الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
عاد الثانيه .
بقلم : خلدون عبدالله شحاده الدويري
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: يامن لكم الخبره في كشف تزويرالمشجرات هلموا فهناعملية تزوير (آخر رد :أبو شاكر)       :: الاعلان عن بدء اسبوع حب الرسول صلى الله عليه وسلم (آخر رد :الجارود)       :: ارغب في التعرف على حقيقة الانتماء إلى ال مهنا الاشراف (آخر رد :علاء على الانصاري)       :: قرى الضبعية فى مصر (آخر رد :الضباعي)       :: فروع جهينة القديمة و الحديثة (آخر رد :ابن جنـاب)       :: قبيلة الغابات (آخر رد :الضباعي)       :: آل فراج الضباعي (آخر رد :الضباعي)       :: هل ال الرشيد حكام نجد السابقين من الاشراف ؟ (آخر رد :البراهيم)       :: الهكسوس والفراعنة في القرآن ! (آخر رد :أبو مروان)       :: ما قاله العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف (آخر رد :أبو مروان)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس التاريخ العربي > مجلس التاريخ القديم

مجلس التاريخ القديم يعنى بالتاريخ من بدء الخليقة الى قبيل البعثة المحمدية


إضافة رد
  #1  
قديم 29-01-2010, 05:34 PM
الصورة الرمزية محمد محمود فكرى الدراوى
محمد محمود فكرى الدراوى غير متواجد حالياً
عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 10-12-2009
العمر: 54
المشاركات: 2,626
الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

من كتاب : الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم .
الكاتب : عبدالعزيز ابراهيم العمري


الحرف العامة :


1- الحدادة :

الحدادة هي معالجة الحديد كما فهمها اللغويون ويعني ذلك صناعة الحديد وتشكيله بأشكال مطلوبة للانتفاع بها ويسمى عامل ذلك ( الحداّد ) .
وقد كانت الحدادة قديمة بين الناس نظراً لأنها تسّد حاجات كثيرة لا غنى للإنسان عنها وأكثر ما توجد الحدادة في المدن والحضر وتكاد تنعدم عند العرب في البادية , ونظراً لقلة الحاجة إليها فإنهم يجلبون ما يحتاجون إليه من أدوات قليلة من المدن .
كما ان الأعراب خاصة والعرب عامة كان لديهم احتقار لأهل الصنائع كلها وبالدرجة الأولى ( الحداد ) فكانوا يعيرونه ويعتبرونه من طبقة وضيعة وكانوا يسمونه ( القين ) .
وقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم تغيير نظرة الناس إلى الحداد بدفعه ولده ابراهيم الى امرأة قين في المدينة يدعى أبا سيف , لكي ترضع ابراهيم في الوقت الذي كان الناس يدفعون اولادهم إلى أشراف القبائل وزعمائهم ليرضعوا اولادهم . وكانت الحدادة منتشرة في مدن الحجاز المختلفة وتلبي احتياجات الناس المختلفة , وكان معظم الحدادين إما أرقاء أو من أصل غير عربي نظراً لأحتقار العرب لهذه الصنعة ولمن يقوم بها , وللأسف فهذا الأحتقار لا زالت له بقية عند البوادي والأعراب الذين ما زالوا ينظرون الى الصانع باحتقار ويعيرونه وهي عادة من بقايا الجاهلية عندهم وقد استغل هذا الجانب غير العرب فكانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يقومون بهذه الصنعة وتدر عليهم الكثير من الأموال , وقد أستغل اليهود ذلك فعملوا بالحدادة واحتكروها لأنفسهم فكانت مصدر دخل كبير بالنسبة لهم , فكانوا مختصين في صناعة الاسلحة المختلفة والأدوات الزراعية حتى أصبح لديهم مستودعات يطلب الناس منهم السلاح والآلات في وقت الحاجة فيدفعونها لهم بأسعار غالية , كما اننا حين نرى الحدادين الآخرين نكاد لا نجد فيهم عربياً وإنما معظمهم اما من اليهود أو الموالي .
وعند الكلام على قوله تعالى : (( وقال الذين كفروا إن هذا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءو ظلماً وزوراً )) آية 4 / سورة الفرقان
وقوله تعالى : (( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين )) آية 4 / سورة النحل
نجد ان المفسرين ذكروا اسماء ليهود أو لموال مختلفين في اسمائهم كانوا صناعا او صياقل في مكة زعم المشركون انهم كانوا يعلمون محمداً صلى الله عليه وسلم , فرد عليهم القرآن الكريم بهذه الآيات .
ومن ذلك نرى وجود صناع من الموالي في مكة قبل الهجرة النبوية بينتهم لنا كتب التفسير بل ربما ذكرت أسماءهم مع اختلاف فيها .
واما الحدادون الذين عاصروا الرسول فنجد منهم الصحابي الجليل ( خباب بن الأرت ) الذي كان حداداً في مكة في أول الدعوة وكان يعمل للناس كثيراً من الحاجات من السلاح والأواني , وقد عمل ( للعاصي بن وائل ) بعض الأشياء فقال له العاصي لا أعطيك حقك حتى تكفر بمحمد ؟ فقال له خباب لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث ؟ فقال العاصي دعني حتى اموت وأبعث فسأوتي مالا وولدا , فأقضيك فوالله لن تكون آثر عند الله مني , فنزلت قوله تعالى : (( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لآوتين مالاً وولدا )) آية 77 / سورة مريم
وقد كان منهم أيضاً أبو سيف وهو قين في المدينة من الأنصار زوج ام سيف مرضعة ابراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم , وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يزرو ابنه عندهم وقد ذكر انس بن مالك رضي الله عنه ان الرسول أتى إلى بيت أبي سيف وكان ينفخ في كيره وقد أمتلأ البيت دخاناً .
كما ذكر من الحدادين ( مرزوق الصيقل ) وقد ذكر انه صقل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ذو الفقار ) .
ومن الحدادين في الطائف كان الأزرق بن عقبة الثقفي وكان رومياً حداداً وهو من رقيق أهل الطائف الذين نزلوا الى الرسول صلى الله عليه وسلم اثناء حصاره للطائف فأعتقهم .
ومما يدل على كثرة الحدادين في الحجاز في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرسول حين أفتتح خيبر احضر منها ثلاثين حداداً وجعلهم في المدينة يصنعون للناس وينتفع بهم الناس في عمل كثير من حاجاتهم , وهذا العدد يدل على عظم الحدادة وازدهارها في خيبر في ذلك الوقت فإذا كان قد توافر هذا العدد الكبير من الحدادين لخيبر وليست بأكبر مدن الحجاز ولا أغناها , فمن المحتمل جدا توافر اكثر من هذا العدد في مدن الحجاز الكبرى مثل مكة والمدينة والطائف وغيرها .
وقد كان هؤلاء الصنّاع يلبون حاجات المزارعين من آلات تفيدهم في الزراعة كالمسحاة والفأس وغيرها وهي مما يستفاد منها في البناء والحفر أيضا .
كما انهم كانوا يقومون بصناعة وصيانة الأسلحة المختلفة فهم يصنعون السيوف والسكاكين ويصقلونها , ويصنعون الخناجر , كما انهم كانوا يقومون بصنع الدروع والمغافر وما يتعلق بها من اسلحة الدفاع عن النفس , كما يقومون بصناعة الرءوس الحديدية والسهام وصقلها بطريقة معينة .
كما يقومون بصناعة الكثير من الحاجيات والأواني مما تحتاج إليه المنازل كالقدور وغيرها , فقد ذكر أنه كان لعبدالله بن جدعان ( وهو من أشراف مكة ) جفنة للأضياف يستظل بظلها في الهاجرة يأكل منها الراكب على البعير من عظمها , كما كان الحدادون يقومون بعمل اللجم اللازمة للدواب من الخيل وغيرها ويصنعون القطع الحديدية التي تدخل في تركيب اللجام , كما ان النجارين يصنعون كراسي خشبية يضع لها الحدادون أرجلاً من حديد , وقد جلس الرسول صلى الله عليه وسلم على كرسي بهذا الشكل في مسجده .
أما أدوات الحدادة فكانت معروفه لدى حدادي الحجاز في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولولا معرفتهم بهذه الأدوات المساعدة لهم في عملهم ما تمكنوا من هذه الصنعة .
فهم يعرفون ( الكير ) وهو جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه الحداد وقد يكون مبنياً من الطين ويسمى ( كور ) وهو يساعد على رفع درجة حرارة النار التي يحمى عليها الحديد فتساعد على تليين الحديد , وقد ورد ذكر الكير في قصة زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم لبيت أبي سيف الحداد السابقة , كما ورد ذكره في حديث تمثيل الجليس السوء بنافخ الكير .
كما عرفوا المطرقة بل صنعوها أيضاً بأشكال مختلفة تلبي مختلف الحاجات وعرفوا أدوات أخرى تساعدهم في صنعتهم , فكانوا يلبون حاجات الناس المختلفة بخبراتهم القليلة وما يتوفر في بيئتهم .





2- الصياغة :

هي حرفة الصائغ , وصاغ الشيئ أي هيأه على مثال مستقيم , وسكبه عليه فانصاغ .
والصياغة تأتي بمعنى حسن الصيغة أي حسن العمل , ويطلق لفظ الصائغ على من يحترف الصياغة ويعمل في سبك الذهب أو الفضة وغيرها من المعادن الثمينة .
والصياغة والعمل بالمعادن الثمينة كانت قديمة في مختلف المم السابقة ويظهر ذلك من خلال ما بقي من أثر للفراعنة او لليونان او الفرس وغيرهم من الأمم القديمة ذات الحضارة .
ويبدو ان أهل الحجاز لديهم معرفة بالصياغة وطرقها ووجد لديهم صواغ قبيل ظهور الإسلام وبعد ذلك حيث ان أهالي الحجاز في العصر الجاهلي عرفوا الحلي الذهبية والفضية والنحاسية وغيرها مما يدل على وجود أناس كانوا يعملون هذه الأشياء إضافة الى أن بعضاً من هذه الحلي كان مستورداً من بلاد أخرى , وقد كان يتعاطى هذه الصنعة أرذل الناس عند العرب كاليهود والموالي أما الأشراف فإنهم يربؤون بأنفسهم عن ذلك .
وفي المدينة المنورة اشتهر اليهود بإجادتهم للصياغة حيث ان هناك عدداً كبيراً من الصواغ من بني قينقاع وغيرهم من يهود حيث نرى أن المؤرخين يذكرون في سبب غزو الرسول لبني قينقاع ( أن امرأة من المسلمين جلست الى صائغ من بني قينقاع فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى ربط ثوبها الى ظهرها , فلما قامت انكشفت عورتها .... القصة ) وحينما أجلى الرسول يهود بني قينقاع من المدينة وجد الرسول في منازلهم كثيراً من السلاح وآلات الصياغة وهذه الآلات تدل على أحترافهم للصياغة , يقول ابن الأثير : ( وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما كان لهم من مال ولم يكن لهم أرضون وانما كانوا صاغة ) .
وفي حديث عن علي رضي الله عنه قال : لما أردت أن أبتني لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي فناتي بأذخر أردت ان أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرس )
وهكذا نرى من خلال هذه النصوص أن يهود بني قينقاع من أشهر الصواغين في المدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم .
كما ان مكة المكرمة كان فيها مجموعة من الصواغين كشان المدينة وغيرها وكان صواغ مكة يستعملون الأذخر في عملهم , يدل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنها : ( إنه لا يختلي خلاؤها ولا يعضد شجرها فقال العباس : إلا الأذخر فإنه للقيون وظهور البيوت فرخص في ذلك ) وهذا يدل على أن هناك صواغاً وصناعاً في مكة يحتاجون الى الأذخر فرخص لهم الرسول صلى الله لعيه وسلم في ذلك , وقد كان في المدينة مجموعة من الصواغ ورد ذكر لهم من خلال النصوص منهم أبورافع الصائغ من المخضرمين , عاصر الرسول وأبابكر وعمر وكان عمر رضي الله عنه يمازحه ويقول : ( أكذب الناس الصائغ يقول اليوم غداً ) .
كما ان مدن الحجاز الأخرى كالطائف وخيبر ووادي القرى وغيرها لم تكن تخلو من صواغ يقومون بعمل حلي النساء وغيرها مما يختصون بعمله .
وانتاج الصواغ في الحجاز كغيرهم يتعلق بأمور كثيرة من حاجيات الناس فكان على رأس الأشياء التي يصوغونها الذهب والفضة وكانوا يعملون منه العديد من الحلي المختلفة التي اشتهرت في بلاد الحجاز أيام الرسول , من خواتم وأسوار وقلائد وغيرها من الحلي , كما كانوا يعرفون الخلاخل للنساء يقول تعالى : (( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )) آية 31 / سورة النور
ويدور المفسرين حول هذه الآية على نهي النساء عن أن يضربن بأرجلهن في المشي حتى لا يسمع صوت خلاخيلهن , فكأنهم يخبروننا ان النساء على هذه الحال من أظهار صوت الخلخال , فنزلت هذه الآية في النهي عن ذلك .
وقد أشتهر عن بعض النساء كثرة حليهن ومنهن ( بدية بنت غيلان بن مظعون الثقفية ) و ( الفارعة بنت عقيل الثقفية ) وقد طلبت احدى الصحابيات من النبي صلى الله عليه وسلم اثناء حصاره الطائف ان فتح الله عليه الطائف ان يعطيها حلي احدى هاتين المرأتين لانهما كانتا من اكثر النساء حلياً .
ووجدت الحلي عند الكثير من النساء في المدينة وفيها حلي من ذهب وفضة وقد وردت أخبار ذلك في كتب الحديث واكثرها فيما يتعلق بزكاة الحلي , فذكر عن (زينب بنت معاوية الثقفية) زوجة ( عبدالله بن مسعود ) رضي الله عنه ان عندها حلياً من ذهب وفضة , وكان منها طوق من ذهب فيه عشرون مثقالاً .
وقد كان الصواغ يعملون بعض الأشياء الأخرى غير الحلي , من ذلك عمل بعض الإصلاحات للأسنان والأنف من الذهب , وقد كان هذا معروفاً في الأمم القديمة , وربما عرف ذلك في زمن النبي صلى الله لعيه وسلم حيث ان عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يربط أسنانه بالذهب .
كما ان الصواغ صنعوا أنفاً صناعية من الفضة ومن الذهب زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة فقد كان ( الضحاك بن عرفجة ) قد أصيب أنفه في أحدى الغزوات فقطع , فصنع له أنف من فضة , فأنتن عليه , فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب .
وقد كان الصواغ يقومون بصناعة الخواتم ويكتبون عليها اذا طلب منهم ذلك , ولا ادل على هذا من صناعة خاتم النبي صلى الله عليه وسلم , فحينما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الكتابة الى ملك الروم قيل له انهم لا يقرؤون الكتاب الا اذا كان مختوماً .
فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصنع لهم خاتم , فصنع له خاتم من الفضة ونقش عليه ( محمد رسول الله ) وكل كلمة في سطر .
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أحد خاتماً عليه نقش مثل نقشه , وقد ظل هذا الخاتم عند ابي بكر ثم عند عمر ثم عند عثمان حتى سقط من يده في بئر أريس في المدينة وحاول المسلمون استخراجه فلم يستطيعوا .
وقد كان المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذون خواتم بأسمائهم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد دلت على ذلك الأحداث التي وقعت في عهد عثمان رضي الله عنه .
وقد استخدم بعض الجاهليين أواني الذهب والفضة فكان في مكة وغيرها من مدن الحجاز بعض الأثرياء الذين يستعملون أواني الذهب والفضة وكان يعملها لهم بعض الصاغة , وقد حرم الإسلام أواني الذهب والفضة وشدد الرسول في ذلك مما يؤكد ان بعض الناس كان يستعملها في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم , كما ان الصواغ كانوا يقومون بتحلية السيوف وتزيينها بالذهب أوالفضة وذلك أفتخاراً من العرب بالسلاح وتكريماً له , فقد كان سيف ابي جهل الذي غنمه المسلمون بعد معركة بدر مزيناً بالفضة وفيه حلق منها , كما ان سيف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دخل به مكة يوم الفتح كان محلى بالذهب والفضة , وكذلك الحال بالنسبة لبعض الأقواس أو الرماح التي كان بعضهم يحليها بالذهب او الفضة وذلك لاعتزازه ولدواعي الفخر بهذا السلاح .
وقد عرف الصواغون الكثير من الأدوات التي تساعدهم في صنعتهم فكانوا يستعملون ( الكير ) لاذابة المعادن بفعل الحرارة وسكبها على الشكل المطلوب , كما انهم أستعملوا مطارق صغيرة خاصة بهم وذلك لدقة عملهم , ويسمون اصغر المطارق عندهم ( العسقلان ) كما يستعمل الصواغ منفاخاً صغيراً وهو عبارة عن حديدة مجوفة ينفخ فيها الصائغ وتسمى ( الحملاج ) , كما عرفوا بعض الآلات الصغيرة التي تدخل في الخواتم والأساور اثناء تصنيعها او نقشها .
كما ان الصواغ كان لديهم ما يستعينون به في الكتابة على الخواتم او الحلي بدليل خاتم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا سابقاً انه نقش له في المدينة وما ذكرناه عن الصواغ وما يتعلق بهم قد تكون النصوص أجبرتنا على تحديدة إما في مكة او المدينة او الطائف إلا أن مدن الحجاز وقراها الأخرى كخيبر ووادي القرى يمكن ان يكون قد وجد فيها صواغ مهرة خصوصاً إذا علمنا ان سكان خيبر ووادي القرى من يهود وهو اناس يجيدون صناعة الحلي وحرفة الصياغة .

3- التعدين :

هو أستخراج المعادن الخام من مناجمها وتنقيتها والاستفادة منها , وحيث ان بلاد الحجاز لا تخلو من المعادن , فإن التعدين قد عرف في العصر النبوي ويتبين لنا ذلك من النصوص حيث ذكر أن ( أبا الحصين السلمي ) قدم بذهب من معدن فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم , وهو يطلقون لفظة ( معدن ) ويريدون به المنجم أو ما يؤخذ منه المعدن .
كما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقطع ( بلال بن الحارث المزني ) معادن القبيلة , وهي من اعمال الفرع بالمدينة وهي جبال بين المدينة وينبع , وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً بذلك , وقد كان من المعادن المعروفه والمستغلة منذ القدم معدن ( فران ) وهو لبني سليم وهو فيما نجد والحجاز , وهو منجم للذهب ويسمى عند المؤرخين معدن بني سليم ويسمى حالياً ( مهد الذهب ) وقد طور أخيراً بحيث يخرج كميات كبيرة من الذهب .
وكان هناك معدن لبني كلاب قرب المدينة يقال له ( الأحسن ) , وهناك معدن بناحية الفرع على مقربة من المدينة يقال له ( بحران ) وقد ورد ذكر له من خلال نصوص السيرة النبوية مما يدل على أنه كان معروفاً بأنه معدن وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم غزوة سميت غزوة الفرع .
يقول أبن هشام ) ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قريشاً ...... حتى بلغ بحران معدن بالحجاز من ناحية الفرع ) كما ورد ذكر عن معدن يقع بين مكة والطائف يقال له ( المعدن ) معدن ( البرم ) وتشترك قريش وثقيف سكن معدن البرم وربما في استغلاله .
وقد ذكر عن تجارة قريش المتجهة إلى الشام أن أكثرها فضة فلا يستبعد ان تكون قد أستخرجت من مناجم بقرب مكة أو الطائف نظراً لارتباطها التجاري , والمتوقع أنه في حال استغلال هذه المناجم في الحجاز او غيرها من قبل بعض القبائل فلا بد ان يكون الاستغلال بدائياً نظراً لإمكاناتهم القليلة , وصعوبة الحفر والتنقيب في تلك الأيام لأن الأعمال كلها يدوية والخبرات قليلة ولا يستبعد استعانتهم ببعض الموالي في العمل .




4- الدباغة :

( الدباغة ) حرفة تقوم على أساس إصلاح جلود الحيوانات وإبعاد الصوف والشعر منها وتليينها وتنظيفها وتبديل رائحتها لكي تكون صالحة للاستفادة منها , والمكان الذي يتم إصلاح الجلود فيه ودبغها يسمى المدبغة .
وتتم هذه العملية بواسطة طرق خاصة وباستخدام بعض الأشجار المعينة والنباتات التي تفيد في هذه العملية , كما انهم أستخدموا بعض الأحجار الخاصة كالجير وغيره وهي تساعد في هذه العملية بعد سحقها وكانت أهم الأشجار المعروفة لديهم والمستفاد منها في الدباغة شجر ( القرظ ) وهي اجود ما يدبغ بثمره وورقه , وينبت في الصحاري والقيعان من بلاد العرب وكان يباع في الأسواق في مدن الحجاز وقد أشتهر عن احد الصحابة أنه كان يبيع ( القرظ ) ويربح منه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم ذلك لما أصابه الرزق منه , حتى أصبح يسمى سعد القرظ , وربما سمي شجرة ( السلم ) , وقد كان بعض نساء المهاجرين في المدينة يقمن بدبغ الجلود مما يدل على انهن كن يجدن هذه الصنعة بمكة وانهن كن يعملنها ثم نقلنها إلى المدينة فكن يدبغن الجلود بها أيام الرسول صلى الله عليه وسلم , فهذه أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه تقول : ( لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بغت أربعين منا ) وتعني بذلك أربعين رطلا من دباغ .
وقد ذكر عن ام المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها : انها كانت تعمل الأديم الطائفي , كما أن أم المؤمنين زينب بنت جحش كانت تدبغ الجلود وتخرزها وتتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين .
وقد أشتهرت مدينة الطائف بوجود المدابغ الكثيرة فيها وبكثرة إنتاجها من الأديم , يقول عنها الهمداني ( الطائف مدينة قديمة جاهلية وهي بلد الدباغ يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة ) وهكذا نرى وصف الهمداني لها بأنها بلد الدباغ مما يدل على كثرته فيها وشهرتها بالدباغ , وهو الحرفة الرئيسة لأهل الطائف بعد الزراعة إذ تعتمد عليه تجارتهم اعتماداً كبيراً حيث ان الجلود المدبوغة تصدر من الطائف عن طريق تجارة قريش وعن طريق سوق عكاظ وغيره من الأسواق المجاورة للطائف , حيث أن أديم الطائف كان يصل إلى الشام وفارس وإلى الحبشة , فكان ضمن هدايا قريش إلى النجاشي في الحبشة الأدم وهي الجلود المدبوغة وذلك حينما بعثوا عمرو بن العاص إلى النجاشي في محاولة من قريش لإيذاء المهاجرين المسلمين إلى الحبشة .



5- الخرازة :


هي خياطة الجلود وتفصيلها و( المخرز ) ما يخرز به الجلد ( والخراز ) هو المحترف لخياطة الجلود وتفصيلها , ولا تزال كلمة خرّاز تستعمل حتى الآن لمن يعمل بالجلود في صنع الأحذية او الأحزمة أو غيرها من المصنوعات الجلدية , وقد كانت هذه الصناعة من الحرف الموجودة في الحجاز إذ عن طريقها يتم الاستفادة من الجلود فجميع منتجات الجلود لا بد من مرورها على الخرازين لكي تتم صناعة الأشياء منها من اثاث وأحذية أو أحزمة او غيرها .
وقد كانت كثير من النساء تقوم بعملية ( الخرازة ) فقد كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش ممن يجيد ( الخرازة ) وتعمل بها وتتصدق من ذلك , ويدل على أنها كانت تجيد هذه الصناعة في مكة ثم احترافها في المدينة وربما وجد الكثير من النساء الأخريات في مكة والمدينة يجدن هذه الصناعة .
وقد كانت الكثير من الحاجيات تنتج عن خرازة الجلود وهي تلبي متطلبات ذلك الزمان , وأهم ما كان يصنع من ذلك ( القِربْ ) وهي التي تنقل فيها الماء من مكان إلى آخر , كما يخزن فيها الماء وغيره من السوائل سواء في السفر أم الحضر , عند البوادي أو الحواضر , وذلك لما تتميز به القرب من مرونة وليونة وخفة الوزن وقدرة على حفظ السوائل , وقد وردت عدة نصوص تدل على استخدام القرب في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وانها هي المستعملة في حفظ الماء والسمن والنبيذ وغيرها .
كما استخدمت الجلود أيضاً في صنع الوسائد المختلفة وبعض الفرش فقد كان لدى الرسول صلى الله عليه وسلم وسادة من جلد حشوها ليف , كما كانوا يصنعون الأحذية وقد اشتهر من الأحذية في زمن الرسول النعال ( السبِتية ) وهي المصنوعة من جلود البقر المدبوغة بالقرظ , فقد ورد أن عبدالله بن عمر كان يحب أن يلبس النعال السبتية فسئل عن ذلك ؟ فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويتوضأ فيها , وقد كانوا يصنعون الخفاف من الجلود ويستعملها الصحابة ومنهم رافع بن خديج رضي الله عنه الذي قام على خفين له فيهما رقاع لكي يجيزه الرسول صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى معركة أحد .
ويبدو أن النساء كن يلبسن النعال , بل إن هناك نعالا تصنع خصيصاً للمراة وهي ( أحذية خاصة بالمرأة ) فقد سئلت عائشة رضي الله عنها هل تلبس المراة نعل الرجل ؟ فقالت قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المترجلة من النساء .
والمترجلة هي التي تتشبة بالرجال , فدل هذا الحديث على معرفة الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للأحذية الخاصة بالنساء والأحذية الخاصة بالرجال .
كما انهم كانوا يصنعون المحازم والمناطق الجلدية ويحلونها فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم منطقة من اديم فيها ثلاث حلق من فضة وطرفها من فضة .
وقد كانت الكعبة تكسى احياناً بالجلود فلما فتحت مكة كساها الرسول صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية , وقد كانت بعض بيوت الأغنياء في البوادي تصنع من الأديم وتسمى ( الطراف ) , وقد استخدمت الجلود في صنع الدلاء وهو ما يستخرج به الماء من البئر بواسطة الحبال أو غيرها وكانت الحاضرة والبادية لا تستغني عنه .
كما ان الجلود دخلت في صناعة سرج الخيل ولجامها فلا غنى عنها خصوصاً في اللجام الذي غالباً ما كانت أكثر أجزائه من الجلد , كما أن الجلود دخلت في صناعة السلاح بكثرة فاستعملت لتغليف أعمدة السيوف ولكساء الدبابات من الخارج وفي صناعة بعض التروس وصناعة الكنانة للسهام وغيرها من الصناعات الحربية .



6- النسيج والخياطة :


النسيج والخياطة حرفتان متكاملتان تدعم إحداهما الأخرى , فالخياطة لا بد لها من نسيج مسبق والنسيج لا تتم الفائدة منه إلا بالخياطة في الغالب ... يقول ابن خلدون : ( هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه ) , ثم يقول : ( وهاتان الصنعتان قديمتان في الخليقة لما أن الدفء ضروري للبشر في العمران المعتدل واما المنحرف إلى الحر فلا يحتاج أهله إلى دفء ) .



النسيج :
حرفة ضرورية احترفها الناس منذ القدم لإيجاد الأقمشة الخاصة بالملابس كما أنها ضرورية لوجود حاجيات أخرى من الأثاث كبيوت الأعراب ( الخيام ) أو البسط وما إلى ذلك من بعض الضروريات وعند دراستنا للغزل والنسيج في بلاد الحجاز أيام الرسول صلى الله عليه وسلم فلابد من معرفتنا لإمكانيات تلك البلاد من توفر المواد الخام للنسيج في بيئتهم , إلى توافر الأيدي العاملة التي تقوم بعمل النسيج , إلى توافر الخبرة الفنية والمهارة اللازمة لهذه المهنة .
وبدراسة سريعة للبيئة في منطقة الحجاز في محاولة لمعرفة مدى توفر المواد الخام نجد ان ( الصوف ) متوفر بكثرة نظراً لوفرة الثروة الحيوانية في المنطقة وبالتالي كان لابد من الاستفادة من هذا الصوف , فقام الناس بغزله والاستفاده منه حسب إمكاناتهم المتوفرة وحسب خبراتهم البسيطة , وقد كانت النساء في الغالب هن اللائي يقمن بعملية الغزل أكثر من الرجال نظراً لتفرغهن , وربما كان الرجال يعيبون على بعضهم عملهم بالغزل فيكلونها إلى النساء , وقد يكون لانشغال الرجال في أعمال أخرى دور في ترك هذه العملية للنساء , وقد كانت النساء يقمن بالنسيج في المدينة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ورد في حديث البخاري : ( عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : جاءت امراة ببردة ... قال : أتدرون ما البردة ؟ فقيل له : نعم هي الشملة منسوج حاشيتها , قالت يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها , فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها فخرج إلينا وإنها ازاره فقال رجل من القوم يا رسول الله أكسنيها فقال نعم , فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه فقال له القوم ما أحسنت سألتها أياه لقد علمت أنه لا يرد سائلا , فقال الرجل والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت , فكانت كفنه )
وقد وضع البخاري باباً لهذا الحديث سماه ( باب ذكر النسّاج ) ويدل هذا الحديث على إجادة بعض النساء للنسيج في المدينة وأنهن كن يقمن بذلك وينتجن بعض الملبوسات المنسوجة .
ومما يؤكد الاستفادة من الأصواف ووجود أناس يعملون بها قوله تعالى في سورة النحل / آية 80 (( والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ))
ويستفاد من الصوف بنسجه بواسطة أداوت خاصة اهمها ( المِغزَل ) وهو ما يفتل به الصوف بحيث يحول إلى خيوط صوفية ثم تنسج فيما بعد , وقد ورد ذكر ( الغزل ) في قوله تعالى : (( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمةٌ هي أربى من أمةٍ إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون )) سورة النحل / آية 92
وهذه الآية تدل على معرفة المخاطبين بالغزل وتدل على أن الغالبية في الغزل للنساء فكانه يقول : ( إنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امراة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً ) , ويرجح وجود رجال يجيدون الحياكة والنسيج بدليل ما ورد عن سنان بن سعد رضي الله عنه ( قال : حكت للنبي صلى الله عليه وسلم جُبة من صوف وجعلت حاشيتها سوداء فلمّا لبسها قال : انظروا ما أحسنها وما أبهجها فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي , قال : فكان إذا سُئل شيئا لم يبخل به فدفعها إليه وامر أن تحاك له جبة أخرى فمات وهي في المحاكة ) وقد يكون الرجل حاك الجبة للرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وقد يكون اوصى أحدا بعملها لكي يقدمها هدية للرسول صلى الله عليه وسلم .
لكن أياً كان الأمر فالنتيجة واحدة وهي وجود مهنة النسيج والحياكة في عصر الرسول في الحجاز , وقد وردت بعض الآثار تدل على أن بعض الصحابة كان يعمل الخز وهو نسيج يعمل من ( ابريسم ) وصوف وذكر من هؤلاء الزبير بن العوام وعمرو بن العاص .
وقد وردت عدة أحاديث ترغّب المسلمين في تعليم فتياتهم ونسائهم الغزل حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( نعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل ) وقد كانت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها تغزل باستمرار فقيل لها عن ذلك فقالت إن المغزل يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس وقد بلغني ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال أعظمكن اجراً أطولكن طاقة , وكان الرسول يحثّ النساء على شغل فراغهن بالغزل .
وقد عرفوا سقي النسيج بمادة خاصة تكسبه القوة والصلابة وتسمى ( الخَزِيرَة ) وهي كالحساء من دقيق ومواد أخرى , كما ان العرب وضعوا أسماء لكل ما يتعلق بالغزل والنسيج من أدوات وسموا أجزاء هذه الأدوات , فمنها مثلاً ( الحِفّ ) وهي الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب , و ( الصنّار ) وهي رأس المغزل و ( النيْر ) الخشبة المعترضة التي في الغزل , و( المداد ) عصا في طرفها صنارتان يمدد بها الثوب .
كما ان هناك الكثير من أسماء أجزاء معينة في ادوات الغزل والنسيج كانت معروفة لدى العرب عموماً في مختلف البلاد قد يطول ذكرها فيما لو أستعرضناها وهي على أية حال مبثوثة في القواميس والمعاجم اللغوية , إلا أنها تؤكد لنا بالدرجة الأولى تمكّن العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام من هذه الحرفة , إلا أنها إذا قارناها ببلدان أخرى , كانت في الحجاز ضعيفة إلى حد ما , إذ لا مقارنة بين الحجاز واليمن مثلاً في مجال النسيج في تلك الأيام ومع ذلك كانت قائمة في الحجاز وتسد بعض الحاجات الاجتماعية فقد كانت تسد الحاجة لبعض الملبوسات البسيطة وخصوصاً عند الأعراب الذين لم يكونوا يهتمون بملابسهم كأهل الحضر , فالبادية من طبيعتهم الخشونة فكانوا يستعملون الأصواف أكثر من غيرهم ,إضافة إلى ذلك فقد كان الصوف غير المصنع يستفاد منه في أشياء أخرى كالفرش والوسائد , فقد بعثت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بفراش محشو صوف , فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ردّيه , ( مخافة أن ينام عن صلاة الليل ) نيجة لليونة الفراش .
كما ان صناعة الحبال كانت من الصناعات الموجودة بكثرة في الحجاز سواء عند البادية أو الحاضرة ولم يكن يستغنى عنها في الحّل والسفر و ( الحبال ) كانوا يصنعونها من الصوف والجلود كما انهم يستخدمون بعض الأشجار والنباتات لصناعة الحبال وهي ما يسمى ( المسد ) وقد ورد في تفسير المسد في قوله تعالى (( وامرأته حمالة الحطب , في جيدها حبل من مسدٍ )) , أن المسد شجر يدق كما يدق الكتان فتفتل منه الحبال .
كما ان الأعراب في البوادي كانوا بحاجة إلى بيوت يسكنونها وهي في الغالب مصنوعة من الشعر او الجلود وهي على أنواع منها ( الخِباء ) ويصنع من صوف , و ( البِجاد ) ويصنع من وبر , و ( الفسطاط ) وهو الكبير من بيوت الشعر , وهذه البيوت التي من الصوف تحتاج إلى عمليات طويلة من الغزل والنسيج والخياطة بطريقة معينة حتى يمكن استخدامها والاستفادة منها ولا يزال بعض الأعراب في البوادي حتى الان يستخدمون بيوت الشعر المصنوعة من الصوف , كما انهم كانوا يصنعون بعض الأثاث من الصوف كالبسط والسجاجيد , وكانت بدائية بسيطة تنسج مما يتوفر من أصواف الماعز وغيرها من الأصواف الخشنة , وقد كانت البسط معروفة في المدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم , وكان الرسول يضطجع على حصير فيؤثر في جلده فقال له عمر بن الخطاب بأبي وأمي يا رسول الله ألا أذنتنا فنبسط لك ( أي نضع لك البسط ) فقال صلى الله عليه وسلم : ما لي وللدنيا .



7-الَخِواصَة :

كما ان هناك حرفة اشتهرت في المدينة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي ( الخواصة ) وهي نسج بعض الأدوات والأثاث من خوص النخيل , فقد كانت المدينة بلداً زراعياً وقد أشتهرت بزراعة النخيل , وقد استفيد من جريد النخيل في عمل الخوص , فكان الخوص ينسج منه بعض الأشياء كالحصر التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها في بيته وينام عليها حتى أثّرت في جلده , وكان الأنصار في المدينة يعملون الخوص وقد تعلم سلمان الفارسي هذه الصنعة منهم واتخّذها حرفة يأكل منها , وقد استمر سلمان الفارسي رضي الله عنه حتى بعد ان أصبح أميراً على المدائن , فكان يقول : إني أحب أن آكل من عمل يدي .

وقد كانوا يصنعون ( القفاف ) من الخوص وهي على شكل أوعية توضع فيها الأمتعة والمحاصيل وهي تختلف في الحجم ولا تنفع للسوائل وهي قوية وخفيفة الوزن ولا تزال تستعمل حتى الآن في القرى .
ويقوم بعمل الخوص الرجال والنساء وكانت بعض النساءفي عهد الرسول ربما تغزل الخوص وتنسجه في المسجد .

وقد استفيد من ليف النخل في صنع بعض انواع الحبال التي يستفاد منها في مختلف الأعمال فقد كان يستفاد من حبال الليف في ربط الحيوانات وقيادتها وغير ذلك , فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان في خيبر على حمار خطامه من ليف .
وقد ورد عن أنس بن مالك أن الرسول أردفه على حمار فوقه قطيفة مختطمة بحبل من ليف , واستفيد من الليف في حشو الوسائد والفرش , يقول عدي بن حاتم : إني مضيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت بيته فتناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال اجلس على هذه .
ويذكر انس أنه دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف , وهكذا كانت للخوص فوائد وكذلك كانت لليف فوائد .



8- الخياطة :
هي تفصيل الأقمشة والمنسوجات وتقطيعها قطعاً مناسبة للبدن , ثم وصل تلك القطع بعضها ببعض بواسطة الخياطة بالإبرة أو غيرها حتى تصبح صالحة للبس , وهذه الصناعة قديمة قدم الحضارة ويختلف ازدهارها في الحضر عنها في البادية حيث أن الحاضرة يهتمون بالملابس أكثر من غيرهم , يقول ابن خلدون : ( وهذه صناعة مختصة بالعمران الحضري لما أن أهل البدو يستغنون عنها وانما يشتملون الأثواب اشتمالا , وإنما تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها ) وقد كانت الخياطة معروفة ومشتهرة في المدينة وغيرها من بلاد الحجاز بل ربما وجد أناس يتخذون من الخياطة صنعة لهم يكتسبون من ورائها وقد وضع البخاري رضي الله عنه في صحيحه بابا سماه باب ( ذكر الخياط ) وروى حديث عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : ( إن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه , قال أنس بن مالك رضي الله عنه فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام ) الحديث , ويستدل على هذا الحديث على وجود خيّاط يعمل بهذه الحرفة أيام الرسول , كما لا يفوتنا أن هنا توجيهاً كريماً حيث كان العرب يحتقرون أهل الصنايع ومنهم الخياط فاستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لدعوته ليذهب ما في نفوس الناس من احتقار لأهل الصنائع عموماً .
وبناء على وجود خياط في المدينة في عصر الرسول فلا يستبعد وجود خياطين آخرين في المدينة , كما أنه من المرجح جداً وجود خياطين مختصين في مكة والطائف وخيبر وغيرها من مدن الحجاز , خصوصاً إذا علمنا أن في هذه المدن كثيراً من الأشراف ومن الأغنياء ممن يعتنون بملابسهم ويتفاخرون بها , وذلك يحتم وجود خياطين مجيدين لصنعتهم .
وقد ذكر عن عثمان بن طلحة وهو الذي دفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة بعد فتح مكة أنه خياط , إضافة إلى ذلك فقد كان كثيرا من الرجال والنساء يقومون بخياطة او ترقيع ما يحتاجون من ثياب بأنفسهم , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقوم بذلك بنفسه فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في بيته يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ) .
فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ترقّع ثوبها بنفسها , ولم يكتف الخياطين بصنع الملابس فقط بل كانوا يقومون بعمل بعض الأشياء المفيدة من الأقمشة كالأكياس لحمل الأمتعة والصرة التي تحفظ بها بعض الأشياء , كما يخيطون بعض الأحزمة او العمائم أو غير ذلك .


9- الصباغة :


بالإضافة إلى النسيج والخياطة كانت هناك بعض العمليات التي تلحق بها من ذلك صبغ الملابس , فقد كانت الملابس تصبغ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , بل ربما جرى الصبغ في بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم .
فقد ورد عن امرأة من بني أسد قالت : كنت يوماً عند زينب امرأة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نصبغ ثياباً لها بمُغْره ( أي حمرة ) فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المغرة رجع فلما رأت زينب ذلك علمت انه كره ذلك فغسلته ووارت كل حمرة فرجع فاطلّع فلما لم ير شيئاً دخل ) .
وقد كان صبغ الملابس يجري في الحجاز على مختلف الألوان وذلك يقتضي وجود أصباغ معينة ومعرفة بطريقة الصبغ وكان الرسول يقول : (( عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر وكفنوا بها موتاكم )) وقد وضع البخاري في صحيحه عدة أبواب منها ( باب الخميصة السوداء ) و ( باب الثياب الخضر ) و ( باب الثياب البيض ) وقد وردت عدة أحاديث عن الثياب الحمر وغيرها مما يدل على معرفتهم بهذه الألوان وبطريقة صبغها .



10 – الأجَرَاء :

من المعروف أن الأجير هو الشخص المستأجر للخدمة , ولكفاية مؤونة العمل وتختلف نوعية العمل الذي يتفق الأجير مع صاحبه عليه من خدمة او حمالة أو سقاية او دلالة أو غير ذلك من الأعمال الشائعة التي يطلب أصحابها الأجراء ليقوموا عنهم بهذا العمل .
وقد كانت الإجارة سارية أيام الرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الأعمال ويبدو من خلال النصوص انها قليلة وربما يعزى ذلك إلى كثرة الرقيق الموالي الذين يقومون بخدمة أسيادهم وعمل ما يحتاجون إليه من الأشياء بالنسبة لكبار القوم , اما صغار القوم فكانوا يقومون بأعمالهم بانفسهم ويفضلون ذلك على دفع أجرة لمن يقوم لهم بالعمل وقد وضعت كتب الحديث أبواباً لإجارة وذكرت ما ورد فيها من أحاديث عن الأجير في العصر النبوي .
وقد ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم استأجر رجلاً من بني عدي لكي يدل الرسول وأبابكر على الطريق الآمن إلى المدينة في أثناء هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر إلى المدينة المنورة وقيل إن الذي استأجره الرسول اسمه ( عبدالله بن أريقط العدوي ) وهو من بني عدي والروايتان تتفقان .
وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يحملون للناس الأشياء على ظهورهم مقابل أجر معين , فمنهم من يأكل من الأجر ومنهم من يتصدق به , فقد ورد ان ( زيد بن حارثة ) رضي الله عنه حمل لرجل في الطائف حملاً وقد اشترط الرجل على زيد ان ينزله حيث شاء فلما سار به أمره بالتوجه نحو خربة فإذا فيها قتلى كثير وأراد الرجل أن يقتله فدعا زيد الله أن ينجيه منه فنجاه .
وقد كان بعض الصحابة يحبون أن يتصدقوا حينا يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك فيذهبون إلى السوق يحملون للناس مقابل أجر معين فيأتون به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويتصدقون به , فقد ورد في حديث رواه أبومسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالصدقة انطلق احدنا الى السوق فيحامل , فيصيب المدّ وإن لبعضهم لمائة ألف ) .
وقد كان من الصحابة رجل فقير يدعى أباعقيل واسمه حُشمان ويلقّب صاحب الصاع , إذ كان ينقل الماء على ظهره ويتصدق بنصف الأجرة وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الصدقة فجاءه أبوعقيل هذا بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة وقال للرسول : لقد حملت الماء على ظهري بصاعين احدهما لي ولعيالي والآخر جئت به صدقة , فتضاحك المنافقون وقالوا : إن الله لغني عن صدقة هذا , فنزل قوله تعالى : (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم )) سورة التوبة / آية 79
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على أعطاء الأجير أجرته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تعالى : ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة , رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره )) وهذا تهديد من الله سبحانه وتعالى ووعيد شديد للناس ان يعطوا الاجراء اجورهم ولا يبخسوا منها شيئاً .
وهكذا نرى الاجراء كانوا موجودين أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أوردنا نماذج منهم , كما لا يفوتنا ان نذكر ان الاجراء كانوا منذ قديم الزمن إلى يومنا هذا طبقة معروفة سواء في عصر النبوة أم فيما سبقه او تلاه من العصور
أنتهينا على بركة الله من الحرف العامة وتابعونا بعون الله بحرفة صناعة السلاح.







رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-01-2010, 06:10 PM
الصورة الرمزية محمد محمود فكرى الدراوى
محمد محمود فكرى الدراوى غير متواجد حالياً
عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 10-12-2009
العمر: 54
المشاركات: 2,626
صناعة السلاح :
صناعة الأقواس والسهام
صناعة الرماح
صناعة السيوف والخناجر وصقلها
الأسلحة الدفاعية :
الترس , الدروع , المغفر , البيضة
الدبابة
المنجنيق
الحسك


1- صناعة الأقواس والسهام :
ويشد بينهما وتر من الجلد أو العصب الذي يكون عادة في عنق البعير واكثر ما تؤخذ هذه الأقواس من شجر الشوحط وهو شجر ينبت في جبال السراة ويسمى النبع أحياناً ... يقول الشاعر :

وجياد كأنها قصب الشو ****** حط يحملن شكة الأبطال

وأكثر ما تؤخذ الأغصان من الشوحط في فصل الربيع وذلك لمرونتها وشدتها في هذا الوقت , كما يتخذ من أشجار أخرى منها ( السدر ) و ( الحماط ) وهو التين البري , ويكثر في جبال الطائف وغيرها من الجبال .
وحيث ان القوس مشهورة عند العرب فقد وضعوا لها أسماء كثيرة كما وضعوا لأجزائها أسماء منوعة, فمن أجزائها النصل وهو الرأس الحديدي للسهم والوتر وهو الجلد أو العصب الرامي , والرصافة والعقب وهما اللفافة التي على العقب و ( سِيَه القوس ) هو ما عطف من طرفيها .

والقوس تحتاج إلى نبال وهي السهام ولها أسماء عديدة منها السهم والقدح والرِشَاق والمعتلة والنصْل والنبلة وكلها أسماء لمسمى واحد , وصناعة النبال تسمى ( ترييش النبال ) وهي مأخوذة من وضع ريش في آخر السهم بعد صنعه .
وقد كان بعض الناس يريش النبال ويصنعها في مكة في الطرقات حتى أن الوليد بن المغيرة مرّ برجل من خزاعة يريش نباله فتعلق سهم من نَبْله بإزاره فخدشه في رجله خدشاً بسيطاً فأثر فيه فيما بعد فقتله .
و( السهم ) عود يقطع من الشجر ثم يبرى فيسمى برياً وكان بعض صغار الصحابة يعملون النبال ويستدلون به على مرحلة من عمر الشخص , فإذا قيل له ابن كم كنت ؟ قال : كنت أبري النبل وأريشها . وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون النبال باستمرار في اثناء الحرب وفي السلم , وذلك تنفيذاً لتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تعاهدوا قِرَنَكُم فلا تزال مملوءة نبلا ) فكان بعض الصحابة يصنع الكثير من النبال فيأتي بها إلى المسجد ليتصدق بها أحداً من المسلمين فيأمره النبي أن يقبض ( نصالها ) وهي أطراف السهام الحديدية لئلا يصيب بها أحداً من المسلمين .
وفي عملهم هذا كانوا كمن يعّد الذخيرة للجيش , فتكون السهام جاهزة باستمرار لدى المجاهدين متى احتاجوا إليها وجدوها .
والقوس والسهام تحتاج معها الى وعاء خاص لحمل السهام يضع فيه الرامي سهامه , ويُحمل وراء الظهر في الغالب ويسمى ( الكنانة ) وقد تسمى ( الجعبة ) , وتصنع الكنانة في الغالب من الجلد , كما تسمى ( القرن ) و ( الوفضة ) .

ويشد وتر القوس كلما لان وتسمى هذه العملية ( الرصف ) وقد رصف الرسول صلى الله عليه وسلم قوسه بفمه في رمضان وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم يصلح من حال قوسه بنفسه .
ولقد كانت القوس تلعب في حياة عرب الحجاز دوراً كبيراً لأهميتها في الغارات والحروب بين القبائل , ولأهميتها في الصيد حيث تعتبر السلاح الأول في هذا المجال , وكانت من الأسلحة التي تصنع في الحجاز محلياً من غصون عدد من الأشجار المعروفة بينهم بجودتها في الرمي .
وحينما جاء الإسلام جعل للقوس دوراً كبيراً وركز على الاهتمام به , فحين نزل قوله تعالى : (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل )) آية 60 / الأنفال , فسر الرسول صلى الله عليه وسلم القوة فقال : ( ألا إن القوة الرمي , ألا إن القوة ا لرمي ) وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم ( القوة ) بانها الرمي لا يقتصر على ان القوة في الرمي أمر مختص بزمن الرسول صلى الله عليه وسلم بل أن الرسول بهذا الكلام قد أعطى إشارة بأن القوة في الرمي سواء في زمنه أم في الأزمان التي تأتي من بعده , فالرمي بالقوس أو المنجنيق أو غيره في تلك الأيام هو ( القوة ) ويمكننا أن نتأكد أن القوة هي ( الرمي ) في زماننا هذا حيث نرى أن معظم الأسلحة الحديثة تقوم على الرمي , فالرمي بالبندقية أو الرشاش أو الرمي بالمدفعية أو الرمي بالصواريخ أو الرمي بالطائرات , كلها لا تخرج عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في تحديد القوة بأنها الرمي .
ولقد كان لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن القوة بأنها الرمي دور كبير في عناية المسلمين بالقسي والسهام وغيرها من أسلحة الرمي , وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على صناعة السهام فقال : ( إن الله عز وجل يدخل الثلاثة بالسهم الواحد الجنة , صانعه يحتسب في صنعه الخير والمدد به والرامي به ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلّي من أن تركبوا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل شيء يلهو به الرجل , إلا رمي الرجل بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة أهله ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من ترك الرمي بعدما عُلمه فقد كفر الذي عُلمه )
وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار يوماً إلى القوس العربية وقال : ( بهذه وبرماح القنا يمكّن الله لكم في البلاد وينصركم على عدوكم ) وقال صلى الله عليه وسلم عن القوس : ( ما سبقها سلاح إلى خير قط ) وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على المحافظة على الرمي وإجادته حتى لو لم تكن هناك حاجة لذلك فقال صلى الله عليه وسلم : ( ستفتح لكم الأرض , وتكفون المؤونة فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ) وقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة عن قوسه يوم أحد حتى اندقت سِيّتُها .
ومما يدل على اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالرمي أنه في غزوة أحد خصص مكاناً عالياً للرماة على جبل صغير قرب معسكر المسلمين , وأمر الرماة ألا يبرحوه لمعرفته صلى الله عليه وسلم بقوة الرمي ودفعه الشر عن معسكر المسلمين , كما أمرهم بصد الخيل عن المسلمين بالنبال .

وقد اشتهر عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم بمهارتهم في الرمي بالسهام , وقد برزت هذه المهارة في معركة أحد حينما حاول المشركون قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فدافع عنه المسلمون فكان أكثر دفاعهم بالرمي وعلى رأس هؤلاء ( سعد بن أبي وقاص ) رضي الله عنه الذي كان الرسول يناوله الأسهم ويقول : ( أرم يا سعد فداك أبي وأمي ) ومن هؤلاء الرماة المهرة الذين اشتهروا في أحد ( أبو طلحة بن عبيد الله الأنصاري ) الذي كسر قوسين أو ثلاثة لشدة رميه وكثرته .

ولقد عُرف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان من القسي أحدهما القوس العربية وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التمسك بها وفضلها على غيرها , وهي نوعان نوع يسمى الواسطية , ونوع يسمى الحجازية .
وثانيهما : هي القوس الفارسية وقد شاهدها الرسول عند أحد الصحابة في إحدى غزواته فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألقها وعليكم بهذه )وأشار إلى القوس العربية , وقد فضلوا بين القوس العربية والفارسية فقيل إن القوس الفارسية إذا انقطع وترها لم ينتفع بها أما القوس العربية فإنها إذا انقطع وترها كانت لصاحبها عصا ينتفع بها ويدافع بها عن نفسه .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يخطب يعتمد على قوسه في أثناء الخطبة وذلك قبل وضع منبره صلى الله عليه وسلم , والقوس الحجازية على نوعين أحدهما : من عود نبع وشوحط يبرونها قضيباً واحداً وقضيبين ويسمونها شريحة والثاني : يكسى داخلها فروة الماعز ولا يستعملها ألا المهرة من الرماة وأكثر ما يستعملها أهل الحضر , وقد عرف أهل الحجاز ( قوس الرِجْل ) وقد نهى الرسول عن استعمالها .

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمرنون على الرمي باستمرار بناء على توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم , وكان الرسول يشهد ذلك معهم , حتى إنهم في بعض الأيام كانوا يترامون عامة اليوم , وكما هي الحال في المدينة فقد كانت ثقيف في الطائف مشهورة بجودة الرمي وقوة الأقواس , إذ أن رماتهم كانوا سبباً في استشهاد كثير من المسلمين في أثناء حصار الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف بعد غزوة حنين , كما أن الرماة كانوا سبباً في انتصار هوازن في أول معركة حنين , ومن مشاهير الصحابة في الرمي ( سلمة بن الأكوع ) رضي الله عنه الذي استطاع بمهارته في الرمي استنقاذ لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أخذتها فزازة وغطفان .
وهكذا نرى أن الأقواس والنبال وأسلحة الرمي كان لها دور كبير في المعارك التي جرت في أول الإسلام وكان للرماة أدوار لا تنكر في مختلف المعارك التي شهدها الرسول صلى الله عليه وسلم .


2- صناعة الرماح :

الرماح هي من الأسلحة المعروفة عند العرب والمستعملة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وكان العرب يصنعونها من أشجار الشوحط وهي نفس الشجر التي تصنع منها الأقواس , كما يصنع من الأشجار الصلبة الأخرى , وتختلف الرماح بعضها عن بعض في الطول والقصر , وتبعاً لذلك فهي تختلف في التسمية حسب طولها , فالقصير من الرماح تسميه العرب نيزك , كما يسمون الرمح القصير ( المزراق ) وإذا كان أقل منه في الطول سمي زراقه , كما أن الرمح القصيرة تسمى ( حربه ) ولا تعدّ من الرماح ولكنها على شكلها , وقد كانت الحربة معروفة عند قريش , وكان المقاتل يرميها على عدوه من قرب فتصيبه وتقتله , وأكثر من كان يجيد رميها في مكة هم الموالي , وقد قتل وحشي حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه بحربة قذفها عليه من بعد .
وقد كانت الرماح كثيرة عند العرب حتى انهم يجعلون لها مخازن ومستودعات لكثرتها , فقد كان عند ( نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب ) وهو ممن أسلم عام الفتح مخزن أرماح قرب جده , يحتوي على كميات كبيرة من الرماح , حتى إنه بعد فتح مكة أعان الرسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى غزوة حنين بثلاثة آلاف رمح , وهذا يعطي دلالة واضحة على حجم الصناعة القائمة على اعداد الرماح في تلك الأيام ومعظمها من أشجار معروفه تنبت في جبال الحجاز كالشوحط وغيره .
ويقوم الصنّاع بوضع حديدة في رأس الرمح وتسن حتى تصبح حادة وتسمى ( سنان الرمح ) .
وقد عرف المسلمون الرماح أيام الرسول صلى الله عليه وسلم واقتنوها استجابة لدعوة الرسول للمسلمين بالتسلح , وقد وردت عدة أحاديث في الرمح منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله جعل رزقي تحت ظّل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ) , وكان ضمن سلاح الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أرماح وقيل إن خمسة أرماح , وتستخدم الرمح للصيد فقد صاد به ( أبو قتادة ) رضي الله عنه حماراً وحشياً , كما كان المسلمون زمن الرسول يجعلون راياتهم في أطراف الرماح ويرفعونها .
وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم الحربة للدفاع عن نفسه حين هاجمه ( أبيّ ابن خلف ) فأخذ الرسول الحربة واستقبل بها أبيّ بن خلف فطعنه بها طعنة في عنقه , مات من أثرها فيما بعد .
وقد ورد ذكر الرماح في القرآن الكريم في قوله تعالى : (( يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم )) آية 94 / المائدة .
والرماح إضافة إلى استعمالها في الحرب فإنها تستعمل في اللعب أيضاً وفي رقصات الحرب , فقد رقصت الحبشة في المدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم وفي مسجده , وقد ستر النبي عائشة رضي الله عنها حتى تنظر إليهم , وكان الرمح من أنجح الأسلحة استعمالاً في تلك الأيام إذا كان في يد مقاتل ماهر , فقد استطاع الصحابي الجليل عكاشة بن محصن في غزوة ( ذي قرد ) أن يقتل رجلين راكبين على جمل واحد بضربة واحدة من رمحه , قتلت الطعنة الأول واخترقت جسمه ثم نفذت إلى الآخر فأردتهما معاً , وقد كانت للرسول حربة تحمل بين يديه صلى الله عليه وسلم في المناسبات مما يدل على اهمية الرماح في ذلك العصر .

3 - صناعة السيوف والخناجر وصقلها :


السيف ... أشهر الأسلحة المعروفة في التاريخ الحربي العربي , ويجمع على أسياف وسيوف , وهو من أسلحة الشجعان التي يتبارزون بها في الجاهلية وبعد الإسلام , وكان السيف منتشراً عند عرب الحجاز بأعتباره سلاحاً رئيساً لا يستغنى عنه , وكانت معظم السيوف في الحجاز مما يجلب إليها بالتجا رة من اليمن وغيرها , ولم تكن تخلو الحجاز من صناعة السيوف , فقد اشتهر عن ( خباب بن الأرت ) رضي الله عنه انه كان قيناً بمكة يصنع السيوف , وقد صنع يوماً سيوفاً للعاص بن وائل السهمي فلم يعطه أجره وحين جاء يطلب أجره قال له العاص أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم ؟ قال خباب : بلى , قال : فأنتظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك , فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني , ولا أعظم حظاً في ذلك , فأنزل الله تعالى فيه : (( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدا )) إلى قوله تعالى : (( ونرثه ما يقول ويأتينا فردا )) آية 77-80 / مريم
وقد كان في المدينة جماعة كبيرة من اليهود اختصت بصناعة السيوف وغيرها من الأسلحة مستغلين احتقار العرب لمن يقوم بالحدادة , فأتقنوا هذه الصناعة واستغلوها , إضافة إلى قيامهم بصناعة بعض الأسلحة الأخرى , وقد كانت كثير من السيوف المستعملة لدى كبار القوم مرصعة بالفضة أو بالذهب أحياناً زيادة في إكرامها , فقد وصف سيف أبي جهل الذي أخذه المسلمون بعد قتله بأنه سيف قصير عريض وقد حلّي بحلق الفضة , وكان سيف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دخل به مكة محلى بالفضة والذهب , وكان لدى الرسول مجموعة من السيوف من أشهرها ( ذو الفقار ) وقد غنمه من قريش بعد معركة بدر , كما كان لديه من السيوف سيف يدعي ( قَلْعِي) وسيف يدعى (البتّار ) وسيف يدعى ( الحتف ) , وقد غنمها الرسول صلى الله عليه وسلم من بني قينقاع , كما كان لديه سيف يدعى ( المخزوم ) , وكان عنده سيف يدعى ( الرسوب ) .
وقد كان أهل الحجاز يعرفون صقل السيوف ويراعونها في ذلك وكان بعضهم يشحذ سيفه ويحده في الحجارة في أثناء القتال , فقد كان أبودجانة في معركة أحد يقاتل بشدة فكلما كلّ سيفه شحذه بالحجارة .
وقد كان أهل الحجاز يعرفون سم السيوف حينما يريدون قتل أحد غيلة , فقد اتفق ( عمير بن وهب الجمحي ) قبل إسلامه مع ( صفوان بن أمية ) على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيلة , فأمر صفوان بسيف عمير أن يصقل ويسم , ومن هذا نعرف أن سم السيوف كان يجري في مكة , وأن هناك من كان مختصاً بذلك .
وقد كانت السيوف تلعب دوراً هاماً في حياة المسلمين انطلاقاً من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الجنة تحت ظلال السيوف ) .


الأسلحة الدفاعية :

1- التِرْس :

الترس هو سلاح معروف يتقى به ضرب السيوف وغيرها , ويجمع على تروس , وصانع التروس يسمى ( تراس ) والتترس معناه التستر بالترس والاتقاء به , وكان الترس يصنع من الخشب ويغلفونه بجلد يلصقونه عليه ويكثرون من ترصيعه بالمسامير .
وأشكاله مختلفة إما منحنية الأطراف أو محدبة , وتختلف أحجام التروس حسب قدرة المقاتل ورغبته , وهو من أنجح الأسلحة في الدفاع عن النفس ويسمى الترس ( المِجَن ) , كما أن هناك نوعاً من التروس يصنع من الجلود دون أن يوضع فيها خشب يسمى ( الدُرْقَة ) وهي تقي المقاتل من السيوف كما تقيه التروس إلا أنها أضعف من التروس , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يملك ترساً فيه تمثال على شكل رأس كبش فَكَرِهَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم فأصبح يوماً وقد أذهب الله ذلك التمثال .
وقد كانت الجلود القوية المستعملة في صناعة التروس هي جلود الأبل في الغالب .
وقد استعمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التروس في قتالهم يوم أحد , فقد التقى الصحابي الجليل أبو دجانة مع رجل من المشركين وكان المشرك لا يلقى أحداً الا قتله وكان أبودجانة معه ( درقة ) وحين تقابلا أراد المشرك قتل أبي دجانة , فاتّقاه بدرقته , فعضت سيف المشرك فأمسكته , فقتله أبودجانة , فكان للترس دور كبير في نجاة أبي دجانة وفي قتله للمشرك

2-الدروع :

الدرع سلاح دفاعي يلبسه المقاتل فيقيه ضرب السيوف , وهو منسوج من حلق حديدية على شكل لباس يُغطي البدن حتى نصف الساق , وقد تكون الدرع باكمام , فإذا كانت قصيرة الأكمام سميت ( البتراء ) .
ويقال إن أول من سرد ا لدروع من حلقات هو داود عليه السلام , وبهذا قال الله تعالى في داوُود : (( وعلمناه صنعة لبوسٍ لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون )) آية 80 / الأنبياء
كما قال تعالى : (( ولقد آتينا داوود منَّا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد . أن أعمل سابغاتٍ وقدر في السردِ واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير )) آية 10 , 11 / سبأ
وهكذا نرى أن أول من عرف صنعة الدروع هو النبي داود عليه السلام , وربما كان لهذا تأثير في اليهود فيما بعد , فقد عرف عن اليهود في المدينة مقدرتهم على صنع السلاح , واتقانهم للدروع حتى سلحوا بها أنفسهم وباعوا منها لغيرهم من الناس في الحجاز .
وكان المقاتلون زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يلبسون الدروع الواقية , بل ربما لبس الرجل درعين , فالرسول صلى الله عليه وسلم قد ظاهر بين درعين في غزوة أحد , وكان لهما دور كبير في حماية الرسول من المشركين , وكان للرسول صلى الله عليه وسلم مجموعة من الدروع , أحدها تسمى ( فضة ) غنمها من بني قينقاع , ودرع أخرى تسمى ( ذات الفضول ) لبسها الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد , وله أيضاً درع يقال لها ( السعدية ) لبسها يوم خيبر مع ذات الفضول .
ومما يدل على كثرة الدروع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ألمحنا إليه سابقاً من أن صفوان بن أمية أعار الرسول صلى الله عليه وسلم مائة درع حينما أراد التوجه إلى هوازن في معركة حنين , وإذا كان هذا العدد يملكه واحد فقط من رجالات مكة الكبار فإن ذلك يدلنا على كثرة الدروع وانتشارها بين الناس في تلك الأيام .



3- البيضة والمغفر :


البيضة هي وقاء من الحديد , يلبسه المقاتل على رأسه وسمّيت بالبيضة لأنها تشبه بيضة النعام , وهي تقي الرأس من ضربات السيوف وتسمى القلنسوة .
(والمغفر ) حلق يجعلها المقاتل على رأسه فتبلغ الدرع ثم تلبس البيضة فوقها فتستر العنق وما حوله من ضرب السيوف .
وقد كان المسلمون يستعملون ( المغفر ) زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة وهي تتحدث عن غزوة الخندق ( إني اقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تَسْبِغة له ( والتسبغة – المغفر – لا ترى إلا عيناه ) فقال له عمر إنك لجرئ فكشف الرجل التسبغة عن وجهه فاذا طلحة ) ومن هذا النص يتبين لنا استعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغفر كما أن قريشاً كانت تستعمل التسبغة والبيضة , وقد كان أبَيُّ بن خلف حين قتله الرسول يلبس بيضة ومغفراً ودرعاً ومع ذلك فقد طعنه الرسول في ترتوقه من فرجه صغيرة بين التسبغة والبيضة .
وبما أن المغفر والبيضة كانا من الأسلحة المعروفة في الحجاز زمن الرسول صلى الله عليه وسلم , كما أن هناك كثيراً من الصناع في مكة كانوا يقومون بعمل السيوف بالإضافة إلى وجود صناع كثيرين في المدينة من اليهود يقومون بعمل مختلف أنواع الأسلحة , فلا يستبعد أبداً في ضوء كل هذا قيام بعض هؤلاء بصناعة البيضة والمغفر , خصوصاً إذا علمنا أن المغفر حلقة شبيهة بحلق الدروع وأنه أسهل صناعة منها , كما أن البيضة أيضاً أسهل صناعة من الدرع , فمن المحتمل جداً وجود صنّاع لهذين النوعين من الأسلحة الدفاعية , ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة عام الفتح كان على رأسه المغفر كما وردت بذلك النصوص إضافة إلى ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لبس المغفر في غزوة خيبر ولبسه في غزوة أحد مما يؤكد شيوع استعمال المغفر والبيضة , ويجعل رأينا في ترجيح وجود صناعة لهما أمراً وارداً .




4-الدبابة :



الدبابة آلة حرب تصنع من خشب وجلد , يجعل الخشب على شكل صندوق كبير , يدخل الرجال في وسطه ويجرونها , وتكسى بجلود سميكة تقيها الضربات والنار , وتقترب من الحصون وتنقب تحتها , ويكون سقفها واقياً لهم , وتستعمل في مهاجمة الحصون فقط ولا تصلح لساحات القتال .
وقد كانت الدبابة معروفة قبل عصر الرسول في كثير من بلاد العرب وغيرها ولكن على ما يبدو أن أهل الحجاز لم يعرفوها ولم يستخدموها إلا في عصر الرسول .
وكان هذا السلاح معروفاً في جرش من مخاليف اليمن , وبها صنّاع حاذقون في مختلف أنواع الأسلحة في ذلك العصر , حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل اثنين من الصحابة إلى جرش هما عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة لكي يتعلموا صناعة الدبابة وذلك بعد أن علم بهذه الآلة وبقدرتها على اقتحام الحصون .
وقد قدم هذان الصحابيان في أثناء حصار الطائف , وهما لم يشهدا حنيناً معه , وقاما بصنع الدبابة من الخشب وجعلوا وسطها مجوفاً على شكل صندوق مكشوف من الأسفل بحيث يدخل وسطها الرجال ويحركونها وكسوها بجلود البقر لكي يقيهم ما يرمى عليهم , حتى إذا أصبحت الدبابة محمية من الخارج وجاهزة دخل تحتها مجموعة من المسلمين واقتربوا بها من جدار سور الطائف يريدون ثقب الجدار والدخول منه , ولكن المدافعين عنه ألقوا على الدبابة سكك الحديد المحمّى , فخرجوا من تحتها فرموهم من فوقهم بالنبل فاستشهد بعض منهم , وإذا كان المسلمون قد صنعوا أول دبابة بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم , فإن هذا كان مرده إلى أن الرسول قد أرسل من يتعلم هذه الصنعة إلى البلاد التي تجيدها , وقد كان الرسول بهذا العمل يضع للمسلمين قاعدة عظيمة تدفعهم إلى البحث عن القوة وتعلم صناعة الأسلحة واتخاذها قوة للمسلمين , فما أجدر المسلمين اليوم بالسير على القاعدة التي وضعها لهم الرسول صلى الله عليه وسلم .



5-المنجنيق :


من الأسلحة المعروفة لدى مختلف الأمم قبل الإسلام , وهو مجهول إلى حدّ ما لدى العرب في الوقت الذي كانت فارس والروم تعرفه وتستخدمه .
وهو سلاح هجومي يختص بمهاجمة المدن والحصون ومهمته قذف الخسائر في صفوفه , والمنجنيق كان بدائياً ثم تطور وقد كان في بدايته يتكون من سوار مرتفع من الخشب يوضع عليها ما يراد رميه ثم يضرب بسارية فتقذفه لمكان بعيد .
وقد تطور المنجنيق فأصبح يتألف من عمود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة يمر بها حبل متين , في طرفه الأعلى شبكة على هيئة كيس , توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة ثم تحرك بواسطة العامود أو الحبل فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف , ويسقط في الأسوار فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه .
وحين جاء الإسلام استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم المنجنيق , وقيل إنه استخدمه لأول مرة في فتح خيبر , حيث عثر عليه في أحد الحصون فقام المسلمون بتركيبه وقذفوا به بعض حصون خيبر .
ويكاد يجمع المؤرخون في روايات عديدة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف ورماهم به بعد أن أشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بذلك وقال له : ( يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتُنصّب علينا فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق وإن لم يكن المنجنيق طال البقاء ) فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم فعمل منجنيقاً بيده , ثم نصب ورمى به الرسول الطائف .
وقد بنى الفقهاء على ذلك أحكاماً كثيرة تتعلق بأحكام نصب المنجنيق على العدو إذا تحصّن بحصونه , لما في رمي المنجنيق من خطر على الضعفاء من النساء والأطفال والشيوخ غير المشتركين في الحرب .

6- الحسك :


الحسك في الأصل نبات له شوك شديد لا يكاد المرء يمشي فيه إذا يبس , ويصنع على شكل شوك الحسك أشواك من الخشب أو من الحديد أو من القصب , يوضع حول العسكر , فتنشب في حوافر الخيل فتمنعها من المسير وقد سمي هذا النوع من ( الألغام ) حسكاً لشبهها به وهذا الأسلوب يشّكل دفاعاً عن المعسكر يمنع عنه زحف الخيل , كما ينصبه بعض المحاصرين للحصون والمدن حول أسوارها , فيمنعون بذلك خروج الخيل من الحصن , وقد استخدم المسلمون أسلوب ( الحسك ) في أثناء حصارهم للطائف بعد غزوة حنين , حيث نشروه حول سور الطائف منعاً لخروج الفرسان منه , لأنه يدخل في أرجل الخيل مسبباً فيها جراحاً تمنعها من الهجوم .
وهذا السلاح ( الحسك ) المستخدم في تلك الأيام هو – كما أشرنا – بمنزلة الألغام المقاومة للدروع التي تستخدمها الجيوش الحديثة في هذه الأيام , وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم منها في تشديد الحصار على الطائف , وجدير بالذكر أن هذا الأسلوب – كما أرى - من الأسلحة الغريبة على العرب في تلك الأيام , ولربما أشار به سلمان الفارسي ويبدو أن المسلمين في حصارهم للطائف قد اعتمدوا فيه على أشجار الحسك , أو صنعوه من الخشب مقلدين فيه أشواك الحسك نظراً لأن توافر الحديد لصناعته بكميات مؤثرة في تلك الأيام كان أمراً مستبعداً .

--------------------

الحرف العلمية والصحية :

القراءة والكتابة
الترجمة
الطب والتمريض
الحجامة
العطارة والصيدلة
التجميل
الحلاقة

--------------------


1- القراءة والكتابة :


لم تكن الكتابة والقراءة قد انتشرت بين العرب قبل الإسلام فقد كانت الأميّة فاشية بينهم , وكان من يعرف القراءة منهم قليل جداً مقارنة بغيرهم من الأقوام .
وكانت الكتابة في الحجاز تتركز حيث المناطق الحضرية في مكة والطائف وغيرها , ولقلة الكتّاب قبيل ظهور الإسلام فإن كتب التاريخ قد عددت أسماءهم , فقد ذكر البلاذري أن مكة حين دخلها الإسلام كان فيها سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب , وعدهم وسماهم .
وهذا العدد في رأيي يعتبر قليلاً إذا ما قسنا مقدار تجارة قريش وكثرة اتصالاتهم عن طريق هذه التجارة وبالتالي حاجاتهم إلى الكتابة لضبط هذه التجارة . وقد ذكر الألوسي أن أول من تعلم الكتابة من قريش ( حرب بن أمية والد أبي سفيان ) تعلمها من بشر بن عبدالملك أخي أكيدر صاحب دومة الجندل , ثم بدأ يتعلّم منه أهل مكة حتى كثر فيهم الكتاب .
ومن هذا يتصّور أن أهل مكة قبل ذلك لم يكونوا يعرفون الكتابة وفي هذا الكلام نظر , إذ المعروف أن الكتابة العربية عرفت قبل ذلك الوقت . ولا يعقل أن تكون مكة لا تعرف القراءة والكتابة إلا في عهد حرب بن أمية , نظراً لأنها أهم المراكز الحضرية في بلاد العرب وأكثرها تجارة مع الخارج في ذلك الحين .
اما المدينة فقد كانت تعرف القراءة والكتابة بشكل جيد قبل الإسلام , فان سكانها من الأوس والخزرج واليهود , وقد كان اليهود يعرفون القراءة والكتابة بل ويعلمونها لأولادهم ويقرئونهم التوراة , فيما يعرف لديهم بـ ( المدارس ) . وقد كانت هذه معروفة حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد دخلها عليهم الرسول حينما سألوه عن الزاني والزانية المحصنين منهم فأخبرهم بالرجم وأخرجوا له التوراة وغطوا آية الرجم فيها فأخبره بذلك ( عبدالله بن سلام ) ثم امر الرسول برجم الزاني والزانية اليهوديين وكان بعض اليهود قد تعلّم كتابة اللغة العربية وأخذ يعلمها الصبيان في المدينة , حتى تعلم كثير من الأوس والخزرج على أيدي هؤلاء اليهود ومنهم سعد بن عبادة رضي الله عنه وأبي بن كعب , وزيد بن ثابت الذين أصبحوا من كّتاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة . كما تعلّم غيرهم أيضاً .
ورغم ان العرب كانوا يحتقرون من يمتهن مهنة او يصنع صنعة إلا أن من يقوم بالكتابة والقراءة ويمتهنها فإنه لا يحتقر في نظرهم بل قد يزيده ذلك شرفاً , فقد عُرف بعض الأشراف في الجاهلية ممن يعلمون الكتابة حيث كان من هؤلاء ( غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي ) وقد عُد من الأشراف . وكان من يتمتع بالكتابة والرماية والعوم عند العرب يسمى الكامل وتلك الصفة تعطينا دلالة واضحة على تقدير العرب للكاتب ومكانته عندهم .
وتعتبر أدوات الكتابة مما عرفه عرب الحجاز في تلك الأيام فقد عرفوا ( الدواة ) و ( المداد ) و ( القلم ) في أيام الرسول .
اما ما يكتب عليه فقد استعملوا ( الرق ) من الجلد , والعظام , و الحجارة البيضاء الخفيفة , وجريد النخل , وقد كان القرآن الكريم مكتوباً في العسب واللخاف حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعها
أما القراءة والكتابة بعد ظهور الإسلام فقد كان لها مكانة عظيمة , فان أول آيات من القرآن نزلت على محمداً صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك في قوله تعالى : (( أقرأ باسم ربك الذي خلق , خلق الإنسان من علق , أقرأ وربك الأكرم , الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم )) سورة العلق / آية 1-5 وهذه الآيات تلفت نظر الإنسانية كلها إلى أهمية القراءة كما تذكرها بأهمية الكتابة من خلال ذكر القلم , والقرآن الكريم سمى العرب بالأميين لقلة الكتابة فيما بينهم حيث قال الله تعالى : (( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته )) سورة الجمعة / آية 2 .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً وذلك من تمام نبوته وليس نقصاً , بل أن أمية الرسول تعتبر معجزة في حقه صلى الله عليه وسلم , يشهد بذلك قوله تعالى : (( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون )) سورة العنكبوت / آية 48 .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) ...
وقد أحس المسلمون بحاجتهم إلى القراءة والكتابة منذ بزوغ فجر الإسلام في مكة المكرمة حيث ان المسلمين الأوائل في مكة كانوا يكتبون الآيات القرآنية المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم , ففي قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه نجد أن خباب بن الأرت كان عند فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان يقرئها القرآن من صحيفة معه فلما أحسوا بعمر أخفوها عنه , ومن القصة يتبين لنا معرفة خباب رضي الله عنه بالقراءة والكتابة كما يتبين لنا معرفة عمر نفسه بالقراءة أيضاً .
كذلك ففي أثناء وجود الر سول بمكة قال له سويد بن الصامت : لعل معك مثل الذي معي , قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : وما معك , قال : مجلة لقمان ... فقرأ على الرسول منها , فقال له الرسول معي أفضل من هذا فتلا عليه الرسول القرآن الكريم .
وقد كان الخط في أول الإسلام ضعيفاً جداً وغير متقن وتصعب قراءته , كما انه كان غير منقوط , اما بعد الهجرة النبوية فقد كان للكتابة والقراءة شأن آخر حيث برزت أهمية الكتابة نظراً لما أحس به المسلمون من الحاجة لكتابة ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن وما يصدر عنه من سنة .
وقد اشتهر عن أصحاب الصفة رضوان الله عليهم أن بعضهم كان يتعلم القراءة والكتابة ... وكان يعلمهم القراءة والكتابة ( عبادة ابن الصامت ) حتى أن أحدهم أهدى قوسه إليه جزاء لتعليمه القراءة والكتابة وقد امره الرسول بردّه وبعد وقوع غزوة بدر كان هناك مجموعة من الأسرى من كفار قريش يحسنون القراءة والكتابة , ولما لم يكن لديهم مال ليفتدوا به أنفسهم قَبل الرسول صلى الله عليه وسلم منهم أن يعلم الواحد منهم عشرة من الغلمان الكتابة مقابل أن يطلق سراحه , فتعلم يومئذ الكتابة جماعة من غلمان الأنصار منهم كاتب الرسول زيد بن ثابت رضي الله عنه . وكان ذلك العمل سبباً في كثرة الكتاب بالمدينة بعد ذلك نتيجة لهذا التوجيه النبوي الكريم الذي جعل لتعلم القراءة والكتابة هذه الأهمية الكبرى حيث جعلها فداء للأسرى من ربقة الأسر ... وقد أحس أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحاجة إلى الكتابة بغرض تدوين آيات القرآن الكريم وتدوين بعض الأحاديث التي تصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم , واشتهر كثير من الصحابة بذلك حيث كانوا يكتبون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على ما يقع بأيديهم من سعف أو حجارة أو جلود أو غيرها وكانوا يسمون كتاب الوحي , ثم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحتاج إلى من يكتب له رسائله إلى الملوك ورؤساء العشائر فاشتهر الكثير من كتّاب النبي صلى الله عليه وسلم سواء من المهاجرين والأنصار أو مسلمو الفتح المتأخر ون , واتخذ الرسول خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله يختم به الكتب وقد كان عدد الكتّاب المعروفين بكتاباتهم للرسول سبعة وأربعين كاتباً , وكانت حاجة المسلمين للكتابة تتطور تبعاً لتطور الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان الرسول يطلب بعض الإحصاءات من كتّاب الصحابة , فقد ورد في الحديث عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل ) وقد دعا الإسلام في أطول آية في القرآن الكريم إلى الكتابة في العقود والدين وذلك في سورة البقرة الآية ( 282 ) وهذا تأكيد لأهمية الكتابة وضرورتها في الحياة التجارية الصحيحة التي رسمها الإسلام بتعاليمه لحفظ حقوق الجميع وكما كانت الكتابة معروفة بين الرجال , فقد كانت بعض النساء تكتب حيث اشتهرت بعض الكاتبات في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشفاء بنت عبد الله : (( الأ تعلّمين حفصة رقية النملة كما علمتِها الكتابة )) ومن هذا الحديث يعرف ان الشفاء هذه قد علمت حفصة الكتابة كما لا يستبعد أنها علّمت غيرها من النساء في تلك الأيام وقد أخذ من هذا الحديث ندب تعليم النساء القراءة والكتابة , كما أن من البديهي أن كل أمر بالتعلم قراءة وكتابة وجهّه الإسلام إلى المسلمين إنما يتضمن الرجل والمرأة معاً وكل آيات الحثّ على طلب العلم , كذلك ولا سيما العلم الإسلامي الذي يشترك فيه كل المسلمين وأيضاً العلوم الأخرى المفيدة للمرأة التي تخرجها عن طبيعتها ولا تمس دينها بسوء .





2-الترجمة :

تعتبر الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم من أكثر بلاد العرب اتصالاً بالأمم الأخرى , وبمن يتكلمون لغات خاصة غير العربية , فقد كانت تجارة قريش المتجهة إلى الشام تحتّم عليهم وجود من يعرف لغة الروم وهذا أمر طبيعي في الاتصالات بين الأمم والشعوب .
يقول الأستاذ أحمد أمين في حديثه عن تجارة قريش مع الروم ( لا نستطيع أن نصدق إن قافلة كبيرة كهذه تنتقل بتجارتها العظيمة لتتعامل مع أمة أجنبية من غير أن يكون فيها أفراد يعرفون لغة الذين يتعاملون معهم ويكونون واسطة للتعارف بينهم وقد نقول إنهم كانوا يعرفون اللغة الأجنبية كما يعرفها التراجمة اليوم .
وكما هو معروف حين ظهر الإسلام كان هناك الكثير من اليهود يسكنون في الحجاز في يثرب وغيرها وكانت لهم لغة خاصة بالإضافة إلى معرفتهم باللغة العربية وبهذا فهم يتحدثون العبرانية فيما بينهم ويكتبون بها , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة لا يأمن غدرهم فأمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم كتاب اليهود , يقول زيد بن ثابت ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتاب يهود وقال لي إني لا آمن يهود على كتابي فلم يمرّ نصف شهر حتى تعلمته فكنت اكتب له إلى يهود ) .
ويدل على معرفة بعض الصحابة رضي الله عنهم بلغة يهود أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يقتل ( أبا رافع سلامّ بن أبي الحقيق ) كبير يهود خيبر أرسل ثلاثة من أصحابه وأرسل معهم عبدالله بن عتيك لانه يتكلم بلغة اليهود فلما سمعته زوجة سلامّ اطمأنت وفتحت له الباب وتمكن الصحابة من قتل اليهودي سلام بن أبي الحقيق , ومن هذا يتبين معرفة بعض الصحابة بالترجمة وبلغة يهود كما يفيد أن اليهود كانوا يتخاطبون فيما بينهم بلغتهم تعصباً للغتهم ثم تعمية على المسلمين مع علمهم بالعربية , وقد كان في مكة بعض من يعرف اللغة العبرانية وغيرها من أمثال ورقة بن نوفل الذي تنصر وقرأ الكتب العبرانية وعرف الكتابة بها فكتب عن الأناجيل وقد كان أمثاله كثيرين .
كما أن وجود جاليات غير عربية في مكة والمدينة وغيرها من مدن الحجاز وقراها إما من أصل فارسي أو رومي أو حبشي , ساعد على وجود معرفة للغة هؤلاء الأقوام , ومعروف كثرة الموالي في ذلك العصر و انتشارهم في قرى الحجاز وبهذا يعتبرون مترجمين من لغاتهم الأصلية إلى اللغة العربية وبالعكس .
3-الطب والتمريض :

الطب :


الطب أحد العلوم القديمة التي عرفها الناس عن طريق التجربة والخبرة , وهو ضروري لكافة المجتمعات لما له من اتصال بحياة الإنسان وصحته في جسمه ونفسه , وهو يعود عليه بالراحة والسعادة في حالة الصحة , وبالألم في حالة المرض , وقد عرف ابن خلدون صناعة الطب فقال : ( هذه الصناعة ضرورية في المدن والأمصار لما عرف من فائدتها فإن ثمرتها حفظ الصحة للأصحاء ودفع المرض عن المرضى بالمداواة حتى يحصل لهم البرء من أمراضهم ) ... والطبيب هو الذي يقوم بمهنة الطب .
وقد كانت القرى والمدن في الغالب أحوج من البادية إلى الطب والأطباء , لذلك فان بلاد الحجاز في عصر الرسول كان يقلّ بها الأطباء نظراً لطابعهم البدوي , فهم أقل من غيرهم حاجة للأطباء في الوقت الذي نرى فيه بلاد فارس والروم تزدهر بها صناعة الطب , كما أن العرب كانت حياتهم حياة خشنة وكان مأكلهم خشناً لذلك قلت بينهم الأمراض لأن الأمراض أكثر ما تكون عند أهل الترف .
وقد كان العرب يبحثون عن العلاج لأمراضهم التي تصيبهم مما يتوافر لهم من بيئتهم من أعشاب ونباتات أو بطرق أخرى كالكي بالنار أو الحجامة أو غير ذلك , وحينما جاء الإسلام شجع الرسول صلى الله عليه وسلم الناس على التداوي والبحث عن العلاج , فكان إذا مرض أحد أصحابه أمر أن يدعى له الطبيب , كما حدث لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وغيره من الصحابة , وقد أعطى الرسول للناس وللأطباء دفعة قوية في البحث عن العلاج في قوله للناس : ( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ) .
وقد كان الرسول قدوة المسلمين يعالج نفسه , ويعالج الناس في كثير من الأحيان ويأمرهم باتباع علاجات معينة كالحجامة أو شرب العسل , ولقد داوم الرسول على التطبب لنفسه في صحته وفي مرضه , وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم دور كبير في إيضاح كثير من الأمور الطبية للناس بوحي من الله سواء في ذلك الطب العلاجي أم الطب الوقائي , كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى كثيراً من الخرافات التي كان الناس يتداولونها من الطيرة والتشاؤم وغيرها وأثبت للناس التفاؤل الحسن وأبطل ما كانوا يعتقدونه في العلاج من تعليق لبعض التمائم لدفع الأمراض وغيرها وأثبت لهم طرق العلاج الصحيح في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( الشفاء في ثلاثة شربة عسل , وشرطة محجم , وكية نار , وأنهى أمتي عن الكي ) .
وقد كان الرسول يأمر باستعمال بعض النباتات في العلاج كالحبة السوداء والحلبة وغيرها , أما في مجال الطب الوقائي فقد كانت العرب لديها بعض العلم به حيث كان العرب يهجرون بعض المرضى إذا أصيب بمرض معد بل قد يموت الرجل ولا يجد من يدفنه , كما حدث مع أبي لهب عم الرسول حيث كاد أولاده أن يتركوه بدون دفن خشية أن يعديهم المرض الذي مات به .
وقد وضع الرسول أساس الطب الوقائي في قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تخرجوا , وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ) , وحينما سافر عمر بن الخطاب إلى الشام علم ان الطاعون قد وقع بها قبل أن يصل إليها فأراد العودة من الطريق أخذاً بهذا الحديث فقال له البعض : أتفر من قدر الله ؟ قال عمر : نفر من قدر الله إلى قدر الله , وقد فهم الجميع بين هذا الحديث وبين الإيمان بالقضاء والقدر واتخاذ الأسباب في سياق واحد لا كما يفهمه بعض الجهّال .
كما ان الرسول صلى الله عليه وسلم وضع للناس القواعد الصحية في ( الحِمْيَة ) وفي قلة الأكل فهي أهم الأمور في منع المرض عن البدن , فكان صلى الله عليه وسلم يرغّب في الصيام وفي ذلك أهمية كبرى في صحة الجسم حيث كان صلى الله عليه وسلم يرغّب المسلمين في صيام التطوع , إضافة إلى صيام رمضان كما أن الرسول أرشد إلى أن معظم الأمراض تأتي من الأكل ودل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه يحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه , فان كان لابد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) .
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بزيارة المرضى لما في ذلك من رفع لمعنوية المريض وأثر ذلك في تحسن حالته الصحية , فقال صلى الله عليه وسلم : ( أطعموا الجائع , وعودوا المريض , وفكوا العاني ) كما وردت أحاديث أخرى ترغب في زيارة المرضى وتجعل ذلك سبباً في الرحمة لهم كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بنفسه بزيارة أصحابه حينما يمرضون , فقد كان يتردد على ( سعد بن أبي وقاص ) حينما مرض في مكة كما كان يزور ( سعد بن معاذ ) أثناء مرضه من جرح أصابه في غزوة الخندق وكان أصحابه رضي الله عنهم يقلدونه ويقومون بزيارة المرضى بينهم , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستخدمون الرقية بالقرآن الكريم في علاج المرضى , وقد كانت الرقية معروفة عند العرب قبل الإسلام بشعوذة وحروف مجهولة فأبطلها الرسول وأحل محلها الرقية بالقرآن الكريم وبالأدعية الصحيحة .
وقد كانت توجيهات الرسول في الطب ذات أثر فعّال في دفع المسلمين فيما بعد عصر الرسول إلى تعلم الطب , وإجادته حتى أن فقهاء المسلمين جعلوا تعلم الطب ( فرض كفاية ) على المسلمين بين الناس , ويصبح في هذه الحالة ( فرض عين ) على من يؤمر به ويقدر على تعلمه والنبوغ فيه وهذا من تمام عناية الإسلام بهذه المهنة الأساسية للبشرية ويسد حاجة المسلمين في هذا المجال لعدم اللجوء إلى غيرهم مما قد يؤثر على عقائد المسلمين فما أجدر المسلمين اليوم بالعناية بهذا الأمر .
وقد اشتهر بعض الأطباء في الحجاز على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم , وكان أشهرهم ( الحارث بن كلده الثقفي ) وهو من أهل الطائف سافر إلى فارس وتعلم الطب في إحدى مدارسها , وكان له لقاء مع ملك فارس أعطاه خلالها بعض النصائح الطبية , كما سافر الى اليمن وتعلم بها أيضاً , وقد عاش في العصر الجاهلي , وعاصر الرسول عليه السلام وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما , وقيل إنه توفي في السنة الثالثة عشرة وقيل إنه عاش حتى عصر معاوية رضي الله عنه , وقد كان الحارث يسمى ( طبيب العرب ) وقد اشتهر كلامه في الطب والمحافظة على الصحة , وكان يعالج الناس في الطائف وغيرها حيث يأتيه الناس من مختلف بلاد العرب فيعالجهم , وقد مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بمكة , فطلب الرسول من أصحابه أن يعرضوا سعدا على الحارث بن كلدة فعرض عليه وعالجه بالحلبة والعجوة فشفي كما ذكرنا .
واشتهر أيضاً بالطب ( النضر بن الحارث بن كلدة ) وهو ابن الحارث بن كلدة الطبيب المشهور الذي سبق ذكره وقد تعلم من أبيه الطب كما سافر إلى بلاد كثيرة كأبيه وحصل على علوم الطب وغيره , حتى كان يأتي مكة ويُعد من الحكماء ويسمع لقوله ويعالج الناس , وقد كان صديقاً لأبي سفيان بن حرب يشاركه في عداوة الرسول في أول الإسلام , وقد اشترك مع المشركين في معركة بدر فأسر وأحضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان شديد العداوة للإسلام فأمر الرسول بقتله صبرا .
وقد كان في أيام الرسول بعض الأطباء من حي ( أنمار ) في المدينة وقد جرح في زمن الرسول فاحتقن الدم في جرحه فدعا رجلين طبيبين من حي أنمار فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أيكما أطب ؟ ) فقال أحدهما : أفي الطب خير يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( أنزل الدواء الذي أنزل الداء ) .
وفي الأطباء ( ابن أبي رمثة التميمي ) وقد عرف بهذا الاسم فقط وقد أتى إلى الرسول يوما فشهد بين كتفي الرسول الخاتم فقال للرسول إني طبيب فدعني أعالجه فقال له الرسول : ( أنت رفيق والطبيب الله ) وقد أشتكى أبي ابن كعب على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فبعث إليه طبيباً يعالجه , وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مرضى من الصحابة عدة مرات , فكان يقول لأهليهم أرسلوا إلى الطبيب أو ( ادعوا له الطبيب ) تأكيداً لأهمية هذا العلم وتقديراً لجدواه في معالجة الكثير من الأمراض التي عرفها الناس في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهكذا كان هناك القليل من الأطباء في بلاد الحجاز على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه يبدو أن الأمراض كانت قليلة نتيجة خشونة العيش وقلة الترف عندهم وقد سدّ هؤلاء الأطباء بعض الحاجة خصوصاً في مناطق الحضر كما انه يحتمل وجود بعض الأطباء الآخرين في المدن الأخرى أو في البوادي في الحجاز إلا أن عدم تعرض الكتب لهم جعلنا نتوقف عنهم .


التمريض :


التمريض هو القيام على شؤون المريض ومراقبته وخدمته ويقول الزبيدي ( التمريض – حسن القيام على المريض – مرّضه تمريضا قام عليه ووليه في مرضه وداواه ليزول مرضه ) .
وقد كان التمريض بهذه الصفة معروفاً عند العرب منذ العصر الجاهلي , فكان أهل المريض وأقاربه يقومون على خدمته ومداواته سواء كان مريضاً أو جريحاً , والعرب بطبيعتهم كانوا أهل حرب وغزو , فيكثر فيهم الجرحى , فهم بحاجة إلى من يمرّضهم , فكانت نساؤهم تقوم بذلك وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة وبدء حركة الجهاد المباركة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم , ووجود جرحى كثيرين من المسلمين خلال هذه الغزوات ظهرت لدى المسلمين الحاجة إلى التمريض ومداواة الجرحى خلال المعارك ومساعدتهم , وقد دلت النصوص والوقائع على وجود الكثير من النساء يقمن بذلك بمصاحبة جند الرسول صلى الله فنجد أن النساء كن يسرن مع الجيش يداوين الجرحى ويسقين العطشى ويحملن القتلى لأجل أن يتفرغ الرجال للقتال , حتى أن بعض أمهات المؤمنين وغيرهن من النساء يصحبن الجند في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم , فهذه عائشة رضي الله عنها وأم سُليم وغيرهما من النساء يشاركن في غزوة أحد ويحملن الماء إلى المسلمين وقد وضع البخاري في كتابه الصحيح باباً سماه ( باب مداواة النساء الجرحى في القتال ) وأورد حديثاً عن الربيع بنت معوذ قالت : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة ) .
وقد كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد مع الرسول صلى الله عليه وسلم وحينما أصيب الرسول وشجّ رأسه وجعل الدم يسيل أتت فاطمة رضي الله عنها وأحرقت حصيراً وجعلت على جرح الرسول من رماده حتى أنقطع الدم .
وقد كانت أم سُليْط الأنصارية من بني عدي بن النجار مع المسلمين في غزوة أحد تجلب لهم الماء وتشارك مع النساء الأخريات في مداواة الجرحى , وقد شهدت مع الرسول وأصحابه غزوة خيبر وغزوة حنين وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر لها ذلك بعد ولايته الخلافة .
وقد كان من أشهر الصحابيات في هذا المجال الصحابية الجليلة ( رُفيْدة الأسلمية الأنصارية ) كانت تداوي الجرحى من المسلمين وتقوم بنفسها بخدمة من به ضيعة من المسلمين الجرحى , وقد جعلت في المسجد خيمة تداوي فيها الجرحى , فامر الرسول أن يحوّل بعض المسلمين إلى خيمتها فحينما أصيب ( سعد بن معاذ ) رضي الله عنه في غزوة الخندق قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوه في خيمة رُفيدة حتى أعوده من قريب ) , ويبدو من خلال النصوص التي وصلتنا أن رفُيدة كانت تعالج جرحى المسلمين وقد اشتهرت بذلك في غزوة الخندق , ومن الطبيعي أن تكون قد عالجت الكثير من الجرحى خلال تلك الغزوة خصوصاً إذا علمنا أنها قد ضربت خيمة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم تداوي فيها الجرحى ولعل هذه الخيمة تعتبر ( أول مستشفى ) عرف في الإسلام فهو بيت علاج شبيه بالمستشفى على حسب إمكانات تلك الأيام .
وقد كانت هناك بعض العمليات الجراحية البسيطة التي يقوم بها بعض النساء والرجال , فقد كان ( الختان ) معروفاً للنساء في مكة ولا أدري مدى انتشار ذلك بين النساء فقد يكون محدوداً ولكنه ثابت من بعض النصوص , فإن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو يقاتل في ( أحد ) شاهد رجلاً مشركاً يعرفه فقال له حمزة : هلّم إلي يا ابن مقطعة البظور ( وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختّانة بمكة ) – فلما التقيا ضربه حمزة فقتله .
وقد كان الرجال أيضا يجرى عليهم الختان , وكانت العرب تختن قبل الإسلام , فكانت قريش قبل الإسلام تختن وكانت العرب ترى عدم الختان عيباً , فقد كان رجل أنصاري يسلب القتلى بعد معركة حنين , فوجد رجلاً أغرل لم يختن فقال للناس يعلم الله أن ثقيف غرل ما تختن , فأخذ المغيرة بن شعبة بيده وأخذ يكشف له عن القتلى ويريه أنهم مختونون خشية ان تظن العرب أن ثقيفاً لاتختتن , ويبدو أن عملية الختان يقوم بها رجال مخصوصون في مختلف مدن الحجاز خصوصاً إذا علمنا أن اليهود قوماً يختنون , كما أن الإسلام حثّ على الختان فيما بعد , فكان كل المواليد من المسلمين يختنون بناء على وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الختان والتي منها قوله صلى الله عليه وسلم ( خمس من الفطرة , الختان , والاستحداد , وتقليم الأظافر , ونتف الأبط , وقص الشارب ) كما وردت عدة أحاديث أخرى في مجال الأمر بالختان واعتباره من مميزات المسلمين لا مجال لذكرها . كما أن اليهود كانوا يعرفون بالختان فكان يهود الحجاز وعلى رأسهم يهود المدينة يختنون وكل هذا مما جعل هناك أناساً مختصين بهذه العملية على قدر كاف من الخبرة لأن معظم سكان الحجاز سواء منهم العرب أو اليهود كانوا يختتنون .
كما أن النساء في حالة الولادة يحتجن إلى من يعتني بهن أثناء الوضع , وهذا معروف عند الناس في مختلف المجتمعات منذ القدم , وقد سماها ابن خلدون صناعة التوليد حيث يقول ( وهي صناعة يعرف بها العمل في استخراج الآدمي من بطن أمه , من الرفق في إخراجه من رحمها وتهيئة أسباب ذلك ثم ما يصلحه بعد الخروج , وهي مختصة بالنساء في غالب الأمر لما أنهن الظاهرات بعضهن على عورات بعض , وتسمى القائمة على ذلك منهن القابلة ) .
وبطبيعة الحال فإن المجتمعات في الحجاز في العصر النبوي كانت بحاجة إلى وجود قابلات يقمن بعملية التوليد للنساء وما يلزمهن أثناء الوضع , وتدل الشواهد من النصوص على ذلك فقد ذكر البلاذري أن هناك امرأة قابلة بمكة . كما ذكر عن بعض أولاد النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك قابلة تولت توليد خديجة رضي الله عنها لفاطمة واسمها ( سلمى ) مولاة صفية بنت عبد المطلب وهي زوجة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي قبلت أم المؤمنين مارية القبطية حينما ولدت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد كانت سلمى هذه تقول : ( ما كان يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء ) وكانت تقوم بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهكذا نرى من هذا العرض أن الناس كانوا يعرفون التمريض والقيام على شئون المرضى وخدمتهم , وربما كان هناك أناس يحترفون هذه المهنة , وهي القيام على أشباه المرضى إن صح التعبير وهن النساء اللاتي يقمن بتوليد النساء وبختان بعض البنات الصغيرات .
كما وجد من النساء من يداوين الجرحى في المعارك إضافة إلى ذلك فقد وجد من الرجال من يقوم بختان الأطفال من الذكور , ومن يداوي الجرحى من الرجال وهذه كلها أعمال تدخل ضمن نطاق التمريض , وقد لا يحتاج المحترف لها إلى خبرة في الطب ومع ذلك فيمكن اعتبارها روافد مساعدة للطب بطريقة ما .



4-الحجَامْة :

الحجم هم المصّ , يقال للحاجم ( الحجّام ) لامتصاصه فم المِحْجَم , والمحجم والمحجمة بالكسر ما يحجم به , وهي الآلة التي يجمع فيها دم المحجوم عند المصّ , والمحجم أيضاً مشرط الحجام وحرفته الحجامة والحجامة كانت شائعة عند العرب وهي من ضروب العلاج والتداوي , وتكون بإخراج الدم من الجسم بكميات معينة وفي مواضع معينة وأوقات محددة , وقد كانت معروفة ومشهورة عند أهل الحجاز ومنتشرة بينهم بكثرة , وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن كان في شيء من أدويتكم شفاء ففي شرطة محجم أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي ) , وقد روي جابر بن عبدالله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة : ( إن فيها شفاء ) , ومع استحباب الرسول للحجامة إلا أنه نهى عن المبالغة فيها فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ) , وليس أدل على أهمية الحجامة وكثرة تداولها زمن النبي صلى الله عليه وسلم من أن البخاري وضع في صحيحه أبواباً تتعلق بالحجامة وهي ( باب الحجامة من الدواء ) و ( باب الحجامة على الرأس ) و ( باب الحجامة من الشقيقة والصداع ) .
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحتجم ويعطي الحجّام أجره كما ورد ذلك في عدة أحاديث منها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجّام أجره ) ويبدو أن الحجامين في المدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا بكثرة بدليل ورود عدة أحاديث في كل واحد منها يرد أسم ( حجّام ) ومن هؤلاء كان أبو هند الحجّام , ويسمى حجّام النبي صلى الله عليه وسلم , وله أخ حجّام أيضاً اسمه أبو طيبة وهو من موالي بني حارثة , وقد ثبت في حديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأمر له بصاعين من طعام ) .
كما أن أبا طيبة حجم أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وكان أخاها من الرضاعة بعد أن استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كما كان هناك حجّاماً آخر اسمه ( سالم ) كان يعرف بـ ( سالم الحجّام ) حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد كان للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة موالٍ يشتغلون بالحجامة , فكان اثنان منهم يغلان عليه وعلى أهله وواحد يحجمه ويحجم أهله وهكذا فإن الثلاثة كانوا يحترفون الحجامة ويعطي اثنان منهم العباس من دخلهما لأنهما غلمان موالٍ له .
وهكذا نرى أن الحجامة كانت معروفة زمن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا تزال معروفة في بعض البلاد بقّلة , وهي إحدى وسائل علاج المرض وكان هناك أناس مختصون , يلاحظ أنهم في الغالب من الموالي , يحترفون هذه العملية ويجيدونها , ويلاحظ ذكر الرسول لها بأن فيها شفاء , وحبذا لو قام بعض الأطباء المسلمين الثقات بدراسة عملية الحجامة ومدى تأثيرها الصحي على الجسم , فلربما أفادونا كثيراً في هذه الناحية , لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكد أن فيها شفاء , والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى , خاصة ان الحجامة كانت حتى زمن قريب أسلوباً يعالج به كثير من المرضى وتنجح في علاج بعض الحالات .



العطارة والصيدلة :


العطارة مشتقة من العِطر بكسر العين وهو الطيب , والعطّار هو بائع الطيب وحرفته العطارة , والعطار جاء اسمه في الأصل من بائع العطر , وهو لا يقتصر في عمله على بيع العطر وإنما يبيع الأعشاب الطبية المختلفة الأخرى التي تستعمل في علاج المرضى , فكل عطّار في القديم هو إلى الصيدلية أقرب منه إلى العطارة , وكانوا يسمون الصيدلة بيع العطارة وكانوا يسمون العطار أحياناً بالصيدلي لذلك أطلقنا تسمية الصيدلة بيع العطارة وكانوا يسمون العطار أحياناً بالصيدلي , لذلك أطلقنا تسمية العطارة والصيدلة وقرناهما ببعضهما لأنهما كانا في العمل سواء , ويقتصر في التسمية على ( العطّار ) ولا يزال العطارون منتشرين حتى الآن في الحجاز وفي كثير من البلاد العربية والإسلامية ويسمون بنفس التسمية ويبيعون الأعشاب إضافة إلى الطيب , والعطارون كانوا ينتشرون في مدن الحجاز وفي أسواقها يبيعون للناس العطر والأعشاب التي يصفها لهم الطبيب ولهم سوق رائجة , وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح ببائع المسك كما أن البخاري وضع باباً سمّاه ( باب في العطّار وبيع المسك ) مما يدل على معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعطّارين ووجودهم زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومن الأعشاب التي كان الناس يستعملونها بكثرة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( الحناء ) فقد كانت تباع عند العطارين وتنتشر بكثرة في ذلك الزمان ولا تزال الحناء تستعمل في الحجاز وغيرها حتى الآن كما لا تزال زراعتها منتشرة في الطائف والمدينة وغيرها , ومن المحتمل جداً أنها كانت تُزرع في هذه المدن في زمن الرسول بدليل كثرة استعمال الناس لها في تلك الأيام , وانها الآن تزرع في تلك البلاد فقد تكون زراعتها الآن دليلاً على قدم زراعتها وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخضب شعره ( بالحناء ) ويخلطه ( بالكتم ) الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمله مع الحناء بكثرة وكانت بعض أمهات المؤمنين يستعملنه .
وقد كان الكثير من الناس يصبغ شعره بالحناء خصوصاً من كان ذا شيب منهم وقد وردت الكثير من أخبار ذلك من خلال كتب الحديث المختلفة , كما أن ( الكحل ) كان منتشراً ويستعمل على نطاق واسع بين الرجال والنساء وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكتحل ( بالأثمد ) وهو حجر خاص أسود اللون يوجد منه في جبال الحجاز ويستورد الطيّب منه من بلاد أخرى حيث يؤتى به من فارس وغيرها ويدق حتى ينعم جداً وله لمعان مع سواده وينقى من الشوائب وتكحل به العين , وقد كان يباع عند العطارين الذين يجلبونه من أماكن بعيدة وقد وضع البخاري باباً سماه ( الأثمد والكحل من الرّمد) ذكر فيه عدة أحاديث .
كما أن هناك الكثير من النباتات التي عرفت في العلاج وتوفرت عند العطارين في ذلك الزمان وما زال الناس يستعملها وعلى رأسها ( الحِلْبَة ) وكان الأطباء يصفونها للناس , فقد مرض سعد بن أبي وقاص بمكة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعى له طبيب فدعي له الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور فأمرهم أن يعطوه حلبة فشفى من مرضه .
كما كانوا يستعملون الحبة السوداء للعلاج وتوجد عند العطارين وقد استعملت في العلاج في العصر النبوي , وقد ورد في ذلك حديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام , قلت : وما السام ؟ قال : الموت ) , ولا تزال الحبة السوداء تستعمل في العلاجات الشعبية ويبيعها العطارون وتسمى عندهم ( السمراء ) أو ( السميراء ) أو ( الخضيراء ) أو ( حبة البركة ) .
( والكباتْ ) ثمر الأراك وهي الشجرة التي يؤخذ منها ( السواك ) يجمعه الناس ويأكلونه وهو علاج مقوي للمعدة وقد جمعه الرسول وأكله .
كما كانوا يستعملون ( النّورة ) للغسيل وتنظيف الجلد والشعر وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها أثناء اغتساله في بعض الأحيان كما وردت بذلك الأحاديث .
( والصّبْر ) كان من الأدوية التي تباع عند العطارين ويستعمله الناس للدواء وتستعمله النساء للتجميل أيضاً فيدهن به وجوههن وكانت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها تستعمله , فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم باستعماله في الليل فقط لأنه يظهر الوجه بنظرة الشباب .
أما العطور فكانت معروفة بأشكال مختلفة منها ما ينتج من زراعة محلية ومنها ما يستورد من أماكن بعيدة , وقد كانت بعض أنواع الزهور تباع لدى العطارين وقد تكون مجففة ويستفاد منها وهي كذلك ومن أشهر الزهور المعروفة عندهم ( الريحان ) وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم منه قوله تعالى : (( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَان )) آية 12 من سورة الرحمن , وذلك مما يؤكد معرفة المخاطبين لها , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة ) .
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على استعمال ( الطيب ) وشاع في عصره حيث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب , وجعلت قرة عيني في الصلاة ) وهذا الحديث يدل على حب الرسول صلى الله عليه وسلم للطيب ويستشف منه كثرة استعمال الرسول للطيب وكان من أحب الأشياء إليه , وقد كانت رائحة الطيب تفوح من الرسول صلى الله عليه وسلم باستمرار يشم ذلك منه المسلمين , كما أن الرسول أمر المسلمين بالاغتسال والتطّيب لصلاة الجمعة والعيدين وكان يحب ذلك من المسلمين , كما كان المسلمون يعرفون ( الزعفران ) في المدينة ويستعملونه بكثرة في دهن أجسامهم وقد حكّ الرسول نخامة كانت في مسجده ووضع عليها قليلاً من ( الزعفران ) .
ومن أنواع الطيب التي كان يستعملها أهل الحجاز منذ العصر الجاهلي وحتى الآن ( البخور ) والبخور أنواع خاصة من الأشجار تتميز برائحة طيبة حيث يوضع قطعة منها على الجمر بحيث تخرج دخاناً طيب الرائحة وكان البخور يباع عند العطارين ولا زال كذلك , وهو أنواع مختلفة ويستعمل له الناس في مكة والمدينة وغيرهما من مدن الحجاز أوعية خاصة لإحراقه تسمى ( المجمرة ) وكانت تستعمل بمكة ويحملها الناس إلى مجالس الرجال حول الكعبة يبخرون بها الناس , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتبخر بالعود والكافور والعود منه ما هو هندي , وهو في الغالب مجلوب من الهند , ومنه ما هو بحري وهو أخف رائحة من الهندي .
وقد ورد في حديث نبوي ترغيب للناس بالعود الهندي في قوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بهذا العود الهندي فان فيه سبعة أشفية , يسعط به العذرة ويلد به ذات الجنب ) , وقد كانت قريش في الجاهلية تجمر الكعبة مما سبب لها الحريق الذي جعل قريشاً تهدم ما بقى منها وتبنيها من جديد قبل البعثة النبوية بقليل , وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على تطييب المساجد .
وهكذا نرى أن حرفة العطارة كانت منتشرة عند أهل الحجاز منذ العصر الجاهلي وخلال عصر الرسول بما تتضمنه هذه الحرفة من بيع نباتات وأعشاب طبية أو بيع روائح عطرية أو ما ينتج الروائح العطرية من ريحان أو بخور أو غير ذلك .
وقد كانت للرسول توجيهات خاصة عن بعضها وهي التي مكّنتنا من معرفة هذه الأصناف التي ظهرت في الحجاز خلال العصر النبوي وما ورد فيها من أحاديث ونصوص تعود للنبي صلى الله عليه وسلم , ولا شك أن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه للطيب انعكست على المسلمين جميعاً في التطيّب وطلب الرائحة الطيبة سواء في أصحابه المعاصرين له أو في من جاء من المسلمين فيما بعد حتى عصرنا الحاضر .




التجميل والحلاقة :

لقد أهتم الناس منذ القدم بالتجميل وإظهار الحُسن ولا سيما بالنسبة للنساء , كما أهتم الرجال ببعض الأشياء التي تضفي عليهم جمالاً واستخدموا لذلك طرقاً شتى .
والذي دعاني إلى الكتابة عن التجميل هو ما عرفته المجتمعات القديمة وخصوصاً الطبقات الغنية منها من وجود نساء يحترفن القيام بتجميل النساء الثريات وعمل بعض الزينة لهن , بل ربما وجد ذلك بين النساء في الطبقات العادية من المجتمع , إلا أن ذلك كان يكثر في الحضر ويقل في البادية .
وقد كان في الحجاز أيام الرسول وفي أواخر العصر الجاهلي نساء يقمن بهذه المهنة , يدل على ذلك ما أوردته بعض النصوص , يقول ابن هشام : ( أن ضرار بن الخطاب ابن مرداس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس , فنزلوا على امرأة يقال لها ( أم غيلان ) , مولاة لدوس وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس ) فمن خلال هذا النص يتبيّن لنا أن ( أم غيلان ) كانت تمتهن تمشيط النساء وتجهيز العرائس وربما وجدت نساء غيرها في مختلف القبائل يقمن بهذه العملية .
ويبدو كذلك من خلال النصوص أنه كان في المدينة من تعرف بالماشطة وهي التي تصفف شعور النساء وتزينها لعرس او لقدوم زوج من سفر فقد ذكر عن ( عبدالله بن رواحه ) أنه قدم على أهله بليل فكانت امرأة عبدالله نائمة مع ماشطتها فاستراب ( عبدالله ) وحين علم أنها الماشطة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الغد بما دار في نفسه , فقال الرسول : ( لا تطرقوا النساء ليلاً ) , وقد كانت الأمهات يقمن بجمع شعر بناتهن وتمشيطه وتزيينه وهي عادة نسائية معروفة في المجتمعات منذ القدم , وقد ورد أن جابر بن عبدالله تزوج , فسأله الرسول : هل تزوجت بعد ؟ قال جابر : نعم يا رسول الله , قال له الرسول ثيباً أم بكراً ؟ قال جابر : بل ثيباً , قال له الرسول : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك , قال جابر : يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبع , فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن , قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أصبت إن شاء الله .
وقد كانت النساء يقمن بتمشيط أزواجهن فقد ورد في حديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ( كنت أرجّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض ) .
وقد كانت هناك ماشطة تأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويكرمها ويقول إنها كانت تأتينا أيام خديجة , وتسمى ( أم زُفر ) . ويدل هذا على وجود نساء مختصات بتزيين النساء وتمشيطهن في مكة وفي المدينة فقد كانت الماشطة المذكورة تأتي خديجة رضي الله عنها في مكة قبل وفاتها .
ولما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صفية بنت حيي بن أخطب ) قامت بتمشيطها وتجميلها له أم سليم بنت ملحان وهي أم انس بن مالك وزوجة طلحة بن عبدالله , وقد ذكر عن ( آمنة بنت عفان ) أخت عثمان بن عفان أنها كانت ماشطة في الجاهلية , وقد كانت هناك امرأة في المدينة تسمى ( أم رِعلة القشيرية ) تزين النساء وتجملهن وقد جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته عن أشياء وقالت له : إني امرأة مُقينة أقين النساء وأزينهن لأزواجهن , فهل من حوب فأثبط عنه ؟ فقال لها : يا أم رعله قيّنيهن وزينّيهن إذا كسدن .
وكانت من صور التجميل المعروفة عند العرب في الجاهلية ( الوشم ) وهو غرز الإبرة في مواضع معينة من الوجه أو اليدين حتى يسيل الدم ثم يحشى بالكحل أو النيل حتى يزرق أثره أو يخضر ويستمر هذا اللون المغاير للجلد بأشكال معينة , وكان الكثير من العرب يعمل ذلك على يد أناس مختصين يقومون بالوشم فينقشون على الجسم صور حيوانات أو خطوطاً تكون على الشفاه ويشم بعض الرجال مواضع من أجسامهم يظنون أن ذلك يقوي المفصل الذي وشم عليه .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوشم وحرّمه كما ورد في الحديث ( لعن الله الواشمات والمستوشمات , والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) وقد أتي بامرأة تشم النساء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لأصحابه : ( أنشدكم بالله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في الوشم ؟ فقال أبوهريرة يا أمير المؤمنين أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تشمن , ولا تستوشمن ) ويدل هذا الحديث على وجود نساء محترفات يقمن بعملية الوشم .
وكثير من النساء في العصر الجاهلي إذا كان شعرها قليلاً بطبيعته أو بسبب مرض يقمن بوصله بشعر مستعار للتزين بهذا الشعر المستعار وحينما جاء الإسلام حرّم ذلك ففي حديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة ) وقد وردت عدة أحاديث أخرى تنهي عن وصل الشعر ليس هنا مكان استقصائها .
وبالنظرة السريعة لتعليمات الإسلام فيما يتعلق بالتجميل والصحة نجد أن هناك الكثير من التعليمات يمكن أن نختصرها بالآتي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقّر بل أمر بكل ما يتعلق بالتجميل من نظافة سواء بتقليم الأظافر أو تنظيف شعر الإبطين أو العانة , وأمر بالتطيب واتخاذ الملابس الحسنة خصوصاً في الجمعة والأعياد .
كما انه في الجانب الآخر نهى عن بعض ما تعمله النساء من تزين مغشوش كالوصل للشعر أو تفليج الأسنان أو الوشم وهذه كلها أشياء مغشوشة تخدع من يريد الزواج من المرأة , كما أنها وسائل قد تحتوي على أضرار أخرى لا يستطيع الإنسان تداركها , فكم من واشمة تمنت زوال الوشم من وجهها ولكنها لم تستطع , وكم من متفلجة أضرت بأسنانها دون أن تعلم وكم من واصلة خدعت الخطّاب .
وهكذا نرى أن تشريعات الإسلام في هذا المجال كلها تتعلق بمصلحة الناس في الدرجة الأولى وكما هو معروف فإن الإسلام لا يأتي إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر , وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير مثل للمسلمين يعتني بنظافته الشخصية وبرائحته الطيبة فكان الرسول يحمل معه في سفرة المرآة والمشط والمكحلة والمقراض والمسواك وكل ما يساعده على تطهير بدنه ونظافته وجماله .

الحلاقة :


هي إزالة الشعر فيقال حلق الرأس أي أزال شعره , وقد ورد في القرآن الكريم ذكر للحلاقة في قوله تعالى : ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا )) سورة الفتح / آية 27 , ولقد كانت الحلاقة مقرونة بالحج ملتصقة بالرجال , والتقصير أيضاً مقروناً بالحج للنساء في الأصل ويجوز للرجال التقصير فقط , فكان الناس في الحج والعمرة يحلق بعضهم لبعض ويقصر بعضهم لبعض , فكان الكثير من الناس لديهم المقدرة على ذلك ولكن يبدو أنه وجد أناس معينون يمتهنون الحلاقة للناس , ويأخذون منهم الثمن سواء في مكة أثناء الحج أم في غيرها , وقد اوردت كتب الحديث عدة أحاديث تتعلق بحلق الرسول صلى الله عليه وسلم , فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم حلق أربع مرات على الأقل ثلاثاً منها في العمرة وواحدة في حجة الوداع كما وردت بعض الروايات .
وقد ورد ذكر لبعض الحلاقين المشهورين أيام الرسول صلى الله عليه وسلم , وعلى رأسهم أبو هند حجام الرسول صلى الله عليه وسلم , فقد حلق للرسول عدة مرات , كان منها حلقه للرسول صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة , وقد ذكر من الحلاقين معمر بن عبدالله بن فضلة رضي الله عنه , وهو الذي حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع , وحين قام على رأس الرسول ليحلقه ومعه الموس قال له الرسول : يا معمر مكّنك رسول الله من شحمة أذنيه , قال معمر : ذاك من منن الله علّي , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أجل .
ومن هؤلاء الحلاقين أيضاً خُراش بن امية بن ربيعة الكليبي ( بالتصغير ) وقيل إنه هو الذي حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة في عمرة القناة وكان حجاماً .
كما ذكر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وهكذا فأننا نرى أن المرات التي حلق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووردت من خلال كتب الحديث كانت مرتبطة بعمرة أو حج , وذلك لأهمية ذلك في التحلل من الاحرام , كما لا يفوتنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر الرجل بالحلق إذا رأى به أذى من شعر رأسه حتى ولو كان محرماً , فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم مّر بكعب بن عُجره وهو يوقد تحت القدر فقال : ( أيؤذيك هوام رأسك ؟ قال : نعم , فدعا الحلاق فحلقه ثم أمره بالفداء ) .
ومن المقارنة بين الحجامة والحلاقة نجد أن الحلاق يمتهن الحجامة والعكس صحيح في تلك الأيام , أي ان من يقوم بالحلاقة يقوم بالحجامة أيضاً ومن يقوم بالحجامة يقوم بالحلاقة فنجد أن ( أبا هند ) حجّام الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ذكره ضمن الحلاقين وكذلك ( خراش بن أمية ) الذي ذكر أنه حلق شعر الرسول في آخره وكان حجاماً .
والجدير بالذكر أن الأمر بقي كذلك إلى وقت قريب فكان الناس يعرفون أن الحجام أو الحلاق يقوم بالعمليتين معاً الحلاقة والحجامة .
وهكذا نرى من خلال ما اوردناه أنه وجد مختصون يقومون بالحلاقة للناس في زمن الرسول والحلاقة كانت بهدف المحافظة على الجمال إضافة إلى تخليص البدن من الشعر الزائد في الوقت نفسه .






صناعة البناء

-البناء

-بناء المساكن
-بناء دور العبادة – البناءات الدينية
-البناءات العسكرية
-حفر الآثار

-النجارة


----------------------------------

البناء :
-------


يعتبر البناء من الحاجات الضرورية للإنسان المقيم والمستقر , وكما هو معروف فإن سكان الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا نوعين إما بادية ( أعراب ) , أو حاضرة وهم سكان المدن والقرى , وقد كان سكان المدن في الحجاز يقيمون المباني حسب حاجتهم وبمختلف أنواعها , وقد عرف سكان الحجاز أصول البناء وفنه , كما وجد من يقوم بالبناء في كل من المدن ويعرف أصوله .
ويدلنا خطاب الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في كثير من الآيات على معرفتهم بأصول البناء من أساس وغيره , حيث يقول الله تعالى في سورة التوبة / آية 109 : ((أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين )) .
وتدل هذه الآية الكريمة على معرفة المخاطبين في ذلك الوقت أساس البناء , وقوة الأرض , ومدى احتمالها للمباني من عدمه , وتصورهم طريقة البناء وأصوله . وقد اختلفت أنواع البناء حسب الحاجة في الحجاز من مساكن إلى حصون وقلاع , وإلى أسوار , الى ما يلحق بذلك من حفر للخنادق أو الآبار , الى بناء للمساجد , وللكعبة المشرفة وغير ذلك مما تقتضيه مصالح الناس في سكنهم أو في مزارعهم أو في دفاعاتهم العسكرية في الحروب , وسنتعرض لذلك في حدود ما ورد لدينا من نصوص أوردتها المصادر تعطينا أمثلة وتصوراً عن هذه الحرفة .


----------------------------

بناء المساكن :
----------------


كانت المساكن ولا تزال من الحاجات الضرورية لأهل المدن والقرى , وقد قامت حركة عمرانية في مكة حسب الحاجة , حيث كان الناس يقومون ببناء الدور الخاصة بهم , وفي المدينة قامت حركة عمرانية واسعة بعد الهجرة , حيث هاجر الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كما هاجر إلى المدينة كثيراً من الأعراب تبعاً للإسلام وبحثاً عن الهدى والعلم وكان كل واحد منهم بحاجة إلى مكان لبناء بيت له , فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخط لهم الخطط , ويحدد لهم الأماكن التي يبنونها , ومن المعروف في هذه الفترة التأسيسية لدولة الإسلام كثرة المهاجرين إلى المدينة وحاجتهم للمأوى لهم ولعائلاتهم , ولمساكن يعيشون فيها , وقد كانت هذه المساكن بسيطة للغاية تفي بحاجة المسلمين فقط دون تفخيم أو تزيين , حيث كان المسلمون مشغولين بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله , ولم تشغلهم إقامة المساكن أو تزيينها , وتعتبر النصوص الواردة في بناء البيوت قليلة وأكثر ما ورد حولها كان عن حجرات ( بيوت ) النبي صلى الله عليه وسلم , ولعل طريقة بنائها تعطينا تصوراً لما كانت عليه مساكن أهل الحجاز في ذلك العصر من بساطة مع القيام بالحاجة .

حجرات النبي :
----------------


ورد ذكر لحجرات النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم , وسميت إحدى سور القرآن الكريم بالحجرات حيث وردت الآية التي تقول : ((إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون )) سورة الحجرات / آية 4
وقد وردت عدة نصوص تدلنا على طريقة بناء الحجرات والطابع الذي تميزت به , فبعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء المسجد اتجه إلى بناء حجراته عليه السلام .
وقد ابتدأ صلى الله عليه وسلم ببناء حجرتين , إحداهما لأم المؤمنين ( سودة بنت زمعة ) والأخرى لأم المؤمنين (عائشة ) رضي الله عنها , ثم بنى بقية الحجرات حسب الحاجة إليها , وكانت حجرات رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنية باللبن ( خليط من الطين يوضع في قالب من الخشب ويجفف حتى يتماسك ومن ثم ينقل للبناء ) ومسقوفة بجريد النخل وعلى الجريد شئ من الطين , وكان سقف الحجرات غير مرتفع , فكان الواقف يلمس السقف بيده , وقد كانت بعض حجرات النبي من الحجر المرصوف بعضه فوق بعض وسقفها من جريد .
وكان عرض الحجرة ما يقرب من سبعة أذرع وطولها حوالي عشرة أذرع , وبعض أبواب حجرات النبي صلى الله عليه وسلم من الخشب كما ورد في بعض النصوص أن باب عائشة رضي الله عنها كان من (العرعر ) و ( العرعر شجر جبلي أخضر يشبه السدر ) أو من ( الساج ) وهو بمصراع واحد , وكانت أبواب حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم تفتح على المسجد وتغطى بمسوح الشعر .
وإضافة إلى حجرات النبي صلى الله عليه وسلم فقد قام رسول الله أثناء بنائه الحجرات ببناء مساكن لعلي رضي الله عنه ولحمزة كما بني لجعفر بن أبي طالب وكان لا يزال بأرض الحبشة وجعل مسكنهم داخل حرم مسكنه , وجعل أبوابهم على المسجد , ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك غير أبوابهم عن المسجد .
ويقع بيت علي رضي الله عنه وزوجته فاطمة خلف بيت النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إذ كان يقع شرق المسجد على يسار المتجه إلى القبلة , وكان به خوخة إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يناديهم النبي صلى الله عليه وسلم حين الصلاة كل صباح .
وفي المدينة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير من بيوت الأنصار رضي الله عنهم ولكن قلة النصوص الواردة عنها تجعلنا نتردد في وصفها كثيراً , وقد وردت في كتب السيرة الكثير من النصوص عن دار ( أبي أيوب الأنصاري ) رضي الله عنه , وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عنده أول ما وصل المدينة حتى أتم بناء مسجده وحجراته فارتحل أليها . ومن خلال هذه النصوص نعرف أن دار أبي أيوب الأنصاري كانت تتكون من دور سفلي ودور علوي كل منهما صالح للسكن , وقد سكن الرسول في أسفل البيت وسكن أبو أيوب وزوجته في أعلاه , فتضرّع أبو أيوب إلى النبي أن يسكن في الطابق الأعلى لأن أبا أيوب يكره أن يكون فوق النبي صلى الله عليه وسلم , وكانت دار أبي أيوب كبيرة إلى حد ما أنه كان يشهد الطعام مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الخمسة عشر إلى الستة عشر كل يوم , ومكث الرسول عند أبي أيوب سبعة أشهر حتى فرغ من بناء مسجده وحجراته عليه السلام .
وقد كانت هناك الكثير من الدور الأخرى التي عمّرت في المدينة بعد الهجرة إما للمهاجرين أو للأنصار , فقد استقطع الزبير رضي الله عنه في البقيع فبنى فيه الدور كما أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بنى له داراً قريبة من المسجد . كما اتخذ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دارين قريبتين من المسجد , كما أن أبا بكر رضي الله عنه كانت له داران إحداهما بالبقيع والأخرى بجوار المسجد , وهي التي وردت في الحديث عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من باب أبي بكر ) … هذه فقط أمثلة ونماذج على نشاط حركة البناء للمساكن في المدينة بعد الهجرة , وقد ذكرت المصادر الكثير من الدور التي اتخذها المهاجرون الأولون , كما انه بعد فتح خيبر أسلم أناس آخرون وهاجروا واتخذوا لهم دوراً في المدينة منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما كما أنه بعد فتح مكة أنتقل الكثير من مسلمة الفتح إلى المدينة , وكان من الطبيعي أن يتخذوا دوراً هناك للسكن وكان ذلك دفعة أخرى قوية للبناء في المدينة زادت من عدد المباني وعدد السكان وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاون بعضهم بعضا في البناء فقد بحث عمر رضي الله عنه عن عمار بن ياسر فوجده يعمل في منزله وبناء دار فنقل معه عمر رضي الله عنه طيناً ولبناً .
وقد كان هذا دأب الصحابة رضي الله عنهم ودأب معظم الناس في ذلك الزمان في البناء حيث أن من كان عنده بناء يجتمع حوله الناس ويساعدونه في نقل الطين واللبن والماء وغير ذلك بدون أجرة , وقد لا يلجأ صاحب الدار إلى الأجراء في البناء أذا كان يستطيع البناء حيث يساعده الجميع ولا تزال هذه الطريقة مستعملة في القرى إلى وقت قريب , حين كانت البناءات من الطين , حيث كان الجميع يساعدون صاحب البناء بالعمل معه مجاناً .
ولقد وجدت في مكة الكثير من الدور السكنية في الجاهلية والإسلام وكانت بعض الدور المتقاربة والمملوكة لأقوام معينين تسمى ( الرّباع ) ومنها رباع بني عبدالمطلب ابن الهاشم , ورباع بني أسد بن عبدالعزى , ورباع بني المطلب بن عبدمناف , ورباع بني عبد شمس بن عبد مناف , وهذه أمثلة كانت في مكة الكثير منها , ولم أعثر على نصوص عن طريق بناء البيوت في مكة زمن الرسول أو في العصر الجاهلي , ولكن ما ورد عن بيوت مكة كان متعلقاً بتحديد المواقع , وبمعرفة ملاك هذه الدور . أما عن طريقة بناءها
وتفصيل ذلك فلم أجد لذلك ذكراً إلا النزر اليسر فقد ذكر أن أهل مكة كانوا يتخذون في بيوتهم صفائح من حجارة تشبه الرفوف , يضعون عليها المتاع أو الشيء حتى لا يكون في متناول الأطفال , أو الدواجن , والحيوانات ويندر أن يوجد بيت في مكة يخلو من تلك الرفوف وكان في بيت خديجة رضي الله عنها بمكة شيئاً من ذلك .
وقد كان أهل الطائف وخيبر وغيرهما من مدن الحجاز يعملون باستمرار في بناء المساكن لهم حسب الحاجة إلا أن عدم تفصيل ذلك من خلال المصادر يجعلنا نتوقف عن الإسهاب فيها ومما لا شك فيه ان الناس في هذه الأماكن كانت لديهم الخبرة الكافية لبناء المساكن نظراً لوجود الأسوار والحصون المبنية بطريقة ممتازة خصوصاً سور الطائف وحصون خيبر .


البناءات الدينية :

بناء الكعبة المشرفة :



لقد تعرضت الكعبة المشرفة إلى حريق أتى على كل أستارها وتسبب في تصدع بناءها ودخول السيل إليها , وحين كثرة هذه السيول أثرت على الكعبة , فعزم رجال قريش أن يهدموها ويعيدوا بناءها وقد جرى ذلك في قصة طويلة أن نستنتج من هذا البناء الذي تواترت به النصوص بعض الأدلة على طريقة البناء و أسلوبه في مكة في تلك الأيام قبيل البعثة النبوية بخمس سنوات .
حينما عزمت قريش على بناء الكعبة صادف في تلك الأيام مرور سفينة رومية في البحر الأحمر (بحر القلزم ) فلما وازت جدة أو الشعيبة جنحت السفينة فتحطمت قبالة الشاطئ . فجاءت قريش فاشترت خشبها من أهلها , وأذنوا لهم بدخول مكة والمتاجرة فيها .
ونقلت قريش خشبها إلى مكة لاستخدامه في بناء الكعبة , وقد كان في هذه السفينة رجل رومي يسمى ( باقوم ) وكان يجيد البناء , كما كان في مكة في تلك الأيام رجل قبطي من أهل مصر وكان يحسن التجارة , وقد طلبت قريش من هذين الرجلين أن يساعداها في بناء الكعبة , كما تعاون القرشيون جميعاً في بنائها فكانوا يجمعون الحجارة والرسول صلى الله عليه وسلم يعمل معهم وعمره حينذاك خمس وثلاثون سنة على وجه التقريب , وحينما بدأت قريش بناءها كان يساعدهم ( باقوم الرومي ) على أساس خبرته في البناء .
وحين ارتفع البناء اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود وكادوا يتقاتلوا على ذلك , حتى اتفقوا أن يحكّموا أول داخل عليهم فكان هذا الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستبشروا وقالوا : هذا الأمين , وقد استطاع الرسول عليه السلام بحكمته أن يرضي جميع الأطراف وذلك بعد ان بسط رداءه وقال للقوم : كل قبيلة تحمل طرفاً منه , فحملوا الحجر جميعاً فلما وازى مكانه أخذه بيده فوضعه في مكانه ورضي الجميع بذلك .
وقد كان اشتراك الرومي باقوم في البناء والقبطي النجار في تسقيف الكعبة وتهيئة أخشابها دليلاً على براعتهما وعلى أنهما أفضل من قريش في البناء والنجارة وأنه لم يكن في قريش من يجاريهما في مهنتهما وإلا لقُدم عليهما خصوصاً في مثل هذا الشأن العظيم عند قريش وعند العرب كلها , ولعل ذلك مرده إلى احتقار العرب للحرفيين مما جعل البارعين في هذه الحرف هم من غير العرب بالدرجة الأولى .
وقد بنيت الكعبة على شكل مغاير لما كانت عليه قبل ذلك فقد جعل ارتفاعها ثمانية عشر ذراعاً وذلك يقارب ثمانية أمتار , بزيادة تسعة أذرع عن عمارة إبراهيم عليه السلام , كما قاموا برفع بابها عن الأرض لكيلا يدخلها إلا من سمحوا له من الناس ويمنعون من دخولها من لا يرغبون في دخوله , وقد جعلوا في ركنها الشمالي من داخل الكعبة درجاً ليمكن الصعود منها إلى سطحها , وكان سقف الكعبة من الخشب الذي أحضرته قريش من بقايا السفينة الرومية , وقد وجه السقف بحيث يتجمع سيله ناحية حجر إسماعيل وجعلوا له ميزاباً يصب في الحجر وقد وضعوا في داخل الكعبة صور بعض الأنبياء عليهم السلام منها صورة لإبراهيم وهو يستقسم بالأزلام وقد أزالها الرسول عليه السلام بعد الفتح , مع صورة لعيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم وصوراً متخّيلة للملائكة .
وهكذا نرى من هذا العرض ضعف إمكانات قريش وقلة خبرتها بالبناء حيث أنها اضطرت في بناء الكعبة للاستعانة بخبير البناء الرومي وبالنجار القبطي , كما أنها اعتمدت بصفة أساسية على خشب السفينة المحطمة , مع العلم أن الأمر يتعلق ببناء الكعبة المقدسة ومع انهم كادوا يتقاتلون من اجل وضع الحجر الأسود لكنهم تنازلوا طواعية لعاملي البناء والنجارة الغربيين نظراً لخبرتهما .


انتهى الكتاب

وهو بعنوان
( الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم )
المؤلف : عبدالعزيز ابراهيم العمري
الطبعة الأولى 1985
طبع في مطابع مؤسسةالخليج للنشر والطباعة في قطر لمركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية .


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-01-2010, 06:36 PM
الصورة الرمزية عايدة
عايدة غير متواجد حالياً
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 25-01-2010
الدولة: الطائف - السعودية
العمر: 43
المشاركات: 4,587
افتراضي

السلام عليكم ..
مشكور أخي على كل هذه المعلومات القيمة
بارك الله فيك و يعطيك العافية
دمت في رعاية الباري و توفيقه
تحياتي و تقديري
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-01-2010, 10:00 PM
الصورة الرمزية محمد محمود فكرى الدراوى
محمد محمود فكرى الدراوى غير متواجد حالياً
عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 10-12-2009
العمر: 54
المشاركات: 2,626
افتراضي

شكرا ياأخت عايدة على هذا المرور الطيب العطر


حفظك الله ورعاكى

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-03-2010, 10:55 PM
ام مروة غير متواجد حالياً
مشرفة بالمجلس الاسلامي و الاسرة العربية
 
تاريخ التسجيل: 07-01-2010
الدولة: القاهرة
العمر: 46
المشاركات: 190
افتراضي

معلومات قيمة جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24-03-2010, 12:09 AM
الصورة الرمزية عبد الحميد دشو
عبد الحميد دشو غير متواجد حالياً
اديب
 
تاريخ التسجيل: 18-11-2009
الدولة: سوريا - محافظة حلب - منبج
العمر: 37
المشاركات: 397
افتراضي رد

شكراً اخ محمد الدراوي على هذا الكم من المعلومات
جزاك الله خيراً
مودتي
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26-03-2010, 03:26 PM
الصورة الرمزية محمد محمود فكرى الدراوى
محمد محمود فكرى الدراوى غير متواجد حالياً
عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 10-12-2009
العمر: 54
المشاركات: 2,626
افتراضي

شكرا أخى عبد الحميد دشو على مرورك الطيب
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15-04-2010, 10:28 PM
الصورة الرمزية زمرده
زمرده غير متواجد حالياً
عضوة مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 22-01-2010
الدولة: J2 M 172
العمر: 47
المشاركات: 3,073
افتراضي

مقال اكثر من رائع بارك الله فيك اخى الكريم

من متحف العلا بالدينه المنوره



















__________________
فسحّت دموع العين تبكي لبلدةٍ
بها حرم أمنٌ وفيها المشاعر
* * * *
وتبكي لبيتٍ ليس يؤذي حمامه
يظلّ بها أمنا وفيه العصافر
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-07-2010, 05:29 PM
الصورة الرمزية محمد محمود فكرى الدراوى
محمد محمود فكرى الدراوى غير متواجد حالياً
عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 10-12-2009
العمر: 54
المشاركات: 2,626
افتراضي

شكرا اختنا الفاضلة زمردة على المرور الطيب
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وصية النبي أن يرجع المسلمون لأبي بكر بعده.. "فأتي ابي بكر" د حازم زكي البكري مجلس القبائل البكرية و التيمية العام 9 19-08-2016 03:03 AM
كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي "كاملا" محمد محمود فكرى الدراوى موسوعة الفرق و المذاهب ( الملل والنحل ) 3 26-12-2015 08:00 PM
الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد....منقول للفائدة قاسم سليمان مجلس العقائد العام 3 08-06-2015 02:42 PM
يا سحنه نوبية كوش نبتة كرمة مروى المحس النوبة توتى شمبات العيلفون مملكة علوة معاوية على ابو القاسم مجلس قبائل النوبة 8 02-06-2012 09:48 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 10:37 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه