، وساق له هذا الحديث، وأبو حاتم في «الجرح والتعديل»، ولم يذكرا جرحاً، وقال ابن حبان: (يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه). وقال الحافظ في لسان الميزان (ج2/ص106/ت432) عن (جعفر بن إبراهيم الجعفري): [وذكره بن أبي طي في رجال الشيعة وقال كان ثقة من رجال علي بن الحسين رضي الله عنهما روى عنه عبد الله بن الحجاج]؛ قلت: وهو من رجالات الشيعة المعروفين، كان على قيد الحياة قبل سنة 183هـ، فقد جاء في مستدركات علم رجال الحديث للشيخ علي النمازي الشاهرودي (ج2/ص135/ت2496): [جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار: من أصحاب الصادق والكاظم صلوات الله عليهما، ثقة بالاتفاق، وكذا أخوه عبد الله الآتي. تقدم أبوه وعم أبيه إبراهيم بن علي وابنه إسماعيل بن جعفر]
قلت: فهذا إسناد لا بأس به، إن شاء الله تعالى، والمتن في غاية النظافة، فالحديث صحيح بشهادة حديث أبي هريرة، والمتابعات التالية.

* فقد أخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص71/ح4839)، و(ج3/ص577/ح6726): [عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)]؛
* وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص150/ح7543): [حدثنا أبو خَالِدٍ الأَحْمَر عَنِ بن عَجْلَانَ عن سُهَيْلِ عن حَسَنِ بن حَسَنٍ قال: قال رسول اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلاَ بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حيث ما كُنْتُمْ فإن صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي)]
* وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» مع تمام القصة: [حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى، وهو فى بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالى رأتيك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: (لا تتخذوا بيتى عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم)؛ ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء]؛ هكذا نسبه الإمام ابن تيمية لسنن سعيد بن منصور في عدة مواضع من مصنفاته، منها: اقتضاء الصراط المستقيم (ص 331)؛ ومجموع الفتاوى (ج27/ص122)؛ والفتاوى الكبرى (ج2/ص424).
* وجاء في (فضل الصلاة على النبي) للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي البصري ثم البغدادي المالكي الجهضمي (المتوفى: 282هـ)، (ج1/ص30/ح29): [حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل قال: جئت أسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي فدعاني فجئته فقال: ادن فتعش قال: قلت: لا أريده قال: مالي رأيتك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دخلت المسجد فسلم عليه)، ثم قال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله يهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»]

* وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص82/ح2729)، وفي معجمه الأوسط (ج1/ص117/ح365) بعضه من طريق أخرى: [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن رِشْدِينَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بن أَبِي زَيْنَبَ، عَنْ حَسَنِ بن حَسَنِ بن عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي)]؛ ثم قال الإمام الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن الحسن بن علي إلا بهذا الإسناد تفرد به بن أبي مريم)؛ قلت: لعله يقصد متصلاً، وإلا فهو قد جاء مرسلاً من طرق أخري: سهيل بن أبي سهيل، وسعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد مولى المهريوعنهما محمد بن عجلان؛ ومحمد بن جعفر هذا، هو محمد بن جعفر بن أبي كثير.
* وهو في (الذرية الطاهرة) لأبي بِشْر محمد بن أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الدولابي الرازي (المتوفى: 310هـ)(ج1/ص130/ح114): [حدثنا يزيد بن سنان، وعلي بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن يعقوب، قال كل واحد منهم: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني»].
* وجاء في تاريخ دمشق (ج13/ص61 - 62): [أخبرني أبو القاسم هبة الله بن عبد الله أخبرنا أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا إسماعيل بن عبد الله العبدي حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم أخبرنا محمد هو ابن جعفر حدثني حميد بن أبي زينب عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (حيث ما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)]
* وهو في ذيل تاريخ بغداد (ج1/ص124): [أخبرنا مختص بن عبد الله الحبشي مولى قاضي القضاة عبد الواحد بن أحمد بن الثقفي قال: أنبأنا مولاي قاضي القضاة عبد الواحد قراءة عليه أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد، أنبأنا عبد الواحد بن محمد الفارسي، حدثنا الحسين بن اسماعيل المحاملي، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني حميد بن أبي جعفر عن حسن بن حسن عن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (حيث ما كنتم فصلوا علي فان صلاتكم تبلغني)]؛ هكذا وجدته: (حميد بن أبي جعفر)، وهو تصحيف، بلا شك، لأن كل المصادر الأخرى تقول: (حميد بن أبي زينب).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (ج4/ص418): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه حميد بن أبي زينب ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح)؛ وهو كما قال، ولم أجد لحميد بن أبي زينب رواية أو ذكر في غير هذا الإسناد، وربما ذكر – بسبب هذه الرواية، كما هو في إكمال الكمال وتهذيب الكمال - في الرواة عن الحسن بن الحسن بن علي، وفي شيوخ محمد بن جعفر بن أبي كثير من غير أي إضافة أخرى مفيدة مطلقاً.

* وجاء في تاريخ دمشق (ج13/ص61 - 62): [أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أخبرنا محمد بن الحسن بن علي أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر بن محمد الخرقي حدثنا ابن أبي داود حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي حدثني ابن عجلان عن سهيل وسعيد بن أبي سعيد مولى المهري عن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: (ورأى رجلا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدعو له ويصلي عليه)، فقال حسن للرجل: لا تفعل؛ فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)]؛ هكذا هو في الأصل: (عن حسن بن علي بن أبي طالب)، وإنما هو (عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب)؛ كما أن هناك سقط في الإسناد، وصحته: وسعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد مولى المهري، والله أعلم.
* وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه»: [حدثنا حبان بن على، حدثنى محمد بن عجلان عن أبى سعيد مولى المُهْرى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (لا تتخذوا بيتى عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى)]؛ هكذا من غير ذكر لحسن بن حسن بن علي، وإسقاط لسعيد بن أبي سعيد المقبري؛ وهو تقصير شديد، لعله من أفاعيل حبان بن علي، وهو فقيه صالح دِّين، ولكنه لين الحديث.

والنهي عن اتخاذ قبره الشريف عيداً ليس هو نهياً عن كثرة الزيارة فلا بأس من إكثار الزيارة وتكرارها ليل نهار حسب ما تيسر، وكلما سنحت فرصة لذلك، وإنما هو نهي عن:
(1)ترتيبها على نحو ملزم: فيزور الإنسان، مثلاً، بعد صلاة الجمعة، ويمتنع عن الزيارة فيما سوى ذلك، وهكذا أبداً: أي أن يجعلها الإنسان أمراً راتباً كأنه صلاة مكتوبة، أو عيد أضحى؛
(2) أو أن يكون على وجه الاحتفال، بتراتيب خاصة أو بملابس جديدة، كالاحتفال بعيد أضحى أو عيد فطر، فليس خروج الرجل صباح كل يوم إلى عمله عيداً، بالرغم من التكرار والرتابة.
هذا هو معنى العيد في اللسان العربي الذي خوطبنا به: فالأضحى عيد مع كونه مرة واحدة في السنة فقط، ولكن تناول طعام الفطور صباح كل يوم عند طلوع الشمس ليس عيداً لأن الإنسان قد يصبح قلساً فلا يفطر، ويطول به نوم فيجعل فطوره غداءً مع الظهر، ويصوم فريضة أو تطوعاً فلا يأكل إلا بعد غروب الشمس، وتارة يأكل على نضد مع أهله، وحيناً يتناول شطيرة على عجل منفرداً قبل خروجه لعمله، كل ذلك يجري عادة بدون احتفال، وهكذا.
وبعض من أعرف من فضلاء ساكني أطراف المدينة النبوية الشريفة يحرص على شهود الجمعة في المسجد النبوي الشريف ثم زيارة القبر الشريف والتسليم على رسول الله بعد ذلك، فليس هذا عيداً، بل هو موافقة لظروف سكنه وعمله، ودخوله المسجد الشريف، لأنه لا يألوا جهداً إذا نزل إلى وسط البلدة أن يزور ويسلم كلما تيسر، وهكذا أبداً.
وهذا كذلك من تكرمة الله لنبيه وقبر نبيه: فهو يزار ليل نهار، في كل الأوقات، فلا ينقطع أنسه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بالمحبين والمشتاقين من أمته أبداً، من غير أن يتحول قبره إلى ما يشبه الأسواق، أو النصب والأوثان. فلك الحمد اللهم على هذا الدين السمح الشامل الكامل، والنبي النبيل الموقَّر الفاضل.
فالمنهي عنه أن تحاط الزيارة باحتفالات وطقوس ومراسم وجداول زمنية وإجراءات روتينية متكررة كالأعياد: هذا من فضل الله على هذه الأمة وإلا لنشأت طبقة كهنوتية لتنظيم الزيارة، ولوجد من يفرض لها الرسوم والمكوس، ويبيع لها أصنافاً من الشموع والعطور.
لا تعجبن وتقول: هذا بعيد جداً، ولكن انظر ما يفعل آل سعود، قاتلهم الله، هذه الأيام بالحج، عيد أهل الإسلام الأكبر، وبالحجاج، الذين هم ضيوف الرحمن ووفده: وكيف انحرفوا بشريعة الحج المقدسة حتى أصبحت أضحوكة العالمين، وذلك بما ابتدعوه من تأشيرات، وتراخيص، وإلزام بـ«مطوف»، وتحديد مواعيد ابتداء وانتهاء للتقدم بالطلبات، وغير ذلك من الطغيان، والصد عن سبيل الله والمسجد الحرام، الذي تفوح منه رائحة الكفر والزندقة، أي رائحة تبديل الشرائع، الذي هو بدعة كفرية كبرى، التي سكت عنها أحبارهم ورهبانهم في نفس الوقت الذيأوجعوا رؤوسنا بالصياحعلى (بِدَع) مكذوبة:السبحة، والمولد، والمصافحة بعدالتسليم من الصلاة،... إلخ.

وعلى كل حال فقد اضطرب العلماء في معنى قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجعلوا قبري عيدا):
* فقد جاء خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى (1/46): [وقال الحافظ المنذري في حديث لا تجعلوا قبري عيدا يحتمل أن يكون حثا على كثرة الزيارة وإن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد ويؤيده قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة فيها؛ قال السبكي ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه أولا يتخذ كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغيره مما يعمل في الأعياد بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه]
* وجاء في مقابل ذلك غلو في الاتجاه المعاكس، ففي إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان(14/128): [وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من اليهود بالتحريف، فقال: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهى أن يجعل كالعيد الذى إنما يكون فى العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذى يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت.وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقلب للحقائق، ونسبة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى التدليس والتلبيس، بعد التناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون. ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر ملازمة إتيانه بقوله: "لا تجعلوا عيداً" فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان]

وإذا تأملت في الأحاديث المذكورة أعلاه في الفصول السباقة، وتحررت من التقليد والهوى، ظهر لك جلياً أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يستخدم فيها ألفاظ الشرك أو الكفر، أو أي الفاظ لها علاقة بذلك، وإن غلَّظ الوعيد في بعض المواضع، إلا في قول عمر: «اللهم لا تجعل قبر نبيك وثنا!». ولولا هذا النص اليتيم، وزعم البعض أنه من كلام المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما كان لهذا الموضوع بكامله موقع في كتابنا «كتاب التوحيد» الذي خصصناه لدراسة «أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، ولكان من مباحث أبواب الجنائز، وأحكام المقابر في كتب الفقه والأدب.

غير أن بعض المجتهدين غلا في المسألة غلوَّاً شديداً حتى أصبحت عنده، وعند من قلَّده، من أصول الدين، وكبار المسائل، وأمهات القضايا، في الإسلام والتوحيد والإيمان، تُسل من أجلها السيوف، وتضرب الأعناق، وهي ليست كذلك بيقين، ولعلهم اجتهدوا فغلطوا للشبهات التالية:
الشبهة الأولى: قصة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر: كما رواها البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {ولا تذرن ودَّاً ولا سواعاً، ولا يغوث ويعوق ونسراً}، حيث قال: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ودّ: كانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع: كانت لهذيل. وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق: فكانت لهمدان. وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت]، وروى عكرمة، والضحاك، وابن إسحاق نحو هذا. وأخرج الطبري بسنده عن محمد بن قيس، قال: [أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرن بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة! فصوروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم].

وهذا على فرض ثبوته إلى منتهاه، لا تقوم به حجة، وليس فيه حرف واحد مرفوع إلى نبي الله المعصوم الخاتم. نعم: كانت تلك أسماء آلهة لقوم نوح، وذلك بنص القرآن القاطع، أي قبل ما يزيد على أربعة آلاف عام قبل البعثة المحمدية، أو ربما أكثر من ذلك بكثير. وتوارثها العرب، وغيرهم من الشعوب الساميَّة، حتى انتهت إلى القبائل المذكورة، وأكثرها قبائل يمانية، في أثر ابن عباس، وربما إلى غيرها، كما هو معلوم من صحاح الحديث، والسير، وبالضرورة من علم التاريخ والآثار والحفريات. ولكن كيف نشأت تلك المعتقدات في ذلك الزمن السحيق، هذا محال أن يعرف إلا بالنقل الصحيح، وما ثمة نقل صحيح، أو يعرف بالوحي، وما ثمة وحي، وأثر ابن عباس ليس بمرفوع حتى يقال أنه من الوحي، وما هي إلا إسرائيليات، أو أساطير عربية، أو خرافات شعبية، ونحوها.
على أن القصة حتى لو ثبتت لا علاقة لها بموضوع «اتخاذ القبور مساجد»، وإنما هي تتعلق فقط باتخاذ الأنصاب والتماثيل لأولئك المعظمين، وكان ذلك في مجالس القوم، وليس في مساجدهم، ولا كان هو على قبور المعظَّمين، فلا علاقة له بموضوعنا أصلاً، وإنما هي في: الغلو في تعظيم الصالحين ومحبتهم وإطرائهم، وخطورة ذلك على التوحيد. لاحظ قوله: (ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عبدت)، وبيان الرواية التالية لذلك: (دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم كانوا يسقون المطر! فعبدوهم):
(1) - فأول الأمر إطراء وتعظيم ومحبة غالية مفرطة حفزت القوم على صنع التماثيل لإبقاء الذكرى حية؛
(2) - ثم تطاول الأزمنة،واندراس العلم بالكلية، فلم يعد أحد يعرف ما هي تلك التماثيل وما ذا تعني أصلاً؛
(3) - ثم اعتقاد فاسد أنهم المنزلون للمطر، بقدرتهم الذاتية على وجه الاستقلال فبهم يستسقى المطر، فتم الارتفاع بهم إلى مراتب الألوهية، وهذا هو الشرك الاعتقادي الكفري، المخرج من الملة، هذا هو الأصل. ثم ترتب عليه الشرك العملي، لأن كل محبة وتعظيم وتمسح وعكوف على تلك التمثيل أصبح عبادة لأنه موجه لمن يعتقد فيه الألوهية.
وقد أسلفنا نقالش هذا الموضوع في فصل مستقل، هو: (كيف ترك البشر التوحيد الأول؟!) من كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، حيث ذكرنا مزيداً من القصص الخرافية المتناقضة، فراجعها هناك!

الشبهة الثانية: قصة اللات: فقد أخرج ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى}، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]، وأخرج البخاري بإسناد غاية في الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وأخرجه ابن أبي حاتم عنعن ابن عباس بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]، وأخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]، وغيرها من الروايات لا تخرج عن هذا المعنى، وكلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية:
(1) - فهي مخالفة لنصوص القرآن القطعية، وروايات السيرة والسنة الصحيحة المتضافرة، الدالة على كون اللات، والعزى، ومناة ثلاثة آلهة إناث، كانت العرب تعتقد أنها كلها ملائكة، وأنها بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا، أو تعتقد أن اللات إلاهة أنثى من أصل جني، وهي صاحبة الله، تعالى الله عن ذلك، والعزى ومناة إلاهتان، بنتان لله، ذات طبيعة ملائكية، سبحان الله عما يصفون. فكيف تحولت «صاحبة الله»، أو أحد «بنات الله»، وهي أنثى، تعالى الله عن ذلك، إلى رجل، ذكر، كان يلت السويق للحجاج، وأي سويق هذا الذي يشربه الحجاج فيسمنون منه، بعد حسوات قليلة أو شرب أيام يسيرة، وهل في التخريف والشطح أوغل من ذلك؟! ولو قرأ من احتج بمثل تلك الأساطير قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى}، إلى قوله: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى}، في سياقها الصحيح بدقة وعناية، وحضور ذهن وبال، وراجع باستيعاب وتدقيق ما قاله السلف في تفسيرها كما هو عند الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما،لما قبل بمثل ذلك اللغو والهراء!
(2) - ووردت روايات أن اللات صخرة طويلة بيضاء منقوشة كانت في الطائف. هذا نصب وحدثني، يرمز إلى الإلهة «اللات»، وليس فيه ذكر قبر ولا غيره، وروي غير ذلك كثير عن بيوت وستور وأنصاب وأشجار وصخور، في مواضع أخرى، لها علاقة بـ«اللات» هذه، ولم يرد ذكر لأيقبر قط، ولا في موقع من تلك المواقع!
(3) - وكذلك دلت الأبحاث الحديثة في علوم الآثار والنقوش؛والكتابات التاريخية عند الشعوب الأخرى، على أن «اللات» كانت معروفة عند كثير من الشعوب السامية منذ آلاف السنين قبل البعثة المحمدية،باسمهاهذا بعينه، أو باختلاف طفيف تقتضيه ضرورة النطق بلغات أخرى. ومن أبرز الكتابات التاريخية ما كتبه المؤرخ اليوناني الشهير (هيرودوتس)، المولود حوالي عام 490 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من ألف عام من البعثة النبوية المشرفة، الذي طوَّف العالم القديم وكتب تواريخه المشهورة، مسجلا مشاهداته حيث ذكر أن من آلهة العرب الأنباط (نزلاء العراق والشام) إلاهة أنثى أسمها: (Alilat). كما أن هناك نقوش مسمارية تبرهن أن (اللات) أو (إللات) كانت معروفة للكلدانيين، قوم إبراهيم، قبل (هيرودوتس) بأكثر من ألف سنة؛
(4) - وهناك احتمال بعيد جداً أن يكون ثمة أصل تاريخي لقصة الرجل الذي: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو(اللات)]، كما أخرجها الإمام سعيد بن منصور في سننه. وأن كلام ابن عباس، رضي الله عنهما، قد روي لنا باختصار مخل، وأنه ما قصد قط أن (اللات) لم تكن موجودة معبودة قبل ذلك، أو أن هكذا نشأ شرك العرب، ولكنه قدم لنا نموذجاً لتخريف المشركين الذين اعتقدوا:
(أ) - إما أن (اللات) جاءت إلى هذا العالم في هيئة هذا الرجل للقيام بأعمال صالحة، ليكون قدوة يضرب بها المثل، تماماً كقول جمهور النصارى في أقنوم الكلمة، وهو الأقنوم الثاني من تثليثهم، الذي جاء وتجسد لخلاص العالمفي لحم إنسان اسمه (يسوع)، يعني: المخلص (لاحظ التجانس في الإسم والوظيفة)؛
(ب) - أو أن ذلك الرجل لفرط إحسانه وكرمه، ولكونه (يلتُّ) السويق، فهو إذاً: لاتٌّ، مدغمة بلغة أهل الحجاز، أو لاتِتٌ، بلغة أهل نجد، لقي قبولاً عند الآلهة، فاصطفته (اللات)، (لاحظ هنا أيضاً: التجانس في الإسم والوظيفة)، وتجلَّت فيه، أو حلَّت به، أو اتحدت به، فأصبح بمثابة الوثن لها أو هو هي، لذلك قالوا: [هو(اللات)]؛ تماماً كقول فئة من النصاري أن أقنوم الكلمة، وهو الأقنوم الثاني من تثليثهم، إنما حل في أو اتحد بعيسى بن مريم، الذي ولد وكان بشراً خالصاً في الأصل، عندما عمَّده يحيى بن زكريا، عندها حلت فيه الكلمة، أو اتحدت به، فأصبح عيسى المسيح؛
ولا يقولن قائل إن العرب الإسماعيلية لم تكن على هذه الدرجة من التفلسف والتنطع، فنقول: وهل قلنا أنهم اخترعوا ذلك؟ حسبهم استيراد مثل هذه الأفكار، تماماً كما استورد عمرو بن لحي الخزاعي الأصنام، لا سيما أن الطائف كانت مدينة مسورة، على درجة من التحضر والتمدن، وقد ارتحل بعض أبنائها، من أمثال الحارث بن كَلَدَة،لدراسة الطب والفلسفة وأخبار ملوك فارس والروم في الحيرة وغيرها.
وليس هذا، على كل حال، ببعيد على عبدة الوثن: فما أكثر خرافاتهم، ورموزهم، وتشاؤمهم، وطيرتهم. فإن صح هذا التخريج – وهو كما أسلفنا بعيد – فلا علاقة له بموضوعنا: «اتخاذ القبور مساجد»، لأنهم إنما عكفوا عليه لأنه في اعتقادهم كائن إلاهي: [هو(اللات)].
(5) - أن منشأ الشرك عند العرب الإسماعيلية لم يكن هكذا، وأنه لا صحة لأكثر ما رواه الأخباريون حول ذلك من الخرافات والأساطير، بل إن الصحيح، وهو الحق اليقيني، الذي لا ريب فيه: ما ثبت عنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، أنه قال لأكثم بن أبي الجون معبد الخزاعي: «يا أكثم! رأيت عمرو بن لحىِّ بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا بك منه!»، فقال أكثم: (عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟!)، قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر! إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي»، كما هو بإسناد قوي صحيح، تقوم به الحجة، في «السيرة النبوية» لابن هشام، قال: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقوله لأكثم بن الجون الخزاعي. وقد أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والحاكم، وابن أبي عاصم في «الأوائل»، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي في «الكبرى»»، وابن أبي عروبة، وابن مندة من طريق بن إسحاق، ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى «السيرة الكبرى» لابن إسحاق بهذا اللفظ، بأسانيد صحاح، غاية في الصحة، كلهم عن أبي هريرة، مطولاً ومختصراً.
* وأخرج البخاري ومسلم حديث الخسوف الطويل الصحيح عن عائشة، وفيه مرفوعاً: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا؛ ورأيت فيها عمراً يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب».
* وفي «المستدرك على الصحيحين»: أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، رضي الله تعالى عنه، قال: [بينا نحن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرأينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتناول شيئا، فجعل يتناوله فتأخر، وتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: (يا رسول الله: رأيناك صنعت اليوم شيئا ما كنت تصنعه في الصلاة؟!)، فقال: «إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت قطفا من عنبها ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه؛ وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخرت عنها، وأكثر من رأيت فيها من النساء: إن ائتمن أفشين، وأن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن؛ ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي فقال معبد: (يا رسول الله! أتخشى علي من شبهه، فإنه والدي؟!)، فقال: «لا، أنت مؤمن، وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام!»، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص:صحيح. قلت: هو كما قالا؛ وهكذا جاء هنا: معبد بن أكثم الخزاعي، وإنما هو أكثم بن معبد أبي الجونالخزاعي،انقلب على بعض الرواة.
فالقصة ثابتة بأصح الأسانيد عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي بن كعب، رضوان الله وسلامه عليهم، وهي مروية من طرق أخرى عن غير هؤلاء من الصحابة،ذكرنا بعضها في الفصل المسمَّى: (كيف ترك العرب دين إسماعيل؟!) من كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، فليراجع. فالقصة، كما ترى، ثابتة يقيناً بالتواتر، وهي مشهورة عند العلماء، ويذكرها بعضهم بصيغة الجزم من غير إسناد.
وقد روى الأخباريون قصصاً كثيرة مفادها أنعمرو بن لحي هذاكان قد استورد الأصنام من بلاد الشام أو العراق، فإن صحت مثل تلك الروايات، وكثرتها وتضافرها يشعر بأن لها أصلاً لا محالة، فـ(اللات) واحدة من تلك الأصنام أو الآلهة المستوردة قطعاً.

الشبهة الثالثة: تعظيم النصارى لصالحيهم، وبناء الكنائس على قبورهم، كما هو معلوم ثابت قادهم إلى الغلو فيهم إلى مرتبة الألوهية أو الربوبية، فذمهم الله تعالى بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم}.
وهذا كذلك ليس بصحيح قطعاً، فقد فسر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، ذلك بالطاعة في التحريم والتحليل، أي الطاعة في التشريع، على وجه الحصر، عندما اعترض عدي بن حاتم قائلاً: (ما عبدناهم)، وتبعه في ذلك حذيفة رضي الله عنه، ونفى صراحة أن يكونوا «يصلون لهم»، ونفى غيره أنهم كانوا: «يسجدون لهم»، كما هو مفصل في موضعه. فالأحبار والرهبان الذين اتخذوا أرباباً من دون الله بطاعتهم في التشريع: منهم من كان له قبر معظم، اتخذه الناس عيداً ومسجداً، ومنهم من لم يكن كذلك، ومنهم أموات، ومنهم كذلك أحياء يطاعون في التشريع حال حياتهم، وهذا معلوم بالضرورة من التاريخ، ومن الحاضر المحسوس المشاهد، فكل أولئك اتخذوا أرباباً من دون الله بطاعتهم في التشريع، بغض النظر عن حياتهم، وموتهم، وتعظيم قبورهم من عدمه، فلا علاقة لهذا النوع من الشرك بالقبور والمقابر مطلقاً.
وأما المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته، إنما أصبح رباً لاعتقادهم فيه أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وهو عندهم، على كل حال، إله حق أزلي، من إله حق أزلي، نور إلاهي من نور إلاهي، مساوٍ لأبيه في الجوهر الإلاهي، وهذا من شرك الذات الذي تكلمنا عنه في أول كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، فإن كان هناك قبر يزار ويعظم فلذلك المعتقد، فلا علاقة لذلك أيضاً بالقبور والمقابر من حيث هي مطلقاً.

كما أنه معلوم بالاضطرار من التاريخ أن تعظيم الصالحين وبناء المعابد عليهم كان شائعاً قبل الرسالة المحمدية، كما هو في قصة أهل الكهف، وانتشار ذلك في جميع الأقطار النصرانية، كما هو متواتر، معلوم بالضطرار في تواريخهم وكتبهم، وكما رأته أم سلمة وأم حبيبة في أرض الحبشة، فجاء النهي المغلظ، واللعنة لفاعل ذلك، وتصنيفه من شرار الخلق.
نعم: جاء لعن من فعل ذلك، مما يدل على الحرمة المغلظة، تماماً كما جاء لعن آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، ولعن من غير منار الأرض، ولعن من لعن والديه، ولعن الذين يرمون المحصنات، ولعن عشرة في الخمر، وغير ذلك كثير، ولم يجيء حرف واحد بوصف ذلك بالشرك أو الكفر، إلا في قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا، إن صح رفعه أصلاً، وقد بينا معنى الوثن آنفاً.
ولكنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يقل قط أن من اتخذ القبر مسجداً، أو بنى عليه بناءً، فقد أشرك، أو عبد ذلك المقبور، أو جعله لله نداً، مع قوله في ما هو أيسر من ذلك بكثير من الشرك اللفظي: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وقوله: «أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده!» لمن قال له: (ما شاء الله وشئت!).
وعلى كل حال فالظاهر أن اتخاذ القبور مساجد كان شريعة سابقة، ثم نسخ ذلك في شرعنا، فقد أخرج ابن سعد في «الطبقات الكبرى» من طرق أن إسماعيل دفن هاجر في داخل الكعبة من جهة الشمال (المسمّى الآن حجر ٌسماعيل، وهو خارج بناء الكعبة اليوم)، ثم دفنه أبناؤه بجوارها عندما قبض، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والديه، وقيل أنه الآن تحت الميزاب. كما ذكر الإمام ابن حبان البستي في «الثقات» في ترجمة سعيد بن حرب العبدي، قال: [سمعت ابن الزبير وهو يقلع قواعد البيت فأتى على تربة صفراء عند الحطيم، فقال: واروها، فإن هذا قبر إسماعيل]، فالله أعلم بصحة هذا كله. كما قيل: أن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبياً، وهذا أبعد عن وقائع التاريخ الثابتة.

وقبر إسماعيل، صلوات الله عليه، قد اندرس وذهب، ولم يعد معروف العين فوجوده وعدمه سواء، على أنه على التحقيق خارج «البيت الحرام» المبني المخصوص، لأن «البيتالحرام» المبني المخصوص هو «الكعبة» فقط، لا غير، قال تباركت أسماؤه: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، (المائدة؛ 5:97). وكذلك قبور الأنبياء السبعين المزعومة، على فرض وجودها، قد اندرست، وهي خارج الكعبة، في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم، كما تزعم القصة، فحالها كحال قبر إسماعيل، صلوات الله عليه.
وجاءت روايات تزعم أن سبعين نبياً «قبر» في المكان الذي بني عليه مسجد الخيف، وهذا كسابقه: قبور في مقبرة قد اندرست، ولم تعد لها أعيان تعرف، فموقع مسجد الخيف إذاً أرض فضاء، ولا نبالي أصحت الروايات بذلك، أو لم تصح، والأرجح أنها ليست بصحيحة، وأن الأنبياء إنما صلوا هناك، ولم يقبر أحد منهم في ذلك الموضع، هذا إذا كان الموضوع برمته له أصل، وفي النفس من ذلك شيء، بل أشياء: سبعون في الخيف، وسبعون في الحطيم، هذه أعداد ومزاعم تثير الريبة والشكوك؟!

وكذلك قصة أهل الكهف بغض النظر عن تفاصيلها، ومن الذي أمر باتخاذ المسجد عليهم، شريعة منسوخة، كحال جميع الشرائع، بمجرد مجيء الوحي إلى نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نسخاً نهائياً كاملاً مطلقاً. وحتى لو سلمنا جدلاً بالباطل المتيقن بطلانه، وهو أن شرائع من قبلنا ما زالت سارية، وأن اتخاذ القبور مساجد لم يكن محرماً في تلك الشرائع السابقة، بأن كان مكروهاً فقط، أو مباحاً، أو مندوباً، أو واجباً، حتى لو سلمنا جدلاً بذلك الباطل فإن الأحاديث المحرمة لذلك في شريعتنا هي قطعاً، وبلا شك الناسخة لكل ذلك، لا سيما وأنها متأخرة جداً، فهي قبيل وفاة نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. وقد طوَّل الألباني جدا في مناقشة هذا من غير كبير محصول، بل لعله أربك المسألة بدلاً من إيضاحها، وذلك في كتابه آنف الذكر: (تحذير الساجد).

وكذلك ما روي أن أبا جندل بنى مسجداً على قبر أبي بصير، رضي الله عنه، بعد وفاته، وقبيل ذهابه، وعصابته المجاهدة المشهور، التي دوَّخت قريش، إلى المدينة. فهذا لا يثبت، وإنما هي في أحسن أحوالها من مراسيل الزهري، وهي في غاية السقوط: «شبه الريح»، كما قال الأئمة. مع اضطراب الروايات حيث قال بعضها: (وجعل عند قبره مسجداً)، وهذا لا بأس به، لأن المسجد بجانب القبر، وليس هو على أو فوق القبر، كما هو عند ابن عساكر. فكل هذا لا يثبت، وإن ثبت فهو منسوخ قطعاً لأن ذلك كان زمان هدنة الحديبية، قبل الفتح المكي، وأحاديثنا المحرمة لذلك متأخرة عليه جداً، فهي قطعاً الناسخة الحاكمة.
فسقطت على كل حال احتجاجات «القبوريين الخرافيين» بأي شيء من هذا على جواز «اتخاذ القبور مساجد»: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذباً}.

وفي الجانب المقابل فإن من الغريب حقاً أن نجد قوما سمعوا كل ذلك وعلموا أن الدين قد كمُل، وأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو «الماحي» الذي محى الله به الشرك والكفر، ومع ذلك يستجيزون التقديم بين يدي الله ورسوله، فيسمون عبادة، وشركاً، ما لم يسمِّه الله ورسوله عبادة أو شركاً، بل ويجعلونه أعظم خطراً، وأولى بالاهتمام مما سماه الله ورسوله شركاً وكفراً. ويجوب رؤوس هؤلاء أقطار الدنيا محذرين من «شرك القبور»، وهو خرافة لا وجود لها، بل هو «بدعة» نكراء، و«غلو»في الدين مهلك، هم الذين افتروها وأحدثوها، ساخرين من «توحيد الحاكمية»، الذي قامت عليه مئات النصوص اليقينية المتضافرة من الكتاب، والسنة، والإجماع، بل والعقل (كما هو مفصل في كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد»، وكما هو مشبع بحثاً وبرهنة في كتاب مستقل بذاته هو كتابنا المسمَّى: «الحاكمية وسيادة الشرع»)،مدافعين عن بعض الحكام الذين يبدلون الشرائع، ولا يحكمون بما أنزل الله، ويرخصون للبنوك الربوية، ويقاتلون تحت لواء الكفار ويتولونهم، بدعوى أنهم مسلمون موحدون، عقيدتهم سليمة: ولم لا؟! أليست بلادهم خالية من القبور المبنية، ومزارات الأولياء!! إلى غير ذلك من قلب الحقائق، كل ذلك وهم في غاية النهاية من القناعة بحسن عملهم، وصواب صنيعهم، وسلامة عقيدتهم، فما أعظم تلبيس إبليس: هؤلاء هم «القبوريون المهووسون».

فهناك إذاً صنفان من «القبوريين»:
الصنف الأول: جعل بناء القبور وزخرفتها، واتخاذ المساجد عليها، والتمسح بها من القربات، بل من شعائر الدين، وعلامات اليقين، فعصى الله ورسوله، وأوغل في التخريف والأساطير، وأضاع الأعمار في رواية أساطير الأولياء وكراماتهم المكذوبة. هؤلاء هم «القبوريون الخرافيون». والغالب على هؤلاء الجهل، وقلة المعرفة. وغاية التحقيق عندهم شتم الإمام ابن تيمية أو تكفيره: هذا جهل مركب، وتفريط شنيع!
والصنف الثاني: غلا في الاتجاه المعاكس فافترى «شرك القبور» الذي لا وجود له في العالم، حتى أن أحدهم ليقفز فزعاً، كأن حية لدغته، إذا رأى من يتمسح بقبر أبي القاسم، محمد رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، متبركاً به. وترتب على ذلك تكفير المسلمين، وسل السيف عليهم وقتالهم، تماماً كالخوارج الحرورية: يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان. فلنسم هؤلاء: «القبوريون المهوسون». والغالب على هؤلاء سطحية الفكر وتفاهته، والعجب بالنفس وتزكيتها: فهم، فقط، أهل العقيدة الصحيحة، بزعمهم، وهم، فقط، وحدهم الفرقة الناجية، وهم، فقط، الطائفة المنصورة، وغيرهم مشرك كافر، أو على التقدير البعيد، والتساهل الشديد: مبتدع ضال هالك.
وهم في الشر كالصنف الأول، بل الحق أنهم في الشر أشد، لأنهم غلاة مارقون، كسلفهم من الخوارج الأزارقة والصفرية. وهذا غلو وإفراط، والإفراط والغلو، عامة، أشد شراً وإثماً من التفريط، كما هو في صدر كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد».
ودين الله الحق طريق مطهرة مرفوعة، وسط معصومة، حنيفية سهلة سمحة: لا هو تفريط المفرطين الكسالى الفاسقين، ولا غلو المهووسين المارقين؛ ولا جهالات العوام المقلدين، ولا شطحات المتصوفة المخرفين.

بقيت مسألة واحدة، آلا وهي: ما هي علة الحكم بالحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد، وكذلك حرمة اتخاذ قبره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عيداً؟!
والحواب: إن كان المقصود بالعلة: «الباعث على الحكم»، أو «المناط» الذي ربط به التشريع، أو «المعنى»، أو «الاسم»، أو «العنوان»، أو «الوصفالمنضبط»، الذي يدور معه الحكم وجوداً وعدماً مثل (الإسكار) الذي هو «علة» تحريم الخمر: فيحرم كل ما أسكر، فإذا تخلل، أو تحلل، أو عولج بحرق أو طبخ أو نحوه فلم يعد مسكراً عاد إلى الحل، الذي هو الحكم الأصلي على الأشياء. إن كان هذا هو المقصود، فلا سبيل إلى معرفة «المناط»، أو «العلة» لحكم شرعي إلا بدليل شرعي لأن الربط بين الأثنين أمر وضعي يقتصر الحق فيه على «صاحب السيادة»، المتفرد بالحكم، والخلق والأمر، تباركت أسماؤه، لا شريك له، فهو يحكم لا معقب لحكمه، لا رب غيره، ولا إله سواه. وليس في النصوص الآنفة، ولا في غيرها حسب علمنا، علة شرعية وجودية بالمعنى المحرر أعلاه.
وإن كان المقصود بالعلة «العلة الغائية»، أي ما يترتب على تطبيق الحكم من مآلات، فالعادة والغالب من الأحوال، وهو ما يسمّى أحياناً بـ«حكمة التشريع» أو «مقصد التشريع» كما هو الحال في تحريم الخمر والميسر المؤدي إلى حفظ العقل، وتقليل العداوة والبغضاء والشجار بين الناس، وتخفيف الانشغال عن ذكر الله، التي تكثر عند شرب الخمر، وغير ذلك من المقاصد الجميلة التي جاء بها النص، وغيرها مما قد يستنبطه العقلاء، مثل: حفظ المال لما هو أهم من المصارف... إلخ. إن كان هذا المقصود، فيجب أن يعلم يقيناً على كل حال: أن الحكم الشرعي إنما ثبت بالنص الشرعي، لا غير، بغض النظر:
(1) عن وجود مقاصد من عدمها،
(2) وبغض النظر عن معرفتنا لتلك المقاصد أو جهلنا لها، إن كانت موجودة،
(3) وبصرف النظر عن تحقق المقاصد أو عدم تحققها إن كانت معلومة،
أي أن الحكم الشرعي لا يدور، مطلقاً، مع مقاصده وجوداً ولا عدما، بل: الالتزام بالحكم الشرعي، وفق النص الشرعي لا غير، هو حقيقة العبودية وجوهرها: فالعبودية هي طاعة أمر الله، والخضوع لأمره، والاستسلام لحكمه، مع تمام المحبة والتعظيم له، جل ذكره، بغض النظر عن أي اعتبار آخر مطلقاً، وليست هي ذات الركوع والسجود، والطواف، والسعي، وايقاد السرج والشموع، وإطلاق البخور، وغسل أعضاء الوضوء، ولا حتى دفع الزكاة، والامتناع عن الزنا، وترك الربا، وتجنب بيوع الغرر، والوفاء بالكيل والميران، وإيصال الحقوق إلى أهلها، والإحسان إلى الناس، بل إلى عامة الخلق، ليست العبودية هيعين ذلك، وإنما هي: «الطاعة للأمر بذلك»!
فإذا علم أن الحكم الشرعي لا يدور مع «الحكمة» أو «المقصد» وجوداً ولا عدماً، فقد أمنا معصية أمر الله بزعم أن كذا وكذا من «الحكمة»، وتحصيل «المصالح»، ودرء «المفاسد»، وغير ذلك من الدجل والهراء. ولا بأس من إعمال العقول في دراسة «الحكم» و«المقاصد» بشرط أن لا تنسب إلى الشرع إلا بدليل شرعي، وأن لا يقال على الله بغير علم، ولعل الأولى ترك ذلك. ولكن الناس لا يقتنعون بذلك: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}!!
وعليه فيحتمل أن تكون الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي:
(1) سد أبواب الشرك، وذرائعه كما يقال، وهو رأي لا تنكر وجاهته، وهو على أي حال مجرد رأي، لا دليل من الوحي عليه، ولا يسعفه، بل يضعفه: أن ذلك كان على الأرجح مقبولاً في شرائع بعض الأنبياء السابقين، قبل النسخ، وأن الشرك كان في أزمنتهم أقوى وأظهر وأخطر، فما باله لم يحرم حينئذ، وحرم في دين النبي الخاتم، الذي محا الله به الكفر والشرك، وقطع دابر عصور الجهل والخرافة والظلام؟!
غير أنه يمكن أن يعارض هذا بإن النبوة والرسالة قد ختمت، فليس بعد أبي القاسم نبي ولا رسول، فلزم الآن سد أبواب الشرك وذرائعه، خلافاً للعصور الأولى فقد كانت الأنبياء والرسل تتوالى فيصلح التالي ما فسد في ما سبقه من الأزمنة، ويكمل الاحق ما تركه السابق، بأمر الله ووحيه وهكذا أبداً.
ومع هذا الاعتراض فتبقى إشكالية أن الموضوع ليس بالخطورة والأهمية التي يتصوره «القبوريون المهووسون». فلو كان ثمة ما يسمونه بـ«شرك القبور»، وكان من الخطورة المخيفة التي يزعمون، وأن كل شرك في العالم إنما نشأ كذلك، لكان سد بابه من أيسر الأمور، وذلك مثلاً بتشريع حرق جثث الموتى حتي تستحيل رماداً، ثم سحقها، ثم ذروها في البحار الواسعة، فإن لم يتيسر ففي المياه الجارية، فإن لم يكن شيء من تلك البحار والأنهار قريباً، ففي الأراضي الفضاء خارج المدن مع الحرص على المبالغة في ذروها في أوسع مساحة ممكنة، ولا يستثنى من ذلك إلا الدفن في البحر لمن كان في أعالي البحار ونحوه. هذا تشريع سهل ميسور،قد جربته أمم وشعوب، ومحاسنه تساوي أو تفوق محاسن الدفن: فلا تبقى مقبرة ولا قبور، ولا خوف من «بعبع» شرك القبور المشهور.
فإن قال قائل: حرق الميت، ثم طحن رماده، ثم ذروه في الرياح إهانة له، فنقول: وهل تركة يتفسخ، ويتعفن، فيتقيح وينقلب صديداً ترعى فيه الدود، والأرضة، والجراثيم كرامة له؟!
وإن قال قائل: تكلفة الحطب والوقود اللازمة للحرق التام مرتفعة، فنقول: وهل كلفة قطعة الأرض المحجوزة لمئات، وربما آلاف السنين، أقل من ذلك؟! وماذا عن كلفة الحفر ومشقته؟! فحتى لو كانت تلك الكلفة أكبر، فخطر «شرك القبور» المزعوم أعظم، ويمكن معالجة الأمر بجعل تكاليف «الحرق» على العاقلة، أو فريضة علي الكفاية، أوعلي بيت المال!
فإذ لم يشرع هذا أو نحوه في هذا الدين الخاتم، علي سهولته ويسره بل وتميزه على البدائل الأخرى، علمنا أن وساوس القوم مبالغ فيها، وإنما هي فرضيات خيالية، وإسقاطات وهواجس نفسية.
بل لعلنا نقترح على القوم أن يستبدلوا الدفن بما أسلفنا، فما ورد قط نهي صريح عن مثل هذا. نعم: وردت نصوص كثيرة تأمر بالدفن، ولكن هذه لا إشكال فيها، فالقوم أهل «نظر سديد»، و«قياس وتعليل»، ومراعاة لـ«جلب المصالح ودفع المفاسد»، وأساطين في فن «سد الذرائع، والنظر في المآلات» فلهم أن يزعموا، مثلاً، أن الحكمة من الدفن هي: (التخلص من أجساد الموتى، وحماية الناس من تحللها وروائحها، مع تكريم الميت وعدم انتقاص ذكراه لو ترك على سطح الأرض على تلك الحالة الشنيعة)، أو بلفظ آخر: الأمر بالدفن ليس هو لذات الدفن من حيث هو عملية دفن ومواراة في التراب، وإنما هو لمواراة الجثة، والتخلص منه بطريقة راقية مهذبة، وما الدفن إلا واحدة منها. فالحرق إذاً أولى وأحسن، كما أسلفنا، لا سيما في هذا الزمان حيث رخصت أسعار الوقود، وارتفعت أكلاف القبور والحفر، ولا سيما مع مراعاة «سد الذرائع، والنظر في المآلات»، التي يزعم القوم أنهم أساطينه!
والقوم قد استباحوا أكثر المحرمات بدعوى «الضرورة»، ولم يروا بأساً باستدعاء أكثر من نصف مليون جندي أمريكي كافر لتدمير العراق، وذبح مئات الألوف من أبنائه، بدعوي الضرورة» لحماية أهل الكويت من بطش صدام حسين المرعب. فحماية الناس من «شرك القبور»، الأكثر «إرعاباً» بل هو على مذهبهم الكاسد: من الشرك الأكبر المهلك، المردي في النار الأبدية، واللعنة السرمدية، أولى وأوجب: نحن في انتظار إصدارهم لهذه الفتوى «البديعة» على أحر من الجمر!
ولعلنا نمد يد المساعدة لهم في إخراج هذه الفتوى «البديعة» فنسوق:
* ما أخرج الطبراني في معجمه الكبير(ج11/ص62/ح11051): [حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن أَيُّوبَ بن رَاشِدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَكَمُ بن عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمِ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى حَمْزَةَ فَنَظَرَ إِلَى مَا بِهِ، قَالَ: (لَوْلا أَنْ تَحْزَنَ النِّسَاءُ مَا غَيَّبْتُهُ، وَلَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطُّيُورِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِمَّا هُنَالِكَ)، قَالَ: وَأَحْزَنَهُ مَا رَأَى بِهِ، فَقَالَ:لَئِنْ ظَفَرْتُ بِقُرَيْشٍ لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}، [النحل آية 126] إِلَى: قَوْلِهِ {يَمْكُرُونَ}، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَهُيِّءَ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهِ تِسْعًا، ثُمَّ جَمَعَ عَلَيْهِ الشُّهَدَاءَ كُلَّمَا أُتِي بِشَهِيدٍ وُضِعَ إِلَى حَمْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَلَى الشُّهَدَاءِ مَعَهُ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى الشُّهَدَاءِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلاةً، ثُمَّ قَامَ عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى وَارَاهُمْ، وَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَفَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَتَجَاوَزَ وَتَرَكَ الْمُثْلَ]
وقال الألباني في [احكام الجنائز (1/104)]: [(أخرجه الطبراني في معجمه الكببر) (3/107، 108) من طريق محمد بن اسحاق حدثني. محمد بن كعب القرظي والحكم بن عتيبة عن مقسم ومجاهد عنه. قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات، وقد صرح فيه محمد بن اسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه. ويبدو أن الامام السهيلي والحافظ ابن حجر لم يقفا على هذا الاسناد،... إلخ]؛ إلى نهاية كلام الألباني، وهو قيِّم، وقد وفق فيه إلى الصواب، وإن كان قد استعجل في حكمه قليلاً، ولكن الحديث –في جوهره – صحيح تقوم به الحجة، لكثرة الشواهد والمتابعات، وبعضها تكاد تقوم به الحجة بذاته، كما أشبعناه بحثاُ في رسالتنا المعنونة: (استشهاد حمزة، والمثلة به)؛ فليراجع.
ونحن إنما درسنا هذا هناك أولاً لتحرير قضية (المعاقبة) و(المعاملة بالمثل)؛ ثم فتح الله بما شاء في قضية (الصلاة على الشهيد)، وتحرير من مثَّل بحمزة، أسد الله وأسد رسوله، سيد الشهداء، وكيف استشهد؛ وهذه ها هنا فائدة أخرى ما خطرت لنا آنذاك على بال، فالحمد لله الذي حفظ الذكر، قرآناً وسنةً: {مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، (يونس؛ 10: 57).وقد قلنا هناك، أي في رسالتنا المعنونة: (استشهاد حمزة، والمثلة به)، بعد إشباع الدرس للطرق والرجال: [فثبت حديث ابن عباس بلا شبهة، واندفعت كل معارضة، ولله الحمد والمنة. وإليك الجمل، أو الفقرات الصحيحة الثابتة التي تقوم بها الحجة القاطعة، فلا يجوز ردها، ويجب التدين بها:
(1) - [لَوْلا أَنْ تَحْزَنَ النِّسَاءُ (أو صَفِيَّةُ) مَا غَيَّبْتُهُ، وَلَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطُّيُورِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِمَّا هُنَالِكَ]. أما لفظة (أو تكون سنة بعدي) فلعلها ثابتة، ولكن في النفس منها شيء!؛.... إلخ]؛ فراجع تلك الرسالة، فإنها ممتعة!
قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: [لَوْلا أَنْ تَحْزَنَ النِّسَاءُ (أو صَفِيَّةُ) مَا غَيَّبْتُهُ، وَلَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطُّيُورِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِمَّا هُنَالِكَ]، بيان قاطع للعذر يبين أن مراعاته لخاطر عمته صفية، سلام الله عليها، وغيرها من نساء حمزة وقرابته هو الذي منعه من ترك حمزة من غير دفن حتى تأكله الطير والسباع. فمن المحال الممتنع إذاً أن يكون الدفن واجباً، لا يحل التخلص من أبدان الموتى إلا به. نعم: الدفن هو المستحب عادة، وهو السنة الأصلية الراتبة، ولكن ترك بدن الميت للطير والسباع جائز، ومن باب أولى حرقه حتى يصبح رماداً تذروه الرياح، وغير ذلك من الوسائل المحترمة الراقية.

ومما يشكك أيضاً تشكيكاً قوياً في صحة هذا «التعليل» أن «الصلاة إلى القبر»، أقرب بكثير في صورته إلى الشرك، وأولى بفتح أبوابه، من «اتخاذ القبور مساجد»، لا سيما إذا كان القبر تحت قدمي المصلي، أو في مؤخرة المسجد، كما هو الغالب في كنائس النصارى حيث رأينا بأنفسنا رأي العين. قبوراً تحت أرجل المصلين والماشين (وقد تجولت أنا شخصياً في داخل بعض الكنائس وشعرت بحرج شديد من المشي فوق القبور التي يدل على وجودها بلاطات منقوشة بأسمائهم وتواريخ وفياتهم). ومع ذلك فإن «الصلاة إلى القبر» محرم فقط، في حين أن «اتخاذ القبور مساجد» كبيرة من كبائر الذنوب، جاء اللعن لصاحبها، كما أسلفنا!
لذلك نستدرك الآن ونقول أن القول بأن (الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي: سد أبواب الشرك، وذرائعه) رأي ساقط، لا وجاهة له أصلاً.

(2) ولكن يحتمل أن تكون الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي: هي حماية حرمة الموتى وعدم أذيتهم بعقد دروس العلم، وجلسات القضاء، والمناظرات، بل وتنظيم الجيوش وعقد ألويتها، وغير ذلك من أنشطة المساجد وفعالياتها، وبالتجمع والجلوس والمشي فوقهم، كما هو في كنائس النصارى حيث رأينا ذلك رأي العين.

(3) ويحتمل كذلك أن تكون الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي: ربط المسجد في أذهان المؤمنين بالحياة والنشاط والحركة، لا بالموت والفناء والبلى، أي أن الدين، وعموده الصلاة، إنما هو نظام للحياة، وطراز للعيش، وبالعيش وفقه تكون الحياة الطيبة، والموت الطيب، والمبعث الطيب، وليس العكس. بخلاف كنائس النصارى الكئيبة، التي تبنى على المقابر، وتتوسط المقابر، ويشعر الإنسان إذا دخلها أنه بمعزل عن الدنيا وأنشطتها، بل يشعر أنه قد مات وأن الدين إنما هو للأموات، وليس للأحياء فيه نصيب. لذلك لا يتذكر النصراني دينه وكنيسته إلا ساعة الموت، وفي لحظات قليلة أخرى: فديننا دين حياة وحركة ونشاط، وبناء أمصار، وإنشاء مدنيات، وصناعات وتقنيات، وليس هو كالنصرانية المحرفة: دين موت وعزلة ورهبانية، وخلوات وفلوات!

(4) ويحتمل أن تكون الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي: إبقاء المقابر كما هي مقابر، دار الموتى، فلا تتشابه مع دور الأحياء، ولا تضعف قابليتها في التذكير بالموت والفناء والبلى، لا غير. ولعل هذا هو أوجه الأقوال لأن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حينما نسخ النهي عن زيارة القبور فرخص في زيارتها حث على ذلك لحكمة أنها: «فإن في زيارتها تذكرة»، «فإنها تذكر الموت»، «فإن فيها عبرة»، «فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»، كما جاء في النصوص المعصومة الصحيحة، على ما سيأتي قريباً، بإذن الله.

(5) ويحتمل أن تكون الحكمة من حرمة «اتخاذ القبور مساجد» هي: التميُّز عن أهل الكتاب، وعدم التشبه بهم، والحرص على مخالفتهم من كل وجه، وهو من مقاصد الشريعة المهمة الذي جاءت به العشرات، بل المئات من النصوص. وهذه المخالفة مطلوبة في صغير الأمور وكبيرها، كما يظهر من الأمثلة الآتية:
* حيث جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج2/ص356/ح8657): [حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «اعفوا اللحى وخذوا الشوارب وغيروا شيبكم ولا تشبهوا باليهود والنصارى»]، هذا إسناده جيد، وهو صحيح بشواهده!

__________________
قاسم سليمان الطويل آل طناش الزيدي الحسيني- البيرة - فلسطين
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-05-2012, 01:27 AM
الصورة الرمزية قاسم سليمان
قاسم سليمان غير متواجد حالياً
باحث في الانساب
 
تاريخ التسجيل: 07-11-2011
الدولة: من مدينة البيرة قضاء رام الله فلسطين-من سكان الولايات المتحدة الامريكية ولاية كولورادوحالياً
العمر: 59
المشاركات: 327
افتراضي

* وجاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج5/ص264/ح22337)، حديث آخر: [حدثنا زيد بن يحيى حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني القاسم قال سمعت أبا أمامة يقول خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: «يا معشر الأنصار حمّروا، وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب!» قال: فقلت: (يا رسول الله: إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تسرولوا، وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب!»، قال: فقلت: (يا رسول الله: إن أهل الكتاب يتخففون، ولا ينتعلون؟!)، قال: فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «فتخففوا، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب!»، قال: فقلنا: (يا رسول الله: إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم؟!)، قال: فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب!»]، قلت: القاسم بن عبد الرحمن صدوق يغرب كثيرا، وهذا إسناده حسن، وهو صحيح بشواهده.

ولعل غيرنا يجد حكماً معقولة أخرى، ومقاصد وجيهة، ولكننا نبرأ إلى الله من أن ننسبها إلى الله، إلا ببرهان من الوحي، ولا نقول، إن شاء الله، على الله بغير علم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه نتوكل، وبه نتأيد، وإليه ننيب.

| فصل: الترغيب في زيارة القبور واتباع الجنائز للرجال والنساء
حرم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أوّل الأمر زيارة القبور، ولعله غلظ الوعيد فيها للنساء خاصة، ثم نسخ ذلك كله، للرجال والنساء على حد سواء، بعد ذلك:
* فقد أخرج الترمذي في سننه (ج3/ص371/ح1056) عن أبي هريرة: [حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعن زوارات القبور]؛ ثم قال: (وفي الباب عن بن عباس وحسان بن ثابت؛ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي، صلى الله عليه وسلم، في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن)؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص337/ح8430)، و(ج2/ص337/ح8433)، و(ج2/ص356/ح8655)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص502/ح1576)؛ وأخرجه الطيالسي في مسنده (ج1/ص311/ح2358)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص452/ح3178)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص78/ح6996)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج10/ص315/ح5908)؛ وغيرهم.

* وأخرج مثله ابن ماجه في سننه (ج1/ص502/ح1574) عن حسان بن ثابت: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو بشر قالا حدثنا قبيصة (ح) وحدثنا أبو كريب حدثنا عبيد بن سعيد (ح) وحدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا الفريابي وقبيصة كلهم عن سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال لعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زوارات القبور]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص443/ح15695)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص530/ح1385) ثم عقَّب قائلاً: (وهذه الأحاديث المروية في النهي عن زيارة القبور منسوخة والناسخ لها حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فقد أذن الله تعالى لنبيه، صلى الله عليه وسلم، في زيارة قبر أمه وهذا الحديث مخرج في الكتابين الصحيحين للشيخين رضي الله عنهما)؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج4/ص42/ح3591)، و(ج4/ص42/ح3592)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج4/ص102/ح2071)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص78/ح6997)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج3/ص31/ح11823)؛ وغيرهم؛ ولكن عبد الرحمن بن بهمان لا يكاد يعرف، ولم يرو عنه أحد غير عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس له إلا هذا الحديث اليتيم.

* وأخرج البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص78/ح6998) عن بن عباس: [أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبأ أبو جعفر الرزاز حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر حدثنا عفان حدثنا همام وعبد الوارث عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن بن عباس (ح) وأخبرنا أبو بكر بن فورك قال أنبأ عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة قال سمعت أبا صالح، (وقد كان كبر)، عن بن عباس قال لعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زائرات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج؛ لفظ حديث شعبة وفي روايتهما زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج]؛ ومن طريق عبد الوارث بن سعيد أخرجه النسائي في سننه (ج4/ص95/ح2043)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص657/ح2170)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص453/ح3179)، و(ج7/ص454/ح3180) ثم قال: (أبو صالح هذا اسمه ميزان بصري ثقة وليس بصاحب محمد بن السائب الكلبي)؛ والترمذي في سننه (ج2/ص138/ح320) وعقَّب قائلاً: (حديث حسن وأبو صالح هذا هو مولى أم هاني بنت أبي طالب واسمه باذان ويقال باذام أيضا)؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص502/ح1575) مختصرا حيث قال فقط: (زوارات القبور)؛ ومن طريق شعبة أخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص219/ح3236)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص229/ح2030)، و(ج1/ص287/ح2603)، و(ج1/ص324/ح2986)، و(ج1/ص337/ح3118) وزاد: (قال حجاج:قال شعبة: أراه يعني اليهود)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص530/ح1384) ثم قال الحاكم: (أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به إنما هو باذان ولم يحتج به الشيخان لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة ووجدت له متابعا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص357/ح2733)؛ وابن الجعد في مسنده (ج1/ص224/ح1500)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص151/ح7549)، و(ج3/ص30/ح11814)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص148/ح12725)؛ وغيرهم كثير كما قال الحاكم.
أبو صالح هذا فالصحيح أنه باذام، مولى أم هانئ، كما صرح محمد بن جحادة به في رواية الإمام الحجة المتقن شعبة بن الحجاج عنه:
* كما أخرجه ابن الجعد في مسنده (ج1/ص224/ح1500): [حدثنا علي بن مسلم حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة قال سمعت أبا صالح مولى أم هانئ وكان قد كبر عن بن عباس قال لعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زائرات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج]
وثبت بذلك أن الإمامين أبا عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبا عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الحاكم قد أصابا، وأن ابن حبان في قوله: (أبو صالح هذا ميزان بصري ثقة، وليس صاحب الكلبي، ذاك باذام)، وعليه صحح الحديث، قد غلط غلطاً فاحشاً!
وهو، أي أبو صالح باذام، ضعيف، مجمع على ضعفه من كافة أئمة هذا الشأن، بل هو متهم، كما أنه يدلس ويرسل، وحدث بذلك على كبر وشيخوخة، وهي لا تزيدنا، معشر بني آدم، إلا ضعفاً، ولم يثبت سماعه من ابن عباس أصلاً.
فراوية أبي صالح باذام، مولى أم هانئ، متابعة، لا يفرح بها كثيراً، للأحاديث الصحيحة في ما يتعلق بزائرات القبور، قبل النسخ، واتخاذ المساجد عليها، ولكن لا تقوم به حجة فيما يتعلق بتحريم اتخاذ «السرج» على القبور، فليلاحظ، إلا أن يأتي من طريق أخرى تصلح للاعتضاد بها، ولم يقع لنا في ذلك شيء بعد، فوجب القطع ببطلانها، ولم يجز الأخذ بها، ولا التدين بموجبها، إذ ما كان الله ليحرم اتخاذ السرج على المقابر، تحريماً مغلظاً يستحق فاعله لعنة الله، ثم لا يأذن بنقل ذلك إلا من طريق راوية ضعيف ساقط، كالمجمع على ضعفه، حال كبره وشيخوخته، وهي مع هذا طريق منقطعة، ولا ترد عن ثقة حافظ قط! حاشا لله، ثم حاشاه، وهو القائل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
ومع ذلك فإن الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لـ«فتح المجيد: شرح كتاب التوحيد»، بعد أن أقر بضعف أبي صالح باذام يقول: (وعلى كل حال فإن إيقاد السرج على القبور وثنية لا يرضاها الإسلام)!
سبحان الله: هل أصبح الدين يؤخذ بأمزجة الرجال وأهوائهم؟! ولو أن الشيخ زعم أن إيقاد السرج على القبور لا يعجبه هو، ويذكره هو بالوثنية، أو كلاماً نحواً من هذا، لما كان لنا معه كلام. أما أن ينسب ذلك إلى الإسلام، فلا، وألف لا!
ولو قال قائل: (بل إن إيقاد السرج على القبور مدنية، وارتقاء في الذوق، تبعد به الوحشة عن المقابر، وتطرد عنها الكلاب المتوحشة التي استوطنت في مقابر بعض البلاد التي تدَّعي «التوحيد»، زوراً وبهتاناً: فلم يعد أحد يجسر على المرور بها بليل إلا وهو مدجج بالسلاح، بالإضافة إلى تجوالها – أي الكلاب المتوحشة - جيئة وذهاباً، وإيذائها الأموات والأحياء بنجاستها ونباحها)، لو قال قائل ذلك لما كان أقرب ولا أبعد عن الإسلام من الشيخ عبد القادر، بل لعله أقرب. وما هي إلا آراء، وأمزجة وأهواء، ليس شئ منه من عند الله، يبطل بعضها بعضاً، ويدفع بعضها بعضاً، وينقض بعضها بعضاً: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}!
ولكن الشيخ عبد القادر الأرناؤوط من أكابر أتباع الدعوة «الوهابية»، فهو إذاً متورط منذ لحظته الأولى في «الهوس القبوري»، لا يستطيع منه فكاكاً، وهو يظن أنه في ذلك على الحق المبين، وها نحن أثبتنا أنهم في هذه المسألة على الخطأ المؤكد اليقيني، فلننظر هل يستطيع القوم التحرر من تقليدهم، أو يبقوا متمادين على خطئهم، بل على غيهم وغلوهم؟!

* وأخرج الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص31/ح11821) رأي عمر في هذا الموضوع: [حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن الحارث قال: قال عمر: (نهينا النساء لأنا لا نجد أضل من زائرات القبور)]

* وأخرج ابن ماجه في سننه (ج1/ص503/ح1578): [حدثنا محمد بن المصفى حدثنا أحمد بن خالد حدثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سلمان عن دينار أبي عمر عن بن الحنفية عن علي قال خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا نسوة جلوس فقال ما يجلسكن قلن ننتظر الجنازة قال هل تغسلن قلن لا قال هل تحملن قلن لا قال هل تدلين فيمن يدلي قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات]؛ وقال الألباني: ضعيف؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6993)، و(ج4/ص77/ح6994)؛ وغيرهم،

* وهو في «الثقات» لابن حبان أثناء ترجمة (دينار أبو عمر الأسدي البزار مولى بشر بن غالب من أهل الكوفة): [حدثنا عمرو بن محمد الهمداني قال حدثنا محمد بن اشكيب قال حدثنا إسحاق بن منصور السلولي قال حدثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سلمان عن دينار أبى عمر عن بن الحنفية عن على قال رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، نسوة في جنازة فقال تحملن فيمن يحمل قلن لا قال فتدلين فيمن يدلى قلن لا قال فتحثين فيمن يحثو قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات]
قلت: قول الألباني ضعيف عن حديث ابن ماجه تساهل منه، بل هو في غاية الضعف والسقوط، يشبه أن يكون موضوعاً أو مسروقاً، لأن إسماعيل بن سلمان بن أبي المغيرة الأزرق التميمي الكوفي الرازي، متروك الحديث متفق على ضعفه، لا يحل الاحتجاج به بحال من الأحوال. قال النسائي: (متروك الحديث)؛ وقال يحيى بن معين: (ليس حديثه بشيء)؛ وقال أبو زرعة: (ضعيف الحديث، واهي الحديث)؛ وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث)؛ وقال محمد بن عبد الله بن نمير والنسائي: (متروك الحديث)، وقال الدارقطني: (ضعيف)؛ وذكره العقيلي في الضعفاء؛ وسئل عنه أبو داود فقال: (ضعيف)؛ وذكره الفسوي في باب من يرغب من الراوية عنهم؛ وقال الساجي: (ضعيف)؛ وقال أبو أحمد بن عدي: (روى حديث الطير، وغيره من الأحاديث، البلاء فيها منه!)، وتساهل ابن حبان تساهلاً شنيعاً، فقال: (صدوق يخطئ)، وعابوا على وكيع أنه حدَّث عنه، ولخص حاله الحافظ في «تقريب التهذيب»، فتساهل إذ قال: (إسماعيل بن سلمان بن أبي المغيرة الأزرق التميمي الكوفي ضعيف من الخامسة)؛ وحقه أن يقال: (متروك).

* وأخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص456/ح6298): [عن الثوري عن رجل عن مؤرق العجلي قال خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، في جنازة فرأى النساء فقال أتحملنه فيمن يحمله قلن لا قال أفتدخلنه فيمن يدخله قلن لا قال أفتحثين التراب فيمن يحثو قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات]؛ قلت: هذا إسناد من أسقط ما يكون: فيه رجل مجهول، وهو مع هذا مرسل!
* وأخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص457/ح6299): [عن معمر أن عمر رأى نساء مع جنازة فقال ارجعن مأزورات غير مأجورات فوالله ما تحملن ولا تدفن يا مؤذيات الاموات ومفتنات الاحياء]؛ قلت: وهذا شر من سابقه، منقطع معضل فبين معمر بن راشد وعمر بن الخطاب مفاوز مهلكة: رجلان على أقل تقدير، وهو موقوف على عمر، رضي الله عنه.

قلت: فلعل هذا هو أصل الحديث فهو، في أحسن أحواله موقوف من كلام نسب إلى عمر، تداوله الناس، ووافق هوى الكثيرين منهم، وجعله بعض الضعفاء مرفوعاً، وسرقه المتروكون والكذابون، وربما زادوا فيه فقرات مكذوبة، كما مضى وسيأتي.

* وفي «مسند أبي يعلى»، (ج7/ص110/ح4056)، و(ج7/ص268/ح4284)، حديثمكذوب آخر عن أنس: [حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن حمران حدثنا الحارث بن زياد عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في جنازة فرأى نسوة فقال أتحملنه قلن لا قال تدفنه قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده ضعيف)، قلت: لعله شر من ذلك: محمد بن حمران بن عبد العزيز ليس بالقوي، والحارث بن زياد الشامي مجمع على ضعفه، وقد تفرد بـ«بمناقب» مكذوبة لمعاوية بن أبي سفيان يسبق إلى القلب أنه هو الذي افتراها: فالأرجح أنه، أي: الحارث بن زياد الشامي، كذاب دجَّال!
* وفي «تاريخ بغداد» أثناء ترجمة (إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي كان بالبصرة ثم خرج الى أصبهان والرى ووافى بغداد وحدث بها عن أنس بن مالك بالأباطيل): [أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو البختري الرزاز املاء حدثنا محمد بن عبيد الله المنادى حدثنا أبو هدبة عن أنس بن مالك ان النبي، صلى الله عليه وسلم، تبع جنازة فإذا هو بنسوة خلف الجنازة قال فنظر اليهن وهو يقول: «ارجعن مأزورات غير مأجورات: مفتنات الاحياء، مؤذيات الأموات»]، وربما ذكره البعض بلفظ آخر: (فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت)، كما ذكره ابن تيمية، وهو حديث مكذوب باطل، لا يحل الاحتجاج به على أي حال لأن أبو هدبة إبراهيم بن هدبة الفارسي، كذاب خبيث، أساء فيه الأئمة القول، كما هو في ترجمته بتاريخ بغداد، قال الإمام أحمد بن حنبل: (إبراهيم بن هدبة لا شيء، روى أحاديث مناكير)؛ وقال يحيى بن معين: (كذاب خبيث)؛ وكان محمد بن بلال (راوية عمران القطان) ينكر ان يحدث أبو هدبة عن أنس، ويقول: (أبو هدبة عدو الله، وكان عندنا هاهنا يحفل الغنم فيبيعها)؛ وقال عبد الله بن الإمام على بن عبد الله المديني: [سمعت أبى يقول: (كان أبو هدبة يقول حدثني أنس بن مالك؟!)، قيل لأبي: (كان يصدق؟!)، قال: (من أين؟!)، وضعفه جداً]؛ وقال على بن ثابت: (هو أكذب من حماري هذا!!)، وكان هشيم يستنكر زعمه السماع من أنس، ويقول: (قد طلبنا أصحاب أنس منذ عشرين سنة، فلم نقدر عليهم)، واتهموه بشرب الخمر، وغير ذلك، والعياذ بالله تعالى.

* وجاء في «تاريخ بغداد» أثناء ترجمة (سعيد بن عبد الله بن أبي رجاء أبو عثمان الأنباري المعروف بابن عجب) أكذوبة أخرى: [أخبرنا محمد بن أبي القاسم الأزرق أخبرنا أحمد بن كامل القاضي أخبرنا سعيد بن عبد الله بن عجب الأنباري حدثنا عمرو بن النضر حدثنا إبراهيم بن هراسة عن سفيان عن عاصم عن مورق عن أنس قال أبصر النبي، صلى الله عليه وسلم، نسوة مع جنازة فقال لهن: «أتحملن؟! أتدفن؟! أتحثين؟! أرجعن مأزورات غير مأجورات»]،
قلت: إبراهيم بن هراسة، لا شئ، متروك كذاب، كما قله يحيى بن معين، وكان أبو عبيد يطلق عليه الكذب، ونقل أبو العرب في الضعفاء عن الإمام أحمد بن عبيد الله بن صالح العجلي أنه قال: (إبراهيم بن هراسة متروك كذاب)، وقال الآجري: (سمعت أبا داود يطلق فيه الكذب)، وقال أبو حاتم بن حبان: (غلب عليه التقشف والعبادة وغفل عن تعاهد حفظ الحديث حتى صار كأنه يكذب)، وقال البخاري: (متروك الحديث)، وقال أبو داود: (ترك الناس حديثه)، وقال أبو حاتم الرازي: (ضعيف متروك الحديث)، وقال النسائي في التمييز: (ليس بثقة، ولا يكتب حديثه)، وقال ابن عدي: (قد ضعفه الناس، والضعف على رواياته بين)، وتساهل أبو زرعة الرازي فقال: (شيخ كوفي، وليس بقوي).

* وأخرج النسائي في سننه (ج4/ص27/ح1880): [أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله هو بن يزيد المقري (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري قال حدثنا أبي قال سعيد حدثني ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الجبلي عن عبد الله بن عمرو قال: بينما نحن نسير مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ بصر بامرأة، لا تظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لها: «ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟!»، قالت: أتيت أهل هذا الميت فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: «لعلك بلغت معهم الكدى؟!»، قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر! فقال لها: «لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك!»]؛ وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج1/ص616/ح2007)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص452/ح3177)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص192/ح3123)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص170/ح6574)، و(ج2/ص223/ح7082)؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج4/ص60/ح6882)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص529/ح1382)، و(ج1/ص530/ح1383) وزعم أنه: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وهو وهم فاحش، فليس ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري من رجالهما، ولا يبلغ تلك المرتبة، حتى يلج الجمل في سم الخياط! وقال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: ربيعة ضعيف، يعني ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري، وقال ابن حبان: (يخطئ كثيراً)، وقال البخاري: (عنده مناكير)، لكن الحافظ قال: «صدوق له مناكير!»، والظاهر أن ابن حبان تحمله، بالرغم من كثرة خطئه، لذلك أخرج هذا الحديث في صحيحه، فلم يصب، ولم يوفق، ولم يحسن.
- وقد أخرج أبو يعلى هذا الحديث في مسنده (ج12/ص115/ح6746): [حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا المفضل بن فضالة قال حدثني ربيعة المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قاله بنحوه]، وزاد فيه: (فسألت ربيعة: ما الكدى؟! فقال: أحسبها المقابر، قال: فلما رأيت ربيعة شك، لقيت يزيد بن أبي حبيب فأخبرته بحديث ربيعة، وسألته: الكدى؟! فقال: هي المقابر). ولو صح هذا الحديث، وهو لا يصح ولا تقوم به حجة، ولا يحل التدين به، فهو موافق، في الجملة، للوعيد الشديد لزائرات القبور، حتى جاء النسخ، كما سيأتي فوراً، إن شاء الله تعالى.

* فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص671/ح976): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا حدثنا محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال زار النبي، صلى الله عليه وسلم، قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص672/ح976)؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص90/ح2034)، وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج1/ص654/ح2161)؛ وابن حبان في صحيحه ج7/ص441/ح3169)؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص501/ح1572)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص441/ح9686)، والحاكم في مستدركه ج1/ص532/ح1390) ووهم فقال: (وهذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص70/ح6949)، و(ج4/ص76/ح6984)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج11/ص56/ح6193)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص29/ح11807)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص672/ح977) بإسانيد غاية في الصحة عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب عن أبيه: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن المثنى واللفظ لأبي بكر وابن نمير قالوا حدثنا محمد بن فضيل عن أبي سنان وهو ضرار بن مرة عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم؛ ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً)]؛ وقال الإمام مسلم: [قال بن نمير في روايته عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو خيثمة عن زبيد اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة أراه عن أبيه (الشك من أبي خيثمة) عن النبي، صلى الله عليه وسلم، (ح) وحدثنا ابن أبي عمر ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق عن معمر عن عطاء الخراساني قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، كلهم بمعنى حديث أبي سنان]؛ وأخرجه مسلم في موضع آخر من صحيحه (ج3/ص1564/ح1977).

* وأخرجه الإمام ابن الجارود في المنتقى (ج1/ص219/ح863) بإسناد صحيح عن سليمان بن بريدة بن الحصيب عن أبيه: [حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا أبو عاصم عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها: فإن محمداً أذن له في زيارة أمه وإنها تذكر الآخرة؛ ونهيتكم عن أن تمسكوا عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث أردت بذلك أن يتسع أهل السعة على من لا سعة له فكلوا وادخروا ونهيتكم عن الظروف وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام]
قلت: ثم تواتر نقله عن ابني بريدة، عبد الله وسليمان، بأسانيد صحاح وحسان، عند جمهور الأئمة، فقد أخرجه الإمام النسائي في سننه (ج4/ص90/ح2033)، و(ج7/ص234/ح4429)، و(ج7/ص235/ح4430)، و(ج8/ص310/ح5651)، و(ج8/ص311/ح5652)، و(ج8/ص311/ح5653)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص440/ح3168)، و(ج12/ص214/ح5391)، و(ج12/ص221/ح5400)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص332/ح3698)، و(ج3/ص218/ح3235)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص350/ح23008)، و(ج5/ص355/ح23055)، و(ج5/ص356/ح23065)، و(ج5/ص356/ح23066)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص654/ح2160)، و(ج3/ص69/ح4518)، و(ج3/ص69/ح4519)، و(ج3/ص225/ح5161)، و(ج3/ص225/ح5162)؛ وابن الجعد في مسنده (ج1/ص293/ح1989)، و(ج1/ص308/ح2079)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص83/ح238)، و(ج3/ص219/ح2966)، و(ج5/ص147/ح4912)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6986)، و(ج9/ص292/ح18996)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص531/ح1386) عن أبي سعيد الخدري: [وقد حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان وحدثنا أبو العباس أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أنبأ عبد الله بن وهب أخبرني أسامة بن زيد ان محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري أخبره أن واسع بن حبان حدثه أن أبا سعيد الخدري حدثه أن رسول، صلى الله عليه وسلم، قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة؛ ونهيتكم عن النبيذ ألا فانتبذوا ولا أحل مسكرا ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا]؛ وقال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)؛ ومن طريق الحاكم أخرجه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6988)؛ وأخرجه الإمام عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص304/ح985): [حدثني يحيى بن عبد الحميد حدثنا عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد قاله بنحوه]؛ والحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج1/ص381/ح282): [حدثنا الحكم بن موسى حدثنا بن أبي الرجال قال أخبرنيه بن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن يحيى بن حبان المازني؛ مرسلاً]
* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص531/ح1387) عن عبد الله بن مسعود: [وحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني بن جريج عن أيوب بن هاني عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور وأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث وعن نبيذ الأوعية: ألا فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة؛ وكلوا لحوم الأضاحي وابقوا ما شئتم فإنما نهيتكم عنه إذا الخير قليل توسعة على الناس ألا أن وعاء لا يحرم شيئا فإن كل مسكر حرام]؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص501/ح1571)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6989)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج9/ص203/ح5299)؛ وغيرهم، ولم يصرح ابن جريج بالسماع، كما أن أيوب بن هاني، ليس بالحجة، وإن كان صدوقاً.

* وأخرج الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص215/ح1213) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: [حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي حدثنا أبي حدثنا محمد بن سميع حدثنا زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنا كنا نهيناكم عن زيارة القبور فزوروها واعتبروا؛ ونهيناكم عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وتمتعوا ونهيناكم عن النبيذ في الجر فانتبذوا، وكل مسكر حرام)]

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص237/ح13512) عن أنس بن مالك: [حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن بن إسحاق حدثني يحيى بن الحارث الجابر عن عبد الوارث مولى أنس بن مالك وعمرو بن عامر عن أنس بن مالك قال نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن زيارة القبور وعن لحوم الأضاحي بعد ثلاث وعن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت قال ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك: (الا اني قد كنت نهيتكم عن ثلاث ثم بدا لي فيهن: نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي انها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجرا؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها فوق ثلاث ليال ثم بدأ لي أن الناس يتحفون ضيفهم ويخبؤن لغائبهم فامسكوا ما شئتم؛ ونهيتكم عن النبيذ في هذه الأوعية فاشربوا بما شئتم ولا تشربوا مسكرا فمن شاء أوكأ سقاءه على أثم]

* وأخرجه الإمام الحاكم في مستدركه ج1/ص531/ح1388) مختصراً: [حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر البزار ببغداد حدثنا محمد بن شاذان الجوهري حدثنا زكريا بن عدي حدثنا سلام بن سليم عن يحيى بن الجابر عن عمرو بن عامر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت)وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص532/ح1393)، و(ج1/ص533/ح1394)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6990وأبو يعلى في مسنده (ج6/ص373/ح3705)، و(ج6/ص373/ح3707)؛ وغيرهم. قلت: يحيى بن الحارث الجابر ضعيف لا تقوم به حجة.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص145/ح1235) عن على بن أبي طالب: [حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن على ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية وان تحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم قال: (انى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة؛ ونهيتكم عن الأوعية فاشربوا فيها واجتنبوا كل ما أسكر؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي ان تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص145/ح1236)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص241/ح278)؛ وغيرهم؛ ولكن النابغة، ويقال: بن مخارق بن سليم مجهول، وعلى بن زيد بن جدعان ليس بالقوي.

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج23/ص278/ح602) عن أم سلمة: [حدثنا بن السميدع حدثنا يعقوب بن كعب حدثنا يحيى بن المتوكل عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن أم سلمة قالت قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة)]؛ ولكن أبا عَقِيل يحيى بن المتوكل العمري ضعيف لا تقوم به حجة.

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص320/ح13235) عن عبد الله بن عمر: [حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبدان بن أحمد قالا حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا يزيد بن أبان عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إني نهيتكم عن نبيذ الجر وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور وإني كنت نهيتكم عن الأضاحي: ألا وإن الأوعية لا تحل شيئا ولا تحرمه؛ألا وزوروا القبور فإنها ترق القلوب؛ زاد عبدان في حديثه ألا وإني نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا ما شئتم]؛ ولكن يزيد بن أبان الرقاشي البصري ضعيف لا تقوم به حجة.

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص95/ح1419) عن ثوبان: [حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر حدثنا يزيد بن ربيعةأخبرنا أبو الأشعث عن ثوبان أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وإجعلوا زيارتكم لها صلاة عليهم واستغفارا لهم؛ ونهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا منها وادخروا؛ ونهيتكم عما ينبذ في الدباء والحنتم والمقير فانتبذوا وانتفعوا بها)]؛ ولكنأبا كامل يزيد بن ربيعة الرحبي الصنعاني الشامي ضعيف لا تقوم به حجة.

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص254/ح11653) عن بن عباس: [حدثنا إبراهيم بن أحمد الوكيعي حدثني أبي حدثنا عبد الحميد الحماني عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن بن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ونهيتكم عن النبيذ فاشربوا ولا تشربوا مسكرا)]؛ ولكن النضر أبي عمر ضعيف متروك.

فهذا يشبه أن يكون نقل تواتر تقوم به الحجة القاطعة على أن النهي عن زيارة القبور قد نسخ إلى أبد الأبد، لا فرق بين الرجال والنساء، ولا بين الشيوخ والشباب. ولبس هذا هو كل ما ورد، بل هناك المزيد سيأتي، وقد خفي هذا عن بعض الأكابر:
* كما جاء في مصنف ابن أبي شيبة(ج3/ص31/ح11822) بأصح إسناد: [حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال كانوا يكرهون زيارة القبور]؛ يعني أصحاب عبد الله بن مسعود.
* وكما جاء في مصنف ابن أبي شيبة(ج3/ص31/ح11824): [حدثنا الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: (لولا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي)]، وسمعه أيضاً عبد الرزاق من الثوري كما هو في مصنفه (ج3/ص569/ح6706).

* وأخرج البخاري، (ج1/ص430/ح1219)، ومسلم، (ج2/ص1128/ح938)، و(ج2/ص1128 - 1129/ح938)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص502/ح1577)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص202/ح3167)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص408/ح27344)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج25/ص53 - 54/ح112 - 115)، و(ج25/ص62/ح142 - 144)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص77/ح6992)؛ وابن الجارود في المنتقى (ج1/ص139/ح531)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج2/ص63/ح1256)؛ وغيرهم؛ بأسانيد غاية في الصحة عن أم عطية، رضوان الله وسلامه عليها، قالت: (كنا ننهى عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا)، بل هو كالمتواتر عنها، رواه الأئمة الأثبات الثقات: محمد بن سيرين، وأم الهذيل حفصة بنت سيرين، وغيرهما. فإن كان النهي من النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فبها ونعمت، وهو نهي كراهية، وليس نهي تحريم كما هو ظاهر من النص. وإن كان النهي من غيره، من بعض الصحابة مثلاً، وهو الأرجح، فالحديث حينئذ مجرد رواية لرأي بعض الصحابة، وقد سبق إيراد الكلام المنسوب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولا تقوم حجة بأحد دون رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وسلام وتبريكات من الله، ولكن الصحيح المرفوع قطعاً هو التالي:
* كما جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج2/ص10/ح5889): [حدثنا سليمان بن داود أخبرنا إسماعيل أخبرني محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة انه كان جالسا مع بن عمر بالسوق ومعه سلمة بن الأزرق إلى جنبه فمر بجنازة يتبعها بكاء فقال عبد الله بن عمر: (لو ترك أهل هذا الميت البكاء لكان خيرا لميتهم)، فقال سلمة بن الأزرق: (تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟!)، قال: (نعم أقوله!)، قال: (أنى سمعت أبا هريرة، ومات ميت من أهل مروان فاجتمع النساء يبكين عليه، فقال مروان: (قم يا عبد الملك فإنهن أن يبكين)، فقال أبو هريرة: (دعهن فإنه مات ميت من آل النبي، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر بن الخطاب ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:«دعهن يا بن الخطاب فإن العين دامعة والفؤاد مصاب وان العهد حديث»)، فقال بن عمر: (أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟!)، قال: (نعم!)، قال: (يأثره عن النبي، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قال: (نعم!)، قال: (فالله ورسوله أعلم)]؛ قلت: محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة هو محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة، أبو عبد الله العامري القرشي، ثقة من أوساط التابعين.
* وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من طريق ثانية باختصار طفيف، (ج2/ص273/ح7677): [حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج أخبرني هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو انه أخبره ان سلمة بن الأزرق كان جالسا مع عبد الله بن عمر بالسوق فمر بجنازة يبكى عليها فعاب ذلك عبد الله بن عمر فانتهرهن فقال له سلمة بن الأزرق: (لا تقل ذلك، فأشهد على أبي هريرة لسمعته يقول، وتوفيت امرأة من كنائن مروان، وشهدها، وأمر مروان بالنساء التي يبكين فجعل يطردن، فقال أبو هريرة: دعهن يا أبا عبد الملك فإنه مر على النبي، صلى الله عليه وسلم، بجنازة يبكى عليها وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب فانتهر عمر اللاتي يبكين مع الجنازة فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:«دعهن يا بن الخطاب: فإن النفس مصابة، وإن العين دامعة، وإن العهد حديث»)، قال: (أنت سمعته؟!)، قال: (نعم) قال: (فالله ورسوله أعلم!)]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج7/ص429/ح3157)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص70/ح6951)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص420/ح1440)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص553/ح6674)؛ وغيرهم.

قلت: وأخرجه أيضاً، مطولاً ومختصراً،الإمام النسائي في سننه (ج4/ص19/ح1859)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص432/ح3160)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص444/ح9729)؛وابن ماجه في سننه (ج1/ص506/ح1587)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج4/ص293)؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص445/ح1024)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج11/ص291/ح6405)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص482/ح11295)، و(ج3/ص64/ح12136)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص610/ح1986)؛ وغيرهم. وسلمة بن الأزرق الحجازي ثقة مقل، من أوساط التابعين، قصَّر الحافظ تقصيراً فاحشاً عندما قال: (مقبول) يعني عند المتابعة على اصطلاحه، ضارباً عرض الحائط بتوثيق عبد الله بن عمر ومحمد بن عمرو بن عطاء!
هذه أسانيد مليحة حسان قوية، تقوم بها الحجة. وهذا الميت هو على الأرجح أم كلثوم بنت محمد، أو زينب بنت محمد، سيد البشر، عليهما وعلى والدهما وعلى آله الصلاة والسلام.

والأمر باتباع الجنائز، قياماً بحق المسلم، ولتذكر الآخرة جاء مؤكداً، لا فرق بين الرجال والنساء:
* كما هو في «الجامع الصحيح المختصر»، (ج1/ص417/ح1182)، للإمام البخاري عن البراء: [حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن الأشعث قال سمعت معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال: (أمرنا النبي، صلى الله عليه وسلم، بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس؛ ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير والديباج والقسي والإستبرق)]؛ واهتم به الإمام البخاري فأخرجه بنحوه في صحيحه عن عدد من أكابر شيوخه: (ج2/ص863/ح2313)، و(ج5/ص1984/ح4880)، و(ج5/ص2134/ح5312)، و(ج5/ص2139/ح5326)، و(ج5/ص2199/ح5511)، و(ج5/ص2202/ح5525)، و(ج5/ص2297/ح5868)، و(ج5/ص2302/ح5881)؛ وأخرجه في الأدب المفرد (ج1/ص319/ح924)؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج3/ص1636/ح2066)؛ والنسائي في سننه (ج4/ص54/ح1939)، و(ج7/ص9/ح3778)،و(ج8/ص202/ح5309)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص313/ح3040)، و(ج12/ص160/ح5340)؛ والترمذي في سننه (ج5/ص117/ح2809)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص284/ح18527)، و(ج4/ص287/ح18555)، و(ج4/ص299/ح18667)، و(ج4/ص299/ح18672)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص101/ح746)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص631/ح2066)، و(ج3/ص126/ح4719)، (ج4/ص354/ح7493)، و(ج5/ص471/ح9612 - 9613)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص223/ح5637)، و(ج3/ص379/ح6369)، و(ج6/ص94/ح11288)، و(ج7/ص263/ح14306)، و(ج10/ص35/ح19650)، و(ج10/ص40/ح19673)،و(ج10/ص108/ح20081)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج5/ص103/ح24138)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص211/ح8429)؛ وغيرهم.

وقد يعترض بعضهم بأن بعض هذه النواهي إنما هي للرجال فقط، كخاتم الذهب، والحرير، وهي حلال للنساء. فنقول: نعم، ولم نأخذ هذا من هذا الحديث، ولو لم يأت إلا هذا لكان الذهب والحرير حراماً على الجميع، الرجال والنساء على حد سواء، ولكن جاء حل ذلك للنساء في نصوص ثابتة أخرى، فاستثنينا ما استثناه الله ورسوله، وخصصنا أو قيدنا كما جاء عن الله ورسوله، ويبقى ما سواه على عمومه، وإطلاقه، وشموله للنساء والرجال، بل وللإنس والجن، حتى يأتينا برهان من الله بخلاف ذلك، أما بالزعم المجرد، أو الهوى الفاسد، أو التقليد البليد، فلا، وألف لا!

* وجاء في «الجامع الصحيح المختصر»، (ج1/ص418/ح1183)، أيضاًعن أبي هريرة: [حدثنا محمد حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال أخبرني بن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: «رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»]، وعقب البخاري قائلاً: (تابعه عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ورواه سلامة عن عقيل).وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص1705/ح2162)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص477/ح241)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص462/ح1435)؛ وأبو داود في سننه (ج4/ص307/ح5030)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص332/ح8378)، و(ج2/ص540/ح10979)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص303/ح2299)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص64/ح10049)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص223/ح5638)، و(ج3/ص386/ح6408)، و(ج7/ص263/ح14307 - 14308)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج10/ص341/ح5934)؛ وابن الجارود في المنتقى (ج1/ص138/ح525)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص372/ح8832) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة: [حدثنا سليمان قال حدثنا إسماعيل قال أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال حق المسلم على المسلم ست قيل ما هي يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فاجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه]؛ وتوبع العلاء بن عبد الرحمن فاندفع كل احتمال للوهم أو الخطأ، كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص321/ح8254): [حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد حدثنا عبد الله بن الوليد عن بن حجيرة عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه]؛أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص319/ح925)، و(ج1/ص344/ح991)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص478/ح242)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص412/ح9330)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج11/ص390/ح6504)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج5/ص347/ح10691)، و(ج10/ص108/ح20082)؛ وابن راهويه في مسنده (ج1/ص338/ح328)؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام الترمذي في سننه (ج5/ص80/ح2736) عن علي بن أبي طالب: [حدثنا هناد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال: قال رسول، صلى الله عليه وسلم، للمسلم على المسلم ست بالمعروف يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويتبع جنازته إذا مات ويحب له ما يحب لنفسه]؛ قال أبو عيسى: (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أيوب والبراء؛ وهذا حديث حسن وقد روي من غير وجه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد تكلم بعضهم في الحارث الأعور)؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص461/ح1433)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص89/ح673)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج1/ص342/ح435)؛ والدارمي في سننه (ج2/ص357/ح2633)؛ وغيرهم. قلت: نعم في الحارث الأعور كلام، ولكن تابعه زاذان كما أخرجه أبو يعلى في مسنده (ج1/ص393/ح509): [حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا يحيى بن نصر بن حاجب حدثنا هلال بن خباب عن زاذان عن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حق المسلم على المسلم ست يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمت عليه إذا عطس ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات]

* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص501/ح1292)، و(ج4/ص293/ح7685) عن أبي مسعود الأنصاري: [أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبأ أبو المثنى حدثنا مسدد وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قالا حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن حكيم بن أفلح عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (للمسلم على المسلم أربع خلال يجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشيعه إذا مات)]؛ وقال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنما أخرجاه من حديث الأوزاعي عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة حق المسلم على المسلم خمس)؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص318/ح923)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص476/ح240)؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص461/ح1434)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص273/ح22396)؛ وغيرهم.

* وأخرج الحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج2/ص857/ح910) عن أبي أيوب الأنصاري في قصة ممتعة طريفة: [حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم حدثني أبي أنه جمعهم مرسى لهم في مغزى لهم مركبهم ومركب أبي أيوب الأنصاري قال فلما حضر غدانا أرسلنا الى أبي أيوب والى أهل مركبه فجاء أبو أيوب فقال: (دعوتموني وأنا صائم وكان على الحق أن أجيبكم؛ اني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (حق المسلم على المسلم ست خصال واجبة، فمن ترك خصلة منها فقد ترك حقا واجبا لأخيه عليه: أن يجيبه إذا دعاه، وأن يسلم عليه، وأن يشمته إذا عطس، وأن ينصحه إذا استنصحه، وأن يعوده إذا مرض،وأن يتبع جنازته إذا مات)؛ قال وكان فينا رجل مزاح وكان رجل يلي نفقاتنا فجعل المزاح يقول للذي يلي نفقاتنا جزاك الله خيرا وبرا فلما أكثر عليه جعل يعصب ويشتم فقال المزاح ما تقول يا أبا أيوب إذا أنا قلت لرجل جزاك الله خيرا فشتمني فقال أبو أيوب أقلب له ثم قال أبو أيوب كنا نقول من لم يصلحه الخير أصلحه الشر فقال المزاح للرجل جزاك الله شرا وعرا فضحك ورضي فقال لا تدع بطالتك على حال فقال المزاح جزى الله أبا أيوب خيرا وبرا قد قال لي]

* وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج9/ص352/ح9748) عن عبد الله بن مسعود: [حدثنا عثمان بن عمر الضبي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبي جعفر الفراء عن أبي الأحوص عن عبد الله قال للمسلم على المسلم ست من المعروف يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويشمته إذا عطس ويشهده إذا توفي وينصح له بالغيب ويحب له ما يحب لنفسه]؛ ثم قال: (لم يرفعه أبو جعفر الفراء ورفعه أبو إسحاق السبيعي).

* وأخرج البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص183/ح518): [حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان بن يزيد قال حدثنا قتادة قال حدثني أبو عيسى الأسواري عن أبى سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (عودوا المريض؛ واتبعوا الجنائز: تذكركم الآخرة)]، قلت: رجاله ثقات أثبات، رجال الشيخين والجمهور، غير أبي عيسى الأسواري، فهو، لا بأس به، من رجال مسلم، والحديث صحيح، تقوم به الحجة. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج7/ص222/ح2955)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص32/ح11288)، و(ج3/ص48/ح11463)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص297/ح2241)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (ج1/ص424/ح727)؛ والحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) ج1/ص355/ح251)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص380/ح6370)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص364/ح1119)، و(ج2/ص425/ح1222)، و(ج2/ص487/ح1320)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص308/ح1001)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص444/ح10841)؛ وغيرهم.

* وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص39/ح66): [حدثنا بكر بن مقبل البصري حدثنا أبو أمية الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا يزيد بن عياض عن الأعرج عن أبي هريرة عن عوف بن مالك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (عودوا المريض؛ واتبعوا الجنائز)]؛ ولكن يزيد بن عياض اتهمه مالك وغيره.

هذه نصوص قطعية الدلالة يظهر منه أن النهي، من غير عزيمة، في حديث أم عطية هو على الأرجح من بعض الصحابة، كعمر أو غيره، وليس من نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، أو هو الأمر الأول القديم، الذي نسخ بعد ذلك، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، وقد صرح بسماعه مباشرة من نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتبريكات وتسليمات من الله.

* وأخرج الإمام مالك في الموطأ، (ج1/ص242/ح575)، عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت سمعت عائشة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، تقول: [قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج قالت فأمرت جاريتي بريرة تتبعه حتى جاء البقيع فوقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني، فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت ذلك له، فقال: «إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم»]. هذا إسناد قوي جيد. وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص93/ح2038)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص656/ح2165)؛ والحاكم وصححه، (ج8/ص663/ح1794)؛ وأحمد في «المسند» (ج6/ص29/ح24656)؛ والبخاري في «قرة العينين برفع اليدين» (ج1/ص64/ح88)، من طريق قتيبة عن عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبي علقمة بمثله، إلا أنهما زادا: (ثم رفع يديه، ثم انصرف)؛ وأخرجه غيرهم.

* وقال الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص669/ح974): [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد قال يحيى بن يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا إسماعيل بن جعفر عن شريك وهو بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن عائشة أنها قالت كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كلما كان ليلتها من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد؛ ولم يقم قتيبة قوله وأتاكم]؛ قلت: الظاهر أن التخليط في اللفظ قديم، وليس من قتيبة، وصحة الدعاء بتمامه: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين؛ وإنا وإياكم وما توعدون: غدا مؤجلون؛ وإنا إن شاء الله بكم لاحقون: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)؛ وقد جوده الإمام عبد الرحمن بن مهدي عن زهير بن محمد: كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص180/ح25510): [حدثنا عبد الرحمن وحدثنا أبو عامر قالا حدثنا زهير بن محمد عن شريك بن نمر عن عطاء بن يسار أن عائشة قالت كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج إذا كانت ليلة عائشة إذا ذهب ثلث الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين فإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون (قال أبو عامر تؤجلون) وإنا إن شاء الله بكم لاحقون]؛،أخرجه الأئمة: النسائي في سننه (ج4/ص94/ح2039)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص657/ح2166)، و(ج6/ص269/ح10931)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص445/ح3172)، و(ج10/ص382/ح4523)؛ وابن راهويه في مسنده (ج3/ص1014/ح1756)، و(ج3/ص1014/ح1757)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص79/ح7002)، و(ج5/ص249/ح10077(؛ وأبو يعلى في مسنده (ج8/ص199/ح4758)، و(ج8/ص250/ح4831)؛ وغيرهم.

* وقال الإمام أحمد بن حنبل في «المسند»، (ج3/ص489/ح16040): [حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي قال: عن محمد بن أسحق، قال: حدثني عبد الله بن عمر العبلي قال حدثني عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو عن أبي مويهبة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: [بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة! إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فأنطلق معي!»، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر! ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس! لو تعلمون ما نجاكم الله منه؟! أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها: الآخرة شر من الأولى»]، قال: [ثم أقبل علي فقال: «يا أبا مويهبة! إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي، عز وجل، والجنة!»]، قال: [قلت: بأبي وأمي! فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة! قال: «لا، والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة»، ثم أستغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدئ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في وجعه الذي قبضه الله، عز وجل، فيه حين أصبح]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص347/ح871): [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي وأحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمر الحبلي عن عبيد بن حنين مولى الحكم بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة يه]؛ والدارمي في سننه (ج1/ص51/ح78): [أخبرنا خليفة بن خياط حدثنا بكر بن سليمان حدثنا بن إسحاق حدثني عبد الله بن عمر بن علي بن عدي عن عبيد مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو عن أبي مويهبة؛ فساقه بنحوه باختصر طفيف]؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج1/ص345/ح467): [حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن حنين مولى الحكم بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة؛ فساقه بنحوه باختصار كبير، ولم يذكر خطابه لأهل البقيع].
* وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص348/ح872) من طريق ثانية: [حدثنا أسلم بن سهل الواسطي حدثنا محمد بن أبان الواسطي حدثنا الحكم بن فضيل عن يعلى بن عطاء عن عبيد بن جبير عن أبي مويهبة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: [أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم في ليلته ثلاث مرات فلما كانت الثالثة قال: «يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي!»، فأسرجت، فركب، فسار إلى أهل البقيع، ثم نزل فأمسكت دابته، فوقف عليهم فقال: «ليهنكم ما أنتم فيه مما في الناس! أتت فتن كقطع الليل المظلم، يركب بعضها بعضا، الأخرى أشد من الأولى، فليهنكم ما أنتم فيه!»، ثم جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا مويهبة! إني أعطيت (أو قال: خيرت) مفاتيح ما يفتح الله على أمتي من بعدي والجنة؛ أو لقاء ربي»، قلت: بأبي وأمي يا رسول الله اخترنا! قال: «اخترت لقاء ربي!»، فما مكث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا سبع أو ثمان حتى قبض، صلى الله عليه وسلم]، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص489/ح16039): [حدثنا أبو النضر حدثنا الحكم بن فضيل حدثنا يعلي بن عطاء عن عبيد بن جبير عن أبي مويهبة بنحوه]. ويعلى بن عطاء ثقة من رجال مسلم في «الصحيح»، وهو أقوى وأتقن من عبد الله بن عمر بن علي بن عدي العبلي.
* ولكن الحاكم قال في «المستدرك على الصحيحين»، (ج3/ص57/ح4383): [حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد بن همدان الصيرفي بمرو من أصل كتابه: حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي أبو حفص، حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص عن عبيد بن حنين مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، عن أبي مويهبة]؛ وساق الحديث بنحو سياق أحمد. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، إلا أن الحاكم قد أظهر تعجبه من ذلك الإسناد فقال: (إلا أنه عجب بهذا الإسناد)، ولم يلهمه الله، ولا الذهبي، التنبه إلى أنه إسناده مصحف: تصحف فيه عبد الله بن عمر العبلي، إلى عبيد الله بن عمر (بن حفص) العمري، الإمام الثقة الثبت المشهور؛ وكذلك عبيد بن جبير، مولى الحكم ابن أبي العاص، إلى عبيد بن حنين (وهو مولى آل زيد بن الخطاب، وليس مولى الحكم بن أبي العاص، كما جاء مصرحاً به في الإسناد!!)، وهو ثقة من رجال الشيخين، فأصبح هذا الإسناد المصحف العجيب على شرط مسلم!
ولكن هذا لا يضر كثيرا، بحمد الله، لأن الحديث بمجموع طرق أحمد والطبراني، ليس فيه من يحتاج إلى نظر سوى: عبيد بن جبير، مولى الحكم ابن أبي العاص، هذا. وهو تابعي قليل الحديث جداً، مترجم له في «التاريخ الكبير»، وكذلك في «الجرح والتعديل»، ولم يذكر فيه الأئمة أي جرح مطلقاً، ولم يصرحوا بتوثيق، إلا ابن حبان ذكره في الثقات، وقد روى عنه يعلى بن عبيد وعبد الله بن عمر بن علي بن عدي العبلي. وهو على كل حال على العدالة الأصلية، وثناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الصحابة والتابعين بالعدالة وحسن الرواية. كما أن متن حديثه هذا مستقيم، تشهد لكل فقرة منه نصوص الكتاب والسنة، فالإسناد حسن، صحيح على شرط ابن حبان، والحديث، على كل حال، صحيح بشواهده، والله أعلم.

* وأخرج مسلم في صحيحه (ج2/ص671/ح974): [وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا بن جريج عن عبد الله بن كثير بن المطلب أنه سمع محمد بن قيس يقول سمعت عائشة تحدث فقالت: (ألا أحدثكم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وعني؟!)، قلنا: (بلى!)؛ (ح) وحدثني من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال حدثنا حجاج بن محمد حدثنا بن جريج أخبرني عبد الله رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: (ألا أحدثكم عني وعن أمي؟!)، قال فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، قلنا: (بلى!)، قال: قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري؛ ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع؛ فقام فأطال القيام؛ ثم رفع يديه ثلاث مرات؛ ثم انحرف، فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: (مالك يا عائش حشيا رابية؟!)، قالت: قلت: (لا شيء!)، قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير!)؛ قالت: قلت: (يا رسول الله: بأبي أنت وأمي!)، فأخبرته، قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟!)، قال: (نعم!)، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني؛ ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!)، قالت: قلت: (مهما يكتم الناس يعلمه الله!)، قال: (نعم)، قال: (فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم!)؛ قالت: قلت: (كيف أقول لهم يا رسول الله؟!)، قال: (قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون))]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص93/ح2037)، و(ج7/ص73/ح3963)، و(ج7/ص75/ح3964)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص656/ح2164)، و(ج4/ص400/ح7685)، و(ج5/ص288/ح8911)، و(ج5/ص290/ح8912)؛ وابن حبان في صحيحه (ج16/ص47/ح7110)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص221/ح25897)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص79/ح7003)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص570/ح6712)، و(ج3/ص576/ح6722)؛ وغيرهم.

وهذا أيضاً حجة قاطعة على نسخ تحريم زيارة القبور على النساء، لأن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، علَّم عائشة ما تقول في الزيارة، ولو لم تكن الزيارة مباحة (أو مستحبة) لما علّمها حرفاً. لاحظ أن آخر فقرات الحديث تقول نصاً: [قلت: (كيف أقول لهم يا رسول الله؟!)، قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»].
ومعلوم من السيرة، وجمهرة من الأحاديث الصحيحة، أنه ما كان يزور البقيع، إلا متأخراً، قبيل وفاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بأمر من ربه، ولم يكن يزور القبور قبل ذلك، بل كان ممنوعاً منها، كأمته سواءً بسواء، كما سبق أعلاه، في مثل حديث أبي مويهبة، رضي الله عنه: أنه زارهم مودعاً، بأمر من ربه، ثم بدأ به مرضه الذي توفي منه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. بل إن الأرجح أن القصة المذكورة في حديث عائشة متأخرة جداً قبيل وفاته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لأنه أذن له أولا في زيارة القبور قبل وفاته بنحو سنتين، وما أمر بزيارة البقيع خاصة داعياً ومودعاً إلا قبيل وفاته بأيام قليلة، فحديث عائشة هو قطعاً الناسخ لكل ما قبله.

* وأخرج الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص78/ح6999) من طريق الحاكم، وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص532/ح1392) بإسناد صحيح: [حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الفقيه أنبأ أبو المثنى معاذ بن المثنى حدثنا محمد بن المنهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها أليس كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن زيارة القبور قالت: (نعم: كان قد نهى، ثم أمر بزيارتها)
* وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج8/ص284/ح4871) بأتم من ذلك: [حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها من أين أقبلت يا أم المؤمنين قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها يا أم المؤمنين أكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينهى عن زيارة القبور قالت نعم كان نهى عن زيارتها وقد كان نهى عن لحوم الأضاحي أن تؤكل فوق ثلاث ثم أمر بأكلها وكان نهى عن شرب نبيذ الجر]
* وأخرجه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده (ج3/ص656/ح1247) بدون القصة: [أخبرنا روح بن عبادة حدثنا بسطام بن مسلم عن أبي التياح عن بن أبي مليكة عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رخص في زيارة القبور وفي أكل لحوم الأضاحي وكانوا لا يأكلونها إلا ثلاثا فقال كلوا وأطعموا ما بدا لكم وأرخص في نبيذ الجر]؛ واختصره ابن ماجه في سننه (ج1/ص500/ح1570) اختصاراً كبيراً، فقال: [حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا روح حدثنا بسطام بن مسلم قال سمعت أبا التياح قال سمعت بن أبي مليكة عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رخص في زيارة القبور]؛ وهذهأسانيد صحاح، رجالها ثقات أثبات حفّاظ مشاهير، إلا بِسطام بن مسلم البصري، وهو ثقة مأمون بإجماعهم، وقال عنه ابن نمير: شيخ قديم، رفيع القدر جداً.

* وأخرج الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص29/ح11811) بإسناد صحيح: [حدثنا عيسى بن يونس عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي، (قال ابن جريج:الحبشي إثني عشر ميلا من مكة)، فدفن بمكة فلما قدمت عائشة أتت قبره (فبكت)،وقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكــــالطـــول اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم قالت: والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك!]؛ وأخرجه الترمذي في سننه (ج3/ص371/ح1055)؛ والحاكم في مستدركه (ج3/ص541/ح6013)؛ وهذه قصة مغايرة للسابقة، وموضوع آخر.

* وأخرج البخاري بإسناد صحيح، (ج6/ص2615/ح6735)، غاية في الصحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال لامرأة من أهله: (تعرفين فلانة؟!)، قالت: نعم، قال فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، مر بها وهي تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري!»، فقالت: (إليك عني، فإنك خلو من مصيبتي!)، قال: فجاوزها، ومضي، فمر بها رجل فقال: ما قال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟! قالت: ما عرفته! قال: إنه لرسول الله، صلى الله عليه وسلم،! قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بواباً، فقالت: يا رسول الله! والله ما عرفتك، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إن الصبر عند أول صدمة»]؛وأخرجه البخاري في صحيحه في غير موضع، مثل: (ج1/ص422/ح1194)،و(ج1/ص431/ح1223)، و(ج1/ص438/ح1240)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص638/ح926)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص155/ح2895)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص193/ح3124)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص143/ح12480)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص264/ح10907)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص65/ح6919)، و(ج10/ص101/ح20043)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج6/ص177/ح3458)، و(ج6/ص223/ح3504)، و(ج10/ص455/ح6067)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص362/ح1203)؛ وابن الجعد في مسنده (ج1/ص208/ح1368)؛ وغيرهم. فلم يقل لها، عليه وعلى آله صلوات من الله، أنا رسول الله، ولا يحل لك زيارة المقبرة، أو كلاماً نحو هذا، وإنما أمرها بالصبر وبتقوى الله لا غير. فدل هذا قطعاً على قولنا، إلا أن يكون، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد خانأمانة الرسالة، حاشا لله، ثم حاشا لله، ثم حاشا لله.

* وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج1/ص335/ح3103): [حدثنا عبد الصمد وحسن بن موسى قالا حدثنا حماد عن علي بن زيد؛وحدثناه عفان حدثنا بن سلمة أخبرنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن بن عباس قال: [لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته هنيأ لك يا بن مظعون بالجنة قال فنظر إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نظرة غضب فقال لها: «ما يدريك؟! فوالله اني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي!»، (قال عفان: ولا به)، قالت: (يا رسول الله! فارسك وصاحبك؟!)؛ فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين قال ذلك لعثمان، وكان من خيارهم، حتى ماتت رقية (!) ابنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون!»، قال وبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لعمر: «دعهن يبكين! وإياكن ونعيق الشيطان!»، ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مهما يكون من القلب والعين فمن الله والرحمة؛ ومهما كان من اليد واللسان فمن الشيطان»، وقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم،على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي فجعل النبي، صلى الله عليه وسلم، يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها]، ليس هذا الإسناد بالقوي، مع أن الحاكم صححه، وقال الذهبي: صالح. وقوله رقية وهم، فما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاضراً، ولا عمر، لأنهم كانوا ببدر حينئذ، ولم يرجعوا إلا وقد فرغ من دفن رقية بنت محمد، صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم، ولم ينسخ النهي عن زيارة القبور إلا أخيراً فسمعه أبو هريرة وحضره، وإنما هي أم كلثوم بنت محمد أو زينب بنت محمد، سيد البشر، عليهما وعليه وعلى سائر آله الصلاة والسلام.

* وفي «المستدرك على الصحيحين»، (ج1/ص533/ح1396): [حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران حدثنا تميم بن محمد حدثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه: [أن فاطمة بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده]، قال الحاكم: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. (في الأصل: سليمان بن داود عن جعفر؛ سقط منه عن أبيه، ولكنه هكذا صحيحاً في الطريق التالية).
* وفي «المستدرك على الصحيحين»، (ج3/ص30/ح4319): [أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي حدثني علي بن شعيب حدثنا بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه: [أن فاطمة بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده]؛ قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). ولكن قال الذهبي في التلخيص معترضاً: (سليمان بن داود مدني تكلم فيه). قلت: سليمان بن داود هو سليمان بن داود بن قيس المدني؛ نعم، تكلم فيه، ولكنه كلام غير مفسر، وهو لا يضر، كما هو مبين في ملحق دراسة الأحاديث من كتابنا: «كتاب التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد».
ومعلوم أن الحسين، عليه السلام، كان صغيراً، ولعله لم يبلغ السابعة أو الثامنة، عند وفاة فاطمة، عليها السلام، فدل هذا على أنه شهد ذلك قبيل وفاتها بقليل، أي بعد النسخ.
لاحظ أنها، سلام الله عليها، إنما كانت تصلي عنده، وليس فوقه، فليس هذا من الصلاة في المقبرة، لأنه قبر منفرد في الفضاء هو ذاته المقبرة، كما أسلفنا تأصيله، ولا من باب «اتخاذ القبور مساجد» من صدر ولا ورد.

فهذه الأدلة بمجموعها لا تدع مجالاً للشك في أن النهي عن زيارة القبور، الذي كان مغلظاً مقروناً باللعن للنساء، قد نسخ كله، فعاد مباحاً، بل مستحباً بقرينة قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فزوروها! فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»، وتذكر الآخرة، والزهد في الدنيا من المطالب المستحبة المشروعة للرجال والنساء على حد سواء. هذا هو الحق الذي نسبه الترمذي إلى طائفة من أهل العلم، حين قال: (وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي، صلى الله عليه وسلم، في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن).
وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» عند الكلام عن اتباع الجنائز للنساء: [ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة ويدل على الجواز ما رواه بن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال دعها يا عمر الحديث وأخرجه بن ماجة والنسائي من هذا الوجه ومن طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة، ورجاله ثقات].
وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن تكون فيه شبهة. أما ما قال بعضهم: (إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن)، فهو تعليل غير شرعي، أي أنه رجم قبيح بالغيب، وكذب وقول على الله بغير علم، يبطله أنه لم يحرم على النساء اتباع الجنائز، وإنما كرهه لهن فقط في أول الأمر، كما هو ثابت يقيناً من حديث أم عطية، رضي الله عنها، وبغيره من الصحاح التي أوردنا آنفاً، إن كان ذلك كله مرفوعاِ إلى نبي الله. ومعلوم من الحس والتجربة أن جزع النساء، وقلة صبرهن، بل ونياحتهن تكون في أشدها عند الموت، وتشييع الجنازة، أي حال اتباعها، وعند الدفن وتيقن الفراق عياناً، وليس عند زيارة القبر بعد ذلك، لا سيما بعد تطاول الزمن، وتكرار الزيارة، عندما تذهب الصدمة الأولى، ويخف الألم، ويلتئم الجرح، فأين عقولكم، يا أهل العقول: أفلا تستحون من التقديم بين يدي الله ورسوله؟! ولكن هكذا تكون التعليلات السخيفة،والأقوال الساقطة المنكرة!
ثم هم متناقضون في تطبيق هذه العلة الساقطة، إذ يلزمهم أن يقولوا بكراهية أو حرمة زيارة القبور لمن استشعر من نفسه الجزع، وكذلك بوجوب أو استحباب إبعاد من يظهر عليه الجزع في المقبرة لأنه أتى مكروهاً أو منكراً، وهم لا يقولون بشيء من ذلك، فتبين أنهم متناقضون متلاعبون، وأنهم أصحاب هوى أو تقليد يٌحْتَج له بكل شئ أو بأي شبهة، لا فرق بين حق أو باطل.
هذا ما ثبت في الصحاح، أما الرواية التي تقول: «فارجعن مأزورات غير مأجورات»، فلا حجة فيه لأن إسمعيل بن سلمان بن أبي المغيرة ضعيف ساقط، فلا يعارض به حديث أم عطية الصحيح، بل الذي هو في الصحة غاية، ولا حديث سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة.
وحتي لو ثبت لم يكن فيه حجة لأن الحديث بطوله هو: قال: «ما يجلسكن؟!»، قلن: ننتظر الجنازة، قال: «هل تغسلن؟!»، قلن: لا، قال: «هل تحملن؟!»، قلن: لا، قال: «هل تدلين فيمن يدلي؟!»، قلن: لا، قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات»، فهؤلاء نسوة متطفلات، لا مشاركة لهن في الصلاة على الجنازة، أو غسلها، أو حملها، أو إدلائها في قبرها، فلعلهن ما أتين إلا للنياحة، ونتف الشعور، وخمش الوجوه، وضرب الصدور، وشق الثياب: على عوائد نساء العرب القبيحة. فلو ثبت لكان حجة على جواز تشييع النساء للجنازة إذا كان لهن مشاركة في غسل، أو حمل، أو إدلاء، أو دفن أو نحوه، مع الامتناع عن النياحة المحرمة على كل حال، وهذا أقرب إلى معنى حديث أم عطية، وليس العكس، كما كان الأمر الأول قبل النسخ. وأما جملة (مفتنات الاحياء، مؤذيات الأموات) أو: (فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت)، كما ذكرها، للأسف الشديد، الإمام ابن تيمية، حتى ولو كان ذكرها عرضاً، فهي مكذوبة باطلة.
والترخيص بل استحباب الزيارة للنساء والرجال على حد سواء لم نعتمد فيه على زيارة عائشة، رضي الله عنها، لأخيها، ولا للمقابر بعامة، كما ثبت في الأحاديث أعلاه، فليس شيء من ذلك حجة، وإنما الحجة في كلام الله ورسوله، لا غير. وفعل عائشة جاء هنا موافقاً للنص الشرعي، فهو صحيح، ولكن ليس هو الحجة، ما عدا قولها: (ولو شهدتك ما زرتك)، الذي جاء خلاف الدليل، فلا يعتد به.
وقد احتج بعضهم بقول عائشة: (ولو شهدتك ما زرتك) على أن زيارة القبور ليست مستحبة للنساء كما هي للرجال.
سبحان الله: لقد أصبح كلام عائشة، وهو محض اختيار لها، لعله لبعد مكان القبر، ومشقة الذهاب إليه، أو لاعتبارات أخري خاصَّة بها، مثل قوله، تعالى ذكره، مخاطباً أزواج النبي خاصةً: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}، لا سيما بعد كارثة الخروج إلى الجمل، ونباح كلاب الحوئب؛ رأتها هي وجيهة، وكل ذلك لا يعنينا، ولا حجة فيه عندنا، وهو على كل حال عارٍ من الدليل، حجة تقدم على قول المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، إذ قال: «فزوروها! فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»، وتذكر الآخرة، والزهد في الدنيا من المطالب المستحبة المشروعة للرجال والنساء على حد سواء.

والغريب أن هؤلاء القوم يعللون أحكاماً شرعية بعلل غير شرعية، مثل: سد الذرائع، وخشية «الفتنة»، وجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وإسكات الرعاع، وتسكين الدهماء، وغير ذلك من السخف والهراء، بل الفضائح والمخازي، فإذا جاءت النصوص الشرعية المعصومة، المطهرة المرفوعة، بعلل أو حكم ومقاصد شرعية متيقنة لم يرفعوا بها رأساً: {فالحكم لله العلي الكبير}!

والحق أن ترخيصه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بزيارة القبور، الذي نسخ به التحريم، وكذلك حثه على زيارتها، بقوله: «زوروها»، كل ذلك عام يشمل الرجال والنساء، ولم يرد ما يخصصه، وكذلك حثه على «اتباع الجنائز»، وجعله حقاً للمسلم على المسلم، كما ثبت أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، علَّم عائشة ما تقول في الزيارة، وأقر المرأة التي كانت تبكي عند القبر، فلم يأمرها بشيء قط سوى تقوى الله والصبر، وإقراره لجلوس فاطمة، عليها السلام، على حافة القبر وبكائها هناك، كل ذلك نسخ متيقن لتحريم سابق. ولم يكن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليلحق بالرفيق الأعلى، من غير كمال البيان عن الله، فما الذي منعه، عندما نسخ تحريم زيارة القبور، فحض على زيارتها، ورغب في ذلك، ما الذي منعه من بيان استثناء النساء من ذلك؟! أليس هو الذي قال في الذهب والحرير: «هذان حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها»، أو كما قال؟! ولا يجوز أن يحفظ الله المنسوخ، ويترك الناسخ يضيع، بعد أن تعهد بحفظ الذكر، حيث قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، كما أسلفنا بيانه. هذا هو الحق الذي لا يجوز اعتقاد سواه، أو العمل بغيره!

لاحظ كذلك دقة بيان أفصح خلق الله، المعصوم بعصمة الله، عليه صلوات وسلام وتبريكات من الله، عندما قال: «إني نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها! فإن فيها عبرة، ونهيتكم عن النبيذ فاشربوا! ولا أحل مسكراً! ونهيتكم عن الأضاحي فكلوا» فرخص بكافة الأسقية والظروف والأوعية، ناسخاً بذلك النهي عن الانتباذ في الدباء، والنقير، والمحنتم، وظروف أخرى، كما في حديث وفد عبد القيس، كيف احتاط، وزاد البيان بحرمة كل مسكر فقال موكداً: «ولا أحل مسكراً!»، مع أن المسكر في العربية هو الخمر فقط، أما النبيذ فليس بمسكر، في أصل كلام العرب، الذي نزل القرآن بلسانهم (ولا عبرة في اصطلاح المولَّدين ممن جاء بعدهم، الذين ربما سمَّوا الأشياء بغير أسمائها، وقد حذر النبي، صلى الله عليه وسلم، من استحلالهم الخمر بتسميتها بغير اسمها!). ومع ذلك يوجد من المسلمين، بل من علمائهم وكبارهم، من يقول أن قوله: «زوروها» خاص بالرجال، خلافاً لكلام العرب، ولضرورات الحس والعقل الموجبة لكون هذا الخطاب لكل من هو أهل له من المخاطبين: الرجال والنساء، والعرب والعجم، والأحرار والعبيد، والسود والبيض، بل والإنس والجن، كما تقرر يقيناً في علم أصول الفقه! لم يبق إلا القول أنه فاته، صلى الله عليه وسلم، أن ينبه على بقاء حرمة زيارة القبور للنساء، وهذا هو الكفر بعينه، فما أقبح الهوى، وأشنع التقليد!

ولقد جانب الصواب شيخ الإسلام ابن تيمية في تعقيبه على رواية الأثرم: [ولا حجة في حديث عائشة؛ فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على على الزيارة... إلخ]. وهي زلة قدم شنيعة منه، رحمه الله، فسؤال الإمام الحجة ابن أبي مليكة كان عن النهي للنساء، وهو النهي المغلظ، المقرون باللعنة لزائرات القبور من النساء، بقرينة أنه كان حال رجوعها، وهي امرأة، من المقابر، وجواب عائشة، رضي الله عنها، هو في هذا الخصوص. وابن أبي مليكة كان سائلاً مستفتياً، وليس معترضاً مناظراً، وهو أكثر فقهاً، وأعظم أدباً مع أم المؤمنين، من أن يكون كذلك. كما أن القوم لم يكونوا يعقدون جلسات المناظرات، وولم يكونوا أهل تقعر وتفريع في الجدليات.

وعلى كل حال فكل من سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت محمد، عليهما الصلاة والسلام، وأم المؤمنين، عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، أفقه، وأعلم، بأمر رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وبكيفية تطبيق النص القاطع الذي روته عائشة، من جميع من جاء بعدهما من المتأخرين، وهما الصدِّيقتان العالمتان الراسختان، وهما من عترته، أهل بيته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فمن كان ملغياً عقله، ومن كان ولا بد مقلداً، فليقلدهما!
لذلك يستحبلكل مسلم ومسلمة، إذا بلغ سن التكليف، أن يزور القبور كلما تيسر، ويتأكد ذلك لمن خشي أن تطغى عليه الدنيا، ومن شعر بحاجة إلى التذكير بالموت والفناء والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا ممن استحيى من الله حق الحيا، فذكر الموت والبلى، وعمل للآخرة ولم ينخدع أو يفتتن بالحياة في هذه الدار الأولى.

| فصل: فضل زيارة القبر النبوي الشريف، وشد الرحال إليه.
وليست تلك الزلة التي ذكرنا قريباً هي الزلة الوحيدة للإمام أبي العباس أحمد بن تيمية في هذا الباب، بل له غيرها في «مسألة شد الرحال». وهذا لا يضر: فلكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وإنما يضر بحق الإصرار على الخطأ، وركوب الرأس، الذي نراه في أيامنا هذه ليل نهار عند «القبوريين» بشتى أصنافهم: «القبوريون الخرافيون»، أو «القبوريون المهوسون».
وزيارة القبور المندوب إليها، بل لعلها واجبة ولو مرة واحدة في العمر، كما أسلفنا، ليست فقط لتذكر الموت، والخروج من الغفلة، وهو مطلب عظيم تشتد حاجتنا إليه في دوَّامة الحياة الدنيا، المنسية المطغية، بل هي كذلك لبر الموتى من المسلمين عامة، ومن ذوي القربى والأصدقاء والأحبة خاصة: للسلام عليهم، والأنس بتذكرهم، والدعاء لهم. والموتى يبلغهم ذلك، بتبليغ الله لهم.

وأولى من يزار، وأحق من يبر ويحب ويوقَّر: سيدي وحبيبي أبو القاسم محمد، رسول الله وخاتم النبيين، بأبي هو وأمِّي، لا فرق في ذلك لأهل المدينة أو غيرهم، ولا من جاء ماشياً من قريب، أو شد الرحال من أقصى الدنيا، لعموم الأدلة السابقة، وقيام البراهين القاطعة، على علو مرتبته، وعظيم حقه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
نعم: لقد زلت القدم بالإمام شيخ الإسلام ابن تيمية فقال بحرمة ذلك مستنداً لما صح عنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، ولم ينفرد، سامحه الله، بذلك، بل قاله قبله نفر قليل من العلماء مثل: أبو محمد الجويني، وأختاره القاضي حسين، والقاضي عياض وطائفة، فما أحسنوا، ولا وفقوا.
قلت: هذا خطأ شنيع سنبينه فيما يلي، مستعينين بالله، جل وعلا، مبتدئين أولا بتحرير طرق الحديث وألفاظه.

| فصل: تقصي أحاديث الباب
* جاء في «موطأ الإمام مالك»، (ج1/ص108/ح241)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، مطولاً جداً: [وحدثني عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أنه قال: (خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة؛ فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؛ قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت فقلت من الطور فقال لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء (أو بيت المقدس يشك)»، قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك في كل سنة يوم قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، فقلت ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي قال أبو هريرة فقلت له أخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي»، وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؟! فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي»، قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال فهو ذلك)]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج3/ص115/ح1430)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص542/ح1754)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص10/ح2772)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص7/ح23899). وفي صحيح ابن حبان: أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري أخبرنا أحمد بن أبي بكر عن مالك به بطوله، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناد صحيح على شرط الشيخين. قلت: هو كذلك في الصحة غاية النهاية، من الصحاح العتاق في موطأ مالك. أول جامع للصحاح؛ وإن كان قوله: بصرة بن أبي بصرة الغفاري وهم في الأرجح، وإنما هو: أبو بصرة جميل بن بصرة الغفاري، رضي الله عنه.
* وأخرجه الحميدي في مسنده (ج2/ص421/ح944) مختصراً من غير طريق مالك: [حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أخبرني بصرة بن أبي بصرة الغفاري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس)]

* وأخرجه الإمام أبو يعلى في مسنده (ج11/ص435/ح6558) بإسناد صحيح: [حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح عن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري أن أبا بصرة جميل بن بصرة لقي أبا هريرة وهو مقبل من الطور فقال لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)]؛ وربما جاء بلفظ: (لا تضرب المطايا)، أو بلفظ: (إنما تضرب أكباد المطي)؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص276/ح2158 - 2159)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج2/ص251/ح1002)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص261/ح853).

* وأخرجه الطيالسي في مسنده (ج1/ص192/ح1348)، و(ج1/ص327/ح2506) بإسناد صحيح: [حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عمرو أو عمر بن عبد الرحمن (قال أبو داود أحدهما) ان أبا بصرة الغفاري لقي أبا هريرة وهو جاء فقال: (من أين أقبلت؟!)، قال: (أقبلت من الطور، صليت فيه)، قال: (أما اني لو ادركتك لم تذهب: إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تشد الرحال الى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص7/ح23901)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص277/ح2160)؛ وعمر بن عبد الرحمن هو عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي؛ ثقة من كبار التابعين.

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص398/ح27273) بإسناد صحيح عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري مباشرة: [حدثنا يعقوب قال حدثنا أبى عن بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال فقلت له لو أدركتك قبل ان ترتحل ما ارتحلت قال فقال ولم قال: قال فقلت اني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص277/ح2161).

* وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص1015/ح1397) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: [حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب جميعا عن بن عيينة قال عمرو حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة يبلغ به النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى)]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج2/ص38/ح700)؛ وابن حبان في صحيحه (ج4/ص499/ح1619)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص452/ح1409)؛ وأبو داود في سننه (ج2/ص216/ح2033)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص234/ح7191)، و(ج2/ص238/ح7248)، و(ج2/ص278/ح7722)؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص421/ح943)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص258/ح779)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص82/ح19920)، و(ج5/ص244/ح10043)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج10/ص284/ح5880)؛ وابن الجارود في المنتقى (ج1/ص136/ح512)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج3/ص418/ح15543)؛ وغيرهم.

* وكان سفيان بن عيينة يحث به بألفاظ مختلفة، كما تجده مصرحاً به، مثلاً، عند الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص82/ح19920): [أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنبأ أبو سهل بن زياد القطان حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا مسدد وعلي بن عبد الله قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد رسول الله والمسجد الأقصى؛ قال بن المديني: هكذا حدثنا به سفيان هذه المرة على هذا اللفظ، وأكثر لفظه: (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد)]؛ وقال الإمام البيهقي: (رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني ورواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان)
* ولم ينفرد بهذه المعلومة الإمام الحافظ الحجة علي بن المديني، وهو لا يحتاج إلى متابعة، فقد تابعه إمام حافظ حجة آخر، هو الإمام أحمد بن حنبل، فقد أخرج في مسنده (ج2/ص238/ح7248): [حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى)، قال سفيان: (ولا تشد الرحال الا إلى ثلاث مساجد)... سواء!)]
وتباين الألفاظ قديم، ولعله من الزهري، حيث جاء:
* ما أخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص1015/ح1397): [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد غير أنه قال: (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد)]
* وما أخرجه ابن حبان في صحيحه ج4/ص510/ح1631): [أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص قال حدثنا كثير بن عبيد قال حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد الحرام ومسجدكم هذا وإيلياء)]
* وما أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (ج4/ص120/ح2887): [قال وسألت الزهري عن شد الرحال إلى المساجد فقال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يقول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام ومسجدكم هذا يعني مسجد المدينة والمسجد الأقصى)]

* وأخرجه الإمام ابن حبان في صحيحه (ج4/ص510/ح1631) عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة كليهما، عن أبي هريرة، بلفظ: [أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص قال حدثنا كثير بن عبيد قال حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد الحرام ومسجدكم هذا وإيلياء)]؛ وتجده كذلك عند الطبراني في مسند الشاميين (ج4/ص120/ح2887)؛ وغيرهم.

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص501/ح10514) عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة: [حدثنا يزيد أخبرنا محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى)]؛ وأخرجه الدارمي في سننه (ج1/ص389/ح1421)؛ وغيرهم.

* وأخرجه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج5/ص244/ح10044) عن سلمان الأغر عن أبي هريرة، بلفظ: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه حدثنا إبراهيم بن إسماعيل العنبري حدثنا هارون بن سعيد الأيلي حدثنا بن وهب حدثني عبد الحميد بن جعفر أن عمران بن أبي أنس حدثهم أن سلمان الأغر حدثه أنه سمع أبا هريرة يخبر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء؛ والصلاة في مسجدي أحب إلي من ألف صلاة في غيره إلا مسجد الكعبة)]، ثم قال الإمام البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن سعيد الأيلي وثبت في ذلك عن أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي، صلى الله عليه وسلم).

قلت: فهذا نقل تواتر عن أبي هريرة عن أبي بصرة، حيث رواه عنه كل من: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وسلمان الأغر، وربما عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. ورواه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري مباشرة، وربما عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.

* وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص398/ح1132) حيث جمع حديثي أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في نسق واحد مختصراً، على مذهبه في الاختصار: [حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك عن قزعة قال سمعت أبا سعيد أربعا قال: قال سمعت من النبي (وكان غزا مع النبي ثنتي عشرة غزوة)، (ح) حدثنا علي حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى)]

* وأفرد الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص52/ح11501) روياة أبي سعيد بطولها: [حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير حدثنا عبد الملك بن عمير حدثني قزعة انه سمع أبا سعيد الخدري يحدث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؛ قال: فأعجبني فدنوت منه وكان في نفسي حتى أتيته فقلت: (أنت سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)؛ قال: (فغضب غضبا شديدا)؛ قال: (فأحدث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما لم أسمعه؟!)؛ (نعم: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)، وسمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تسافر المرأة الا مع زوجها أو ذي محرم منها!)؛ وسمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا صيام في يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان)، وسمعته يقول: (لا صلاة بعد صلاتين: صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وصلاة العصر حتى تغرب الشمس))]؛،اخرجها غيره مطولة ومختصرة؛ فقد أخرجها ابن حبان في صحيحه (ج4/ص497/ح1617)؛ والترمذي في سننه (ج2/ص148/ح326) وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص389/ح1160)، و(ج2/ص394/ح1167)؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص331/ح750)؛ وغيرهم: كلهم من طريق عبد الملك بن عمير؛ ولكن قتادة أحفظ، وطريقه أنظف وأتم.

* كما هي، مثلاً، عند البيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص452/ح4166): [أنبأ أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد آباذي حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد مسجد إبراهيم ومسجد محمد وبيت المقدس)؛ ونهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صلاة في ساعتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الغداة حتى تشرق الشمس وعن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى ونهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (أخرجه مسلم في الصحيح من حديث بن أبي عروبة وهشام، وأخرجه البخاري من حديث شعبة عن قتادة وأخرجاه من حديث عطاء بن يزيد الليثي ويحيى بن عمارة المازني عن أبي سعيد في النهى عن هاتين الصلاتين)؛ ورواه أيضاً همام عن قتادة، وتجد ذلك عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص45/ح11427)، و(ج3/ص46/ح11435)؛ وعند غيرهم.

* وأخرجه الإمام ابن ماجه في سننه (ج1/ص453/ح1410) من طريق يزيد بن أبي مريم عن قزعة عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد صحيح: [حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن شعيب حدثنا يزيد بن أبي مريم عن قزعة عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى المسجد الأقصى وإلى مسجدي هذا)]؛ وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص309/ح1400)؛ وغيرهم.

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص78/ح11755) بإسناد صحيح من طريق قُسَيم عن قزعة عن أبي سعيد: [حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن بن إسحاق حدثنا أبان بن صالح عن قُسَيم مولى عمارة عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)]

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص77/ح11751) بإسناد صحيح من طريق سهم بن منجاب عن قزعة عن أبي سعيد: [حدثنا عثمان بن محمد (وقال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من عثمان بن محمد بن أبي شيبة) حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن سهم عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا صوم يوم عيد، ولا تسافر امرأة ثلاثا الا مع ذي محرم، ولا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى»، قال وودع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجلا فقال له: (أين تريد؟!)، قال: (أريد بيت المقدس)، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: (لصلاة في هذا المسجد أفضل يعني من ألف صلاة في غيره الا المسجد الحرام)]

* وأخرجه الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص451/ح1684): [حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى]

قلت: فقد رواه عن أبي الغادية قزعة بن يحيى (عن أبي سعيد الخدري) كل من: قتادة، وعبد الملك بن عمير، ويزيد بن أبي مريم، وقُسَيم مولى عمارة، وسهم بن منجاب، وشريح بن عبيد الكندي؛ وربما غيرهم؛ فهذا نقل تواترعن أبي الغادية؛ ثم تواتر النقل بعد ذلك عن قتادة، وهو أثبت أولئك، برواية الأئمة الأثبات الأكابر: شعبة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وغيرهم.

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص64/ح11627) بإسناد جيد حسن، من طريق شهر بن حوشب عن أبي سعيد: [حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر قال سمعت أبا سعيد الخدري وذكرت عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا؛ ولا ينبغي لامرأة دخلت الإسلام ان تخرج من بيتها مسافرة الا مع بعل أو مع ذي محرم منها ولا ينبغي الصلاة في ساعتين من النهار من بعد صلاة الفجر إلى أن ترحل الشمس ولا بعد صلاة العصر إلى ان تغرب الشمس ولا ينبغي الصوم في يومين من الدهر يوم الفطر من رمضان ويوم النحر]؛ والحديث قوي صحيح، تقوم به الحجة، كما سنفصله في الفصل الملحق المعنون: (تصحيح حديث شهر بن حوشب)، وإن كان الألباني، اتباعاً للهوى، قد استمات في تضعيفه.
* ويصدقه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص490/ح1326) في قصة: [حدثنا زهير حدثنا جرير عن ليث عن شهر قال أقبلت أنا ورجال في عمرة فمررنا بأبي سعيد الخدري فدخلنا عليه، فقال: (أين تريدون؟!)، قلت: (نريد الطور!)، قال: (وما الطور؟! سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد المدينة وبيت المقدس؛ ولا تصلح الصلاة في ساعتين من النهار بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس ولا يصلح الصوم في يومين من السنة يوم الفطر من رمضان ويوم الأضحى من ذي الحجة؛ ولا تسافر المرأة سفرا في الإسلام إلا مع بعل أو ذي محرم)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص93/ح11901) مختصراً؛ وربما غيرهم.

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص53/ح11523) من طريق أبي الوداك جبر بن نوف عن أبي سعيد: [حدثنا يحيى عن مجالد حدثني أبو الوداك عن أبي سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تصوموا يومين ولا تصلوا صلاتين ولا تصوموا يوم الفطر ولا يوم الأضحى ولا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا تسافر المرأة ثلاثا الا ومعها محرم؛ ولا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس)]

* وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص295/ح951) عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد: [حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تشد المطي إلا إلى ثلاث مساجد: مسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى)]؛ ولكن أبا هارون عمارة بن جوين العبدي تركه شعبة، وضعفه الجمهور.

فهذا كذلك يشبه أن يكون نقل تواتر عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.

* وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص338/ح13283) عن بن عمر: [حدثنا أحمد بن رشدين حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن نافع حدثني عبد الله بن عمر عن وهب بن كيسان عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس)]
* وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص379/ح1538) من طريق ثانية عن بن عمر: [حدثنا محمد بن الليث الجوهري حدثنا الفضل بن سهل الأعرج حدثنا علي بن يونس البلخي حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)]

* وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص366/ح919) عن أبي الجعد الضمري بإسناد جيد قوي على شرط مسلم: [حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي حدثنا عبثر بن القاسم عن محمد بن عمرو عن عبدة بن سفيان عن أبي الجعد الضمري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى)]؛ وأخرجه ابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج2/ص223/ح977)، ولكن بلفظ: [حدثنا محمد بن أبي غالب أخبرنا سعيد بن عمرو أخبرنا عبثر عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد الضمري أن النبي، صلى الله عليه وسلم،قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى»]، وهذا كذلك جيد قوي كسابقه.

* وأخرجه الطبراني في معجمه الصغير (ج1/ص292/ح482) عن علي بن أبي طالب: [حدثنا سلمة بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي حدثني أبي عن أبيه عن جدده سلمة بن كهيل الحضرمي عن حجية بن عدي عن علي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى؛ ولا تسافر المرأة فوق يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم ولا يصام يومان في السنة الفطر والأضحى ولا صلاة بعد صلاتين بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس)]؛ وهو أيضاً في معجمه الأوسط (ج4/ص71/ح3638)؛ وقال الطبراني: (لم يروه عن سلمة إلا ابنه يحيى تفرد به ولده عنه).

قلت: ولم يأت شيء قط بلفظ النهي الصريح: (لا تشدوا الرحال) في أمهات كتب الحديث إلا في روايات باطلة لشذوذها أو نكارتها؛ وقد تجده في الكثير، والكثير جداً، من المصنفات الأخرى منسوباً إلى كتب السنة إما خطأً لقلة ضبط المصنف وتدقيقه، وإما على التوهم لموافقة اللفظة هكذا لهوى المصنف، وإما تدليساً وتلبيساً على القارئ أو كذباً صريحاً، والعياذ بالله.

* ولعل أهم ما جاء من هذا الصنف الشاذ وأجدره بالعناية والتأمُّل ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص975/ح827): [حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جميعا عن جرير قال قتيبة حدثنا جرير عن عبد الملك وهو بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد قال سمعت منه حديثا فأعجبني فقلت له أنت سمعت هذا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال فأقول على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما لم أسمع قال سمعته يقول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)؛ وسمعته يقول لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها]
* وما جاء في مصنف ابن أبي شيبة (ج2/ص150/ح7538): [حدثنا يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى]
قلت: وهذا مخالف لنقل الجمهور عن عبد الملك بن عمير، ولعامة الطرق الأخرى، فمن المحال الممتنع أن يكون هذا أصل اللفظ النبوي المعصوم؛ فإن لم يكن من أوهام النساخ أو تساهل الرواية بالمعنى فهو شذوذ في الرواية من عبد الملك بن عمير، لا يحل قبوله، لا سيما وأن طريق قتادة، وهي الأقوى والأنظف، لم تأت قط بلفظ النفي أو النهي، وإنما جاءت فقط بلفظ الحصر: (إنما تشد الرحال)

* وما جاء في مسند أبي يعلى الموصلي (ج12/ص135/ح5747): [و(حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) عن أبي هريرة، يبلغ به النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى»]
* وكذلك ما جاء مصنف ابن أبي شيبة (ج2/ص150/ح7539) من فتوى عبد الله بن عمر: [حدثنا بن عيينة عن عمرو عن طلق عن قزعة قال سألت بن عمر آتي الطور قال دع الطور ولا تأتها وقال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)]
قلت: هذا لعله من أفاعيل سفيان بن عيينة، وقد سبق إيراد كلامه صريحاً؛ ولعل سفيان بن عيينة إنما كان متبعاً لفتوى عبد الله بن عمر هذه.

* وما جاء في شرح السنة للبغوي (ج1/ص345): [أخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أخبرنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى]
قلت: وهذا خلاف رواية يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو بن علقمة كما هي في مسند أحمد وسنن الدارمي، وهذان الإمامان أوثق وأولى، ونسخ كتبهم أكثر وأنظف.

* وما جاء في مصنف ابن أبي شيبة (ج3/ص419/ح15551): [حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام مسجد الأقصى ومسجدي هذا)]
قلت: وهذا خلاف الأشهر المتواتر عن الزهري، ولعله من عبد الأعلى لأن رواية عبد الرزاق عن معمر بخلاف ذلك، وعبد الرزاق هو الحجة في معمر، أو هو من أغلاط النساخ.

* وما جاء في طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ الأصبهاني (ج2/ص69/ح393): [حدثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عاصم، قال: حدثنا أبو سفيان، عن النعمان، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الأقصى، ومسجد الحرام»]، ثم قال أبو عبد الله: (لا أعلم أحدا رواها إلا النعمان)؛ يعني عن سفيان الثوري، فالطريق غريبة واللفظ شاذ. ولعل أصل ذلك ما جاء مصنف ابن أبي شيبة (ج2/ص150/ح7540)، و(ج3/ص419/ح15549) من كلام عبد الله بن أبي الهذيل: [حدثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى البيت العتيق)] فوهم أحد الرواة واختلط في ذهنه بحديث عبد الملك بن عمير المرفوع.

* وكذلك ما جاء مصنف ابن أبي شيبة (ج2/ص150/ح7541) من فتوى إبراهيم النخعي: [حدثنا بن فضيل عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم قال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)]؛ قلت هذا إسناد صحيح: محمد بن فضيل بن غزوان ثقة من رجال الشيخين والجماعة، والحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي ثقة من رجال مسلم والجماعة، وإبراهيم، وهو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، الإمام الفقيه الورع المشهور، كان يدخل على عائشة، رضي الله عنها، وهو صغير، ورأى غيرها من الصحابة. ولكن هذا إنما هو رأي إبراهيم النخعي، وليس مرفوعاً.

| فصل: تقصي ألفاظ الحديث
إذن الألفاظ آنفة الذكر هي ألفاظ الحديث بعد البحث والتقصي الشديد:
اللفظ الأول، وهو المعتمد: «لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، أي: بصيغة النفي، والفعل مبني للمجهول. هذا هو لفظ الجمهور من الأحاديث بأصح الأسانيد. وفي حكم هذه الصيغة الألفاظ المماثلة مثل: «لا تُعْمَل المطي»، أو «لا تُشَد المطي». والمعنى واحد، كما أنه لا عبرة بالتغاير في ترتيب المساجد، ولا فرق بين قوله: المسجد الأقصى، أو مسجد بيت المقدس، أو مسجد إيليا فهي أسماء متباينة لمسجد واحد؛ تماماً كقوله: الكعبة، أو المسجد الحرام، أو مسجد إبراهيم كل ذلك مسجد واحد.

اللفظ الثاني، وهو معتمد أيضاً: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء»، عند الإمامين البخاري ومسلم، بصيغة الحصر: «إنما»، والخبر، وما كان في حكمه مثل: «إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد»، كما هو بإسناد صحيح عند ابن حبان، «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم ومسجد محمد، صلى الله عليه وسلم، وبيت المقدس»، كما هو في المسند.

والحق أن قولك: (لا يُسَافر إلا إلى ثلاثة مساجد) مطابق في المعنى، تمام المطابقة، لقولك: (إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد)، ومطابق، تمام المطابقة، أيضاً في المعنى لقولك: (إنما السفر (أو الرحلة) إلى ثلاثة مساجد)؛ فلا فرق، في الحقيقة، إذاً بين اللفظ الأول والثاني.

اللفظ الثالث:«لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا»، كما هي في مسند أحمد؛ أو: (لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد المدينة وبيت المقدس) كما هو عند أبي يعلى.

اللفظ الرابع:صيغة الخبر بدون حصر، في مثل: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد»، كما هو عند مسلم، وهو أغلب لفظ سفيان بن عيينة عن الزهري، كما شهد بذلك الإمام علي بن المديني، وليس هو قصرا على سفيان، بل قد جاء عن غيره، ومثلها: «تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد»،

اللفظ الخامس: بصيغة النهي هكذا: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا»، وهي رواية مسلم قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جميعا عن جرير عن عبد الملك بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد، وقد توبع كل من قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة، تابعهما أبو المحياة يحيى بن يعلى عند أبي شيبة. هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن عبد الملك بن عمير بن سويد تغير حفظه قليلاً بآخرة، فالحجة في سماع المتقدمين من أمثال شعبة والثوري وأبي عوانة، أما سماع أبي المحياة يحيى بن يعلى، وجرير بن عبد الحميد فهما متأخران عن أولئك فالأرجح أنها من تغير حفظ عبد الملك بن عمير بن سويد، أو تصحيفاً من بعض النساخ أو الرواة. ومهما كان الأمر فهي ساقطة لا يجوز أخذها، ولا التدين بها. إذ لا يعقل أن تكون هي عين اللفظ النبوي الشريف، ثم لا تأتي إلا من طريق شاذة تخالف نقل التواتر في الكتب وعند العلماء، وإلا كان وعد الله بحفظ الذكر، قرآناً وسنة، خائساً، عندما قال: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون}، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

اللفظ السادس:«لا تشد الرحال إلا إلى: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى»، أي بحذف لفظة: «ثلاثة مساجد»، كما جاء في «المعجم الكبير» من حديث أبي الجعد الضمري، ولكنه جاء مصححاً من نفس الطريق في «الآحاد والمثاني». وهذه كذلك من تصحيفات النساخ، أو سبق قلم أو ذهن لبعض الرواة، لا يعتد بها، ولا يجوز أخذها. وهذه ساقطة كذلك كسابقتها، ولنفس الأسباب.

قلنا أن اللفظ الأول أو الثاني هو المعتمد، لتطابق المعنى تطابقاً تاماً، وعليهما أغلب الطرق والروايات، من مثل: (إنما تشد الرحالوهذا هو أقواها سنداً، أو (إنما الرحلة)، أو (لا تُشَدّ الرحال)، أو (لا تُعْمَل المطي)، أو نحو ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان، وربما قاله النبي مرة هكذا، ومرة أخرى كذلك. وهو الأشبه بكلام النبي، والأليق بفصاحته، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. وهو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أفصح من نطق بالضاد، مع ما خصه الله به من جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، فالنفس مطمئنة أن أحدها، أو بعضها، هو عين اللفظ النبوي الشريف. أما لفظ النهي الصريح: (لا تَشٌدَوا الرحال)، وما شاكله، فالواجب هو القطع ببطلان رفعه إلى نبي الله الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أسلفنا.

ولكن تبقى ها هنا مسائل:
الأولى: هل الكلام عن المساجد فقط، أم هو عن كل مكان أو بقعة في العالم يمكن أن يتصور أن يشد إليها الرحال؟!
والثانية: هل هذا نفي أو حصر يراد به النهي؟!

| فصل: هل الكلام عن المساجد فقط، أم هو عن كل بقعة يتصور أن يشد إليها الرحال؟!
الألفاظ المعتمدة آنفة الذكر مخصوصة بالمساجد، ولا كلام فيها مطلقاً عن غيرها، وذلك بغض النظر عن كون النفي فيها نهياً أي نفياً للإباحة والحل، أو نفياً حقيقياً، وليس نهياً، فيكون نفياً للأفضلية والأحقية، أي أن معناه أحد اثنين لا ثالث لهما:
الأول: لا تشدوا الرحال، أي لا تسافروا، إلى مسجد، أي إلى مكان يصلى فيه أو تبغى فيه الصلاة، إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. أي: إني أنهاكم عن ذلك.
الثاني: ليس شيئاً من المساجد، أو المواضع التي يصلى فيها أو تبتغى فيها الصلة، يستحق مشقة السفر ونفقته، وأن تشد له الرحال، وتضرب أكباد الإبل، إلا هذه المساجد الثلاثة، لعظيم مكانتها، وارتفاع مرتبتها عند الله، تبارك وتعالى. فالأولى بالإنسان أن يصرف النفقة، مثلاً، على قرابته، أو الفقراء والمساكين في جيرته، ويكتفي بمسجد بلدته. وهو ما سنبرهن على صحته بعد قليل، إن شاء الله.

ولكن ما الدليل على أن الكلام عن المساجد فقط، ولا علاقة له بغيرها، فلا تعلق له بالسفر للتجارة، أو النزهة، أو التقدم لخطبة امرأة حسناء جميلة، أو طلب العلم، أو السياحة في الأرض والنظر كيف بدأ الخلق، أو التقلب في البلاد للتعرف على مصارع المجرمين، أو للتعرف على شتى الأعراق والأمم والشعوب والقبائل بقصد التعارف، أو زيارة الأقارب والأحبة أحياءً وأمواتاً، أو زيارة قبر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أو غير ذلك مطلقاً؟!

الدليل هو نفس اللفظ النبوي الشريف، لأنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إنما قال: «لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، ولو أراد كل شد رحال وكل سفر لقال: «لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، بحذف لفظة «مساجد»، إذ لا حاجة إليها حينئذ، بل هي حينئذ فضول وتطويل، والكلام حينئذ في غاية الوضوح والفصاحة، فلا يليق بسيد الفصحاء، المعصوم بعصمة الله، المكلف بالبيان عن الله، أن يعدل عنه إلى لفظ مطول، لا فائدة منه، بل قد يحدث عند السامع وهماً، بخلاف الوضوح والبيان في مثل قوله: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه مالاً.. إلخ»، أيلا حسد في أي شيء مطلقاً، شيء من أمور الدنيا أو أمور الدين.

أو حتي لقال: «لا تُشَد الرحال إلا إلى: المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، بحذف لفظة «ثلاثة مساجد»، بل لعل هذا هو الأبين والأوضح، وهو الأحسن والأليق بسيد الفصحاء الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً لو كان مراده كل بقاع العالم التي يمكن أن يشد لها رحل.

ولو كان مراده، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كل بقاع العالم التي يمكن أن يشد لها رحل لأبان لنا بلفظ صريح، من مثل: «لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة أماكن (أو: مواضع): المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، أو: «لا تُشَد الرحال إلى بقعة (أو مكان) إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى»، أو نحواً من هذا، لأن هذا هو اللائق بمن بعث بالرسالة الخاتمة، والبيان التام الشافي الوافي إلى يوم القيامة الكبرى، وإلا لكان وعد الله، جل جلاله، خائساً: {ثم إن علينا بيانه}، حاشا لله، ثم حاشا لله.

كما أن الواضح من الروايات أعلاه أن من قصد الطور إنما ذهب إليه للصلاة، كما فعل أبو هريرة، رضي الله عنه، شهد على ذلك كل من: عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي في روايته عن أبي هريرة أو أبي بصرة، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني في روايته عن أبي بصرة الغفاري؛ أو كان مريداً للصلاة كما أراد شهر بن حوشب ورفقته، رحمهم الله. وصرح به شهر في حديثه، فكل هؤلاء قصدوا الطور أو كانوا قاصدين له للصلاة فيه، أي بوصفه مسجداً، فاعتراض من اعترض عليهم بالحديث مؤكد لكون فهمهم للكلام فيه أنه فقط عن المساجد. ولا نعلم، بعد التنقيب والتقصي، أحداً من القرون الثلاثة الفاضلة، بل من القرون العشرة الأولى، وربما قروناً بعد ذلك، ذكر الحديث أو استشهد به معترضاً على شد الرحال إلى موضع آخر. وعهدنا بالقوم، أعني أدعياء السلفية، يعظمون هذا جداً ويسمونه: (فهم السلف الصالح)، فلا أدري ما ذا دهاهم ها هنا؟!

وكون هذا، أي أن الكلام في الحديث فقط عن المساجد دون غيرها من بقاع الدنيا، من البديهيات، بحيث لا يتصور غيره بضرورة اللغة، ظاهر جداً من كلام الإمام الفقيه الحافظ الحجة، أبي محمد علي بن حزم الأندلسي:
* فقد قال أبو محمد علي بن حزم في المحلى (ج4/ص44 - 45/م399): [مسألة: ولا تجزئ الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضرارا على مسجد آخر، إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الاول ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه، وهدم كل مسجد أحدث لينفرد فيه الناس كالرهبان، أو يقصدها أهل الجهل طلبا لفضلها، وليست عندها آثار لنبى من الانبياء عليهم السلام.
* ولا يحل قصد مسجد أصلا يظن فيه فضل زائد على غيره إلا مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس فقط، لان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذم تقارب المساجد.
* حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا عمر بن عبد الملك حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن الصباح أخبرنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فزارة عن يزيد بن الاصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما أمرت بتشييد المساجد) قال ابن عباس لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى؛ قال علي: التشييد البناء بالشَّيْد.
* وبه إلى أبي داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب وتنظف)
* قال علي: فلم يأمر عليه السلام ببناء المساجد في كل مكان، وأمر ببناء المساجد في الدور، فصح أن الذي نهى عنه عليه السلام هو غير الذي أمر به، فإذ ذلك كذلك فحق بناء المساجد هو كما بين، صلى الله عليه وسلم، بأمره وفعله، وهو بناؤها في الدور، كما قال عليه السلام والدور هي المحلات، قال عليه السلام: (خير دور الانصار دار بنى النجار، ثم دار بنى عبد الاشهل، ثم دار بنى الحارث بن الخزرج، ثم دار بنى ساعدة)
* وعلى قدر ما بناها عليه السلام بالمدينة، لكل أهل محلة مسجدهم الذي لا حرج عليهم في إجابة مؤذنه للصلوات الخمس، فما زاد على ذلك أو نقص مما لم يفعله عليه السلام فباطل ومنكر، والمنكر واجب تغييره.
* وقد افترض عليه السلام النكاح والتسري، ونهى عن الرهبانية، فكل ما أحدث بعده عليه السلام مما لم يكن في عهده وعهد الخلفاء الراشدين فبدعة وباطل. وقد هدم ابن مسعود مسجدا بناه عمرو بن عتبة بظهر الكوفة ورده إلى مسجد الجماعة.
ولا فضل لجامع على سائر المساجد؛ ولا يحل السفر إلى مسجد، حاشا مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس:
* حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى)
* حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى حدثنا ابن مفرج حدثنا محمد بن أيوب الصموت حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا روح بن عبادة حدثنا محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد إيلياء)]؛ انتهى كلام أبي محمد.

ولكن الذي لا شك فيه هو: أن الحجة القاطعة إنما هي في كلام الله ورسوله. ونص رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، هو أن الكلام هو عن المساجد فقط، لا فرق بين مسجد دائمي موقوف للصلاة، أو أي بقعة في العالم تقصد للصلاة فيها فتصبح (مسجداً مؤقتاً) حالة الصلاة، كما أسافناه، وكما جاء صريحاً، لا لبس فيه في (اللفظ الثالث) كما أوردناه أعلاه:
* وكما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص64/ح11627): [حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر قال سمعت أبا سعيد الخدري وذكرت عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا؛ ولا ينبغي لامرأة دخلت الإسلام ان تخرج من بيتها مسافرة الا مع بعل أو مع ذي محرم منها ولا ينبغي الصلاة في ساعتين من النهار من بعد صلاة الفجر إلى أن ترحل الشمس ولا بعد صلاة العصر إلى ان تغرب الشمس ولا ينبغي الصوم في يومين من الدهر يوم الفطر من رمضان ويوم النحر]؛ وهو حديث صحيح، تقوم به الحجة، كما برهنا عليه في الفصل المعنون: (تصحيح حديث شهر بن حوشب).
* ويصدقه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص490/ح1326): [حدثنا زهير حدثنا جرير عن ليث عن شهر قال أقبلت أنا ورجال في عمرة فمررنا بأبي سعيد الخدري فدخلنا عليه، فقال: (أين تريدون؟!)، قلت: (نريد الطور!)، قال: (وما الطور؟! سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد المدينة وبيت المقدس؛ ولا تصلح الصلاة في ساعتين من النهار بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس ولا يصلح الصوم في يومين من السنة يوم الفطر من رمضان ويوم الأضحى من ذي الحجة؛ ولا تسافر المرأة سفرا في الإسلام إلا مع بعل أو ذي محرم)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص93/ح11901) مختصراً؛ وربما غيرهم.

فسقطت كل الأقوال المخالفة، وظهر لكل ذي عينين أن اللفظ النبوي بطوله كان، لا محالة: (لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)، أو نحو هذا؛ وأن جمهور الرواة قد تساهلوا في الرواية بالمعنى فحذفوا جملة: (إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة) لأن المعنى كان من الوضوح والبيان والبديهية في أذهانهم بحيث ظنوا الاستغناء عنها.

| فصل: هل قوله: (لا تُشَدّ الرحال) نفي يراد به النهي؟!
مما لا شك فيه أن نبيَّ الله الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو أفصح العرب، وأكثر أنبياء الله بياناً وفصاحة، وقد أوتيَ جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً: فمن المحال الممتنع أن يريد النهي الصريح ثم يعدل عنه إلى النفي، وهو ما يحتمل النهي وغيره، إلا لأمر موجب تحف به قرينة قاطعة، وإلا لكان هذا تلبيساً وتضليلاً، وليس بياناً: معاذ الله أن يظن مثل هذا بني الله المعصوم الخاتم. ولكننا إذا تأملنا في أنظف رواية وأقواها:
* كما هي، مثلاً، عند البيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص452/ح4166): [أنبأ أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد آباذي حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد مسجد إبراهيم ومسجد محمد وبيت المقدسونهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صلاة في ساعتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الغداة حتى تشرق الشمس وعن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى ونهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (أخرجه مسلم في الصحيح من حديث بن أبي عروبة وهشام، وأخرجه البخاري من حديث شعبة عن قتادة وأخرجاه من حديث عطاء بن يزيد الليثي ويحيى بن عمارة المازني عن أبي سعيد في النهى عن هاتين الصلاتين)؛ ورواه أيضاً همام عن قتادة، وتجد ذلك عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص45/ح11427)، و(ج3/ص46/ح11435)؛ وعند غيرهم.

فنجد ها هنا أن أبا سعيد، رضي الله عنه، يروي لفظ النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد مسجد إبراهيم ومسجد محمد وبيت المقدس)، أو كما قال، ولعل هذا هو عين اللفظ النبوي، أو هو هو ببعض الاختصار، ثُم يعقِّب بذكر نهيه عن الصلاة في ساعتين، والصيام في يومين، وعن سفر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، من غير ذكر للفظ النبوي الشريف لتلك المناهي الثلاث. فلو كان أبو سعيد قد فهم قوله: (إنما تشد الرحال... إلخ) على أنه نهي لسوَّى بينه وبين المناهي الأخرى، ولقال مثلاً: نهى عن أربع، أو: نهي عن (شد الرحال) ونهى عن كذا ونهى عن كذا ونهى عن كذا، أو ما شاكل هذه الجمل؛ ولو أنه فهم النفي على أنه مبالغة في النهي وتغليظ فيه، كما زعم بعض الفقهاء، لقال: نهى عن كذا وكذا وكذا وشدَّد أو زجر فقال: (إنما تشد الرحال... إلخ). وهكذا هو الحال في كافة الروايات الصحيحة الأخرى: ليس فيها ما يدل أن صيغة النفي: (لا تشد الرحال)، أو صيغة الحصر: (إنما تشد الرحال) قد جاءت مجازاً للتعبير عن نهي مشدد أو تحريم مغلظ، كما زعم بعض أدعياء الفقه، ممن فسد ذوقه للعربية، أو من أفسد الهوى دماغه. هذا بالنسبة لهذه الأحاديث، وكذلك لم يأت نص آخر من كتاب الله أو من سنة رسول الله يصلح أن يكون قرينة تصرف هذه الصيغ (صيغة النفي أو صيغة الحصر) عن كونها هكذا، وليست مجازاً أو تصرفاً بلاغياً ينوب عن النهي ومن زعم خلاف ذلك فليأت به: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
فضرورة اللغة، المنبنية على ضرورة الحس والعقل، تمنع من اعنبار (النفي) في مثل لفظة: (لا تُشدّ الرحال) (نهياً) لعدم ورود قرينة موجبة لذلك، ولكن نفي ما ذا هو؟ّ
- لا يمكن أن يكون هذا نفياً للحل والإباحة، بمعنى (لا يحل شد الرحال)، لأن هذا هو النهي بعينه، وقد أبطلناه آنفاً رواية ودراية؛
- ولا يمكن أن يكون نفياً للوجود أو إمكانية الوجود لأن شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة وجد ولا يزال يوجد وسيوجد في المستقبل، وهو على كل حال من الممكنات الطبيعية والعقلية؛
- ولا يمكن أن يكون نفياً للاستحباب أو الوجوب؛ لأنه إخراج لصيغة وضعت في أصل اللغة للخبر، وجعلها من باب الإنشاء: الأمر، وهو طلب الفعل جازماً (وهو الإيجاب) أو غير جازم (وهو الاستحباب)؛ أو النهي وهو طلب الترك جازماً (وهو التحريم) أو غير جازم (وهو الكراهية)؛ من غير قرينة موجبة لذلك، تماما كما أسلفنا عند إبطالنا كون هذا النفي نهياً أو نفياً للحل والإباحة.
فما هو إذاً، إن لم يكن من الأقسام أعلاه؟!
لم يبق، والله أعلم، إلا أنه نفي الاستحقاق بحيث يكون تقدير الكلام هو: ليس في شيء من المساجد ميزة أو فضيلة على غيره من المساجد الأخرى بحيث يستحق كلفة شد الرحال ومشقتها إلا هذه الثلاث: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد الأنبياء في بيت المقدس. وهكذا أيضاً قاله الإمام أبو محمد علي بن حزم: (ولا فضل لجامع على سائر المساجد) فأحسن وأصاب، إلا أنه تعجَّل، ولم يتأمَّل، فقال: (ولا يحل السفر إلى مسجد، حاشا مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس). وهذا هو أيضاً، فيما يظهر، رأي الإمام البخاري حيث أورد الحديث في باب فضل المساجد الثلاثة، ومضاعفة أجر الصلاة فيها.
فالمقصود إذاً هو بيان أفضلية المساجد الثلاثة المذكورة واستحقاقها أن تنفق على السفر إليها الأموال، وأن يتحمل في السفر إليها المشاق، أما غيرها من المساجد فليس فيها من الفضل ما يبرر النفقة الكبيرة والمشقة البالغة في السفر، بل الأولى أن ينفق الإنسان على محاويج بلده، ما دام قد فاز بالصلاة في مساجدها. أي النفي هنا ليس نهياً، ولا يراد به النهي، لما أسلفنا. وقد قامت على صحته، بالإضافة لما سلف، قرائن كثيرة، منها:
- ما ثبت بالنقل المتواتر، والإجماع المتيقن لعلماء الأمة قاطبة على أن السفر للتجارة وطلب الرزق الحلال مباح، لا بأس به، مع أن المسافر يشد رحله، ويغادر أهله وأحبته متجهاً إلى الأسواق، مع كونها أبغض بلاد الدنيا إلى رب العزة، تبارك وتعالى، كما صح عنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام:
* كما جاء في «صحيح مسلم»: [وحدثنا هارون بن معروف وإسحاق بن موسى الأنصاري قالا: حدثنا أنس بن عياض حدثني بن أبي ذباب (في رواية هارون؛ وفي حديث الأنصاري حدثني الحارث) عن عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج4/ص477/ح1600)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص270/ح1293)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص65/ح4763)؛ وربما غيرهم.
* وجاء في «مسند الشهاب»، (ج2/ص254/ح1301)، عن بن عباس شطره الأول فقط: [أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن دوست حدثنا محمد بن الحسين السلمي حدثنا الحسن بن سليمان ببغداد حدثنا إبراهيم بن جعفر حدثنا محمد بن مهدي بن بلال الأسدي حدثنا أبي مهدي عن محمد بن زياد عن بن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد»]
فكيف يعقل أن يكون شد الرحال إلى الأسواق، التي هي أبغض بقاع الدنيا إلى الله، جل جلاله، مباح، وشد الرحال إلى المساجد التي هي أحب بقاع الدنيا إلى الله، تباركت أسماؤه، منهياً عنه نهي كراهية أو نهي تحريم؟! هذا لا يكون، ولا يتشكل في عقل، فلا بد إذاً،ولا مناص، من استبعاد القول بالنهي واطراحه.
- ومن القرائن المؤيدة لتقريرنا هذا، والمقوية له،أن لفظ الرواية الرابع، وهو جيد ثابت قد جاء من طرق صحاح، بصيغة الخبر بدون حصر في مثل: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد»، كما هو عند مسلم مثلاً، وهو أغلب لفظ سفيان بن عيينة عن الزهري، كما شهد بذلك الإمام علي بن المديني، وتابعه الإمام أحمد، ومثلها: «تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد»، لا يمكن فهمه إلا على ما وصفنا أنه:
أولاً: مخصوص بالمساجد، لا علاقة له بغيرها؛
ثانياً: وأنه تقرير لأفضلية المساجد الثلاث وعظم قدرها، واستحقاقها أن يسافر لها، وليس فيه تحريم أو كراهية السفر إلى غيرها من المساجد أصلاً.
فإن كانت تلك الألفاظ محفوظة بعينها عن أبي القاسم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فبها ونعمت، وإن كانت رواية بالمعنى، فقد فهم الرواة المعنى صحيحاً وعبروا عنه تعبيراً سليماً، وهم عرب فصحاء أقحاح، فلله الحمد والمنة. أما اللفظ الثالث فلا يخرج كثيراً عن سوابقه، بل لعله أوضح، أما الخامس والسادس فقد برهنا على سقوطها وبطلانها، فلله الحمد والمنة على ما فتح من تحرير هذه المسألة، ونسأله مزيداً من فضله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتإيد.
- ومن القرائن المؤيدة كذلك الأحاديث الكثيرة المشهورة عن فضل المساجد الثلاثة ومضاعفة أجر الصلاة فيها، وقد جاء طرف يسير في ثنايا أحاديثنا السابقة؛ وكذلك حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنه: «إن خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق»،كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص336/ح14652) بإسناد متصل صحيح: [حدثنا حجين ويونس قالا: حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قاله]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج4/ص495/ح1616)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص350/ح14824)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص412/ح11347)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج4/ص183/ح2266)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص320/ح1049)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص225/ح740)، و(ج4/ص359/ح4430)؛ وربما غيرهم.

ويترتب على هذا، أي كون النفي في أحاديث الباب من باب الخبر، وعلى بطلان كون النفي من باب الإنشاء، أي أنه ها هنا ليس نفياً للوجوب أو الاستحباب أو الحل أو الكراهية أو الحرمة، أن يبقى شد الرحال إلى أي مسجد في الدنيا مباحاً، ويكون واجباً في حالة النذر يلزم الوفاء به، خلافاً لما قاله بعض الفقهاء. فلله الحمد والمنة على ما فتح من تحرير هذه المسألة، ونسأله مزيداً من فضله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتإيد.

| فصل: هل كان السلف يرون حرمة شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة؟!
بقيت مسألة وهي أن أبا بصرة الغفاري، رضي الله عنه، حمل معنى الحديث، فيما يظهر من كلامه، على النهي، فأنكر على أبي هريرة رحلته إلى الطور، ووافقه أبو هريرة، رضي الله عنه.
فنقول: أولاً: من أين لكم أن كلام أبي بصرة يشتم منه رائحة الإنكار، أو أنه يقتضي، ضرورة، أنه كان يعتقد تحريم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة؟! فهو لم يقل: (لو أدركتك قبل أن تخرج لمنعتك)، أو (لو أدركتك قبل أن تخرج لامتنعت عن الخروج)، أو ما هو أشد: (لو أدركتك قبل أن تخرج لأخبرتك بالنهي، أو بالحرمة)؛ وإنما قال فقط: (لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ)، أو ما شاكل هذا، وهذا يمكن أن يكون كلاماً مختصراً، أصله: (لو أدركتك قبل أن تخرج إلى الطور، لأخبرتك أن ليس في ذلك مزية خير أو زيادة ثواب تستحق النفقة والمشقة، ولقبلت النصيحة فوفرت النفقة، وتجنبت المشقة، ولما خرجتَ). وأبو هريرة، رضي الله عنه، روى لنا كلام أبي بصرة، ولم يعقِّب ولا بحرف!
وقد بقول قائل: سلمنا أن هذا هو الحق النسبة لأبي بصرة جميل بن بصرة الغفاري، رضي الله عنه، ولكن كيف العمل في مثل قول أبي سعيد الخدري: (وما الطور؟! سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه... إلخ) وهذا كأنه استفهام استنكاري.
فنقول: من أين لكم أن هذا استنكار؟! فلعله إنما أراد: (وما هي فضيلة الطور، حتى تأتوه للصلاة؟!)، أو لعله هكذا قاله، ثم اختصره الرواة، ثم أورد ما سمعه من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد بقول قائل: سلمنا بكل ما سلف، ولكن كيف العمل في مثل قول عبد الله بن عمر: (دع الطور ولا تأتها؛...؛ لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)؛ وقول إبراهيم النخعي: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)؛ فهذا كله نهي صريح، والنهي يقتضي التحريم.
فنقول: نعم: نهي الله ورسوله يقتضي التحريم، كما هو قول جمهور علماء أصول الفقه بالأدلة القوية التي أوردوها في مصنفاتهم، تعود كلها إلى كونها نواهٍ من الرب، جل جلاله، صاحب السيادة العليا المطلقة، الذي إنما خلق المكلفين لعبادته، أي للسمع والطاعة، وبدلالة نصوص مخصوصة من القرآن والسنة، وليس كذلك الحال بالنسبة لنهي غير الله ورسوله، فهذا قد يكون تحريماً، وقد يكون نصحاً وإرشاداً، وقد يكون غير ذلك من أنواع الحقيقة أو المجاز.
فكل المزاعم بأن بعض السلف فهموا الحديث على أنه نهي، وأن النهي فيه للتحريم، مزاعم مرسلة، لم تقم عليها حجة قاطعة، وإنما هو الظن الكاذب، والتعالم الفارغ، والتكلف السقيم.

وثانياً: هبه كان كما تزعمون، فكان ماذا؟! مجتهدون فهموا كلام الله ورسوله فهماً معيناً: إن أصابوا أدركوا الأجرين، وإن أخطؤوا نالوا أجر الاجتهاد. والحجة في كلام الله ورسوله، وليس في فهم الراوية له: (ورب مبلَّغ أوعى من سامع).

وقد جمع الحافظ في «فتح الباري»، أكثر أقوال العلماء في هذه المسألة فطول جداً من غير كبير محصول، خلافاً لعوائده الجميلة، إذ قال: [قوله لا تشد الرحال بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها قال الطيبي هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزياره الا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به والرحال بالمهمله جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور ويدل عليه قوله في بعض طرقه إنما يسافر أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أنس عن سليمان الأغر عن أبي هريرة قوله إلا الاستثناء مفرغ والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولارمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر باعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي قوله المسجد الحرام أي المحرم وهو كقولهم الكتاب بمعنى المكتوب والمسجد بالخفض على البدليه ويجوز الرفع على الاستئناف والمراد به جميع الحرم وقيل يختص بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم قال الطبري ويتايد بقوله مسجدي هذا لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة فينبغي أن يكون المستثنى كذلك وقيل المراد به الكعبة حكاه المحب الطبري وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ الا الكعبة وفيه نظر لأن الذي عند النسائي الا مسجد الكعبة حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم قال بل في الحرم لأنه كله مسجد قوله ومسجد الرسول أي محمد، صلى الله عليه وسلم، وفي العدول عن مسجدي إشارة إلى التعظيم ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة ويؤيده قوله في حديث أبي سعيد الاتي قريبا ومسجدي قوله ومسجد الأقصى أي بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة] إلى أن قال: [واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له لو ادركتك قبل أن تخرج ما خرجت واستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم وأجابوا عن الحديث باجوبه منها أن المراد: أن الفضيلة التامه إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز وقد وقع في رواية لأحمد سيأتي ذكرها بلفظ لا ينبغي للمطي أن تعمل وهو لفظ ظاهر في غير التحريم ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثه فإنه لا يجب الوفاء به قاله بن بطال وقال الخطابي اللفظ لفظ الخبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثه ومنها أن المراد حكم المساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثه وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي، وشهر حسن الحديث وأن كان فيه بعض الضعف، ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال لا يعتكف في غيرها وهو أخص من الذي قبله ولم أر عليه دليلا واستدل به على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك وبه قال مالك وأحمد والشافعي والبويطي واختاره أبو إسحاق المروزي وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقا وقال الشافعي في الأم يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الاخيرين وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي وقال بن المنذر يجب إلى الحرمين وأما الأقصى فلا واستأنس بحديث جابر أن رجلا قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، إني نذرت أن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس قال صل ههنا وقال بن التين الحجة على الشافعي أن أعمال المطي إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى والصلاة فيهما قربة فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام انتهى وفيما يلزم من نذر إتيان هذه المساجد تفصيل وخلاف يطول ذكره محله كتب الفروع واستدل به على أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها لأنها لا فضل لبعضها على بعض فتكفي صلاته في أي مسجد كان قال النووي لا اختلاف في ذلك الا ما روى عن الليث أنه قال يجب الوفاء به وعن الحنابله رواية يلزمه كفارة يمين ولا ينعقد نذره وعن المالكية رواية أن تعقلت به عبادة تختص به كرباط لزم وإلا فلا وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد قباء لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يأتيه كل سبت كما سيأتي قال الكرماني وقع في هذه المساله في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة وصنف فيها رسائل من الطرفين قلت يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين بن تيميه وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لابن تيميه وهي مشهوره في بلادنا والحاصل إنهم الزموا بن تيميه بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وانكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من ابشع المسائل المنقوله عن بن تيميه، ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، ما نقل عن مالك أنه كره أن يقول زرت قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ ادبا لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال واجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصواب قال بعض المحققين: قوله الا إلى ثلاثة مساجد المستثنى منه محذوف فأما أن يقدر عاما فيصير لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان الا إلى الثلاثه، أو أخص من ذلك لا سبيل إلى الأول لافضائه إلى سد باب السفر للتجاره وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه الا إلى الثلاثه فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم وقال السبكي الكبير ليس في الأرض بقعه لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثه ومرادى بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ورتب عليه حكما شرعيا وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات قال وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثه داخل في المنع وهو خطا لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه فمعنى الحديث لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الامكنه لأجل ذلك المكان الا إلى الثلاثه المذكورة وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان والله أعلم]

وعقب ابن باز على إلزام ابن تيمية بتحريم شد الرحال لزيارة القبر الشريف، وأُدخل تعقيبه في الكتاب المطبوع، كما أقحمه مقلدوه ومعظموه في داخل النص المبرمج في الحاسوب: [قال العلامة بن باز حفظه الله: هذا اللازم لا بأس به وقد التزمه الشيخ وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة ومواردها ومصادرها والأحاديث المروية في فضل زيادة قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، كلها ضعيفة بل موضوعة كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيادة قبره عليه الصلاة والسلام من دونه قصد المسجد بل تكون عامة مطلقة وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها وبقيدها والشيخ لم ينكر زيادة قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، من دون شد الرحال وإنما أنكر شد الرحل من أجلها مجردا عن قصد المسجد فتنبه، وافهم، والله أعلم].
قلت:
أولا: لم أذكر كلام ابن باز للتعقيب عليه. فمن يصف الدولة السعودية التي بدلت الشرائع، وأظهرت الكفر البواح، وتحالفت مع الكفار وجلبت جيوشهم العرمة لاحتلال جزيرة العرب، مهد الإسلام، وحصار العراق لقتل أهله وتدميرهم، بل وإبادتهم، ثم احتلال العراق بعد ذلك، وغزو أفغانستان وتدميرها، وما زالت تمارس تلك الجريمة الشنعاء حتى هذه الساعة، من يصف هذه الدولة بأنها: (دولة مباركة نصر الله بها الحق وأهله) فليس أهلاً أن يرد عليه، ولكن ذكرته نموذجاً للهوس «القبوري» وكيف تشطح الأهواء الفاسدة بأهلها، وكيف يعمي الغلو أصحابه.
وثانياً: لبيان بطلان هذا الإلزام البشع، وبطلان ما يترتب عليه من التزام أبشع. فحتى لو سلمنا أن جميع الأحاديث الواردة في زيارة قبره، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ضعيفة أو موضوعة، ولو سلمنا جدلاً وعلى سبيل التنازل، بأن حديث «لا تشد الرحال» يقتضي ضرورة تحريم شد الرحال مطلقاً إلا إلى المساجد الثلاثة المذكورة، أو ما جاء نص صحيح آخر باستثنائه، وهو خلاف الحق كما بيناه آنفاً، لو سلمنا بذلك كله لم يلزم أن يكون شد الرحال إلى قبره، عليه وعلى آله أزكى الصلاة وأتم التسليم، حراماً. فقبره النبوي الشريف هو بجوار مسجده المدني الشريف، وليس هو في الصين أو المغرب الأقصى، بل أصبح الآن في داخل المسجد المبني، معزولاً عن المسجد الذي يحيط به إحاطة السوار بالمعصم، أدخل لضرورة توسعة المسجد في سالف الأزمنة، كما أسلفنا: فشد الرحال إلى المسجد المدني الشريف، هو شد رحال إلى قبره الشريف لا محالة، وإعمال المطي إلى قبره الشريف، هو شدها لا محالة إلى مسجده الشريف، ويستحيل التفريق بين هذا وهذا، لأنهما في بلد واحد، بل هما في بقعة واحدة.
فإن قال قائل: إنما هي النية المعتبرة ها هنا فلا بد أن يفرد المسجد النبوي بنية السفر.
قلنا له: كذبت، فإن شد الرحال لأداء فريضة الحج، وهو ركن من أركان الإسلام، لا يضر في نيته اقترانها بنية المرور على الأسواق في الطريق أثناء الرحلة، وغشيان الأسواق في مواسم الحج بعد الوصول إلى البقاع المقدسة، طلباً للربح الحلال، وابتغاءً من فضل ربنا، بنص القرآن القاطع، فكيف تضر نية زيارة القبر الشريف إذا اقترنت بنية زيارة المسجد الشريف فكان شد الرحال لكليهما؟!
ثم هل وجد في العالم مسلم قط يشد رحله إلى المسجد النبوي الشريف، ثم يتعمد تولية ظهره للقبر الشريف، فلا يسلم ولا يزور؟! ما هذا إلا حمار بليد، بل هو كافر عنيد.
وهل وجد في العالم مسلم قط يشد رحله إلى القبر الشريف فسلم وزار ثم ولَّى ظهره المسجد الشريف، فلم يصل فيه؟! هل وجد هذا في العالم قط؟! بل إننا نرى بعض عوام المسلمين يتكلفون مشقة الإقامة ومصروفاتها ويجاورون الحرم النبوي الشريف، بل ربما ناموا في الشوارع والطرقات قريباً منه متحملين أشد التعب، حتى يصلوا فيه أربعين صلاة مكتوبة متتالية، لاعتقادهم، مخطئين أو مصيبين، أن الفضيلة لا تتم إلا بذلك، أو لاعتقادهم، مخطئين أو مصيبين، أن لذلك فضيلة خاصة أو براءة من النار.
وعوام المسلمين يدعوا بعضهم لبعض بأن يمن الله عليهم بزيارة «النبي»، وتارة بزيارة «المدينة»، لا فرق عنده بين اللفظين: فزيارة المدينة تعني زيارة المسجد وزيارة النبي، وزيارة النبي تعني: زيارة بلدته بمسجدها وقبره الشريف، وهكذا اندمج ذلك كله ببعضه البعض فصار شيئاً واحداً لا تتميز أجزاؤه.
على أننا إذا سلمنا جدلاً، تنازلاً مع أهل الهوس والتنطع والتقعر والغلو، بأنه يمكن في العالم لإنسان أن يفرق بين النيتين المتلازمتين هكذا فلا بأس أيضاً: إذا ينوي الإنسان قبل سفره شد الرحال إلى المسجد الشريف وينوي أنه بعد وصوله يزور القبر الشريف، يعني أن يحدث نفسه قائلاً، على سبيل المثال: (أسافر إلى مسجد النبي ثم بعد الوصول اتشرف بزيارته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام)، فإن كان انفصام النيتين ممكن هكذا على هذا النحو، فهذا مشروع ولا بأس به، ولا غبار عليه مطلقاً، ولا يتعارض مع تحريم شد الرحال المكذوب المزعوم، وإن كان فصل النيتين مستحيلاً فهذا كذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وعلى كل حال: «هلك المتنطعون»، «هلك المتنطعون»، «هلك المتنطعون».

فثبت يقيناً أن شد الرحال إلى المسجد النبوي الشريف هو ضرورة شد رحال إلى القبر الشريف، سواء بنية واحدة لا يمكن انفكاكها، أو بنيتين صحيحتين مشروعتين لا حرج فيهما. والذي نعتقده أن شد الرحال إلى القبر الشريف هو ضرورة شد رحال إلى المسجد الشريف: مكان واحد ونية واحدة لا انفكاك بينهما: قضاء تكويني سبق من عند الله، منذ الأزل، قبل خلق السماوات والأرض، ولو رغمت أنوف «القبوريين المهووسين»، الغلاة المارقين، ولكن قاتل الله المراء والجدل والهوى، و«هلك المتنطعون». والقوم يدعون أنهم سلفيون متبعون، غير مبتدعين، فهلا جاءوا بنص واحد عن السلف من القرون الثلاثة الفاضلة فيه تحريم شد الرحال لزيارة القبر الشريف؟!

على أن رأي الإمام ابن تيمية في هذه المسألة لا يختلف كثيراً عما أسلفنا، ولكن الظاهر أن عامة مقلدته من أتباع الدعوة الوهابية قد أساؤوا فهمه، كما هي عادتهم الذميمة في القراءة السطحية الضحلة،والتفوه بالأقوال الفجة المتعجلة:
* فقد قال الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي فيأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (8/465 - 469): [وأعتقد أن هذه المسألة لولا نزاع معاصري شيخ الإسلام معه في غيرها لما كان لها محل ولا مجال. ولكنهم وجدوها حساسة ولها مساس بالعاطفة ومحبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأثاروها وحكموا عليه بالالتزام. أي بلازم كلامه حينما قال: (لا يكون شد الرحال لمجرد الزيارة، بل تكون للمسجد من أجل الزيارة، عملاً بنص الحديث فتقولوا عليه ما لم يقله صراحة).
ولو حمل كلامه على النفي بدل من النهي لكان موافقاً، أي لا يتأتى ذلك لأنه رحمه الله لم يمنع زيارته، صلى الله عليه وسلم، ولا السلام عليه، بل يجعلها من الفضائل والقربات، وإنما يلتزم بنص الحديث في جعل شد الرحال إلى المسجد، ولكل شيء ومنه السلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما صرح بذلك في كتبه. قال في بعض رسائله وردوده ما نصه: (فصل: قد ذكرت فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره، كما يذكر أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب. وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك وكيف يسلم عليه، وهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين. فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة، كمالك والشافعي وأحمد إلى أن قال: والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب باتفاق أئمة المسلمين، لم يقل أحد من أئمة المسلمين إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره، صلى الله عليه وسلم، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهى عن ذلك ولا نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور)، إلى أن قال: (وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى. ولكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، له خاصية ليست لغيره من الأنبياء والصالحين، وهو أن أمرنا أن نصلي عليه ونسلم عليه في كل صلاة، ويتأكد ذلك في الصلاة وعند الأذان وسائر الأدعية، وأن نصلي ونسلم عليه عند دخول المسجد، مسجده وغير مسجده، وعند الخروج منه. فكل من دخل مسجده فلا بد أن يصلي فيه ويسلم عليه في الصلاة. والسفر إلى مسجده مشروع، لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره، حين كره مالك رحمه الله أن يقال: زرت قبر النَّبي، صلى الله عليه وسلم،. لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليها والدعاء لهم، وذلك السلام والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده، وعند سماع الأذان وعند كل دعاء. فتشرع الصلاة عليه عند كل دعاء، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم) اه. وإذا كان هذا كلامه رحمه الله، فإن المسألة شكلية وليست حقيقية. إذ أنه يقرر بأن السفر إلى مسجده، صلى الله عليه وسلم، مشروع وإن كان يزور قبره، صلى الله عليه وسلم، ويسلم عليه، وأن ذلك من أفضل القربات ومن صالح الأعمال. أي وإن كانت الزيارة مقصودة عند السفر. وإذا كان السفر إلى المسجد لا ينفك عن السلام عليه، صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه لا ينفك عن الصلاة في المسجد. فلا موجب لهذا النقاش، وجعل هذه المسألة مثار نزاع أو جدال. وقد صرح رحمه الله بما يقرب من هذا المعنى في موضع آخر من كلامه،... إلخ]، فذكر الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي نقولاً أخرى، ثم قال: [فدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطتان ومن ادعى انفكاكهما عملياً فقد خالف الواقع، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى الخلاف وزال موجب النزاع. والحمد لله رب العالمين]، ثم ذكر الشيخ الشنقيطي نقولاً أخرى، واختتم قائلاً: [وهذا غاية في التصريح منه رحمه الله أنه لا انفكاك من حيث الواقع بين الزيارة والصلاة في المسجد عند عامة العلماء.ثم قال في حق الجاهل: (وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر، ثم إنه لا بد أن يصلي في مسجده فيثاب على ذلك. وما فعله وهو منهي عنه ولم يعلم أنه منهي عنه لا يعاقب عليه فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر) اه.
وقد أكثرنا النقول عنه رحمه الله لما وجدنا من ليس في هذا الموضع على كثير من الناس، حتى قال ابن حجر في فتح الباري فيها: وهذا أعظم ما أخذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهي وإن كانت شهادة من ابن حجر أنها أشد ما أخذ عليه مع ما رمي به من خصومه في العقائد ومحاربة البدع، إلا أنها بحمد الله بعد هذه النقول عنه من صريح كلامه لم يعد فيها ما يتعاظم منه، فعلى كل متكلم في هذه المسألة أن يرجع إلى أقواله رحمه الله فلم يترك جانباً إلا وبينه سواء، في حق العالم أو الجاهل. وبالله تعالى التوفيق. هذا ما يتعلق بخصوص السفر إلى المدينة المنورة للمسجد وللزيارة معاً، على التفصيل المتقدم]

قلت: هذا دفاع جيد، ولكنه لا يحل المسألة حلها الجذري الصحيح، ألا وهو:
(1) - أن حديث (لا تشد الرحال) إنما هو نفي للأفضلية والاستحقاق، وليس من باب النهي أو التحريم في صدر ولا ورد، كما أسلفنا؛
(2) - وأن وساوس (القبوريين المهووسين) لا وجود لها إلا في أدمغتهم. ولم يوجد فيالعالم قط من يعبد قبراً، وإنما يعبد المشركون آلهة من دون الله تمثلها أصنام وأوثان.

ثالثاً: كراهية الإمام مالك للفظة: «زيارة قبر النبي» هي في الأرجح أدب ونفور من نسبة القبر إليه، فكأنه أراد الناس أن يقولوا: «زرنا النبي»، لأنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حي بحياة برزخية سامية. والزيارة في الحقيقة قطعاً له، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وليست للقبر، أو الجدران أو البقعة، أو التراب والأحجار. هذا هو المحمل الجميل الذي يجب أن يحمل عليه قول الإمام الحجة القدوة أبي عبد الله، إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، رضي الله عنه، وهو الذي كان يستحي أن يركب الدواب في المدينة لكيلا يطأ تربة فيها جسد رسول الله.
نقول: هذا أدب جميل، حبذا الالتزام به، وهو بحمد الله الذي فشا على ألسنة العوام، فهم يقولون: «زرنا النبي»، ولا نكاد نسمعهم يقولون غير ذلك، فلله الحمد والمنة. وهذا هو أدب الصحابة كذلك:
* كما جاء في «المستدرك على الصحيحين»، (ج4/ص560/ح8571): [حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس بن محمد بن حاتم الدوري حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمر العقدي حدثنا كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال: [أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ برقبته، وقال: (أتدري ما تصنع؟!)، قال: (نعم)، فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، فقال: (جئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم آت الحجر، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله»). وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح). قلت: وهو صحيح كما قالا، وكما بيناه في الملحق، وهو أيضاً في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج5/ص422/ح23633)، وفي «تاريخ دمشق» لابن عساكر من طريق أخرى.
وهذا الحديث برهان قاطع على أن «سلف» القبوريين المهووسين هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين، الذي لعن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أباه الحكم بن أبي العاص، عندما كان مروان في صلبه: فهنيئاً لهم هذا «السلف» الصالح!

| فصل: حرمة المسلم ميتاً، كحرمته حياً
وعلى المسلم حين زيارة قبور المسلمين معاملة أهلها بنفس الأدب الذي يعامل به الأحياء. فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤذي أخاه المسلم حياً كان أو ميتاً. ومن باب أولى يجب على المسلم التعامل مع القبور باحترام وأدب عند نبشها لنقل المدفونين لمكان آخر بموجب شرعي، أو عند تسويتها وإزالة ما قد يكون أحدث عليها من مخالفات:
(1) - فتنبش بطريقة محترفة راقية، مع الوقار والأدب، إذا أوجبت ضرورة نبش ذلك القبر، كما هو الحال عند إبطال مقبرة بكاملها، أو نبش قبر أحدث في مسجد وكان المسجد سابقاً في الوجود، وما شاكل ذلك؛
(2) - ويهدم ما بني عليه من قباب، ونحوه، بطريقة مهذبة راقية؛
وهكذا في كل حال من أحوال التعامل مع القبور:
* فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص667/ح971) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، بإسناد حسن قوي: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص668/ح971)؛ والنسائي في سننه (ج4/ص95/ح2044)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص437/ح3166)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص499/ح1566)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص217/ح3228)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص312/ح8093)، و(ج2/ص389/ح9036)، و(ج2/ص444/ح9730)، و(ج2/ص528/ح10844)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ج1/ص517)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص658/ح2171)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص79/ح7006)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص217/ح706)؛ وغيرهم.

* ولكن أخرج الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده (ج1/ص332/ح2544): [حدثنا محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر)؛ قال أبو هريرة: (يعنى يجلس بغائط أو بول)]؛ محمد بن أبي ضعيف، فلا يثبت هذا القول: (يعنى يجلس بغائط أو بول) عن أبي هريرة، بل الصحيح أنه ليس كذلك:
* فقد أخرج الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص26/ح11777) بإسناد صحيح: [حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه قال كنت أتبع أبا هريرة في الجنائز فكان (يقضي) القبور قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه ثم قميصه ثم ازاره حتى تخلص إلى جلده أحب إلي من أن يجلس على قبر)]؛ لفظة (يقضي) غير مفهومة هكذا، فلعلها تصحيف، مثلاً لـ(يتقصى) يعني يتباعد، أو (يتجنب)، والله أعلم. وعلى كل حال فمن المحال أن يكون كلام أبي هريرة ها هنا عن (الجلوس لغائط أو بول)؛ وقد وافقه عقبة بن عامر في هذا الاحتياط، بل قد زاد:
* كما أخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص26/ح11774) بإسناد في غاية الصحة على شرط البخاري ومسلم: [حدثنا شبابة عن ليث بن سعد عن يزيد أن أبا الخير أخبره أن عقبة بن عامر قال: (لأن أطأ على جمرة أو على حد سيف حتى يخطف رجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر رجل مسلم وما أبالي أفي القبور قضيت حاجتي أم في السوق بين ظهرانيه والناس ينظرون)]؛ أبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص499/ح1567) مرفوعاُ، والموقوف أصح.

* وسبق إيراد ما أخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص504/ح6488) بإسناد متصل صحيح عن جابر بن عبد الله: [أخبرنا بن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم،نهى أن يقعد الرجل على القبر، وأن يُقَصَّص، وأن يبنى عليه]؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص667/ح970)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص295/ح14181)، و(ج3/ص339/ح14688)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص216/ح3225)؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص88/ح2028)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص653/ح2155)؛ وابن حبان في صحيحه (ج7/ص436/ح3165)، (ج7/ص434/ح3163)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص4/ح6553)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص25/ح11764)؛ وغيرهم.

* وسبق كذلك إيراد ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص135/ح17254) بإسناد غاية في الصحة عن أبي مرثد الغنوي: [حدثنا الوليد بن مسلم قال سمعت بن جابر يقول حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي انه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول حدثني أبو مرثد الغنوي سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تصلوا إلى القبور،ولا تجلسوا عليها)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص668/ح972)؛ والنسائي في سننه (ج2/ص67/ح760)، وفي سننه الكبرى (ج1/ص274/ح836)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج1/ص244/ح316)؛ وتجده عند ابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص8/ح793)؛ وأخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص217/ح3229)؛ والحاكم في مستدركه (ج3/ص244/ح4975)، و(ج3/ص244/ح4976)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج19/ص193/ح433)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص330/ح580 - 581)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص80/ح7007)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص515)؛ وغيرهم.

* وقد سبق إيراد ما أخرجهالإمام أبو يعلى في مسنده (ج2/ص297/ح1020) بإسناد صحيح: [حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا وهيب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد قال نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها]

* وأخرج الإمام أبو داود في سننه (ج3/ص217/ح3230) بإسناد صحيح: [حدثنا سهل بن بكار حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير السدوسي عن بشير بن نهيك عن بشير مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد فهاجر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال ما اسمك قال زحم قال بل أنت بشير)، قال: بينما أنا أماشي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مر بقبور المشركين فقال: (لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً)، ثلاثا؛ ثم مر بقبور المسلمين فقال: (لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً)؛ وحانت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: (يا صاحب السبتيتين: ويحك، ألق سبتيتيك!)، فنظر الرجل فلما عرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلعهما فرمى بهما]؛ وأخرجه الإمام ابن ماجه في سننه (ج1/ص500/ح1568) بإسناد صحيح؛ إلا أنه قال: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير عن بشير بن نهيك عن بشير بن الخصاصية قال بينما أنا أمشي مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بن الخصاصية ما تنقم على الله؟! أصبحت تماشي رسول الله!)، فقلت: (يا رسول الله: ما أنقم على الله شيئاَ، كل خير قد أتانيه الله!) ثم ساق الحيث بنحوه]؛ وأخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص272/ح775)؛ والإمام النسائي في سننه (ج4/ص96/ح2048)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص658/ح2175)؛ والإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص529/ح1380)؛ والإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص510)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج3/ص65/ح12142)؛ وربما غيرهم.

قلت: هذا في غاية البيان: فإن كان المشي على القبور منتعلاً منهي عنه، فلا شك أن أنواع الاستخفاف الأخرى من جلوس واتكاء ونحوه منهي عنها كذلك، فليس الموضوع هو الجلوس لغائط أو بول فقط، معاذ الله.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (زوائد ما سقط من المطبوعة) (60/206/28425) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ الْجُذَامِىِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِىِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ رَآنِى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم،مُتَّكِئاً عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: «لاَ تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ (أَوْ لاَ تُؤْذِهِ)»]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من طرق أخرى في مسنده (زوائد ما سقط من المطبوعة) (60/204/28424)، و(60/207/28426)؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج3/ص682/ح6502)؛ وجاء في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (ج14/ص146/ح4436)؛ وهو أيضاً في معجم الصحابة لابن قانع (ج4/ص299/ح1085)؛ وتجده في التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (2/23/916)؛ وتجده كذلك في تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق لابن عبد الهادي (2/102/984)؛ ولعله عند غيرهم؛ وصححه الألباني لذاته في «السلسلة الصحيحة»، وعزاه لابن عساكر في «تاريخ دمشق»، وابن الأثير في «أسد الغابة»، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، وأحمد في «أطراف المسند»، (وليس في المطبوعة!). وقد سردنا أكثرها في الملحق.
- وجاءت مرسلة تشهد لذلك في معرفة السنن والآثار للبيهقي (6/328/2362): [قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنكدر، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى رجلا موفيا - يعني متكئا - على قبر فقال: «انزل عن القبر»]؛

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (زوائد ما سقط من المطبوعة) (60/208/28427): [حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلاَلٍ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «لاَ تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ»]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج4/ص95/ح2045)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص658/ح2172)؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج3/ص682/ح6502)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص515)؛ وتجده في التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (2/23/916)؛ وأيضاً تجده تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق لابن عبد الهادي (2/102/985)؛ ولعله عند غيرهم. ولكن النَّضْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السلمي ثم الأنصاري لا يكاد يعرف، ولكن هذه الرواية تعتضد بسابقتها، ويظهر أن عمرو بن حزم كان جالساً متكئاً على القبر، كما في الحديث السابق، فأمره النبي، صلى الله عليه وسلم، بالنزول، والتحول عنه، وبهذا تنسجم الروايات ويؤيد بعضها بعضاً، والله أعلم وأحكم.
فثبت بهذه النصوص أن إيذاء الميت بالمشي منتعلاً، أو الجلوس، على قبره، حرام بلا شبهة، وشر من ذلك، من باب أولى، اتخاذه مرحاضاًأو مزبلة، عياذاً بالله.



ملحق دراسة الأسانيد

| فصل: تصحيح حديث شهر بن حوشب الأشعري
شهر بن حوشب الأشعري، أبو عبد الرحمن ويقال أبو الجعد الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، رضي الله عنها، من أوساط التابعين، توفي حوالي 98 هـ (أو 99 هـ)، وقد تجاوز الثمانين.
* جاء في تاريخ بغداد (ج11/ص58/ت5741): [أخبرنا محمد بن احمد بن رزق أخبرنا عثمان بن احمد الدقاق حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الأنباري الحذاء قال: قال عبد الحميد بن بهرام لقيت شهر بن حوشب في أول خلافة عمر بن عبد العزيز في سنة ثمان وتسعين بحولايا وتوفي بعد ذلك بشهر أو بشهرين قال وأملى علي هذه الأحاديث].
* وجاء في الطبقات الكبرى (449/7/3436): [أخبرنا أبو عبد الله الشامي قال قلت لعبد الحميد بن بهرام متى مات شهر بن حوشب قال سنة ثمان وتسعين]؛ أبو عبد الله الشأمي هو أبو عبد الله الحسن بن أيوب بن عبد الله الشامي، ثقة.
دخل في شيء من عمل السلطان، وكان يأخذ أعطياتهم، فأصابه شر، ولحقت به تهم، تضاربت فيه الأقوال (تجد عامة هذه النقول في الكامل لابن عدي، وتهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب):
- وقال محمد بن أبي منصور عن عمر بن عبد المجيد اعتم شهر بن حوشب وهو يريد سلطانا يأتيه ثم أخذ المرآة فنظر في وجهه وعمامته فنظر إلى لحيته فرأى شيبة فأخذها بيده ثم نقض عمامته ثم جعل يقول: (السلطان بعد الشيب، السلطان بعد الشيب؟!).
- وقال عبد الحميد بن بهرام اتى على شهر بن حوشب ثمانون سنة ورأيته يعتم بعمامة سوداء طرفها بين كتفيه وعمامة أخرى قد اوشق بها وسطه سوداء ورأيته مخضوبا خضابة سوداء في حمرة وقدم على بلال بن مرداس الفزاري بحولايا فأجازه بأربعة آلاف درهم فقبضها منه
- وقال يحيى بن أبي بكير الكرماني عن أبيه كان شهر بن حوشب على بيت المال فأخذ خريطة فيها دراهم فقال القائل: لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر.
- وجاء تكذيب الرواية السابقة، قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري قال علي بن محمد قال أبو بكر الباهلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا عليه انه أخذ خريطة فسأله يزيد عنها فأتاه بها فدعا يزيد الذي رفع عليه فشتمه وقال لشهر هي لك قال لا حاجة لي فيها. فقال القطامي الكلبي (ويقال سنان بن مكبل النميري):
لقد باع شهر دينه بخريطة **** فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
أخذت بها شيئا طفيفا وبعته ****من بن جرير ان هذا هو الغدر
وقال مرة النخعي:
يا بن المهلب ما أردت إلى امرئ **** لولاك كان كصالح القراء
- وجاء في المجروحين (ج1/ص361/ت476): [عادل عباد بن منصور في حجة له فسرق عيبته، فهو الذي يقول فيه القائل لقد باع شهر دينه بخريطة **** فمن يأمن القراء بعدك يا شهر]
- وقال يحيى القطان عن عباد بن منصور: (حججنا مع شهر فسرق عيبتي)
- وقال الساجي فيه ضعف وليس بالحافظ وكان شعبة يشهد عليه أنه رافق رجلا من أهل الشام فخانه.
قلت: فظهر مما سبق أن ترك شعبة له بسبب اعتقاده عدم عدالته، ولا علاقة لذلك بالحفظ أو الإتقان، وتبعه على ذلك الإمام يحيى بن سعيد القطان.

وإليك أقوال الموثقين:
- وقال حرب بن إسماعيل الكرماني عن احمد بن حنبل ما أحسن حديثه ووثقه وهو شامي من أهل حمص وأظنه قال هو كندي وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا.
- وقال أبو طالب عن احمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه متقاربة هي حديث شهر، وكان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وانما هي سبعين حديثا وهي طوال وفيها حروف ينبغي ان تضبط لكن يقطعونها.
- وقال حنبل بن إسحاق عن احمد بن حنبل: ليس به بأس.
- وقال عثمان بن سعيد الدارمي بلغني ان احمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب.
- وقال الترمذي قال احمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب.
- وقال الترمذي أيضا عن البخاري: شهر حسن الحديث وقوَّى امره، وقال: إنما تكلم فيه بن عون ثم روى عن هلال بن أبي زينب عنه.
- وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة.
- وقال عبد الله بن شعيب الصابوني وعباس الدوري والمفضل بن غسان الغلابي عن يحيى بن معين: ثبت.
- وقال يعقوب بن شيبة سمعت علي بن المديني وقيل له: ترضى حديث شهر بن حوشب فقال انا أحدث عنه، قال: وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه؛ قال وانا لا ادع حديث الرجل الا ان يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن يعني على تركه؛ قال وسمعت علي بن المديني يقول: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن شهر.
- وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على ان بعضهم قد طعن فيه
- وقال يعقوب بن سفيان: وشهر، وإن قال بن عون: (إن شهرا نزكوه)، وهو ثقة.
- وقال أبو زرعة لا بأس به؛ ولم يلق عمرو بن عبسة.
- وقال احمد بن عبد الله العجلي: شامي تابعي ثقة
- وقال أيوب بن أبي حسين الندبي قرأت على بن عمر وبن عباس وعكرمة وشهر بن حوشب فما رأيت أحدا كان اقرأ لكتاب الله من شهر بن حوشب.
- وقال أبو جعفر الطبري كان فقيها قارئا عالماً.
- وقال حرب بن سريج عن زينب بنت يزيد بن واشق سمعت عائشة تقول فذكرت عنها حديثا قالت فيه قال رجل من نساك أهل الشام يقال له شهر بن حوشب ما كان خلق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يا أم المؤمنين قالت القرآن يا بني فقال شهر حسبكم ومن يطيق القرآن قالت من طوقه الله يا بني. قلت: هذا الحديث موجود في مسند أبي يعلى (ج4/ص95/ح2045): [حدثنا شيبان، حدثنا حرب بن سريج بتمامه].
- وقال أبو حاتم شهر أحب الي من أبي هارون وبشر بن حرب، وليس بدون أبي الزبير، ولا يحتج به.
- وقال الحسين بن إدريس الهروي أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار وسألته عن شهر بن حوشب فقال: روى عنه الناس وما اعلم أحدا قال فيه غير شعبة، قلت يكون حديثه حجة قال: لا.
- وقال أبو بكر البزار لا نعلم أحدا ترك الرواية عنه غير شعبة ولم يسمع من معاذ بن جبل.
- وقال الدارقطني يخرج حديثه.
قلت: حسبك بالإمام علي بن المديني، وشيخه الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وتلاميذه الأئمة: البخاري، ويعقوب بن شيبة السدوسي؛ والإمام أحمد بن حنبل؛ والإمام يحيى بن معين؛ وأبي زرعة الرازي؛ وأبي جعفر محمد بن جرير الطبري؛ وحسبك أيضاً بأبي حاتم الرازي إذ سواه بأبي الزبير المكي، ومحمد بن عبد الله بن عمار وإن قالا: (لا يحتج به)، فهما معروفان بالتعنت.

وهذا ما قاله الجارحون:
- وقال النسائي ليس بالقوي.
- وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (ج2/ص191/ت716) فلم يأت بجديد، وإنما أورد بأسانيده كلام شعبة، والقصص المشهورة عنه، كما ذكر الروايتين التاليتين: [* حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن على الحلواني قال حدثنا أبو سلمة قال حدثنا أبو هلال عن قتادة قال جاء شهر بن حوشب يستأذن على الأمير قال فخرج الآذن فقال إن الأمير يقول: (لا تأذن له فإنه سبأى)، قال: فقلت: (ان خادم البيت يخبرك بما في أنفسهم)؛ ثم قال قتادة: (لا غفر الله لمن لا يستغفر لهما يعنى عليا وعثمان).
* حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن على قال حدثنا مسلم قال حدثنا زياد بن ربيع الحارثي قال حدثنا أعين الإسكاف وكان يؤاجر نفسه الى مكة كل سنة قال أجرت نفسي من شهر بن حوشب الى مكة وكان له غلام ديلمى يغنى وكان إذا نزل منزلا قال لغلامه ذاك صح فاحله واستذكر غناك قال ثم يقبل علينا فيقول ان هذا ينفق بالمدينة]
- وقال موسى بن هارون ضعيف.
- وقال الحاكم أبو أحمد ليس بالقوي عندهم
- وقال بن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات وعن الاثبات المقلوبات.
- وقال بن عدي: (وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه وشهر ليس بالقوي في الحديث وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به). وقال بن عدي أيضاً: (ضعيف جداً)، قال هذا في ترجمة عبد الحميد بن بهرام.
- وقال البيهقي ضعيف
- وقال بن حزم ساقط
- وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني أحاديثه لا تشبه حديث الناس عمرو بن خارجة كنت اخذا بزمام ناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؛ أسماء بنت يزيد كنت أخذه بزمام ناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كأنه مولع بزمام ناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحديثه دال عليه فلا ينبغي ان يغتر به وبروايته.
قلت:
(1) - أكثر الجارحين، ما عدا النسائي، ليسوا من أئمة هذا الشأن، أو من المتأخرين نسبياً، ولا يعتد بهم، وجرحهم غير مفسر، ويعود في الأرجح إلى طعنهم في عدالته، متابعة أو تقليداً لشعبة؛
(2) - بدأ بن عدي برواية ترك شعبة لشهر، (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي (36/4/898)، وذكر القصص المعروفة، والظاهر أنه كان مقتنعاً بها، ثم استعرض طرفاً من حديث شهر، فقال: (وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه وشهر ليس بالقوي في الحديث وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به)، مع أنه ليس في ما ذكر ما هومنكر بحق فهو يتكلم من منطلق رأيه المسبق، وليس من دراسة موضوعية للأحاديث التي استعرضها!
(3) - ما ذكرناه عن ابن عدي ينطبق بحذافيره على ابن حبان الذي صدر كلامه برواية التهم المعروفة، ثم جاءبجملته التقليدية: (كان ممن يروي عن الثقات المعضلات وعن الاثبات المقلوبات)، هكذا مرسلة من غير بينة.

وتوسط أقوام وحاولوا الموازنة بموضوعية:
* قال صالح بن محمد البغدادي: (شهر بن حوشب شامي قدم العراق على الحجاج بن يوسف روى عنه الناس من أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام ولم يوقف منه على كذب وكان رجلا يتنسك الا انه روى أحاديث يتفرد بها لم يشركه فيها أحد مثل حديث ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قرأ انه عمل غير صالح وان النبي، صلى الله عليه وسلم، قرأ: يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا [ولا يبالي]؛ وروى عنه الحكم بن عتيبة عن أم سلمة ان النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن كل مسكر ومفتر؛ ولم يذكر مفتر في شيء من الحديث. وروى عنه عبد الحميد بن بهرام أحاديث طوالا عجائب. وروى ليث بن أبي سليم عنه عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: ويل امكم قريش رحلة الشتاء والصيف في موضع لايلاف قريش فشهر يروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أحاديث في القراءات لا يأتي بها غيره).
* وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي ملخصاً، وراداً على التهم: (لم أسمع لمضعفه حجة: وما ذكروا من تزييه بزي الجند، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ الخريطة فأما لا يصح أو هو خارج على مخرج لا يضره وشر ما قيل فيه أنه يروي منكرات عن ثقات وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به)؛
قلت: وحتى ما قيل فيه: (أنه يروي منكرات عن ثقات) فلا يصح، كما أسلفنا، لأن أكثر ما يذكر في هذا الباب وجوه من القراءات جاءت في الأرجح على وجه التفسير، ويوجد عند غيره من القراء كثير من هذا النوع، بل ما هو أشنع وأبعد. فلم يبق إلا لفظة: (نهى عن كل مسكر ومفتر) التي تحتاج إلى نظر لأنها لم ترد في أي حديث آخر مطلقاً، فلعلها وهم أو سوء فهم لكلام أم سلمة، رضوان الله وسلامه عليها، فلعلها قالت: (نهى عن كل مسكر، وما أرى المفتر إلا كالمسكر)، أو نحو ذلك؛ وربما كان الحكم بن عتيبة، وهو مدلس، لم يسمعه من شهر، فأسقط الواسطة.
لذلك نستخير الله ونقول أن شهر بن حوشب الأشعري، صدوق، يحتج بحديثه، ويتدين به، إلا إذا قام البرهان على خلاف ذلك. وقد روى له البخاري في الأدب ومسلم مقرونا بغيره والجمهور. وولادته حوالي سنة 18 هـ، فلا يصح أنه أرسل عن أحد إلا عن معاذ بن جبل، وبلال بن رباح، وسلمان الفارسي، ومن كانت وفاته في خلافة عثمان بن عفان، أو قبل ذلك؛ ولعل عمرو بن عبسة من هؤلاء، كما قال الإمام أبو زرعة الرازي، لأن تاريخ وفاة عمرو بن عبسة، رضي الله عنه، مجهول، والله أعلم وأحكم.

هذا فيما يتعلق بشهر بن حوشب على الوجه العموم، أما بخصوص الحديث محل البحث:
* كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص64/ح11627) من طريق شهر بن حوشب عن أبي سعيد: [حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر قال سمعت أبا سعيد الخدري وذكرت عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمطي ان تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا؛ ولا ينبغي لامرأة دخلت الإسلام ان تخرج من بيتها مسافرة الا مع بعل أو مع ذي محرم منها ولا ينبغي الصلاة في ساعتين من النهار من بعد صلاة الفجر إلى أن ترحل الشمس ولا بعد صلاة العصر إلى ان تغرب الشمس ولا ينبغي الصوم في يومين من الدهر يوم الفطر من رمضان ويوم النحر].
* ويصدقه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص490/ح1326) في قصة: [حدثنا زهير حدثنا جرير عن ليث عن شهر قال أقبلت أنا ورجال في عمرة فمررنا بأبي سعيد الخدري فدخلنا عليه، فقال: (أين تريدون؟!)، قلت: (نريد الطور!)، قال: (وما الطور؟! سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد المدينة وبيت المقدس؛ ولا تصلح الصلاة في ساعتين من النهار بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس ولا يصلح الصوم في يومين من السنة يوم الفطر من رمضان ويوم الأضحى من ذي الحجة؛ ولا تسافر المرأة سفرا في الإسلام إلا مع بعل أو ذي محرم)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص93/ح11901) مختصراً؛ وربما غيرهم.
فقد استمات الألباني، اتباعاً للهوى، في تضعيفه:
* حيث قال في أحكام الجنائز (ص 188): [والطريق الرابعة: يرويها شهر بن حوشب، وعنه اثنان: أحدهما: ليث بن أبي سليم عنه قال: (لقينا أبا سعيد ونحن نريد الطور،فقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: لا تعمل المطي إلا) الحديث.
والاخر: عبد الحميد بن بهرام عنه قال: (سمعت أبا سعيد الخدري وذكرت عنده صلاة الطور، فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام). الحديث. أخرجهما أحمد (3/93،64).
وشهر ضعيف، وقد تفرد بهذه الزيادة (إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة) فهي منكرة لعدم ورودها في الطرق الاخرى عن أبي سعيد، حتى ولا في طريق ليث عن شهر، وكذلك لم ترد في الاحاديث الاخرى، وهي ثمانية وغالبها لها أكثر من طريق واحد، وقد سقتها كلها في (الثمر المستطاب) فعدم ورود هذه الزيادة في شئ من هذه الاحاديث على كثرتها وتعدد مخارجها لأكبر دليل على نكارة الزيادة وبطلانها. فهي من أوهام شهر بن حوشب أو الراوي عنه عبد الحميد، فإن فيه بعض الضعف من قبل حفظه، وقال الحافظ في ترجمة شهر من (التقريب): (صدوق كثير الاوهام)]
فنقول:
(1) - حتى لو قبلنا تلخيص الحافظ لحال شهر بأنه (صدوق كثير الاوهام)، وقد بينا أعلاه أن حاله أحسن من هذا بكثير، ورضينا بتقليده من غير مراجعة ولا تمحيص، فما كان ينبغي أن يقول: (وشهر ضعيف) أصلاً، فهذا تدليس؛
(2) - قوله: (حتى ولا في طريق ليث عن شهر) يدل على البحث المبتسر، وعدم الاستقصاء للروايات، وهو الواجب في مثل هذه المسألة التي كثر فيها الخلاف؛ فقد تابع ليث عن شهر بلفظ مقارب، حيث قال: (إلى مسجد يذكر الله فيه)، كما هو عند أبي يعلى؛
(3) - جملة: (فإن فيه بعض الضعف من قبل حفظه) موهمة، لأن ضمير الكناية لا بد من إرجاعه إلى عبد الحميد بن بهرام، لأنه أقرب مشار إليه؛ فإن كان كذلك فهو خطأ، لأن عبد الحميد بن بهرام صدوق، لم يذكر بضعف في الحفظ أصلاً، أجمعوا على توثيقه، ومن تكلم فيه فلروايته عن شهر بن حوشب فقط، فقد روي، مثلاً، عن شعبة أنه قال: (نعم الشيخ عبد الحميد بن بهرام ولكن لا تكتبوا عنه فإنه يروي عن شهر بن حوشب)، كما هو في الضعفاء الكبيرللعقيلي (ج3/ص42)، وهذا هو رأي شعبة في شهر، ومثله رأي ابن عدي؛
(4) - كما يدل كلامه عن (عبد الحميد بن بهرام) على البحث المبتسر، وعدم الاستقصاء لأقوال العلماء، وهو الواجب في مثل هذه المسألة التي كثر فيها الخلاف؛ ولو أنه بحث واستقصى لعلم أن عبد الحميد بن بهرام هو الحجة والمرجع في حديث شهر بن حوشب. وقد سبق أن أوردنا ما قاله أبو طالب عن احمد بن حنبل: (عبد الحميد بن بهرام أحاديثه متقاربة هي حديث شهر، وكان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وانما هي سبعين حديثا وهي طوال وفيها حروف ينبغي ان تضبط لكن يقطعونها). وكما وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبى عن عبد الحميد فقال هو في شهر بن حوشب مثل الليث بن سعد في سعيد المقبري قلت ما تقول فيه فقال ليس به بأس أحاديثه عن شهر صحاح لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها أملى عليه في سواد الكوفة) كما هو في الجرح والتعديل (ج6/ص8/ت42)، فهي إذاً من كتاب، كما سبق ذكر نحو هذا أيضاً في تاريخ بغداد.
(5) - ليس في هذه الجملة: (إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة) نكارة، ولا حتى غرابة، وما هي إلا بسط للكلام، وزيادة إيضاح للمعنى، إذا فهم الحديث فهماً صحيحاً، كما يقتضيه كلام العرب الذي خوطبنا به في القرآن والسنة. فليس فيها تخصيص لمعنى الروايات الأخرى أصلاً، لأن الكلام في الروايات الأخرى المتواترة إنما هو عن المساجد فقط، ولا كلام عن الأماكن والبقاع غيرها، وهو بيان للأفضلية، وليس لتحريم شد الرحال أصلاً.
* وقد صرح الألباني بدوافعه في إرواء الغليل (4/143) حيث قال: [وهو بهذا اللفظ ضعيف فيه شهر بن حوشب وهو سيء الحفظ لا سيما وقد خالف جميع الثقات فيه وزيادته ما يخصص معناه
قلت: فهو إذاً، للأسف الشديد، يسعى جاهداً، اتباعاً للهوى، بدلاً من السعي في نصرة الحق، في إبطال ما ظنه (تخصيص المعنى) لإنقاذ الخطأ الذي تورط فيه الإمام ابن تيمية، مع قلة من العلماء الذين غلبت عليهم العجمة، فلم يفهموا الحديث فهماً صحيحاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

|فصل: زيارة فاطمة، رضوان الله وسلامه عليها، لقبر عمها حمزة:
* جاء في المستدرك على الصحيحين: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران حدثنا تميم بن محمد حدثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه: [أن فاطمة بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده]، وقال الحاكم: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. (في الأصل: سليمان بن داود عن جعفر؛ سقط منه عن أبيه)
* كما جاء في المستدرك على الصحيحين أيضا من طريق ثانية: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي حدثني علي بن شعيب حدثنا بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه: [أن فاطمة بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده] وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولكن قال الذهبي في التلخيص:سليمان بن داود مدني تكلم فيه.
قلت: نعم، ولكنه كلام غير مفسر لا يضر:
ــ ففي الجرح والتعديل: سليمان بن داود بن قيس الفراء روى عن عبد الله بن يزيد بن هرمز ويحيى بن سعيد روى عنه بن وهب ومحمد بن إسحاق المسيبى سمعت أبي يقول ذلك وسئل عنه فقال: (شيخ لا أفهمه كما ينبغي)، قال أبو محمد: وروى عن موسى بن عقبة وأبيه داود بن قيس وعبيد الله بن عمر وعطاف بن خالد روى عنه إسماعيل بن أبى أويس
قلت: قول أبي حاتم: (شيخ لا أفهمه كما ينبغي)، إقرار بعدم معرفة حاله على وجهها، فهو توقف عن الحكم، وليس جرحاً، ولعل ذلك لقلة حديثه جداً!
ــ وفي لسان الميزان، قال: (الأزدي تكلم فيه). قلت الأزدي متعنت، ولم يفسر جرحه هذا!
ــ وفي التاريخ الكبير: قال محمد بن إسحاق المسيبي عن سليمان بن داود بن قيس عن أبيه عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، يصلي على حمار والقبلة خلفه وهو إلى خيبر وقال الحسن بن صباح أخبرنا إسماعيل بن عمر عن داود هو بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوه وروى أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن داود بن قيس عن يحيى عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال مالك وعبد الوارث عن يحيى رأى أنسا وهو أصح.
قلت: رواية سليمان بن داود بن قيس لهذا الحديث (صلاة النبي على الدابة لغير القبلة) لم ينفرد به، بل قد توبع، تابعه إسحاق بن سليمان، ولم ينفرد بها أبوه داود بن قيس، وهو ثقة، بل تابعه داود بن عجلان مع ضعفه. والأولى أن يقال: كلاهما صحيح، فالظاهر أن يحيى بن سعيد الأنصاري رأى أنسا يصلي هكذا ثم حدثه أنس بما رأى من فعل النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، فروى يحيى تارة هذا وتارة هذا، والله أعلم. وصلاة النبي على الدابة حيثما اتجهت مشهور منقول في أكثر كتب السنن.
هذا كل ما وجدناه من «الكلام» عن سليمان بن داود بن قيس، وهو كما ترى لا يضر كثيراً، كما وجدناه قد وثقه ابن حبان، والحاكم، وروى عنه الثقات: شيخ مسلم محمد بن إسحاق المسيبي المخزومي، محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو من رجال البخاري ومسلم، وكذلك ابن وهب وإسماعيل بن أبي أويس (وفق ما ذكره ابن أبي حاتم). فظهر بذلك أنه إلى الوثاقة أقرب وأنه صدوق، جيد الحديث، قليله جداً، والله أعلم وأحكم.

__________________
قاسم سليمان الطويل آل طناش الزيدي الحسيني- البيرة - فلسطين
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-04-2015, 12:10 PM
بهنوس الجزائري غير متواجد حالياً
كاتب في النسابون العرب
 
تاريخ التسجيل: 02-04-2015
العمر: 29
المشاركات: 56
افتراضي

الحمد لله على نعمة الإسلام و نعمة السنة
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-06-2015, 02:42 PM
عبدالاله بن ماجد غير متواجد حالياً
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: 03-02-2015
المشاركات: 30
افتراضي

جزاك الله خير
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد....منقول للفائدة قاسم سليمان مجلس العقائد العام 0 10-05-2012 01:20 AM
اتحاف عقلاء البشر بأخبار المهدي المنتظر منقول للفائدة قاسم سليمان الاسلام باقلامنا 0 10-05-2012 12:12 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 10:37 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه