نساءٌ رائدات - الصفحة 2 - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
سجل رقم 675لغام 1122 هجري من سجلات وثائق الصرة أوقاف الحرمين الشريفين
بقلم : الشريف قاسم بن محمد السعدي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: الى اين؟ (آخر رد :هلا حيدر)       :: سؤال عن نسب عائلة الحجاجي (آخر رد :العربي مخطاري)       :: بدء اسبوع قبيلة شمر الطائية . دعوة للمشاركة (آخر رد :الجارود)       :: قبيلة آل العرجاء . نسبهم . مساكنهم . تاريخهم (آخر رد :العجمي_1)       :: فروع وفخوذ قبيلة العجمان المتداولة غير صحيحة (آخر رد :العجمي_1)       :: قبيلة بني قطران (آخر رد :محمد المرحوم)       :: تأملات في بطون شمر الكريمة (آخر رد :ابن جنـاب)       :: اطلب ولو روحي ، ان كآنها تخدمك ** انزل على صدري ، ثم سلّها لا هنت (آخر رد :الجارود)       :: البحث عن نسب عائلة بدران في قرية الزوك الشرقيه مركز المنشآه محافظه سوهاج (آخر رد :عبدالمنعم عبده الكناني)       :: عرب الجهمه (آخر رد :ابن جنـاب)      



موسوعة التراجم الكبرى تراجم و سير الشخصيات و الجماعات و الحضارات

Like Tree13Likes

إضافة رد
  #41  
قديم 16-01-2013, 04:54 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم ذر



الصادقة.. المصدقة


رُوِى أن زوجها سُئِلَ عن بدء إسلامه، فقال: دخلت على صنم كان عندنا نقول له نُهُم، فأتيته فصببت له لبنًا ووليتُ، فإذا كلب يشرب ذلك اللبن، فلما فرغ رفع رجله، فبال على الصنم فأنشأت أقول:
ألا يا نُهْـمُ إنِّى قَدْ بَدَا لِـــى مدى شَرَفٍ يُبعّدُ مــنكِ قُـرْبًا
رأيتُ الكَلبَ سَامَكِ حَظَّ خَسْفٍ فَلَمْ يَمْـنَعْ قَـفَاكِ اليَــوْمَ كلبًا
فسمعتنى أم ذرّ فقالت:
لقدْ أتيتَ جُـرْمًا وأصَـبْتَ عظمًا حينَ هَجـَوتَ نُـهْمَــا
فأخبرتُها الخبرَ، فقالت:
ألا فـابغِنَا رَبّـا كَرِيــمًا جَوَادًا فِى الفَضَائِلِ يا بْنَ وَهْبٍ
فَمَا مَنْ سَامَهُ كَلْـــبٌ حَقِيرٌ فَلَـمْ يَمْـنَـعْ يَـدَاهُ لَنَا بِـرَبِّ
فَمَا عَبَدَ الْحِجَارَةَ غَـيْرُ غَـاوٍ رَكِيكُ العَقْلِ لَيْسَ بذِى لُــبِّ
فلما حكيت ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تبسم وقال: "صدقَتْ أم ذر، فما عبد الحجارة غير غاوٍ" [ابن حجر فى الإصابة].
أم ذر، أدركت قبل إسلامها أن الصنم لا ينفع ولا يضر، فإنه حجر أصم، وأنه لابد أن يكون لها رب كريم عظيم فى فضائله .
تركت دارها فى قبيلتها غفار، وسَعَتْ إلى المدينة مع زوجها، الذي أخلصت له، وتحملت المشقات والمتاعب التي فاقت طاقتها لأجله.
سمعت من زوجها ما تعلمه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وتعلما منه الحكمة والأخلاق الكريمة، وكان دائمًا يقول لها: علَّمَنِى خليلى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أقول الحق ولو كان مرّا.
وقد تمسكت بالتعاليم النبوية الشريفة، وعضت عليها بنواجذها، ولم تضعف أمام ما تعرّض له زوجها، فَيُرْوَى أنه حين سافر إلى دمشق وجد الناس يميلون إلى الدنيا ميلا عظيمًا، ويركنون إليها، فذهب إلى معاوية بن أبى سفيان -رضى اللَّه عنه- والى دمشق يومئذ، ودخل معه فى حوار ساخن وعاصف، أدى إلى أن شكاه معاوية لدى الخليفة عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - فقال زوجها لعثمان: أتأذن لى فى الخروج من المدينة، فأذن له، فنزل منطقة تسمى الربذة، وبنى بها مسجدًا، وأجرى عليه عثمان العطاء؛ وقد لحقت أم ذر بزوجها، وأقامت معه فيها، إلا أن صعوبة الحياة هنالك؛ أدت إلى أن مرض زوجها -وكان شيخًا لا يقدر على رمضاء هذا الجو - فقامت فى خدمته لا تمل ولا تتعب ولا تشتكي، بل ظلت وفيةً له ومخلصة فى إيمانها.
وفى يوم من الأيام، أدركت أن زوجها على أعتاب الموت فبكت، فقال لها زوجها: فيم البكاء والموت حق؟ فأجابته، بأنها تبكى لأنه يموت وليس عندها ثوب يسعه كفنًا. فيبتسم فى حنان وقال لها: اطمئني، لا تبكِ، فإنى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده فى نفر من أصحابه يقول: "ليموتَنَّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين" فرأيت كل من كان معى فى ذلك المجلس مات فى جماعة وقربة، ولم يبق منهم غيري، وها أنا ذا بالفلاة أموت، فراقبي الطريق، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فإني واللَّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِّبْتُ. [ابن سعد والهيثمي]. ثم فاضت روحه إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وبينما هو مُسَجَّى على حِجْرِها إذ رأت قافلة من المؤمنين قد أخذت فى الظهور من جانب الصحراء، وكان بينهم عبد اللَّه بن مسعود صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
فنزل عبد اللَّه -رضى اللَّه عنه- وقام بغسله وتكفينه ودفنه، ثم واسى أهله، وأخذهم معه إلى الخليفة عثمان فى المدينة.
هذه هي أم ذر، زوجة الصحابي الجليل أبى ذر الغفارى - رضى اللَّه عنهما - ما ماتت حتى تركت لنا مثالاً عظيمًا فى الوفاء لزوجها، والإخلاص له، والزهد فى الدنيا؛ فقد ظلت بجانبه إلى آخر حياته وأكرمته، وظلت تحرسه حتى بعد موته، وصبرت معه على شظف العيش ومجاهدة النفس وغوائل الشهوة، وهكذا تكون المرأة المؤمنة الصالحة؛ ترضى زوجها؛ كى تنال رضا ربها، فرضى اللَّه عن أم ذر وأرضاها.
جاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم ذَرّ أم ذر بالذال المعجمة هي امْرَأَة أبي ذر الغفاري، لها ذكر في وفاة أبي ذر.
أخرجها ابن منده، وأبو نعيم".
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 16-01-2013, 04:55 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم ورقة

الشهيدة الحية


أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث بن عُويمر بن نوفل الأنصارية ويقال لها: أم ورقة بنت نوفل .
قالت للنبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج إلى بدر: يا رسول اللَّه ائذن لي فى الغزو معك، أُمَرِّضُ مرضاكم؛ لعل اللَّه أن يرزقني شهادة. فقال لها صلى الله عليه وسلم: "قرى فى بيتك، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة" [أبو داود].
وتلك نبوءة نبَّأ بها رسولَ اللَه صلى الله عليه وسلم العليمُ الخبير، فعُرفت بعد ذلك رضى اللَّه عنها بالشهيدة.
أسلمت وحسن إسلامها، وكانت تحافظ على الصلاة، ودروس العلم، وحفظ القرآن الكريم، وتحرص على جمع آياته، وكان صلى الله عليه وسلم يقصدها فى زياراته لبيوت الأنصار، ويطمئن على صحتها وحالها. ورغم ما يُروى عن ثراء بيتها إلا أنها كانت تفيض حبَّا للناس وتواضعًا.
وما إن أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تظل فى بيتها -حين سألته الخروج للجهاد- حتى بادرت بالطاعة وحسن الاستماع لكلامه.
وقد اشتهرت أم ورقة بالعبادة والزهد وتلاوة القرآن، وكانت قد استأذنت النبي ( أن صلى الله عليه وسلم تتخذ فى دارها مؤذنًا، فأذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها وتصلي بهم، فكانت تؤمّ المؤمنات المهاجرات [أبو داود]، وكان صلى الله عليه وسلم حين يريد أن يزورها يقول لأصحابه -رضى اللَّه عنهم-: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة" [ابن عبد البر فى الاستيعاب].
كانت مرجعًا أمينًا، عاد إليه الخليفة أبو بكر الصديق عند جمعه القرآن الكريم من البيوت وصدور الحفظة.
ولما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فكان لابد من وقوع ما أُخبر به، ففي خلافة الفاروق عمر -رضى الله عنه- كان لدى أم ورقة جارية وغلام يقومان بخدمتها، فأحسنت إليهما، غير أنه لم يكن منهما سوى الغدر والخيانة؛ فقاما فى الليل فقتلاها ثم هَرَبَا. فلما أصبح عمر قال: واللَّه ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة، فدخل الدار فلم ير شيئًا، فدخل البيت (مكان الصلاة)، فإذا هي ملفوفة فى جانب البيت فأرسل فى طلب العبدين الهاربين، فَصُلِبَا فى المدينة على ما ارتكباه من الإثم، فكانا أول مصلوبين فى المدينة. فكان عمر بن الخطاب يقول: صدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قال: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة" [ابن عبد البر].
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم ورقة بِنْت عَبْد الله بن الحَارِث بن عُوَيْمِر الأنْصارِيَّة. وقيل: أم ورقة بِنْت نَوفل. وهي مشهورة بكنيتها، واختلفوا في نسبها.
أخبرنا عَبْد الوهاب بن علي الصوفي بإسناده عن أبي داود: حدثنا عُثْمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الوليد بن عَبْد الله بن جُمَيع، حدثتني جدتي وعَبْد الرَّحْمَن بن خلاّد الأنصاريّ، عن أم ورقة بِنْت نوفل: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما غزا بدراً قالت له: ائذن لي فأخرج معك فامرِّضَ مرضاكم، لعل الله أن يرزقني الشهادة. قال: "قَرّي في بيتكِ فإنّ الله يرزقك الشهادة". قال: فكانت تسمى الشهيدة.
قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم في أن تتخذ في دارها مؤذِّناً، فإذن لها، قال: وكانت قد دبَّرت غلأما لها وجارية، فقأما إليها بالليل فغمَّاها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عُمر فقام في الناس فقال: من عنده من هذين علم أو: من رآهما فليجيء بهما، فامر بهما فصُلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة.

قال أبو داود: حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي، حدثنا مُحَمَّد بن فُضيل، عن الوليد بن جُمَيع، عن عَبْد الرَّحْمَن بن خلاد، عن أم ورقة بِنْت عَبْد الله بن الحَارِث بهذا الحديث، والأول أتم.
أخرجها الثلاثة.
قيل: إن عُمر رضي الله عنه لما قيل له: إنها قتلت، قال: صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة".
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 16-01-2013, 04:58 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم حكيم

قاتلة السبعة


أم حكيم بنت الحارث -رضى اللَّه عنها-، ذات الوفاء النادر للزوج، والمعرفة الصحيحة بملكاته. فأحبتْ له الخير، وسعتْ بينه وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تستأمن له، فأمّنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
كانت يوم أحد حربًا على الإسلام والمسلمين، وكانت يوم اليرموك حربًا على الكفر والكافرين.. أسلمت يوم فتح مكة ولم يسلم زوجها "عِكرمة بن أبي جهل" وخرج من مكة، وذهب إلى اليمن بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فجعلت تغدو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتطلب منه الأمان لزوجها، فرقَّ النبي صلى الله عليه وسلم لحالها، وأذن لها أن تدركه تبشره بالعفو، فخرجت في أثره وأدركته عند ساحل من سواحل تهامة وقد هَمَّ بركوب البحر، فدمعت عيناها وأخذت تقول له: يا ابن العم جئتك من أوصل الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك وقد استأمنت لك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأمَّنكَ. فقال : أنت فعلتِ ذلك؟ قالت: نعم، فقد كلمته فأمَّـنَك. فرجع معها "عكرمة"، وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهيا إلى باب المسجد أسرعت الخُطا ودخلت، واستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن، فتقدم "عكرمة" فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وعلى الجهاد.
وبذلك كانت سببًا فى إسلام زوجها، فحسن إسلامه، وجاهد فى اللَّه حتى رزقه اللَّه الشهادة فى موقعة أجنادين .
تزوجت السيدة أم حكيم -رضى اللَّه عنها- بعد ذلك الصحابي الجليل خالد بن سعيد بن العاص -رضى اللَّه عنه- وقبل أن يدخل بها نادى منادى الجهاد أن استعدوا لقتال الروم ولكن فراسة خالد حدثته أنه مقتول غدًا -وفراسة المؤمن لا تخطئ، فإنه يرى بنور اللَّه- فعرض على امرأته أن يدخل بها فقالت: لو تأخرت حتى يهزم اللَّه هذه الجموع. فقال: إن نفسي تحدثني أنى أقتل. قالت: فدونك. فأعرس بها عند القنطرة التي عُرفت بعد ذلك بقنطرة أم حكيم، ثم أصبح فأولموا عليهما. فما فرغوا من الطعام حتى وافتهم الروم، ووقع القتال فاستشهد خالد أمام عينيها، فشدَّت أم حكيم عليها ثيابها وخرجت إلى القتال؛ انتصارًا للدين وانتقامًا لمقتل زوجيها عكرمة وخالد وقتلى المسلمين، واستطاعت أن تقتل بعمود الخيمة التي بنى بها خالد فيها سبعة من الروم، ثم واصلت كفاحها، فسطَّر التاريخ حياتها بأحرف من نور، فرضى اللَّه عنها وأرضاها.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم حكيم بِنْت الحَارِث بن هشام القُرَشِيَّة المَخْزُومِيَّة. وأمها فاطِمَة بِنْت الوليد، أخت خالد.
وشهدت أُحداً كافرة، ثم أسلمت يوم الفتح. كانت تحت ابن عمها عكرمة بن أبي جهل، ولما أسلمت كان زوجها قد هرب إلى اليمن، فاستامنت له من النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، واستأذنته في أن تسير في طلبه، فأذن لها، فردته فأسلم. وقتل عنها عكرمة، فتزوجها خالد بن سعيد، فلما نزل المسلمون مرج الصُّفَّر عند دمشق، أراد خالد أن يُعَرِّس بها، فقالت: لو تأخرت حتى يهزم الله هذه الجموع؟ فقال: إن نفسي تحدثني أني أُقتل. قالت: فدونك. فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر، فبها سميت قنطرة أم حكيم. وأولم عليها، فما فرغوا من الطعام حتى تقدمت الروم، وقاتلوا وقُتل خالد، وقاتلت أم حكيم يومئذٍ فقتلت سبعةً بعمود الفسطاط الذي عرّس بها خالد فيه.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 16-01-2013, 05:02 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

الشيماء

أخت النبي


كانت تلاعب النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وتقول له:
يا ربَّنَـا أبْقِ لَـنَا مُحَمَّـدًا حتى أرَاهُ يَافِــعًا وأمْـــــرَدَا
ثُمَّ أَراهُ سَـيِّدًا مُـسَـوَّدَا واكْـبِـتْ أعَـادِيهِ مَعًا وَالْحُـسَّدَا
وَأعْطِهِ عِزّا يَـدُومُ أبدًا
وكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب اللَّه دعاءها!
إنها الشيماء "حذافة بنت الحارث" -رضى اللَّه عنها- أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة... وحاضنته مع أمها حليمة السعدية -رضى اللَّه عنها-.
أحبتْ الشيماء أخاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وتابعتْ أخباره أولا بأول، وسمعتْ بدعوته حين بُعث فصدقتْه وناصرتْه. رأتْ في دعوته السلام والأمن والحب والتسامح والإخاء...
ولما أغارت خيل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على هوازن (قبيلة الشيماء)، وهزم بنو سعد، كانت فيمن أخذ من السبي، وكانت قد كبر سنها، وضعف جسمها وتغيرت ملامحها كثيرًا، فقالت لمن أسرها من المسلمين: أنا أخت صاحبكم. فلما قدموا بها، قالت: يا محمد! أنا أختك. وعرّفته بعلامة عرفها، فرحب بها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، ودمعت عيناه، فقال لها: "إن أحببتِ أن ترجعى إلى قومك أوصلتُك، وإن أحببتِ فأقيمي مكرَّمة محبّبة". فقالت: بل أرجع. فأسلمـت وأعطـاهـا النبي صلى الله عليه وسلم نَعـَمًا، وغـلامـًا، وجـارية؛ إكـرامًا لها [ابن هشام].
ولما توفى رسول الله ارتد قومها (بنو سعد) عن الإسلام، فوقفتْ موقفًا شجاعًا، تدافع عن الإسلام بكل جهدها؛ حتى أذهب الله الفتنة عن قومها.
وكانت -رضى اللَّه عنها- كثيرة العبادة والتنسُّك، واشتهرت بشِعرها الذي ناصرت فيه الإسلام ورسوله، وظلت تساند المسلمين وتشد من أزرهم حتى أتاها اليقين، فرضى اللَّه عنها.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
الشيماء بِنْت الحَارِث السعدية،أخت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم من الرضاعة.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن ابن إسحاق قال: واسم أبي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي أرضعه: الحَارِث بن عَبْد العزَّى بن رفاعة بن ملاَّن بن ناصرة بن بكر بن هوازن. وأخوته من الرضاعة: عَبْد الله بن الحَارِث، وأنيسة بِنْت الحَارِث، وحذافة ابنة الحَارِث، وهي الشيماء. غلب عليها ذلك، وهي لحليمة أم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وذكروا أن الشيماء كانت تحضن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أمها، قال: ابن إسحاق: عن أبي وجزة السعدي قال: لما انتهت الشيماء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت: يا رسول الله، إن لأختك من الرضاعة. قال: "وما علامة ذلك؟" قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. فعرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العلامة، فبسط لها رداءه... وقد تقدم ذكرها في حذافة وغيرها.
أخرجها أبو نُعَيْم، وأبو عُمر،و أبو موسى".
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 16-01-2013, 05:27 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب

لبابة بنت الحارث ، هي زوج العباس بن عبد المطلب ، عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم أولاده الرجال الستة النجباء الذين لم تلد امرأة مثلهم وهم : الفضل ، وعبد الله ، وعبيد الله ، ومعبد ، وقثم ، وعبد الرحمن.

وفيها قال عبد الله بن يزيد الهلالي :

ما ولدت نجيبة من فحـــل بجبل نعلمه وسهـــل كسته من بطن أم الفضـــل أكرم بها من كهلة وكهل عم النبي المصطفي ذي الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل

أسلمت أم الفضل قبل الهجرة ، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وكان ابنها عبد الله يقول : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
كانت أم الفضل رضي الله عنها شجاعة في الحق لا تخشى لومة لائم ، والموقف الآتي يصور لنا ذلك : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت غلاماً للعباس ، وكان الإسلام فأسلم العباس سراً ، وأسلمت أم الفضل ، وأسلمت ، وكان العباس يهاب قومه.

وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل إلا بعث مكانه رجلاً.
فلما جاء الخبر من مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، فوجدنا في أنفسنا قوة وعزاً قال: وكنت رجلاً ضعيفاً، أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخير، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس. فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث قد قدم. فقال أبو لهب: هلم إلي، فعندك لعمري الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي، أخبرني كيف أمر الناس ؟ فقال أبو سفيان : والله ما هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا ، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين الناس ، والأرض والله لا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة ! فرفع أبو لهب يده فضرب بها في وجهي ضربة شديدة، وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده !! فقام أبو لهب مولياً ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة – وهي بثرة تخرج بالبدن فتقتل وهي تشبه الطاعون - فقتلته.
ومن أخبار أم الفضل رضي الله عنها ما رواه ابن سعد في طبقاته والترمذي في سننه أن أم الفضل رضي الله عنها رأت في منامها حلماً عجيباً فذهبت لتوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم كأن عضواً من أعضائك في بيتي !! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(خيراً رأيت ، تلد فاطمة غلاماً وترضعينه بلبان ابنك قثم).
وخرجت أم الفضل بهذه البشرى الكريمة، وما هي إلا فترة وجيزة حتى ولدت فاطمة الحسين بن علي رضي الله عنهما فكفلته أم الفضل. قالت أم الفضل: فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ينزيه ويقبله، إذ بال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أم الفضل أمسكي ابني فقد بال علي).
قالت: فأخذته، فقرصته قرصة بكى منها، وقلت: آذيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلت عليه، فلما بكى الصبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أم الفضل آذيتني في بني، أبكيته).
ثم دعا بماء، فحدره عليه حدراً، ثم قال: إذا كان غلاماً فاحدروه حدراً، وإذا كان جارية فاغسلوه غسلاً).
ومن أخبار أم الفضل وفيها دلالة على حكمتها أن ناساً من الصحابة تماروا يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: وهو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت أم الفضل إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره حصل عند القوم.
توفيت في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 16-01-2013, 02:42 PM
الصورة الرمزية الشيخ الضبع الدسوقي
الشيخ الضبع الدسوقي غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: 27-06-2012
العمر: 59
المشاركات: 966
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رضى الله عن امهات المؤمنين جميعهن
__________________
رحم الله إمرءً أحيا حقاً وأمات باطلاً ودحض الجور وأقام العدل
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 16-01-2013, 05:01 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم هانئ

المجيرة


قال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت، وأمَّنَّا من أمَّنت" [متفق عليه].
إنها ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، تَرَّبتْ معه فى بيت أبيها أبى طالب، فكانت تُكِنّ له المودة التامة والحب الكثير، وكانت قبل إسلامها تدفع عنه أذى المشركين، وتنصره فى كل تحركاته فى سبيل اللَّه، وكان صلى الله عليه وسلم يصل فيها رحمه؛ فكان يزورها ويطمئن عليها.
إنها أم هانئ فاختة بنت أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخت الإمام على -رضى الله عنه-، وأمها: فاطمة بنت أسد -رضى الله عنها- .
روى أنه لمّا عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقيف (الطائف)، وكان حزينًا لإعراض أهلها عن دين اللَّه، توجه لزيارتها، ثم بات عندها، فكان ما كان من حادثة الإسراء والمعراج، فكانت أم هانئ تحدث بحديث الإسراء والمعراج، حتى قيل: ما ذكر الإسراء والمعراج إلا وذكر معه اسم أم هانئ. قالت أم هانئ -رضى الله عنها-: ما أُسرى برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا وهو فى بيتي، نام عندنا فى تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أيقظنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وقال: يا أم هانئ! لقد صلَّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيت المقدس فصلَّيتُ فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَيْنَ"، وقام ليخرج، فأخذت بطرف ردائه، فقلت له: إنى أذكرك الله، أنك تأتى قومك يكذبونك وينكرون مقالتك، قال: "واللَّه لأحدثنّهُمُوه"، وقلت لجارية لى حبشية: ويحك اتبعى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى تسمعى ما يقول للِناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم، فعجبوا، فذكر لهم دلائل وعلامات على صدق ما يقول. [ابن هشام]. وقد أسلمت أم هانئ يوم فتحت مكة، بينما فَرَّ زوجها هبيرة هاربًا، وقال فى ذلك شعرًا:
لَعَمْرك ماولَّيْتُ ظهرى محمدًا وأصحابه جبنًا ولاخيفة القَتــلِ
ولكنى قَلَّبتُ أمرى فلم أجد لسيفى غناءً إن ضُربتُ ولانبِلي
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها وفرار زوجها هاربًا لايلوى على شيءٍ كارهًا أن يدخل فى دين اللَّه، تقدم إليها ليخطبها فقالت: واللَّه إنى كنت لأحبك فى الجاهلية فكيف فى الإسلام، ولكنى امرأة مُصبية (أى عندى صبيان) وأكره أن يؤذوك. فقال صلى الله عليه وسلم: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل: أحناه على طفل، وأرعاه على زوج فى ذات يده" [البخاري]. وفى رواية أخرى أَنها قالت: يا رسول اللَّه! لأنتَ أحبُّ إلى من سَمْعِى وبَصَرِي، وحقُّ الزوج عظيم؛ فأخشى إن أقبلتُ على زوجى أن أضيع بعضَ شأنى وولدي، وإن أقبلتُ على وَلَدِى أن أضيع حق الزوج.
وعن أم هانئ قالت: ذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدتُه يغتسل، وفاطمة تستره بثوب، فسلمتُ.
فقال: "من هذه"؟
قلت: أنا أم هانئ بنت أبى طالب.
فقال: "مرحبًا بأم هانئ".
فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا فى ثوب واحد.
فقلتُ: يا رسول الله، زعم ابن أمى -تعنى عليَّا- أنه قاتل رجلاً قد أجرتُه: فلان بن هبيرة.
فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أجرْنا من أجرتِ يا أم هانئ" [متفق عليه].
وكانت -رضى الله عنها- قبل إسلامها زوجة لهبيرة بن أبى وَهْب بن عمرو المخزومي، وأنجبتْ منه: عمرة، وجعدة، وهانئًا، ويوسف، وطالبًا، وعقيلا، وجمانة. وقد تولى ابنها جعدة بن هبيرة ولاية خراسان فى عهد الإمام على -رضى الله عنه-.
وقد روتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديثَ، بلغت ستة وأربعين حديثًا.
وتُوفيت أم هانئ -رضى الله عنها- سنة أربعين هجرية، وقيل: سنة خمسين هجرية.
جاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم هانئ بِنْت أبي طالب عَبْد مناف القُرَشِيَّة الهاشمية، بِنْت عم النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخت علي بن أبي طالب، أمها فاطِمَة بِنْت أسد. واختلف في اسمها، فقيل: هِنْد. وقيل: فاطِمَة، وقيل: فاختة. كانت تحت هُبيرة بن أبي وهب بن عَمْرو بن عائذ بن عُمران بن مخزوم المخزومي. أسلمت عام الفتح. فلما أسلمَتْ وفتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَكَّة، هرب هُبيرة إلى نجران، وقال حين فرّ معتذراً من فراره:
لعُمركَ ما ولَّيْتُ ظهري مُحَمَّـداً وأصحابَه جُبناً، ولا خِيفَةَ القتـلِ
ولكنني قلَّبتُ أمري فـلـم أجـدْ لسيفي غَنَاءَ إنْ ضربتُ ولا نَبْلي
وقفتُ فلمّا خِفتُ ضِيقةَ موقفـي رجعتُ لعودٍ كالهِزَبْرِ أبي الشِّبْلِ
قال خلف الأحمر: أبيات هبيرة في الاعتذار خير من قول الحَارِث بن هشام، يعني قوله:
الله يعلمُ ما تركْتُ قتـالـهـم حتى عَلَوا فَرسي بأشقرَ مُزْبِدِ
وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار قول الحَارِث بن هشام.
أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، أن هُبيرة أقام بنجران فلما بلغه إسلام أم هانئ وكانت تحته قال أبياتاً منها:
وعاذَلَةٌ هبَّتْ بليلٍ تـلـومـنـي وتعذُلُني بالليلِ، ضلَّ ضلالُـهـا
وتزعُمُ أنّي إنْ أطعتُ عشيرتـي سأردى، وهل يُردينَ إلا زوالها؟
فإنْ كنتِ قد تابَعْتِ دِينَ مُحَـمَّـد وقطَّعَتِ الأرحام منكِ حِبالُـهـا
فكوني على أعلى سَحيقٍ بهَضبةٍ مُلْمَلَمَةٍ غَبراءَ يُبْسٍ بِـلالـهـا
وهي أكثر من هذا.
وولدت أم هانئ لهبيرة عُمراً، وبه كان يكنى هبيرة، وهانئاً ويوسف وجعدة.
أخبرنا غير واحد بإسنادهم عن مُحَمَّد بن عيسى: حدثنا أبو موسى، حدثنا مُحَمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عَمْرو بن مُرة، عن عَبْد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها حدّثت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل بيتها يوم فتح مَكَّة فاغتسل، فسبح ثماني ركعات، ما رأيته صلى صلاة أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 16-01-2013, 05:03 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم معبد
صاحبة الخيمة


أم معبد هي عاتكة بنت خالد الخزاعية، من بنى كعب، صحابية جليلة.
نصبت أم معبد وزوجها خيمتهما فى قلب الصحراء؛ لاستضافة الضيوف، وكسب أعطياتهم.
واشتهر عن السيدة الفاضلة أم معبد وصفها للنبي صلى الله عليه وسلم، فعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا من مكة إلى المدينة ومعه "أبو بكر"، و"عامر بن فهيرة" مولى أبى بكر، ودليلهم "عبد اللَّه بن أريقط" اشتد بهم العطش، وبلغ الجوع بهم منتهاه، فجاءوا إلى "أم معبد" ونزلوا بخيمتها، وطلبوا منها أن يشتروا لحمًا وتمرًا، فلم يجدوا عندها شيئًا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فى جانب الخيمة فوجد شاة، فسألها: "يا أم معبد! هل بها من لبن؟" قالت: لا. هي أجهد من ذلك (أى أنها أضعف من أن تُحلب)، فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟" قالت: نعم، إن رأيت بها حلبًا، فمسح ضرعها بيده الشريفة، وسمَّى اللَّه، ودعا لأم معبد فى شاتها، فدرّت واجترّت، فدعاها وطلب منها إناءً، ثم حلب فيه حتى امتلأ عن آخره، وقدَّمه إليها فشربت، حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رَوُوا، وشرب صلى الله عليه وسلم آخرهم. ثم حلب ثانيًا، وتركه عندها، وارتحلوا عنها. فما لبثت إلا قليلاً حتى جاء زوجها أبو معبد (أكثم بن أبى الجون) يسوق أَعْنُزًا عجافًا هزالاً، تسير سيرًا ضعيفًا لشدة ضعفها، فلمّا رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا يا أم معبد، والشاة عازب بعيدة عن المرعى، حيال غير حامل، ولا حَلُوبةَ فى البيت؟ قالت: مرّ بنا رجل كريم مبارك، كان من حديثه كذا وكذا ! قال: صِفِيهِ لي يا أم معبد.
فقالت: إنه رجلٌ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (أى أبيض واضح ما بين الحاجبين كأنه يضيء)، حسن الخِلقة، لم تُزْرِ به صِعلة (أى لم يعيِّبه صغر فى رأس، ولا خفة ولا نحول فى بدن)، ولم تَعِبْه ثجلة (الثجلة: ضخامة البطن)، وسيمًا قسيمًا، فى عينيه دَعَج (شدة سواد العين)، وفى أشفاره عطف (طول أهداب العين)، وفى عنقه سَطَع (السطع: الطول)، وفى صوته صَحَل (بحَّة)، وفى لحيته كثافة، أحور أكحل...أزَجُّ أقرن (الزجج: هو تقوس فى الحواجب مع طول وامتداد، والأقرن: المتصل الحواجب)، إن صمتَ فعليه الوقار، وإن تكلم سَمَا وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فَصْلٌ، لا نزر ولا هَدْر، وكأن منطقه خرزات نظم تَنحدر، رَبْعَة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه العين من قِصِر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، (تقصد أبا بكر، وابن أريقط؛ لأن عامر بن فهيرة كان بعيدًا عنهم يعفى آثارهم) أحسنهم قدرًا، له رُفَقَاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (أى يحفه الناس ويخدمونه). لا عابس ولا مُفنّد (المُفنّد: الضعيف الرأي). فقال أبو معبد: هو واللَّه صاحب قريش، الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة، ولو كنت وافقتُه لالتمستُ صحبته، ولأفعلن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً، فأعدت أم معبد وزوجها العدة؛ كى يلحقا برسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة، وهناك أسلما، ودخلا فى حمى الإسلام.
وعاشت أم معبد -رضى الله عنها- بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافة عثمان بن عفان -رضى اللَّه عنه- وكان الصحابة يقدِّرونها ويعرفون لها فضلها. فعن هشام بن حرام، عن أبيه: أن أمّ معبد كانت تُجْرَى عليها كِسْوَة، وشيء من غلة اليمن، وقَطَران لإبلها، فمرّ عثمان، فقالت: أين كسوتي؟ وأين غلة اليمن التي كانت تأتيني؟ قال: هي لك يا أم معبد عندنا، واتبعتْه حتى أعطاها إياها. [الطبراني].
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" عاتِكَة بِنْت خالد بن منقذ بن ربيعة. وقيل: عاتِكَة بن خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حُبْشيَّة بن سلول بن كعب بن عَمْرو بن ربيعة الخزاعية، وهي أم معَبْد، كنيت بابنها معَبْد، وكان زوجها أكثم بن أبي الجون الخزاعي، وهو أبو معَبْد. وهي التي نزل بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة، وحديثه معها مشهور، وذلك المنزل يعرف اليوم بخيمة أم معَبْد.
روى عَبْد الملك بن وهب المذحجي، عن الحر بن الصياح النخعي، عن أبي معَبْد الخزاعي، عن أم معَبْد قالت: نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى شاة في كسر البيت فقال: "ما هذه الشاة يا أم معَبْد؟" قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: "هل لها من لبن؟" قالت: هي أجهد من ذلك. قال: "أتأذنين أن أحلبها". قالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حَلَبَاً فاحلبها. فمسح ضرعها وذكر اسم الله، ودعا بإناء يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فحلب فيه فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم وقال: "ساقي القوم آخرهم شرباً". فشربوا جميعاً عَللاً بعد نَهَل حتى رضوا.

أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 16-01-2013, 05:07 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم حرام بنت ملحان

راكبة البحر


أم حرام بنت ملحان الخزرجية الأنصارية، أخت الرُّمَيْصَاء أم سليم -رضى اللَّه عنهما-.
قالت: بينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يزورنا إذ وضع رأسه؛ لينام ساعة القيلولة، فاستيقظ فجأة وهو يبتسم، فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ قال: " ناس من أمىي يركبون البحر الأخضر فى سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأِسّرة " فقالت: يا رسول الله، ادعُ اللَّه أن يجعلنى منهم . قال: "اللهم اجعلها منهم".ثم عاد فضحك فقالت له مثل ذلك، فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت من الأولين ولست من الآخرين" [البخاري].
وقالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوْجبوا".
قالت: يا رسول اللَّه أنا فيهم؟
قال: "أنت فيهم". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم".
فقالت: أنا فيهم يا رسول الله؟
قال: "لا" [البخاري].
وكانت تلك نبوءة تنبأ بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
تزوجها عمرو بن قيس -رضى الله عنه- فأنجبت له قيسًا وعبدالله، وظلت مع عمرو بن قيس حتى كانت غزوة أحد، فاستشهد عمرو وولده قيس، فتزوجها عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- فعاشت فى كنفه مطيعة راضية.
وكان لأم حرام شغف بالجهاد فى سبيل اللَّه، وباعٌ طويل فيه؛ فقد خرجت مع زوجها عبادةَ إلى الشام فى جيش كان قائده معاوية ابن أبى سفيان -رضى اللَّه عنه- فلما جاز معاوية بجيشه البحرَ، كانت أم حرام تركب دابة لها، فجالت بها الدابة، فصرعتها وقتلتها، وذلك فى غزوة "قبرص"، وهكذا تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم لها.
توفيت أم حرام فى خلافة عثمان بن عفان -رضى الله عنه- سنة 28 هجرية، ودفنت فى مكان مَقْتَلِها (بجزيرة قبرص)، وكان الناس كلما مَرّوا بقبرها يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.
وروت السيدة أم حرام -رضى الله عنها- بعضًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية النجارية المدنية.
أخت أم سليم. وخالة أنس بن مالك. وزوجة عبادة بن الصامت.
حديثها في جميع الدواوين سوى جامع أبي عيسى. كانت من علية النساء.
حدث عنها: أنس بن مالك وغيره.
سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام فقال: "قوموا فلأصل بكم". فصلى بنا في غير وقت الصلاة.
يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس قال: حدثتني أم حرام بنت ملحان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بيتها يوماً فاستيقظ وهو يضحك. فقلت: يا رسول الله: ما أضحكك؟ قال: "عرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة" قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت من الأولين".
فتزوجها عبادة بن الصامت فغزا بها في البحر فحملها معه. فلما رجعوا قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها فدقت عنقها فماتت رضي الله عنها.
قلت: يقال هذه غزوة قبرس في خلافة عثمان.
وحديثها له طرق في الصحيحين.
وبلغني أن قبرها تزوره الفرنج".
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 16-01-2013, 05:08 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم كلثوم بنت عقبة

الفتاة المهاجرة


إنها الصحابية الفاضلة "أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط"-رضى اللَّه عنها- أخت عثمان بن عفان لأمه، تزوجها زيد ابن حارثة -رضى الله عنه-، ثم ما لبث أن استشهد فى غزوة مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف -رضى الله عنه-، وكانت معه مثالا للزوجة الصالحة الوفية، وأنجبتْ له إبراهيم وحميدًا، ولما توفى عبد الرحمن ابن عوف تزوجها عمرو بن العاص فعاشتْ معه شهرًا ثم توفيت، وكان ذلك فى خلافة الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-.
اشترط كفار قريش لأنفسهم فى صلح الحديبية الذي عقدوه مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا الشرط: "لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا"، فكان شرطًا قاسيًا وابتلاءً عظيمًا لكل من آمن من أهل مكة ولم يهاجر بعد..
وكانت هناك فتاة قرشية أسلمت قبل هذا الصلح بكثير، أسلمت قبل أن يهاجر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لكنها لضعفها ورقتها لم تحتمل ما تعرض له مسلمو مكة بعد ذلك الصلح من فتنة وعذاب، وضاقت ذرعًا بما يصنع المشركون، فقررت -بالرغم من علمها بذلك الشرط- أن تهاجر إلى المدينة حيث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم ليقضِ اللَّه -بعد ذلك- فى أمرها ما يشاء.
إنها فتاة صَدَقتْ الله -عز وجل- وهاجرتْ فى سبيله ابتغاء مرضاته، متوكلة عليه، وكانت بمفردها، ليس معها من رفيق سوى الله -عز وجل-.خرجتْ رغم أنف الكافرين راغبة فى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحقق الله لها رغبتها.
خرجت، دون أن تُعْلِمَ أحدًا بخروجها، قاصدة يثرب، مهاجرة إلى اللَّه ورسوله. فيسر اللَّه لها قافلة لرجل من خزاعة، فاستبشرت خيرًا وأمِنت الرجل وقافلته على نفسها، إذ قد علمت أن خزاعة قد دخلت فى حلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ضد قريش، فصحبتهم إلى المدينة، فأحسنوا صحبتها حتى بلغت مأمنها... وخرج أهلها يبحثون عنها، فعلموا أنها هاجرت إلى المدينة، فقالوا: لا ضير، بيننا وبين محمد عهد وصلح، وليس أحد من الناس بأوفى من محمد، نذهب إليه، ونسأله أن يفي لنا بعهدنا.
وقدم أخواها "عمارة" و"الوليد" المدينة فى طلب أختهما، وعلمت الفتاة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيفى لهما بما وعد، فأقبلت نحو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ثقة فقالت: يا رسول اللَّه أنا امرأة، وحَالُ النساء إلى ما قد علمت (من الضعف)، فأخشى إن رددتنى إليهم أن يفتنوني فى ديني ولا صبر لي.
فـإذا برحمات اللَّه تنزل لتلغى ذلك الشرط الجائر فى حق النساء، فأنزل الله تعالى فى ذلك قرآنًا يُتْلَى: (أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ألله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [ الممتحنة: 10].
وتمثل هذا الامتحان فى سؤال المرأة عن سبب هجرتها؛ ليتأكد من صدق إسلامها وحسن إقبالها على الله ورسوله.. فقالت: "باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبا للَّه ورسوله" .
وعلم اللَّه ما فى قلب هذه الفتاة المؤمنة من خير، فإنه ما أخرجها من أرضها وديارها إلا حب اللَّه وحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنزل السكينة عليها، وألقى فى قلوب المسلمين تصديقها، ورد أخويها والذين ظلموا على أعقابهم وخَيَّب مسعاهم.. وهكذا مَنْ تَصْدُقِ اللَّه يصدقْها، ومن تتوكل على اللَّه يَكْفِها، ومن تستنصر اللَّه ينصرها، قال تعالى: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21].
وقد روت السيدة أم كلثوم -رضى الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنها الكثيرون؛ ومما روى عنها أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا ويقول خيرًا" [متفق عليه].
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بن أبي مُعَيط بن أبي عَمْرو بن أميَّة بن عَبْد شمس القُرَشِيَّة الاموِيَّة. أخت الوليد بن عُقْبَة، واسم أبي مُعَيط: أبان، واسم أبي عَمْرو: ذَكوان. وأمها أَرْوَى بِنْت كُريز بن ربيعة بن حَبيب بن عَبْد شمس، عمة عَبْد الله بن عامر. وهي أخت عُثْمان بن عَفَّان لامه.
أسلمت بمَكَّة قديماً، وصلت القبلتين، وبايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهاجرت إلى المدينة ماشية، فسار أخواها الوليد وعَمَارَة ابنا عُقْبَة خلفها ليرداها، فمنعهما الله تعالى.
أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري وعَبْد الله بن أبي بكر بن حَزْم قالا: هاجرت أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية، فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عُقْبَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطلبانها، فأبى أن يردها عليهما.
وقال المفسرون: فيها نزلت: "يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكمُ المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهنَّ اللهُ أعلم بإيمانهنّ"... الممتحنة 10 الآية.
ولما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة، فقُتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب. ثم طلقها فتزوجها عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، فولدت له إبراهيم وحميداً، وغيرهما، ومات عنها. فتزوجها عَمْرو بن العاص، فمكثت عنده شهراً، ثم ماتت.
وروى عنها ابنها حُميد بن عَبْد الرَّحْمَن.
أخبرنا غير واحد عن أبي عيسى: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن مَعُمر، عن الزُّهري، عن حُمَيد بن عَبْد الرَّحْمَن، عن أمه أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة أنها سمعت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس، فقال خيراً".
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #51  
قديم 16-01-2013, 05:10 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم سليم بنت ملحان

صابرة..ومهرها الإسلام


بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقال: " دخلتُ الجنة، فسمعتُ خشفة (حركة) بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان" [متفق عليه].
أم سليم آمنتْ باللَّه، وآثرتْ الإسلام حين أشرقتْ شمسه على العالم، وتعلمتْ فى مدرسة النبوة كيف تعيش المرأة حياتها، تصبر على ما يصيبها من حوادث الزمان؛ كى تنال مقعد الصابرين فى الجنة، وتفوز بمنزلة المؤمنين فى الآخرة.
فقد فقدت "الرميصاء" ابنها الوحيد، وفلذة كبدها، وثمرة حياتها؛ حيث شاء اللَّه له يمرض ويموت ، فلم تبكِ ولم تَنُحْ، بل صبرتْ واحتسبتْ الأجر عند اللَّه، وأرادت ألا تصدم زوجها بخبر موت ابنه، وقررت أن تسوق إليه الخبر فى لطف وأناة، حتى لا يكون وقْع الخبر سيئًا.
عاد أبو طلحة، وقد كان غائبًا عن هذه الزوجة الحليمة العاقلة، فما إن سمعت صوت زوجها - حتى استقبلته بحفاوة وبوجه بشوش، وقدمت له إفطاره -وكان صائمًا- ثم تزينت له زينة العروس لزوجها ليلة العرس.
أقبل أبو طلحة يسألها عن الولد، وقد تركه مريضًا قبل أن يخرج، فتجيب فى ذكاء ولباقة: هو أسكن من ذى قبل.
ثم تتحيَّن الزوجة الصابرة الفرصة، فتبادره فى ذكاء وفطنة بكلمات يحوطها حنان وحكمة قائلة له: يا أبا طلحة...أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، أيمنعونهم؟! قال: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها. فلما انتزعت منه هذا الجواب، قالت: إن اللَّه أعارنا ابننا، ثم أخذه مِنَّا، فاحتسِبْه عند اللَّه.. قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ووجد فى نفسه مما فعلت زوجته.
فلما لاح الفجر، ذهب أبو طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما كان من زوجه أم سليم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"بارك اللَّه لكما فى ليلتكما" [البخاري].
يقول أحد الصحابة: إنه وُلد لأم سليم وزوجها من تلك الليلة عبد اللَّه بن أبي طلحة فكان لعبد الله عشرة من الولد، كلهم قد حفظ القرآن الكريم، وكان منهم إسحق بن عبد الله الفقيه التابعي الجليل.
كانت أم سليم مؤمنة مجاهدة تشارك المسلمين فى جهادهم لرفع راية الجهاد والحق، فكانت مع أم المؤمنين السيدة عائشة - رضى اللَّه عنهما - يوم أُحد، فكانتا تحملان الماء وتسقيان العطشي. وفى يوم حنين جاء أبو طلحة يُضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أم سليم، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر؟ فقالت: يا رسول الله إن دنا مني مشرك؛ بقرت به بطنه [ابن سعد].
ولم تكتف الرميصاء بالمشاركة فى ميدان الجهاد، بل اشتهرت مع ذلك بحبها الشديد للعلم والفقه، فعن أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقالت: إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غُسل إذا احتلمت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأت الماء" (فغطَّتْ أم سلمة وجهها حياءً) وقالت: أو تحتلم المرأة؟
قال: "نعم. تَرِبَتْ يمينُكِ فبِمَ يُشْبِهُـهَا ولدُها؟" [البخاري].
وقد اختلفوا فى اسمها، فقيل، سهلة، وقيل: رُميلة. وقيل: رُميتة، وقيل: أنيفة، وتعرف بأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد ابن حرام من الخزرج من بنى النجار، تربطها بالنبى صلى الله عليه وسلم صلة قرابة، ذلك أن بني النجار هم أخوال أبيه، وهي أخت حرام بن ملحان، أحد القراء السبعة، وأخت أم حرام زوجة عبادة بن الصامت .
تزوجت "مالك بن النضر" فولدت له أنس بن مالك.
وذات يوم جاءت أم سليم إلى زوجها مالك بن النضر -وكانت قد أسلمت، وهو لا يزال على شِركه - فقالت له: جئتُ اليوم بما تكره؟ فقال: لا تزالين تجيئين بما أكره من عند هذا الأعرابى (يقصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم). قالت: كان أعرابيّا اصطفاه الله واختاره، وجعله نبيّا. قال: ما الذي جئتِ به؟ قالت: حُرِّمت الخمر. قال: هذا فراق بيني وبينك، فمَات مشركًا. وتقدم "أبو طلحة" إلى أم سليم ليخطبها، وذلك قبل أن يسلم، فقالت له: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يُرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم؛ فذلك مهري، لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها. وفى رواية أنها قالت: يا أبا طلحة ألستَ تعلم أن إلهكَ الذي تعبده خشبة نبتتْ من الأرض نَجَرَها حبشي بن فلان؟ قال: بلى. قالت: أفلا تستحيى أن تعبدها؟ لئن أسلمت لم أُرِدْ منك من الصداق غير الإسلام.فأسلم. قالت: يا أنس! زوِّج أبا طلحة. فكان ابنها وليَّها فى عقدها. قال ثابت: فما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم: الإسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أم سليم -رضى الله عنها- ويتفقد حالها، فسُئل عن ذلك، فقال: "إنى أرحمها. قُتل أخوها معي" [الطبراني]. وأخوها هو "حرام بن ملحان" قتل فى بئر معونة شهيدًا فى سبيل الله.
تلك هي أم سليم، عاشت حياتها تناصر الإسلام، وتشارك المسلمين فى أعمالهم، وظلت تكافح حتى أتاها اليقين، فماتت، ودُفنتْ بالمدينة المنورة.رحمها الله تعالى ورضى الله عنها.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" أم سليم الغميصاء. ويقال: الرميصاء. ويقال: سهلة ويقال: أنيفة ويقال: رميثة.
بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية.
أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم: أنس بن مالك.
فمات زوجها مالك بن النضر ثم تزوجها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري فولدت له: أبا عمير وعبد الله.
شهدت: حنيناً وأحداً من أفاضل النساء.
قال محمد بن سيرين: كانت أم سليم مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعها خنجر.
حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقالت: يا رسول الله إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه.
همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فجاء أبو أنس وكان غائباً فقال: أصبوت فقالت: ما صبوت ولكني آمنت! وجعلت تلقن أنساً: قل لا إله إلا الله قل: أشهد أن محمداً رسول الله ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي علي ابني. فتقول: إني لا أفسده! فخرج مالك فلقيه عدو له فقتله: فقالت: لا جرم لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.
فخطبها أبو طلحة وهو يومئذ مشرك فأبت.
خالد بن مخلد: حدثنا محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إني قد آمنت فإن تابعتني تزوجتك قال: فأنا على مثل ما أنت عليه. فتزوجته أم سليم وكان صداقها الإسلام.
سليمان بن المغيرة: حدثنا ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت قال: فانصرف وفي قلبه ذلك ثم أتاها وقال: الذي عرضت علي قد قبلت. قال: فما كان لها مهر إلا الإسلام.
مسلم بن إبراهيم: أخبرنا ربعي بن عبد الله بن الجارود الهذلي: حدثني الجارود: حدثنا أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم فتتحفه بالشيء تصنعه له وأخ لي أصغر مني يكنى أبا عمير فزارنا يوماً فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس قالت: ماتت صعوة له كان يلعب بها فجعل النبي يمسح رأسه ويقول: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟".
همام: حدثنا إسحاق بن عبد الله عن أنس قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل بيتاً غير بيت أم سليم. فقيل له. فقال: "إني أرحمها قتل أخوها معي".
قلت: أخوها هو حرام بن ملحان الشهيد الذي قال يوم بئر معونة: فزت ورب الكعبة لما طعن من ورائه فطلعت الحربة من صدره. رضي الله عنه.
أيوب عن ابن سيرين عن أم سليم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل في بيتي وكنت أبسط له نطعاً فيقيل عليه فيعرق فكنت آخذ سكاً فأعجنه بعرقه.
قال ابن سيرين: فاستوهبت من أم سليم من ذلك السك فوهبت لي منه.
قال أيوب: فاستوهبت من محمد من ذلك السك فوهب لي منه فإنه عندي الآن.
قال: ولما مات محمد حنط بذلك السك.
رواه ابن سعد عن عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو عنه.
ابن سعد: أخبرنا عبد الله بن جعفر: حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن البراء بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيت أم سليم على نطع فعرق فاستيقظ وهي تمسح العرق فقال: "ما تصنعين"؟ قالت: آخذ هذه البركة التي تخرج منك.
ابن جريج عن عبد الكريم بن مالك: أخبرني البراء بن بنت أنس عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم وقربة معلقة فشرب منها قائماً فقامت إلى في السقاء فقطعته.
رواه عبيد الله بن عمرو فزاد: وأمسكته عندها.
عفان: حدثنا حماد: أخبرنا ثابت عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحلق رأسه بمنى أخذ أبو طلحة شق شعره فجاء به إلى أم سليم فكانت تجعله في سكها. قالت: وكان يقبل عندي على نطع وكان معراقاً صلى الله عليه وسلم فجعلت أسلت العرق في قارورة فاستيقظ فقال: "ما تجعلين"؟ قلت: أريد أن أدوف بعرقك طيبي.
حميد الطويل: عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم فأتته بسمن وتمر. فقال: إني صائم ثم قام فصلى ودعا لأم سليم ولأهل بيتها فقالت: إن لي خويصة قال: "ما هي"؟ قالت: خادمك أنس فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به وبعثت معي بمكتل من رطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ثابت عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان.
وروى عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: ولدت أمي فبعثت بالولد معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا أخي فأخذه فمضغ له تمرة فحنكه بها.
قال حميد: قال أنس: ثقل ابن لأم سليم فخرج أبو طلحة إلى المسجد فتوفي الغلام. فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروه فرجع وقد سيرت له عشاءه فتعشى ثم أصاب من أهله. فلما كان من آخر الليل قالت: يا أبا طلحة ألم تر إلى آل أبي فلان استعاروا عارية فمنعوها وطلبت منهم فشق عليهم. فقال: ما أنصفوا قالت: فإن ابنك كان عارية من الله فقبضه فاسترجع وحمد الله.
فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: "بارك الله لكما في ليلتكما".
فحملت بعبد الله بن أبي طلحة فولدت ليلاً فأرسلت به معي وأخذت تمرات عجوة فانتهيت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهنأ أباعر له ويسمها فقلت: يا رسول الله ولدت أم سليم الليلة.
فمضغ بعض التمرات بريقه فأوجره إياه فتلمظ الصبي فقال: "حب الأنصار التمر" فقلت: سمه يا رسول الله. قال: "هو عبد الله" سمعه الأنصاري وعبد الله بن بكر منه.
وروى سعيد بن مسروق الثوري عن عباية بن رفاعة قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة فذكر نحوه. وفيه فقال رسول الله: "اللهم بارك لهما في ليلتهما".
قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن. رواه أبو الأحوص عنه.
روت: أربعة عشر حديثاً اتفقا لها على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين".
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 16-01-2013, 05:11 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم عمارة بنت سفيان

المحسنة


أم عمارة بنت سفيان بن عبد اللَّه بن ربيعة الثقفي، التي خَلَّدت اسمَها فى التاريخ، بأمانتها وخوفها من اللَّه تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والذى أكرمها فى الدنيا بزواجها من ابن أمير المؤمنين عمر، وجعل من نسلها أميرًا للمؤمنين هو عمر بن عبد العزيز.
كان بعضُ بائعى اللبن يخلط اللبن بالماء، واشتكى المسلمون من ذلك، فأرسل الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أحد رجاله ينادي فى بائعي اللبن بعدم الغش، فدخل المنادي إلى السوق ونادى: يا بائعي اللبن لا تَشُوبوا اللبن بالماء، فتغُشّوا المسلمين، وإن من يفعل ذلك؛ فسوف يعاقبه أمير المؤمنين عقابًا شديدًا.
وذات ليلة خرج عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- مع خادمه أسلم ليتفقد أحوال المسلمين في جوف الليل، وفى أحد الطرق استراح من التجوال بجانب جدار ، فإذا به يسمع امرأة تقول: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه (اخلطيه) بالماء . فقالت الابنة: يا أُمَّتَاه، وما علمتِ ما كان من عَزْمَة أمير المؤمنين اليوم؟! قالت الأم: وما كان من عزمته؟ قالت: إنه أمر مناديًا فنادى: لا يُشَابُ اللبن بالماء.
فقالت الأم: يا بنتاه، قومي إلى اللبن فامْذقيه بالماء فإنك في موضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر. فقالت الصبيّة: واللَّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، إن كان عمر لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا.
فلما سمع عمر بن الخطاب ذلك، أعجب بالفتاة لورعها ومراقبتها لله رب العالمين. وقال: يا أسلم، علِّم الباب، واعرف الموضع. ثم مضى. فلما أصبح قال: يا أسلم، امضِ إلى الموضع فانظر من القائلة؟ ومن المقول لها؟ وهل لهما من بعل (زوج).
فذهب أسلم إلى المكان، فوجد امرأة عجوزًا، وابنتها أم عمارة، وعلم أنْ ليس لهما رجل، ثم عاد فأخبر عمر. فدعا عمر أولاده، فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوّجه، ولو كان بأبيكم حَركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية.
فقال عبد اللَّه بن عمر: لى زوجة. وقال أخوه عبد الرحمن: لى زوجة. وقال ثالثهما عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوِّجني. فبعث إلى الجارية فزوّجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتًا، ولدت هذه البنت ابنة صارت أمَّا لعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس -رضى اللَّه عنه-.
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 16-01-2013, 05:13 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

آمنة بنت الأرقم
آمنة بنت الأرقم هي صاحبة البئر، صحابية من نساء بني المخزوم اللاتي آمن وهاجرن. وقد كان يجتمع بالمؤمنين في مرحلة الدعوة السرية في بيت أبيها على الصفا. فكانت آمنة ممن عاصر فجر الدعوة وتابع فصولها.
عندما هاجر المسلمون إلى المدينة ، كانت آمنة في أول من هاجر، ولأنها من أوائل المسلمات ومن زمرة المهاجرات وهبها رسول الله بئراً في المدينة ودعا لها فيها بالبركة، فكانت هذه البئر تدعى باسمها فيقال لها: بئر آمنة.
روى حفيدها أبو السائب المخزومي عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعها بئراً ببطن العقيق فكانت تسمى بئر آمنة وبرك لها فيها: أي دعا لها بالبركة في بئرها. والعقيق وادٍ خصيب بالمدينة المنورة.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" آمِنَة بِنْت الأرقم. روى أبو السائب المخزومي، عن جدّته آمِنَة بِنْت الأرقم: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أقطعها بئراً ببطن العتيق، فكانت تسمى بئر آمِنَة ، وبرَّك لها فيها، وكانت من المهاجرات.
ذكرها الأشيريّ، عن ابن الدباغ فيما نقله مستدركاً على أبي عُمر".
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 16-01-2013, 05:14 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

الشفعاء بنت عبد الله

الطبيبة المداوية


قالت: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم أسأله (أي: تطلب منه شيئًا)، فجعل يعتذر إلى (حيث لم يكن عنده ما يعطيه)، وأنا ألومه (لأنها لا تعرف السبب)، فحضرت الصلاة فخرجتُ، فدخلتُ على ابنتى -وكانت عند زوجها شرحبيل بن حسنة- فجعلت أقول له: قد حضرتْ الصلاة وأنتَ فى البيت؟ وجعلتُ ألومه، فقال: يا خالتي لا تلوميني، فإنه كان لنا ثوبٌ، فاستعاره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فقلت: بأبى وأمي، إنى كنت ألومه وهذا حاله ولا أشعر. قال شرحبيل: وما كان هذا الثوب إلا درعًا رقعناه.[أبو نعيم].
كانت تمتلك سمات رفيعة، يندر وجودها لدى النساء فى عصرها، وكانت مثقفة متعلمة، تخصصت فى معالجة الأبدان.
أسلمت قبل الهجرة، وكانت تُرْقِى فى الجاهلية، فلما هاجرت إلى المدينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه إنى كنت أرقى بِـرُقًى فى الجاهلية، وأردت أن أعرضها عليك. فقال صلى الله عليه وسلم: "اعرضيها". قالت: فعرضتها عليه، وكانت رقية من لدغة النملة، وهي قروح تخرج فى الجنب وغيره من الجسد.فقال: "ارقى بها وعلميها حفصة" [ابن مندة وأبو نعيم].
وكان لها دور بارز فى مجال التعليم ومعالجة القروح والأمراض؛ لذا خصص لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دارًا بالمدينة تقديرًا لدورها الاجتماعي، وكانت تعيش فيها هي وابنها سليمان، وأصبحت تلك الدار مركزًا علميَّا للنساء، تعلمت فيها الكثيرات من نساء المؤمنين تعاليم الدين، بالإضافة إلى القراءة والكتابة والطب، وكان من بين المتعلمات السيدة حفصة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحرص خلفاء المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على احترام مكانة الشَّفَّاء وتقديرها، فقد روى أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- كان يقدمها فى الرأي، ويقبل نصائحها، ويقدم لها ما تحتاجه من عون وبِـرّ.
إنها الصحابية "الشفاء بنت عبد الله القرشى العدوي"، وأمها فاطمة بنت وهب بن عمر المخزومية، وقيل اسمها ليلى لكن غلب عليها لقب "الشفاء". وقد روت "الشفاء" رضى اللَّه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنها كثيرون.
وتوفيت -رضى اللَّه عنها- سنة عشرين للهجرة، فى خلافة عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" لَيْلَى بِنْت عَبْد الله بن عَبْد شمس بن خلف بن صدّاد بن عَبْد الله بن قُرْط بن رِزاح بن عَديّ بن كعب القُرَشِيَّة العدوية. وهي التي تدعى الشفاء، قاله: جعفر عن مُحَمَّد بن حبان.
أخرجه أبو موسى".
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 16-01-2013, 05:16 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أَسْمَاء بِنْت النُّعمان


أسماء بنت النعمان بن الحارث بن شراحيل وقيل بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل الكندية. قال أبو عمر أجمعوا أن رسول الله تزوجها واختلفوا في قصة فراقها.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أَسْمَاء بِنْت النعمان بن الجَوْنِ بن شَراحيل. وقيل: أَسْمَاء بِنْت النعمان بن الأسود بن الحَارِث بن شراحيل بن النعمان، قاله أبو عُمر.
وقال ابن الكلبي: أَسْمَاء بِنْت النعمان بن الحَارِث بن شراحيل بن كنديّ بن الجون بن حُجْر آكل المُرار ابن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث الأكبر الكندية.

تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستعاذت منه، ففارقها.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوج أَسْمَاء بِنْت كعب الجونية، فلم يدخل بها حتى طلقها.
قال أبو عُمر: أجمعوا على أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوجها، واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: ثم تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أهل اليمن أَسْمَاء بِنْت النعمان بن الجون، فلما دخل عليها دعاها، فقالت له: تعال أنت، فطلقها.
قال: وزعم بعضهم أنها كان بها وضح كوَضَح العامرية ففعل بها نحو ما فعل بالعامرية.
قال: وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك. قال: "قد عذتِ بمُعاذ، وقد أعاذك الله منّي"، فطلقها.
قال: وهذا باطل، إنما قال هذا له امْرَأَة من بَلْعنبر، من سبي ذات الشقوق، كانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن على النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك. وذكر نحو ما تقدم في فراقها.
قال: وقال أبو عُبَيْدة: كلتاهما عاذتا بالله منه.
وقال عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عقيل: ونكح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم امْرَأَة من كندة، وهي الشقية، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يردّها إلى أهلها، ففعل وردّها مع أبي أسيد الساعدي، وكانت تقول عن نفسها: الشقية.
وقيل: إن التي قال لها نساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم لتتعوّذ بالله منه هي الكندية، ففارقها، فتزوجها المهاجر بن أبي أميَّة المخزومي، ثم خلف عليها قَيْس بن مكشوح المُراديّ.
قال: وقال آخرون: التي تعوذت بالله منه امْرَأَة من سبي بلعنبر. وذكر في قول أزواج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم لها نحو ما تقدم.
قال: وقال آخرون: كان بها وضحٌ كالعامرية، ففارقها. وقيل: إنه قال لها: "هبي لي نفسك". قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده إليها، فاستعاذت منه، ففارقها.

قال أبو عُمر: الاختلاف في الكندية كثير جداً، منهم من يسميها أَسْمَاء، ومنهم من يسميها أُمَيْمَة. واختلفوا في سبب فراقها على ما ذكرناه، والاختلاف فيها وفي صواحباتها اللواتي لم يجتمع بهن عظيم.
أخبرنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سرايا بن علي، ومسمار بن عُمر بن العُوَيس، وغيرهما، قالوا بإسنادهم إلى مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري قال: حدّثنا الحُميديّ، أخبرنا الوليد، أخبرنا الأوزاعي قال: سألت الزهرّي عن أيِّ أزواج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة، عن عائشة: أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. قال:" لقد عذتِ بعظيمٍ، الحقي بأَهْلِكِ". قال: وحدثني البخاري: أخبرنا أبو نُعَيم، أخبرنا عَبْد الرَّحْمَن بن الغَسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبي أسيد قال: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشَّوط، فقال النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: "اجلسوا ها هنا" فدخل وقد أُتِي بالجَونيّة، فأُنزلت في بيت من نخل، ومعها دايتها حاضنةٌ لها، فلما دخل عليها النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "هبي لك نفسك". قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضعها عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "عذتِ بمُعاذ". ثم خرج من عندها علينا فقال: "يا أبا أسيد: اكسِها رازِقِيَّتين وألحِقْها بأهلها".
وقد سماها البخاري أُمَيْمَة، وقيل: عُمرة. وترد هناك إن شاء الله تعالى.
أخرجها أبو نُعَيْم، وأبو عُمر، وأبو موسى. وأخرجها ابن منده فسماها أُمَيْمَة".
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 16-01-2013, 05:17 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أسماء بنت عميس


أسماء بنت عميس الصحابية التي تزوجت ثلاثة من أهل الجنة.
صحابية جليلة، والدها عميس بن معاذ وامها هند بنت عوف، شقيقتها سلمى بنت عميس زوجة حمزة بن عبد المطلب، واختها غير الشقيقه أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
عاشت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وماتت في خلافة عمر بن الخطاب، تزوجت من جعفر بن أبى طالب (الشهيد الطائر) وهاجرت معه في الهجرة الأولى إلى الحبشة واشتهرت بالورع والعطف على المساكين ثم بعد مماته في غزوة مؤتة تزوجت من الخليفة الراشد أبو بكر الصديق وانجبت منه ثم بعد وفاته في عام 13 هـ تزوجت من امير المؤمنين الامام على بن أبى طالب عليه السلام وماتت على ذمته.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أَسْمَاء بِنْت عميس بن معْد بن الحَارِث بن تيْم بن كعب بن مالك بن قَحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مُعاوِيَة بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب الله بن شهران بن عِفْرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم. قاله أبو عُمر.
وقال ابن الكلبي مثله إلاّ أنه خالفه في بعض النسب، فقال: "ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن بشر". والباقي مثله في أول النسب وآخره.

وقال ابن منده: عُمَيس بن مُعتمِر بن تيم بن مالك بن قحافة بن تمام بن ربيعة بن خثعم بن أنمار بن مَعَدّ بن عدنان.
وقد اختلف في أنمار، منهم من جعله من معد، ومنهم من جعله من اليمن، وهو أكثر. وقد أسقط ابن منده من النسب كثيراً.
وامها هِنْد بِنْت عَوْف بن زهير بن الحَارِث الكنانية. أسلمت أَسْمَاء قديماً، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له بالحبشة عَبْد الله، وعوناً، ومُحَمَّداً. ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق، فولدت له مُحَمَّد بن أبي بكر. ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى، لا خلاف في ذلك.
وزعم ابن الكلبي أن عون بن علي أمه أَسْمَاء بِنْت عميس، ولم يقل ذلك غيره فيما علمنا.
وأَسْمَاء أخت ميمونة بِنْت الحَارِث زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخت أم الفضل امْرَأَة العَبَّاس، وأخت أخواتهما لامهم، وكن عشر أخوات لام، وقيل: تسع أخوات. وقيل: إن أَسْمَاء تزوجها حمزة بن عَبْد المُطَّلِب فولدت له بِنْتاً ثم تزوجها بعده شدّاد بن الهاد، ثم جعفر. وهذا ليس بشيء. إنما التي تزوجها حمزة: سَلْمَى بِنْت اسماء بنت عُمَيس أكرم الناس أصهاراً، فمن أصهارها النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وحمزة، والعَبَّاس رضي الله عنهما وغيرهم.
روى عن أَسْمَاء عُمر بن الخطاب، وابن عباس، وابنها عَبْد الله بن جعفر، والقاسم بن مُحَمَّد، وعَبْد الله بن شداد بن الهاد وهو ابن أختها وعروة بن الزبير، وابن المسيب، وغيرهم. وقال لها عُمر بن الخطاب: نعم القوم، لولا أنا سبقناكم إلى الهجرة. فذكرت ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: "بل لكم هجرتان إلى أرض الحبشة وإلى المدينة".
أخبرنا إبراهيم وإسماعيل وغيرهما بإسنادهم إلى أبي عيسى قال: حدثنا ابن أبي عُمر، أخبرنا سُفْيان، عن عَمْرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبَيْد بن رفاعة الزرقي: أن أَسْمَاء بِنْت عميس قالت: إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم.
أخرجها الثلاثة.

قلت: قد نسب ابن منده أَسْمَاء كما ذكرناه عنه، ولا شك قد أسقط من النسب شيئاً، فإنه جعل بينها وبين معد تسعة آباء، ومن عاصرها من الصحابة بل من تزوجها بينه وبين معد عشرون أبا، كجعفر، وأبي بكر، وعلي. وقد يقع في النسب تعدد وطرافة، ولكن لا إلى هذا الحد، إنما يكون بزيادة رجل أو رجلين، وأما أن يكون أكثر من العدد فلا، والتفاوت بين نسبها ونسب أزواجها كثير جداً".
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 16-01-2013, 05:19 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أسماء بنت يزيد

خطيبة النساء


أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، ابنة عم معاذ بن جبل. وكانت تسمى -أيضًا- "فكيهة"، وتُكنى بـ "أم سلمة" أو "أم عام الأشهلية".
رُوى أنها أتتْ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه، إني رسول مَنْ ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وعلَى مثل رأيي، إن الله تعالى قد بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك. ونحن -معشر النساء- مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم. وإن الرجال فُضِّلوا بالجُمعات، وشهود الجنائز، والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد؛ حفظنا لهم أموالهم، وَرّبينَا أولادهم، أَنُشَاِركُهُم فى الأجر يا رسول اللَّه؟
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه، فقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟". فقالوا: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصرفي يا أسماء، وأَعْلِمى من وراءك من النساء أن حُسن تبعُّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كلّ ما ذكرت للرجال". فانصرفت أسماء وهي تهلّل وتكبر استبشارًا بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت من النسوة اللاتى بايعهن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. تقول : إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم قبض يده وقال: "إنى لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولى لامرأة واحدة" [الترمذى والنسائي].
كانت عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ، والرِّجال والنِّساءُ قُعُودٌ معه، فقال: "لعل رَجلا يقول ما فعل بأهله، ولعلَّ امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها" فسكتوا فقالتْ: إي واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّهم ليفعلون وإنهن ليفعلْنَ. فقال صلى الله عليه وسلم يوم: "فلا تفعلوا، فإنما مَثَلُ ذلك مَثَلُ شيطان لقى شيطانة فغشيها (أي: جامعها) والناس ينظرون" [أحمد].
وقد شهدت"أسماء" مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، ثم امتد بها العمر حتى شهدت موقعة اليرموك سنة خمس عشرة من الهجرة. ويُقال إنها قتلت من الروم تسعة بعَمود فُسطاطها (خيمتها).
رَوَتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم عددًا ليس بالقليل من أحاديثه، ورَوَى عنها كثيرون.
جاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" أسماء بنت يزيد بن السكن أم عامر وأم سلمة. الأنصارية الأشهلية. بنت عمة معاذ بن جبل.
من المبايعات المجاهدات.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أحاديث.
وقتلت بعمود خبائها يوم اليرموك تسعة من الروم .
سكنت دمشق وقبر أم سلمة الذي بمقبرة الباب الصغير هو قبرها إن شاء الله.
حدث عنها: مولاها مهاجر وشهر بن حوشب ومجاهد وإسحاق ابن راشد وابن أختها محمود بن عمرو وآخرون.
قال عبد بن حميد: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية.
قلت: وقيل: إنها حضرت بيعة الرضوان وبايعت يومئذ.
روى محمد بن مهاجر وأخوه عمرو عن أبيهما عن أسماء بنت يزيد بنت عم معاذ بن جبل كذا قال ولا يستقيم ذلك لأن أسماء من بني عبد الأشهل ومعاذاً من بني سلمة قالت: قتلت يوم اليرموك تسعة.
قلت: عاشت إلى دولة يزيد بن معاوية".
وجاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أَسْمَاء بِنْت يزيد بن السّكن الأنصارية، وهي ابنة عمة مُعاذ بن جبل. قّتلت يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود فسطاطها. روى عنها شهر بن حوشب، ومجاهد، وإسحاق بن راشد، ومحمود بن عَمْرو، وغيرهم.
أخبرنا أبو أحمد عَبْد الوهاب بن علي الصوفي بإسناده عن أبي داود: حدثنا أبو توبة، أخبرنا مُحَمَّد بن مُهاجر، عن أبيه، عن أَسْمَاء بِنْت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرّاً، فإنَّ الغَيْلَ يُدركُ الفارسَ فيُدَعْثِره عن فرسه".
وروى يحيى بن أبي كثير، عن محمود بن عَمْرو، عن أَسْمَاء بِنْت يزيد، عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنَّة".
أخرجه ابن منده، وأبو نعيم".
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 16-01-2013, 05:20 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

حمنة بنت جحش


صحابية وأخت السيدة زينب، كانت تحت مصعب بن عمير، لما انتهت غزوة أحد ورجع رسول الله إلى مكة نعى لها أخوها عبد الله فاسترجعت ونعى لها خالها حمزة بن عبدالمطلب فاسترجعت، فلما نعى لها زوجها مصعب بن عمير ولولت.
جلدت في حادثة الإفك حيث تكلمت عن السيدة عائشة تظن أن ذلك خير لأختها زينب، فلما نزل القران بالبراءة جلدت مع حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، تزوجها طلحة بن عبيدالله أحد المبشرين بالجنة وولدت له محمد بن طلحة وبه كان يكنى.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" حَمْنَة بِنْت جحش حمنة بِنْت جحش. وقد تقدم نسبها في أخويها: عَبْد الله وعُبَيْد.
قال أبو نعيم: حمنة بِنْت جحش بن رِياب، تكنى أم حبيبة.
وقال ابن منده: حمنة بِنْت جحش، وقيل حبيبة.
قال أبو عُمر: حمنة بِنْت جحش، كانت تُستحاض هي وأختها أم حبيبة بِنْت جحش، وهي أخت زينب بِنْت جحش أم المؤمنين زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت حمنة زوج مصعب بن عُمير، فقتل عنها يوم أُحد، فتزوجها طلحة بن عُبَيْد الله، فولدت له مُحَمَّداً وعُمران ابني طلحة.
وامها أُمَيْمَة بِنْت عَبْد المُطَّلِب، عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت ممن قال في الإفك على عائشة رضي الله عنها، فعلت ذلك حَمِيّةً لأختها زينب، إلا أن زينب رضي الله عنها لم تقل فيها شيئاً، فقال بعضهم: إنها جُلدت مع من جُلد فيه، وقيل: لم يجلد أحد. وكانت من المهاجرات وشهدت أُحداً فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم. روت عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، روى عنها ابنها عُمران بن طلحة.
أخبرنا غير واحد بإسنادهم إلى أبي عيسى قال: حدثنا مُحَمَّد بن بشار، وأخبرنا أبو عامر العَقَدي، أخبرنا زهير بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَقيل، عن إبراهيم بن مُحَمَّد بن طلحة، عن عمه، عُمران بن طلحة، عن أمه حمنة بِنْت جحش قالت: كنت اُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أستفتيه واخبره، فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت: يا رسول الله، إني أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تامرني فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام. قال: "أَنَعْتُ لك الكُرْسُف، فإنه يذهب الدم". قالت: هو أكثر من ذلك. قال: "فتلَجّمي". قالت: هو أكثر من ذلك. قال: "فاتخذي ثوباً". قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثجّ ثجّاً. فقال النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: "سامرك أمرين أيّهما صنعتِ أجزأ عنكِ..." وذكر الحديث.
أخرجها الثلاثة.
قلت: قد جعل ابن منده حمنة هي حبيبة وجعل أبو نعيم أم حبيبة كنية حمنة وجعلها أبو عُمر اثنتين، فطلب في الكنى، فأما أبو نعيم فلم يذكر في الكنى ما يدل على أنها هي ولا غيرها، وأما أبو عُمر فإنه كشف الامر وصرح بأنهما اثنتان، فقال: أم حبيبة. ويقال: أم حبيب ابنة جحش بن رياب الأسدي، أخت زينب بِنْت جحش، وأخت حمنة أكثرهم يسقطون الهاء فيقولون: أم حبيب، وكانت تحت عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، وكانت تُستحاض. وأهل السير يقولون: إن المستحاضة حمنة. والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا تستحاضان جميعاً. قال: وقد قيل: إن زينب بِنْت جحش استحيضت، ولا يصح.
وقال ابن ماكولا وذكر ابني جحش: عَبْد الله وعُبَيْد ثم قال وأخواتهما: زينب أم المؤمنين، كانت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأم حبيبة كانت عند عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، وكانت مستحاضة، وحمنة بِنْت جحش كانت عند طلحة بن عُبَيْد الله، وهي صاحبة الاستحاضة.
فهو قد وافق أبا عُمر والله أعلم ويرد ذكرها مستقصى في الكنى إن شاء الله تعالى فهذا القدر كاف في بيان أنهما اثنتان، والله أعلم".
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 16-01-2013, 05:21 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

رفيدة الأسلمية


رفيدة الأسلمية وقيل الأنصارية، أول ممرضة في عهد الإسلام. كانت تمرض المصابين والجرحى في الحروب التي يكون المسلمون طرفاً بها.
كان لرفيدة خيمة في المسجد لمداواة الجرحى، ولما أصيب سعد بن معاذ بسهم أطلقه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم‏ في معركة الخندق قال النبي صلى الله عليه وسلم أجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده.
وتقديراً من النبي صلى الله عليه وسلم لجهودها في غزوة خيبر في مداواة الجرحى وخدمة المسلمين فقد أسهم لها بسهم رجل مقاتل.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" رفيدة الأنْصارِيَّة. وقيل الأسلمية.
أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أصاب سعداً السهم بالخندق قال لقومه: "اجعلوه في خيمةِ رُفيدة حتى أعوده من قريب" وكانت امْرَأَة من أسام، في مسجده، فكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضَيْعَة من المسلمين، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمر به فيقول: "كيف أمسيتَ وكيف أصبحتَ؟ فيخبره.
أخرجه أبو موسى".
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 16-01-2013, 05:23 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

عاتكة بنت زيد

صاحبة الحديقة


أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلمت وهاجرت وعُرفت بالجمال والكمال خَلْقًا وخلُقا وعقلا ورأيًا. تزوجت أربعة من الصحابة، استشهدوا جميعًا فى سبيل الله حتى إن عبد الله بن عمر كان يخبر أنه من أراد أن يموت شهيدًا فليتزوجها، إنها الصحابية الجليلة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية.
تزوجت من عبد اللَّه بن أبى بكر الصديق، فشغلته يومًا عن الصلاة والتجارة والمعاش فأمره أبو بكر أن يطلقها، فطلَّقَها عبد اللَّه تطليقة، فتحولت إلى ناحية، فبينما أبو بكر يصلِّى على سطح له فى الليل إذ سمعه يذكرها بقوله:
لها خُلُق جَزْلٌ ورأى ومنطِــــقُ وخَلْقٌ مصـــونٌ فى حياءٍ ومُصَدَّقُ

فلم أر مثلى طلق اليوم مثلهـــا ولا مثلهــا فى غير شــيء تُطَلَّقُ
فجاء إليه ورَقَّ له، فقال: يا عبد الله، راجع عاتكة، فقال: أُشهدك أني قد راجعتُها، وأعتق غلامًا له اسمه "أيمن" لوجه اللَّه تعالى، وأعطى عاتكة حديقةً له حين راجعها على أن لا تتزوج بعده، فلما كان يوم الطائف أصابه سهم، فمات منه فأنشأت تقول:
فلِلَّهِ عَيْـنًا من رأى مِثْلَهُ فَـتَى أكَرَّ وأحمى فى الهياج وأصــبرا

إذا شُعَّت فيه الأسِنُّةَ خاضـها إلى الموت حتى يترك الرُّمح أحمرا

فأقسمـت لا تنفك عينى سَخينة عليــك ولا ينفكُّ جلدى أغْـبرا
ثم خطبها عمر بن الخطاب فقالت: قد كان أعطاني حديقة على أن لا أتزوج بعده، قال: فاستفتي، فاستفتت علي بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- فقال: رُدِّي الحديقة على أهله وتزوجي . فتزوجت عمر، فلما استشهد عمر -رضى اللَّه عنه- وانقضت عِدَّتُها خطبها الزبير بن العوام فتزوجها، وقال لها: يا عاتكة، لا تخرجي إلى المسجد، فقالت له: يا بن العوَّام، أتريد أن أدَع لغَيْرتك مُصَلَّي، صَلَّيتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر؟ قال: فإنى لا أمنعك.
فلما قُتل الزبير قالت فيه شعرًا ترثيه، فلما انقضت عِدَّتها تزوجها الحسين بن علي بن أبي طالب -رضى اللَّه عنهما-، فاستشهد -أيضًا- فكانت أول من رفع خده عن التراب، وقالت ترثيه:
وحُسَيْـنًا فلا نَسِيتُ حُـسَـيْـنًا أقصدتْهُ أسِـنَّـةُ الأعْـــــدَاء

غَـادَرُوهُ بِكَرْبِـلاءَ صَـرِيعًا جَادَتِ الْمُزْنُ فِى ذُرَى كَرْبِـلاء
ثم تأيَّمتْ، ويقال: إن مروان خطبها بعد الحسين -عليه السلام- فامتنعت عليه، وقالت: ما كنت لأتَّخذ حِمى بعد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفيت -رحمها اللَّه- سنة أربعين من الهجرة.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" عاتِكَة بِنْت زيد بن عَمْرو بن نُفيل القُرَشِيَّة العدوية. تقدم نسبها عند أخيها سعيد بن زيد. وهي ابنة عم عُمر بن الخطاب، يجتمعان في نفيل.
كانت من المهاجرات إلى المدينة، وكانت امْرَأَة عَبْد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت حسناء جميلة، فأحبها حباً شديداً حتى غلبت عليه وشغلته عن مغازيه وغيرها، فامره أبوه بطلاقها، فقال:
يقولون: طلِّقْها وخيِّمْ مكانـهـا مُقيماً، تُمَنّي النفسَ أحلام نائمِ

وإنَّ فِراقي أهلَ بيتٍ جمعْتُهـم على كِبَرٍ منّي لإحدى العظائمِ

أراني وأهلي كالعَجولِ تروّجَتْ إلى بَوِّها قبل العِشارِ الـروائمِ
فعزم عليه أبوه حتى طلقها، فتبعتها نفسه، فسمعه أبو بكر يوماً وهو يقول:
أعاتِكُ لا أنساكَ مـا ذرَّ شـارِقٌ وما ناحَ قُمْريُّ الحَمام المُطَوَّقُ

أعاتكُ، قلبـي كـلَّ يوم ولـيلةٍ إليكَ بما تخفي النفوسُ مُعَلَّـقُ

ولم أر مثلي طلَّقَ اليومَ مثلَـهـا ولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطلَّـقُ

لها خُلُقٌ جَزْلٌ، ورأي ومَنْصِبٌ وخَلْقٌ سَويٍّ في الحياء ومَصْدَقُ
فرقّ له أبوه وأمره فارتجعها، ثم شهد عَبْد الله الطائف مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرُمي بسهم فمات منه بالمدينة، فقالت عاتِكَة ترثيه:
رُزِئتُ بخيرِ الناسِ بعـد نـبـيِّهـمْ وبعد أبي بكرٍ، وما كان قَـصَّـرا

فآليتُ لا تنـفـكُّ عـينِـي حـزينةً عليكَ، ولا ينفكُّ جِـلـدي أغـبـرا

فلله عيناً منْ رأى مثـلَـه فـتـىً أكَرَّ وأحمى في الهَياج وأصـبـرا

إذا شُرِعَتْ فيه الأسِنَّةُ خـاضـهـا إلى الموت حتى يتركَ الرُّمحَ أحمرا
فتزوجها زيد بن الخطاب، وقيل: لم يتزوجها، وقتل عنها يوم اليمامة شهيداً، فتزوجها عُمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة، فأولم عليها، فدعا جمعاً فيهم علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أكلم عاتِكَة. قال: فافعل. فأخذ بجانبي الباب وقال: يا عُدَيَّة نفسها، أين قولك:
فآليتُ لا تنفكُّ عينِي حـزينةً عليكَ، ولا ينفكُّ جِلدي أغبرا
فبكت، فقال عُمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ كل النساء يفعلن هذا. فقال: قال الله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" فقتل عنها عُمر، فقالت ترثيه:
عينُ، جودي بعبـرةٍ ونـحـيبِ لا تَمَلّي على الامام النّـحـيبِ

قل لأهل الضَّرَّاءِ والبؤسِ: موتوا قد سقَتْهُ المَنونُ كأسَ شَعـوبِ
ثم تزوجها الزبير بن العوام، فقتل عنها، فقالت ترثيه:
غدر ابنُ جُرْموزٍ بفارسِ بُهْـمَةٍ يومَ اللقاءِ وكان غـير مُـعَـرِّدِ

يا عَمْرو، لو نبهته لـوجـدتـه لا طائشاً رَعْشَ الجِنانِ ولا الـيدِ

كم غمرةٍ قد خاضها لـم يثـنـهِ عنها طِرادُكَ يا ابن فَقْعِ القَرْدَدِ

ثكلتكَ أمكَ إنْ ظَفِرْتَ بمـثـلـه ممن مضى، ممن يروح ويغتدي

واللهِ ربِّكَ إنْ قتلْتَ لمسـلـمـاً حلَّتْ عليكَ عقوبةُ المُتَـعَـمِّـدِ
ثم خطبها علي بن أبي طالب، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنت بقية الناس وسيد المسلمين، وإني أنفس بك عن الموت. فلم يتزوجها، وكانت تحضر صلاة الجماعة في المسجد، فلما خطبها عُمر شرطت عليه أنه لا يمنعها عن المسجد ولا يضربها، فأجابها على كره منه، فلما خطبها الزبير ذكرت له ذلك، فأجابها إليه أيضاً. فلما أرادت الخروج إلى المسجد للعشاء الآخرة شق ذلك عليه ولم يمنعها، فلما عيل صبره خرج ليلة إلى العشاء وسبقها، وقعد لها على الطريق بحيث لا تراه، فلما مرت ضرب بيده على عجزها، فنفرت من ذلك ولم تخرج بعد.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #61  
قديم 16-01-2013, 05:25 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

حواء بنت يزيد


حواء بنت يزيد بن سنان الأنصاريَّة، امرأة قيس بن الخطيم. أسلمت وكانت تكتم زوجها قيساً إسلامها. ويقال أنه لما قدم قيس مكة حين خرجوا يطلبون الحلف من قريشٍ عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فاستنظره قيس حتى يقدم المدينة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتنب زوجته حوّاء وأوصاه بها خيراً، وقال له أنها قد أسلمت. ففعل قيس وحفظ وصيِّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. يذكر البعض أن قيسا لم ير محمد بن عبد الله قط ولذا ينفون عنه هذه القصة.
جاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" حوّاء أم بجيد الأنصارية. كانت من المبايعات من الأنصار، أسلمت قبل زوجها قَيْس بن الخطيم، وهي بِنْت يزيد بن السكن بن كُرْز بن زَعوراء من بني عَبْد الأشهل، قاله أبو نعيم. قال: وقيل: هي حواء بِنْت رافع بن امرئ القَيْس من بني عَبْد الأشهل، قال هذا جميعه أبو نعيم، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عُمر بن قتادة، فقد جعل أبو نعيم أم بجيد هي بِنْت يزيد بن السكن، وهي بِنْت رافع. وأما ابن منده فإنه قال: حواء بِنْت زيد بن السكن الأشهلية امْرَأَة قَيْس بن الخطيم، أسلمت وهاجرت، يقال لها أم بُجَيد... وذكر ترجمة أخرى: حواء بِنْت رافع، فقد جعلهما اثنتين. وأما أبو عُمر فقال: حواء بِنْت زيد بن السكن. وترجمة ثانية: حواء بِنْت يزيد بن سنان بن كرز بن زعوراء امْرَأَة قَيْس بن الخطيم، وترجمة ثالثة: حواء الأنصارية جَدَّة ابن بجيد، فقد جعلهن ثلاثاً على ما نذكره مفصلاً في التراجم بعد هذه إن شاء الله تعالى.
روى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد، عن جدته حواء.
وكانت من المبايعات قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "أسفروا بالصُّبح فإنه أعظم للأجر" ذكر هذا الحديث أبو نعيم وأبو عُمر في هذه الترجمة، وذكراهما أيضاَ، وابن منده عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عَمْرو بن مُعاذ، عن جدّته حوّاء، عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا تردّوا السائل ولو بظلف مُحْرَق". فاستدل أبو نعيم و ابن منده بهذا، على أنهما واحدة، وأما أبو عُمر فإنه جعل هذا اختلافاً في الإسناد، فإنه قال قد ذكرت الاضطراب في هذا الإسناد في كتاب التمهيد وقال أبو عُمر: ومنهم من يجعل هذه التي قبلها، يعني حواء بِنْت يزيد بن السكن.
أخرجها الثلاثة، إلا أن ابن منده ترجم عليها فقال: حواء بِنْت السكن الأشهلية".
رد مع اقتباس
  #62  
قديم 16-01-2013, 05:28 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

ليلى بنت أبى حثمة

المضحية


إنها ليلى بنت أبى حثْمَة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد اللَّه سيدة من نساء الإسلام الخالدات اللاتي تحملن من أجله كل مكروه كى ترتفع رايته، ويسعد بظله كل إنسان على ظهر الأرض لما فيه من نجاة وسعادة، فقد هاجرت ليلى مع زوجها تاركةً دارها ومالها وبلدها، وفضلت ما عند اللَّه على ما عند البشر.
عرفت حقيقة الإسلام وعظمته، فضحَّت من أجله بكل غالٍ ونفيس. فقد أسلمت وجهها للَّه، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة الهجرتين الأولى والثانية.
ويروى أنها لما أقدمت على الهجرة مع زوجها عبد اللَّه بن عامر ابن ربيعة، وتوجها معًا صوب الجنوب نحو الحبشة، قابلهما عمر بن الخطاب -وذلك قبل أن يُسلم- فقال لهما: إنه الانطلاق يا أم عبداللَّه، فقالت له بلا خوف ولا تردد: نعم واللَّه لنخرجنّ فى أرض اللَّه، آذيتمونا وقهرتمونا؛ حتى يجعل الله لنا مخرجًا. فقال عمر: صحبكم اللَّه، ثم انصرف، فقالت لزوجها: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفًا ورِقَّته وحزنه علينا! قال: أطمعتِ فى إسلامه؟ قالت: نعم، قال: فلا يُسلم الذي رأيت حتى يُسلم حِمَارُ الخطاب [ابن حجر فى الإصابة]! قال أبو عبد الله ذلك؛ لما كان يرى فى عمر وغيره من المشركين من الغلظة تجاه المسلمين الجدد، لكن الله -سبحانه وتعالى- يهدى من يشاء من عباده إلى الإسلام ونوره. وينتزعهم من شِراك الظلمة والكفر، وأسلم عمر بن الخطاب وأصبح يغار على الإسلام والمسلمين وكرَّس حياته فى خدمة هذا الدين. و ذات مرة سمعها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تنادي ابنها عبد اللَّه بن عامر وهو طفل فقالت: هاكَ، تعالَ أعطيك. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "وما أردت أن تعطيه؟". قالت : أُعطيه تمرًا. فقال النبي (: "أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة" [أبو داود وأحمد].
وهكذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه، ولاسيما أمام الأطفال؛ لكي تنشأ عندهم الأخلاق الإسلامية السامية، فأعطى للمرأة درسًا فى معاملة أولادها بالصدق، وهكذا كانت نموذجًا للمسلمة الصادقة مع أولادها.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" لَيْلَى بِنْت أبي حثمة بن حُذيفة بن غانم بن عامر بن عَبْد الله بن عُبَيْد بن عويج بن عديّ بن كعب بن لؤيّ القُرَشِيَّة العدويّة، امْرَأَة عامر بن ربيعة. وهي أم ابنه عَبْد الله بن عامر، وبه كانت تكنى.
وكانت من المهاجرات الأول. هاجرت الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وصلت القبلتين. روت عنها الشفاء. يقال إنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: أم سلمة.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن مُحَمَّد بن إسحاق، عن عَبْد الرَّحْمَن بن الحَارِث، عن عَبْد العزيز بن عَبْد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه لَيْلَى قالت: كان عُمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيّأنا للخروج إلى أرض الحبشة، جاءني عُمر بن الخطاب وأنا على بعيري نريد أن نتوجه، فقال: أين يا أم عَبْد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله. فقال: صحبكم الله. ثم ذهب، فجاءني زوجي عامر بن ربيعة، فأخبرته بما رأيت من رقة عُمر، فقال: تَرْجين أن يسلم؟ فقلت: نعم...الحديث.
وروى عَبْد الله بن عامر قال: دعتني أمي يوماً ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندنا فقالت: تعال أعطك. فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " ما أردت أن تعطيَه؟" قالت: تمراً. فقال لها: "أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كُتِبت عليكِ كَذبة".
رد مع اقتباس
  #63  
قديم 16-01-2013, 05:31 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

مسيكة التائبة

العفيفة


كانت جارية لعبد اللَّه بن أُبى بن سلول -رأس النفاق فى المدينة-، فأسلمتْ وبايعتْ النبي صلى الله عليه وسلم على ألا تشرك باللَّه شيئًا، ولا تسرق ولا تزني ولا تقتل أولادها، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديها ورجليها، ولا تعصيه فى معروف. وذلك مصداقا لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الممتحنة:12].
وكان البِغاء من عادات الجاهلية المرذولة، حيث كان الرجل يدفع بجواريه وإمائه إلى راغبي المتعة ومبتاعي الرذيلة رجاء الكسب وابتغاء المال. وذات يوم أراد عبد اللَّه بن أُبي أن يدفع بجاريته المسلمة إلى تلك السبيل المرذولة، لكن المسلمة العفيفة رفضت ذلك، وذهبت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تشكو إليه حالها، فاستمع إليها وقدَّر فيها عفتها، وحمد إليها صبرها.
ثم ما لبث أن نزل عليه قول اللَّه تعالي:(وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)[النور: 33-34].
فأبطل الإسلام هذا الأمر من أمر الجاهلية، وحمى النساء -حرائر وإماءً- من أن يكرههن أحد على البغاء.
وهكذا أسهمت هذه الصحابية الجليلة، "مُسَيْكَة" التائبة، فى تثبيت دعائم الفضيلة وصناعة مجتمع عفيف برفضها أن تكون أداة طيعة فى أيدى العابثين والماجنين من أصحاب النفوس الدنيئة والأخلاق المتردية، وصارت بذلك رمزًا للعفة والطهر، ومثلا لنظافة النفس ونقاء الطوية، ويكفيها عزَّا وفخرًا أن ينزل فى شأنها قرآن يتلى إلى يوم القيامة.. رضى اللَّه عن العفائف والطاهرات وعن السيدة مُسَيْكَة.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" مُسَيْكَة جارية عَبْد الله بن اُبيّ ابن سَلول.
نزل فيها وفي أُمَيْمَة: "ولا تكرهوا فتياتكم على البِغاء" قاله ابن منده. وروى عن أبي مُعاوِيَة، عن الأعمش، عن أبي سُفْيان، عن جابر أن أُمَيْمَة ومُسيكة جاريتي عَبْد الله، شكتا إلى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم عَبْد الله بن أبيّ فنزلت: "ولا تكرهوا فتياتكم على البِغاء".
أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن الطبري الفقيه بإسناده عن أبي يَعْلَى، أحمد بن علي: حدثنا ابن نُمير، حدثنا ابن أبي عُبَيْدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سُفْيان، عن جابر قال: كانت جارية لعَبْد الله بن اُبيّ يقال لها مُسيكة فأكرهها، فجاءت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فشكت ذلك إليه، فأنزل الله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البِغاء إنْ أردنَ تحَصُّناً لتبتغوا عَرَضَ الحياة الدنيا".
أخرجها ابن منده وأبو نعيم، وقد ذكرناها في مُعاذة أتم من هذا".
رد مع اقتباس
  #64  
قديم 16-01-2013, 05:33 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

هند بنت عتبة
توفيت 14 هـ


بطلة في الجاهلية والإسلام - إنها هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس العبشمية القرشية .
إحدى نساء العرب اللاتي كان لهم شهر عالية قبل الإسلام وبعده ، وهي أم الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
كانت هند ذات صفات ترفع قدرها بين النساء من العرب ، ففيها فصاحة ، وجرأة ، وثقة ، وحزم ، ورأي. تقول الشعر وترسل الحكمة ، وكانت امرأة لها نفس وأنفة.
زوجها أبوها من الفاكهة بن المغيرة المخزومي ، فولدت له أباناً ، ثم تركته.
وقالت لأبيها ذات يوم: إني امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجني رجلاً حتى تعرضه علي. فقال لها: ذلك لك. ثم قال لها يوماً: إنه قد خطبك رجلان من قومك ، ولست مسمياً لك واحداً منهما حتى أصفه لك ، أما الأول : ففي الشرف والصميم ، والحسب الكريم ، تخالين به هوجاً من غفلته ، وذلك إسجاح من شيمته ، حسن الصحابة ، حسن الإجابة ، إن تابعته تابعك ، وإن ملت كان معك، تقضين عليه في ماله ، وتكتفين برأيك في ضعفه ، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب ، والرأي الأريب ، بدر أرومته ، وعز عشيرته ، يؤدب أهله ولا يؤدبونه ، إن اتبعوه أسهل بهم ، وإن جانبوه توعر بهم ، شديد الغيرة ، سريع الطيرة، وشديد حجاب القبة ، إن جاع فغير منزور ، وإن نوزع فغير مقهور ، قد بينت لك حالهما.
قالت: أما الأول فسيد مضياع لكريمته، مؤات لها فيما عسى إن لم تعصم أن تلين بعد إبائها ، وتضيع تحت جفائها ، إن جاءت له بولد أحمقت ، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت. اطو ذكر هذا عني فلا تسمه لي ، وأما الآخر فبعل الحرة الكريمة : إني لأخلاق هذا لوامقة ، وإني له لموافقة ، وإني آخذة بأدب البعل مع لزومي قبتي ، وقلة تلفتي ، وإن السليل بيني وبينه لحري أن يكون المدافع عن حريم عشيرته ، والذائد عن كتيبتها ، المحامي عن حقيقتها ، الزائن لأرومتها ، غير مواكل ولا زميّل عند ضعضعة الحوادث ، فمن هو ؟ قال : ذاك أبو سفيان بن حرب ، قالت : فزوجه ولا تلقني إليه إلقاء المتسلس السلس ، ولا تمسه سوم المواطس الضرس ، استخر الله في السماء يخر لك بعلمه في القضاء.
وتزوجت هند من أبي سفيان بن حرب ، وكانت تحرص دوماً على محامد الفعال ، كما كانت ذات طموح واسع ، ففي ذات يوم رآها بعض الناس ومعها ابنها معاوية ، فتوسموا فيه النبوغ ، فقالوا لها عنه : إن عاش ساد قومه. فلم يعجبها هذا المديح فقالت في إباء وتطلع واسع : ثكلته إن لم يسد إلا قومه.
ولما كانت موقعة بدر الكبرى قتل في هذه العركة والد هند وعمها شيبة ، وأخوها الوليد بن عتبة ، فراحت ترثيهم مر الرثاء ، وفي عكاظ التقت مع الخنساء ، فسألتها من تبكين يا هند فأجابت :
أبكي عميد الأبطحين كليهما وحاميهما من كل باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي وشيبة والحامي الذمار وليدها
أولئك آل المجد من آل طالب وفي العز منها حين ينمى عديدها
وفي يوم أحد كان لهند بنت عتبة دورها العسكري البارز، فقد خرجت مع المشركين من قريش ، وكان يقودهم زوجها أبو سفيان ، وراحت هند تحرض القرشيين على القتال ، وتزعمت فئة من النساء ، فرحن يضربن الدفوف ، وهي ترتجز :
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق وإن تدبروا نفـــارق
وتردد قولها:
أيها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
وفي هذه المعركة كانت هند بنت عتبة قد حرضت وحشي بن حرب على قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، حيث وعدته بالحرية وكان عبداً لها إن هو قتل حمزة ، فكانت تؤجج في صدره نيران العدوان ، وتقول له : إيه أبا دسمة ، اشف واشتف.
ولما قتل وحشي حمزة رضي الله عنه جاءت هند إلى حمزة وقد فارق الحياة ، فشقت بطنه ونزعت كبده ، ومضغتها ثم لفظتها وعلت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها :
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخــي وعـمــه وبكــري
شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري حتى ترم أعظمي في قبري
وبقيت هند على الشرك حتى شرح الله تعالى صدرها للإسلام يوم فتح مكة ، حيث شاءت إرادة الله تعالى أن تنقلب بطلة الجاهلية إلى بطلة في ظل الإسلام ، ففي عشية ليلة الفتح ، فتح مكة ، عاد أبو سفيان بن حرب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً وهو يصيح : يا معشر قريش ألا إني قد أسلمت فأسلموا ، إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أتاكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند فأخذت بشاربه وهي تردد: بئس طليعة القوم أنت يا أهل مكة اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبح من طليعة قوم ، فقال أبو سفيان : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقالوا: قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك. قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وفي اليوم الثاني لفتح مكة قالت هند لزوجها أبي سفيان: إنما أريد أن أتابع محمداً فخذني إليه. فقالت لها: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث بالأمس. فقالت: إني والله لم أر أن الله قد عبد حق عبادته في هذا المسجد إلا في هذه الليلة ، والله إن باتوا إلا مصلين قياماً وركوعاً وسجوداً. فقال لها: فإنك قد فعلت ما فعلت ، فاذهبي برجل من قومك معك ، فذهبت إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت وبايعت.
وتمضي الأيام ، وتزداد هند المسلمة ثقافة إيمانية ، حيث اشتركت في الجهاد مع زوجها أبي سفيان في غزوة اليرموك وأبلت فيها بلاء حسناً ، وكانت تحرض المسلمين على قتال الروم فتقول : عاجلوهم بسيوفكم يا معشر المسلمين.
وظلت هند بقية حياتها مسلمة مؤمنة مجاهدة حتى توفيت سنة أربع عشرة للهجرة. فرضي الله عنها وأرضاها ، وغفر لها ورحمها.
رد مع اقتباس
  #65  
قديم 16-01-2013, 05:35 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

هجيمة بنت حيي

الواعظة


هجيمة بنت حيى الوصابي من قبيلة حمير في دمشق ، حفظت القرآن وهي صغيرة. ولقبت بأم الدرداء الصغرى، تزوجت من الصحابي المشهور أبي الدرداء، وقد سمعت الحديث عن زوجها، وعن أبى هريرة، وعائشة. وكانت زاهدة فقيهة ومحدثة وتابعية، قال لها زوجها ذات مرة: إذا غضبتِ أرضيتُكِ، وإذا غضبتُ فأرضيني؛ فإنك إن لم تفعلي ذلك فما أسرع أن نفترق. وقالت عند موته: اللهم إنّ أبا الدرداء خطبني إلى أبوي فتزوّجني فى الدنيا، اللَّهم فأنا أخطبه إليك، فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها زوجها: فإن أردت ذلك فكنت الأول، فلا تتزوجي بعدي. وكانت أم الدرداء ذات جمال وحسب، فخطبها معاوية فأبت، وقالت له قصتها، فقال: عليك بالصيام. ومن أقوالها: "أفضل العلم المعرفة". وقالت: "تعلموا الحكمة صغارًا تعملوا بها كبارًا". وقد طال عمرها حتى سنة 81 من الهجرة.
كانت النساء تأتي لتتعبد عندها، ويقمن الليل معها كله، فإذا ضعفن عن القيام فى صلاتهن تعلقن بالحبال.
ولم تَغْفَل عن ذِكْر الموت يومًا، قالت لشخص تعظه: هل تدرى ما يقول الميت حين يوضع فى قبره؟ يقول: يا أهلي.. يا جيراني.. يا حملة نعشي.. لا تغرنكم الدنيا كما غرتني.
وكانت سائرة ذات يوم، فمرت على مكان يسمى وادي جهنّم فقالت لقائدها: اقرأ شيئًا من القرآن، فتلا قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون: 115].
فما إن سمعتها حتى بكت، وقالت له عندما مرت على الجبال فى طريقها: أسمِع الجبال ما وعدها اللَّه، فقرأ قوله تعالى:(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)[الكهف: 47]. فأخذتْ تبكي بشدة.
وكانت تحثُّ الناس على العمل وعدم الركون والتواكل؛ فتقول لهم: ما بال أحدكم يقول: اللهمَّ ارزقني، وقد علم أن اللَّه لا يمطر عليه من السماء دنانير ولا دراهم، إنما يرزق الله بعضكم من بعض، فمن أُعطى شيئًا فليقبله. وإن كان غنيًا؛ فليضعه في ذوي الحاجة من إخوانه، وإن كان فقيرًا؛ فليستعن به على حاجته، ولا يرد على اللَّه رزقه الذي رزقه.
كانت معروفة بالتواضع وعدم الاغترار بالنفس؛ فسألها البعض أن تدعو لهم، فقالت: أبلغتُ أنا ذلك؟!
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" هُجيمة. وقيل: خيرة أم الدرداء. مختلف في اسمها وصحبتها.
أخرجها ابن منده وأبو نعيم كذا مختصراً.
قلت: كلام أبي نعيم وأبي موسى يدل على أن هجيمة وخيرة واحدة، وقد اختلف في اسمها وفي صحبتها. وأبو موسى إنما تبع أبا نُعيم وقلّده، وهما اثنتان: خيرة أم الدرداء الكبرى ولها صحبة، وهجيمة أم الدرداء الصغرى، ولا صحبة لها. وقد ذكرنا خبرهما في خيرة مُستقصى".
وورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" السيدة العالمة الفقيهة هجيمة وقيل جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية وهي أم الدرداء الصغرى. روت علماً جماً عن زوجها أبي الدرداء وعن سلمان الفارسي وكعب ابن عاصم الأشعري وعائشة وأبي هريرة وطائفة.
وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء وطال عمرها واشتهرت بالعلم والعمل والزهد. حدث عنها جبير بن نفير وأبو قلابة الجرمي وسالم بن أبي الجعد ورجاء بن حيوة ويونس بن ميسرة ومكحول وعطاء الكيخاراني وإسماعيل بين عبيد الله بن أبي المهاجر وزيد بن سالم وأبو حازم الأعرج وإبراهيم بن أبي عبلة وعثمان بن حيان المري.
قال أبو مسهر الغساني أم الدرداء هي هجيمة بنت حيي الوصابية وأم الدرداء الكبرى هي خيرة بنت أبي حدرد لها صحبة. قال محمد بن سليمان بن أبي الدرداء اسم أم الدرداء الفقيهة التي مات عنها أبو الدرداء وخطبها معاوية هجيمة بنت حي الأوصابية.
وقال بن جابر وعثمان بن أبي العاتكة كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء تختلف معه في برنس تصلي في صفوف الرجال وتجلس في حلق القراء تعلم القرآن حتى قال لها أبو الدرداء يوماً الحقي بصفوف النساء.
عبد الله بن صالح حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير ابن نفير عن أم الدرداء أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوك وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة قال فلا تنكحين بعدي فخطبها معاوية فأخبرته بالذي كان فقال عليك بالصيام. ورويت من وجه عن لقمان بن عامر وزاد وكان لها جمال وحسن.
وروى ميمون بن مهران عنها قالت قال لي أبو الدرداء لا تسألي أحداً شيئاً فقلت إن احتجت قال تتبعي الحصادين فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاخبطيه ثم اطحنيه وكليه.
قال مكحول كانت أم الدرداء فقيهة.
وعن عون بن عبد الله قال كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها. وقال يونس بن ميسرة كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء فإذا ضعفن عن القيام تعلقن بالحبال.
وقال عثمان بن حيان سمعت أم الدرداء تقول إن أحدهم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه ذهباً ولا دراهم وإنما يرزق بعضهم من بعض فمن أعطي شيئاً فليقبل فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة وإن كان فقيراً فليستعن به.
قال إسماعيل بن عبيد الله كان عبد الملك بن مروان جالساً في صخرة بيت المقدس وأم الدرداء معه جالسة حتى إذا نودي للمغرب قام وقامت تتوكأ على عبد الملك حتى يدخل بها المسجد فتجلس مع النساء ويمضي عبد الملك إلى المقام يصلي بالناس.
وعن يحيى بن يحيى الغساني قال كان عبد الملك بن مروان كثيراً ما يجلس إلى أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق.
وعن عبد ربه بن سليمان قال حجت أم الدرداء في سنة إحدى وثمانين".
رد مع اقتباس
  #66  
قديم 16-01-2013, 05:37 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

خولة بنت الأزور

الفارسة


سبق الفارس الملثَّم جيش المسلمين، وفي شجاعة نادرة اخترق صفوف الروم، وأعمل السيف فيهم، فأربك الجنود، وزعزع الصفوف، وتطايرت الرءوس، وسقطت الجثث على الأرض، وتناثرت الأشلاء هنا وهناك، وتعالت الصَّرَخات من الأعداء والتكبيرات من جيش المسلمين.
ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم اللَّه، إنه لفارس شجاع...كلمات قالها خالد بن الوليد قائد جيش المسلمين في معركة أجنادين عندما لمح الفارس وهو يطيح بسيفه هامات الأعداء، بينما ظن بعض المسلمين أن هذا الفارس لا يكون إلا خالدًا القائد الشجاع. لكن خالدًا قد قرب منهم، فسألوه في تعجب، من هذا الفارس الهُمام؟ فلا يجبهم، فتزداد حيرة المسلمين وخوفهم على هذا الفارس ولكن! ما لبث أن اقترب من جيش المسلمين وعليه آثار الدماء بعد أن قتل كثيرًا من الأعداء، وجعل الرعب يَدُبُّ فى صفوفهم، فصاح خالد والمسلمون: للَّه درُّك من فارس بذل نفسه فى سبيل اللَّه ! اكشف لنا عن لثامك. لكن الفارس لم يستجب لطلبهم، وانزوى بعيدًا عن المسلمين، فذهب إليه خالد وخاطبه قائلا: ويحك لقد شغلتَ قلوب الناس وقلبي لفعلك، من أنت؟ فأجابه: إننى يا أمير لم أُعرِضْ عنك إلا حياءً منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور. فلما علم خالد أنها امرأة سألها -وقد تعجَّب من صنيعها-: وما قصتك؟ فقالت المرأة: علمتُ أن أخي ضرارًا قد وقع أسيرًا فى أيدي الأعداء، فركبتُ وفعلتُ ما فعلتُ. قال خالد: سوف نقاتلهم جميعًا ونرجو اللَّه أن نصل إلى أخيكِ فنفكه من الأسر.

واشتبك جيش المسلمين مع الأعداء وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وكان النصر للمسلمين، وسارت تلك الفارسة تبحث عن أخيها، وتسأل المسلمين عنه، فلم تجد ما يشفي صدرها ويريح قلبها، فجلست تبكى على أخيها وتقول: "يابن أمي ليت شِعْرِي... فى أية بَيْدَاء طَرَحُوكَ، أم بأى سِنَانٍ طعنوك، أم بالْحُسام قتلوكَ. يا أخي لك الفداء، لو أنى أراك أنقذكَ من أيدى الأعداء، ليت شِعْرِى أترى أنى لا أراك بعدها أبدًا؟
لقد تركتَ يابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها، ليت شعري، لقد لحقت بأبيك المقتول بين يدَى النبي صلى الله عليه وسلم، فعليك منى السلام إلى يوم اللقاء. فما إن سمعها الجيش حتى بكوا وبكى خالد بن الوليد.
وما هي إلا لحظات حتى أتى الخبر بالبشرى بأن أخاها ما زال على قيد الحياة، وأن جيش الأعداء قد أرسله إلى ملك الروم مكبَّلا بالأغلال، فأرسل "خالدٌ" "رافعَ بن عميرة" فى مائة من جيش المسلمين ليلحق بالأعداء ويفك أسْرَ أخيها، فما إن سمعتْ بخروج "رافع بن عميرة" حتى أسرعتْ إلى خالد تستأذنه للخروج مع المسلمين لفك أسر أخيها، فذهبتْ معهم حيث أعدوا كمينًا فى الطريق، وما إن مرَّ الأعداء بالأسير حتى هجموا عليهم هجمة رجل، واحد وما لبثوا أن قضوا عليهم وفكوا أسر أخيها وأخذوا أسلحة العدو.
تلك هي الفارسة الفدائية خولة بنت الأَزْوَر، صحابية جليلة، أَبْلت بلاء حسنًا فى فتوح الشام ومصر. وكانت من أشجع نساء عصرها.
وتمر الأيام، وتظهر بسالة تلك المرأة، ومدى دفاعها عن الإسلام، ففى موقعة "صجورا" وقعت هي ونسوة معها فى أسر جيش الروم. ولكنها أبت أن تكون عبدة فى جيش الروم، فأخذت تحث أخواتها على الفرار من الأسر، فقامت فيهن قائلة: يا بناتَ حِمْيَر وبقية تبع، أترضين لأنفسكن أن يكون أولادكن عبيدًا لأهل الروم، فأين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب؟ وإنى أرى القتل عليكن أهون مما نزل بكُنَّ من خدمة الروم. فألهبت بكلامها حماس النسوة، فأبَيْن إلا القتال والخروج من هذا الذُّل والهوان.
وقالت لهن: خذوا أعمدة الخيام، واجعلوها أسلحة لكُن، وكنَّ فى حلقة متشابكات الأيدى مترابطات، لعل اللَّه ينصرنا عليهم، فنستريح من معرَّة العرب. فهجمت وهجم معها النسوة على الأعداء وقاتلن قتال الأبطال حتى استطعن الخروج من معسكر الأعداء وتخلصن من الأسر.
ولم تنته معارك خَوْلة فى بلاد الشام، فقد أُسِرَ أخوها ضرار مرة أخرى فى معركة مرج راهط، فاقتحمت الصفوف من أجله.
وخاضت مع المسلمين معركة أنطاكية حتى تمَّ النصر فيها للمسلمين، كما اشتركتْ -أيضًا- فى فتح مصر، وغدتْ مفخرة نساء العرب ورجالهم.
وظلتْ السيدة خَوْلة -رضى الله عنها- على إيمانها وحبها للفداء والتضحية، ودفاعها عن دين الله، ورفْع لواء الإسلام حتى تُوُفِّيتْ فى آخر خلافة عثمان بن عفان -رضى الله عنه-.
رد مع اقتباس
  #67  
قديم 16-01-2013, 05:40 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

حفصة بنت سيرين

صاحبة الكفن


كان ذِكْرُ الموت لايفارقها، فهى تعلم أن الدنيا أيام معدودة، فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضها؛ لذا كانت تتوقع الموت فى كل لحظة، حتى روِى أنها كانت تحتفظ بكفن دائم لها هو جزء من ملابسها فإذا حجت وأحرمت لبسته، وإذا جاءت الأيام العشرة الأخيرة من رمضان لبستْه تقيم فيه.
إنها حَفْصَة بنت سيرين، المحدِّثة الزاهدة، التي أمضت شبابها فى عبادة وتقوي، وكانت تقول: يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني رأيت العمل فى الشباب.
قَرَأَتْ القرآن الكريم، وتدبرتْ معانيه وعمرها اثنتا عشرة سنة، وكان أخوها "محمد بن سيرين" إذا استشكَل عليه شيء من القرآن الكريم قال: اذهبوا إلى حفصة، واسألوها كيف تقرأ؟
واشتهرت حفصة بالزهد، والصبر الجميل على طاعة اللَّه وعبادته، وكانت كثيرة الصيام، طويلة القيام، تدخل مسجدها تصلى فيه، وتتعبد بقراءة القرآن، ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة أو لمقابلة من يأتون ليستفتونها، ويتعلمون منها.
وكانت محدثِّة جليلة، نشأت فى بيت علم، وكان لها ستة إخوة غيرها، كلهم يقرءون القرآن، ويشتغلون بالحديث.
وكانت حفصة تحب العلم، وتبذل فى سبيله كل غالٍ ونفيس؛ لأنها تَعْلَم أن العلماء ورثة الأنبياء، كما عُرِفتْ حفصة بشدة تمسكها بتعاليم الإسلام الحقة، وطاعتها للَّه ولرسوله؛ فقد رُوى أن سفيان بن عيينة بن عاصم قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلتِ الجلباب هكذا وتنقبت به (أي: لبسته)، فنقول لها: رحمك اللَّه، قال اللَّه تعالى:( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[ النور: 60]. فتقول: هو إثبات الجلباب.
ولها باع كبير فى رواية الحديث النبوي، فقد رَوَتْ عن أخيها يحيى وعن غيره، وروى عنها الكثير.
تُوُفيت "حفصة" -رضى اللَّه عنها- فى العام الثاني والتسعين من الهجرة، وقيل: الحادى بعد المائة، وقد بلغت من العمر سبعين عامًا.
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" حفصة بنت سيرين أم الهذيل الفقيهة الأنصارية روت عن أم عطية وأم الرائح ومولاها أنس بن مالك وأبي العالية روى عنها أخوها محمد وقتادة وأيوب وخالد الحذاء وابن عون وهشام بن حسان.
روي عن إياس بن معاوية قال ما أدركت أحداً أفضله عليها وقال قرأت القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة وعاشت سبعين سنة فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال أما أنا فما أفضل عليها أحداً.
وقال مهدي بن ميمون مكثت حفصة بنت سيرين ثلاثين سنة لا تخرج من مصلاها إلا لقائلة أو قضاء حاجة. قلت توفيت بعد المئة".
رد مع اقتباس
  #68  
قديم 16-01-2013, 05:42 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

شهدة بنت الإبري

الكاتبة


خير النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج ابن عمر الدينوري ثم البغدادي الإبري الكاتبة المجيدة والمحدثة المسندة العالمة. مولدها ووفاتها ببغداد.
كانت ذات دين وعبادة وصلاح وبر وإحسان. سمعت من أكابر علماء عصرها أمثال أبي الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله ابن البطر القارئ المحدث المتوفى سنة 494 هـ، وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي، وطراد بن محمد الزينبي أبي الفوارس، وثابت بن بندار، وغيرهم.
كانت من أبرز علماء الحديث، وسمع عليها خلق كثير منهم: ابن عساكر، وابن الجوزي، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ الموفق.
انتهى إليها إسناد بغداد، وعمرت حتى ألحقت الصغار بالكبار. وكانت تكتب خطا جيداً لذلك سميت بشهدة الكاتبة.
تزوج بها ثقة الدولة ابن الأنباري وكان من أخصاء المقتفي العباسي. وعندما توفيت صلي عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها، وحضرها خلق كثير وعامة العلماء. وكانت وفاتها ببغداد يوم الأحد 13 محرم سنة 574 هـ ودفنت بباب ابنزرور وقد نفيت على تسعين سنة.
ورد في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان:
" شهدة بنت الإبري فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة؛ كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق كثير، وكان لها المساع العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر؛ سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن طلحة النعالي وطراد بن محمد الزينبي وغيرهم مثل أبي الحسن علي ابن الحسين بن أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي واشتهر ذكرها وبعد صيتها. وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ودفنت بباب أبرز وقد نيفت على تسعين سنة من عمرها، رحمها الله تعالى.
والإبري: بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعد ياء مثناة من تحتها، هذه النسبة إلى الإبر التي هي جمع إبرة التي يخاط بها، وكان المنسوب إليها يعلمها أو يبيعها.
والدينورية: بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وفي آخرها راء، هذه النسبة إلى الدينور، وهي بلدة من بلاد الجبل ينسب إليها جماعة من العلماء، وقال أبو سعد ابن السمعاني: إن الدال من الدينور مفتوحة، والأصح الكسر كما ذكرناه.
ومات والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسمائة رحمه الله تعالى، وكانت وفاته ببغداد ودفن بباب أبرز.

وذكر ابن النجار في "تاريخ بغداد" علي بن محمد بن يحيى أبا الحسن الدريني المعروف بثقة الدولة ابن الأنباري فقال: كان من الأماثل والأعيان، واختص بالإمام المقتفي لأمر الله، وكان فيه أدب ويقول الشعر، وبنى مدرسة لأصحاف الشافعي على شاطئ دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطاً للصوفية ووقف عليهما وقوفاً حسنة، وسمع الحديث؛ قال السمعاني: كان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج الإبري وزوجه بنته شهدة الكاتبة، ثم علت درجته إلى أن صار خصيصاً بالمقتفي. مولده سنة خمس وسبعين وأربعائة، وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودفن في داره برحبة الجامع، ثم نقل بعد موت زوجته شهدة فدفنا بباب أبرز قريباً من المدرسة التاجية في محرم سنة اربع وسبعين وخمسمائة".
رد مع اقتباس
  #69  
قديم 16-01-2013, 05:44 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

سفانة بنت حاتم الطائي

الكريمة بنت الكريم


كان أبوها مضرب الأمثال في الكرم في الجاهلية، فلما ظهر الإسلام وانتشرت الفتوح، غزت خيلُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبيلتها "طَـيِّئ"، وأخذوها بين مَنْ أخذوا من السبايا. وكانت امرأة بليغة عاقلة، مرّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول اللَّه! امْـنُنْ عَلَي، مَنَّ اللَّه عليك، فقد هلك الوالد، وغاب الوافد (تَنَصَّرَ أخوها وفرّ حتى كان قريبًا من أرض الروم، وكان ذلك قبل أن يُسلم ويَحْسُنَ إسلامه) ولاتُشَمِّتْ بى أحياء العرب، فإنى بنتُ سيد قومي، كان أبى يفك الأسير ويحمى الضعيف، ويَقْرِى (يكرم) الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم الطائي.
فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه". ثم قال لأصحابه: "خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق". ثم قال لها: "فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني" [ابن هشام].
فلما قدم ركب من أهلها، أرادت الخروج معهم، وذهبت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تستأذنه، فأذن لها وكساها من أحسن ما عنده من الثياب، وجعل لها ما تركبه، وأعطاها نفقة تكفيها مؤنة السفر وزيادة.
ثم قدمت على أخيها -عدى بن حاتم- وكان أكبر منها سنّا، وأرادت أن تدعوه إلى الإسلام، وتدله على الخير، بعدما رأت من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مارأت، وعلمت عن الإسلام وفضائله ما علمت، فسألها أخوها: ما ترين فى هذا الرجل؟ فانتهزتها فرصة، وهى الفصيحة العاقلة، تقدم الدين الجديد لأخيها وتدعوه، وتعرّفه برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى أسلوب حكيم، وعرض مؤثِّر، وسبيل مقنع، قالت: أرى أن تلحق به، فإن يكن الرجل نبيّا فاتبعْه؛ فللسابق إليه فضله، وإن يكن غير ذلك لم يُخَفْ عليك، وأنت من أنت عقلا وبصيرة، وإنى قد أسلمتُ. فقال عدي: والله إن هذا هو الرأى السليم. وخرج حتى قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدخل عليه وهو فى مسجده، فأسلم وحمد اللَّه. ونالت أخته بذلك ثواب هدايته إلى دين الحق.

إنها الصحابية الجليلة سفانة بنت حاتم الطائي وأبوها أشهر كرماء العرب الجاهليين، حتى ضرب به المثل فى الكرم.

اشتهرت سفانة بالكرم والسخاء مثل أبيها حاتم الطائي، فقد كان أبوها يُعطيها من إبله ما بين العشرة إلى الأربعين، فتهبها وتُعطيها الناس، فقال لها حاتم: يابنية! إنَّ القرينين إذا اجتمعا فى المال أتلفاه، فإما أن أعطي وتمسكي، وإما أن أُمسك وتعطي، فإنه لا يَـبْقَى على هذا شيءٌ. فقالت: والله لا أُمسك أبدًا. وقال أبوها: وأنا والله لا أمسك أبدًا. قالت: فلا نتجاور. فقاسمها ماله وتباينا.
فعاشت -رضى الله عنها- مثالا للكرم، ورجاحة العقل، وحسن الخلق.
جاء في كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" سفانة بِنْت حاتم الطّائي. تقدم نسبها عند أخيها عَدي، وكان أبوها حاتم يكنى أبا سفَّانة.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن مُحَمَّد بن إسحاق قال: أصابت خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابنة حاتم، فقدم بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سبايا طيء، فجُعِلَت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد، فمرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقامت إليه وكانت امْرَأَة جزلة فقالت: يا رسول الله: هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منَّ الله عليك. قال: "مَن وافِدُكِ"؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: "الفارُّ من الله ورسوله"؟ ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتركني، حتى مرّ بي ثلاثاً، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلميه. فقمت فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منَّ الله عليك. قال: " قد فعلت فلا تعجَلي حتى تجدي ثقةً يبَلِّغُكِ بلادك، ثم آذنيني" فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ، فقيل: علي بن أبي طالب. وقدم ركب من بَلِيّ، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: قدم رهط من قومي. قالت: فكساني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحملني، وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي عدي بن حاتم، فقال لها عديّ: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى أن تلحق به.
كذا رواه يونس، ولم يسم سفَّانة، وسماها غيره. ورواه عَبْد العزيز بن أبي روّاد نحوه، وزاد: وكانت أسلمت فحسن إسلامها"
رد مع اقتباس
  #70  
قديم 16-01-2013, 05:50 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

رابعة العدوية

العابدة


قامت فى جوف الليل تدعو اللَّه ضارعة وتقول: إلهي، أنارتْ النجوم، ونامتْ العيون، وغلقتْ الملوك أبوابها، وهذا مقامى بين يديك، إلهي.. ما أصغيت إلى صوت حيوان، ولا حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنُّم طائر، ولا تنعم ظل، ولا دوِى ريح، ولا قعقعة رعد... إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك، دالة على أنه ليس كمثلك شيء. سَيدِى بك تقرّب المتقربون فى الخلوات، ولعظمتك سَبَّحَتِ الحيتان فى البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات. أنت الذي سبح لك سواد الليل، وضوء النهار، والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، والنجم الزهار، وكل شيء عندك بمقدار؛ لأنك اللّه العلى القهار.
وذات مرة قالت لأبيها: يا أبتِ، لستُ أجعلك فى حلٍّ من حرام تطعمنيه. فقال لها: أرأيت إن لم أجد إلاحرامًا؟ قالت: نصبر فى الدنيا على الجوع، خير من أن نصبر فى الآخرة على النار.
إنها رابعة بنت إسماعيل العدوية، وُلدت بالبصرة لرجل فقير صالح، ومات أبواها، وتركاها صغيرة تواجه مع أخواتها الثلاث صعوبات الحياة. ولما حلّ الجفاف هاجرت أخوات رابعة بينما أبت الهجرة معهن فتركنها وحيدة، حتى وجدها اللصوص، فأخذوها وباعوها لتاجر ثرى ذاقت تحت يده ذل الرق والعبودية. فلما علم التاجر أنها تصلي طوال الليل، ذهب ليتأكد من ذلك فسمعها تدعو: إلهى أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عينى فى خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك. ولكنك تركتنى تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. فرقّ لها فأعتقها وأطلق سراحها.
انصرفت رابعة بعد ذلك للزهد والعبادة وقراءة القرآن، وظل ذلك دأبها طوال عمرها.
وجاء أحد التجار يطلبها للزواج، فقال لها: إننى أربح فى اليوم ثمانين ألف درهم وأنا أخطبك لنفسي. فقالت له: إن الزهد فى الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن. صُم دهرك ، واجعل الموت فطرك، فما يَسُـرُّني أن اللّه خولني أضعاف ما خولك، فيشغلني به عنه طرفة عين، والسلام.
وعندما أتى رجل إليها ليعطيها أربعين دينارًا وقال لها: تستعينين بها على بعض حوائجك. بكت، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أنى أستحى منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أريد أن آخذها ممن لا يملكها؟ يا هذا وما ترى من سوء حالي؟! ألستُ على الإسلام؟! فهو العز الذي لا ذُل بعده، والغنى الذي لا فقر معه، والأنس الذي لا وحشة معه. فقام الرجل وهو يقول: ما سمعتُ مثل هذا الكلام. فقالت له: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلُّ، وأنت تعلم فاعمل.
كانت رابعة العدوية تصلى الليل، فإذا طلع الفجر هجعت فى مُصَلاها هَجْعَة خفيفة حتى يسفر الفجر، فتثب من مرقدها وهي فزعة وتقول: يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها، إلا لصرخة يوم النشور. ثم تبكي وهى ساجدة فإذا رفعت رأسها يُرى موضع سجودها مبلل من دموعها.
قال لها رجل ذات يوم: يا رابعة ادع لي ! فقالت: من أنا، يرحمك اللّه؟!أطع ربك وادعه؛ فإنه يجيب المضطرين.
وقالت لها امرأة: يا رابعة، إنى أحبك في اللّه. فقالت لها: فلا تعصي وأطيعي من أحببتني فيه، فسألتها: أترين من تعبدينه؟ فقالت: لو كنت لا أراه ما عبدته.
عاشت رابعة حتى صارت عجوزًا كبيرة لها ثمانون سنة، وكانت من زهدها فى الحياة أن بدت ضعيفة تكاد تسقط على الأرض وهى تمشي. وكانت تضع أكفانها أمامها، فإذا ذُكر الموت انتفضت وأصابتها رعدة.
وحين قرب موتها قالت لخادمتها عبدة: يا عبدة لا تُؤْذِنِى بموتى أحدًا (أى لا تُخبريه)، وكَـفِّـنِـينِى فى جُبَّتى هذه وفى خمارى الصوف؛ ليكمل لى بهما ثوابى يوم القيامة .
وتوفيت فى سنة مائة وخمس وثلاثين من الهجرة وعمرها ثمانون عامًا. وقبرها يقع بظاهر القدس .
ومن أقوالها المأثورة:
أستغفر اللَّه العظيم من قلة صدقي في قولي. أستغفر اللَّه.
* كلوا خبز الدنيا واعملوا للآخرة.
* مُحِبُّ الله لا يَسْـكُنُ أنينُه وحنينُه حتى يسكن فى جنة محبوبه.
* وكانت توصى الناس بقولها: اكْـتُمُوا حسناتِـكُمْ كما تكتمون سيئاتكم.
ورد في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان:
" أم الخير رابعة ابنة إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عتيك الصالحة المشهورة؛ كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة وذكر أبو القاسم القشيري في "الرسالة" أنها كانت تقول في مناجاتها: إلهي تحرق بالنار قلباً يحبك؟ فهتف بها مرة هاتف: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء. وقال يوماً عندها سفيان الثوري: واحزناه! فقالت: لا تكذب بل قل واقلة حزناه، لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس. وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور، وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئاً.
ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم. وقالت لأبيها: يا أبه، لست أجعلك في حل من حرام تطعمنيه، فقال لها: أرأيت إن لم أجد إلا حراماً؟ قالت: نصبر في الدنيا على الجوع خير من أن نصبر في الآخرة على النار. وكانت إذا جن عليها الليل قامت إلى سطح لها ثم نادت: إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار.
ولقي سفيان الثوري رابعة-وكانت زرية الحال-فقال لها: يا أم عمرو أرى حالاً رثة فلو أتيت جارك فلاناً لغير بعض ما أرى، فقالت له: يا سفيان وما ترى من سوء حالي؟ ألست على الإسلام فهو العز الذي لا ذل معه والغني الذي لا فقر معه والأنس الذي لا وحشة معه؛ والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها؟ فقال سفيان وهو يقول: ما سمعت مثل هذا الكلام. وقالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم فاعمل.
كان أبو سليمان الهاشمي له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم، فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوجها فأجمعوا على رابعة العدوية فكتب إليها: أما بعد فإن ملكي من غلة الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم وليس يمضي إلا قليل حتىى أتمها مائة ألف إن شاء الله، وأنا أخطبك نفسك، وقد بذلت لك من الصداق مائة ألف وأنا مصير إليك من بعد أمثالها، فأجبيبيني، فكتبت إليه: أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام.
وقالت امرأة لرابعة: إني أحبك في الله، فقالت لها: أطيعي من أحببتني له. وكانت رابعة تقول: اللهم قد وهبت لك من ظلمني فاستوهبني ممن ظلمته. قال رجل لرابعة: إني أحبك في الله، قالت: فلا تعص الذي أحببتني له.
إني جعلتك في الفؤاد محـدثـي وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مـؤانـس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسـي
وكانت وفاتها في سنة خمس وثلاثين ومائة، ذكره ابن الجوزي في "شذور العقود" وقال غيره: سنة خمس وثمانين ومائة، رحمهما الله تعالى، وقبرها يزار، في كتاب "صفة الصفوة" في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال-قال ابن الجوزي: وكانت من خيار إماء الله تعالى، وكانت تخدم رابعة-قالت: كانت رابعة تصلي اليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس، كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها، إلا لصرخة يوم النشور، وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفناها في تلك الجبة، وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم ار شيئاً قط أحسن منه، فقلت: يا رابعة، ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي، فطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا، فقالت: وما هذا عندما رأيت من كرامة الله عز وجل لأوليائه؟ فقلت لها: فما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات سبقتنا والله إلى الدرجات العلا، فقلت: وبم وقد كنت عند الناس، أي أكبر منها؟ قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست، فقلت لها: فما فعل أبو مالك؟ أعني ضيغماً، قالت: يزور الله عز وجل متى شاء، قلت: فما فعل بشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمل، قلت: فمريني بأمر أتقرب به إلى الله عز وجل، قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك، رحمهما الله تعالى".
رد مع اقتباس
  #71  
قديم 16-01-2013, 05:53 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

زنوبيا ملكة تدمر

من الظواهر الطبيعية البارزة والملفتة للنظر بروز شخصيات فذة على فترات متقطعة متباعدة أو متقاربة من الزمن، ولقد كان بروز زنوبيا إحدى تلك الظواهر. برزت وسطع نجمها في أيام بعيدة وسحيقة بالنسبة لنا.لقد كانت مؤهلة لذلك البروز، كانت مؤهلة في ذاتها وشخصها، وكانت مؤهلة في البيئة التي نشأت فيها، واكتمل كل ذلك لها بالزواج والتدرب بل التمرس في شؤون الحكم ومسؤولياته. وتبدو زنوبيا كأنها واحدة من الأساطير، وما أكثر الأساطير القديمة التي توارثها البشر في ذلك الزمان من مختلف الجهات والشعوب، من الشرق ومن الغرب.
كانت عربية الأصل، ذات شخصية قوية، تتحلى بتربية عالية، تجيد اليونانية والآرامية، وتتكلم بهما بمثل الطلاقة التي تتكلم بها العربية، ولم تكن تجهل اللاتينية، وله اطلاع على تاريخ الغرب بالإضافة إلى كونها قد دونت لنفسها خلاصة لتاريخ الشرق، مما يدل على سعة اطلاعه، فهي امرأة ليست كالنساء، عاشت عظيمة وتوارت عظيمة أيضاً، إنها نموذج رائع للبشر يستحق منا الدراسة والبحث، ولهذا كله أجري هذا البحث المتواضع .

نسبها :
الزباء بنت عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدة السميعة المشهورة في العصر الجاهلي، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة . يسميها الإفرنج زنوبيا، وأمها يونانية من ذرية كليوبترا ملكة مصر.

صفاتها:
كانت غزيرة المعارف، بديعة الجمال، مولعة بالصيد والقنص، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، وكتبت تاريخاً للشرق.1
زنوبيا ملكة جليلة ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق.كانت سمراء اللون قوية اللحظ وكانت الهيبة والجمال والعظمة تلوح على وجهها وكانت أسنانها بيضاء كاللؤلؤ وصوتها قوياً وجهوراً، وجسمها صحيحاً سالماً ، وكانت الابتسامات لا تفارقها، فعاشت بعظمة ملوكية مقلدة ملوك الأكاسرة فكانت تضع العمامة على رأسها وتلبس ثوباً أرجوانياً مرصعاً بالجواهر وكثيراً ما كانت تترك ذراعها مكشوفة. وتثقفت بالثقافة اليونانية وكانت تتكلم الآرامية والقبطية وبعض اللاتينية واليونانية ولها اطلاع واسع على تاريخ الشرق والغرب ، وكانت تقرأ هوميروس وأفلاطون وألفت تاريخاً عن مصر وآسيا

قضية الحكم:
كانت زنوبيا زوجة لأذينة سيد الشرق الروماني الذي امتدت سلطته على سورية وما يليها ولقب ملك الملوك. فاستأثر أذينة بسورية وسائر آسيا الرومانية، وكان كثيراً ما يحارب الفرس ويردهم عن بلاده. وكان إذا خرج إلى الحرب أناب عنه في حكومة تدمر امرأته زنوبيا، حتى قيل: إن ما وصل إليه أذينة من البراعة في القيادة والدراية في تعبئة الجيوش يرجع إليها.
ولما قتل أذينة ( وتشير بعض أصابع الاتهام إليها في مقتل زوجها) اعتلت أريكة الملك باسم ابنها وهب اللات، ثم أخذت تسعى لابنها بتثبيت عرشه وتقوية الدولة التدمرية. وبعد حين ساءت العلاقات بين الإمبراطور الروماني والدولة التدمرية، فأرسل الإمبراطور بعض الكتائب الرومانية لإعادة بسط النفوذ الروماني، ولكن زنوبيا حطمت هذه الكتائب وأولتها شر هزيمة.
واستفادت من الاضطرابات في روما، فتوجهت إلى مصر تلك البلاد الغنية بالحبوب وفتحتها بكل اقتدار وبذلك عززت مكانة تدمر التجارية وجعلت علاقاتها التجارية تمتد إلى الحبشة وجزيرة العرب. ولم تقنع بمصر بل شرعت تغزو بلاداً وتفتح أوطاناً وتقهر جنوداً وتهزم جيوشاً حتى اتسعت مملكتها اتساعاً عظيماً فامتدت حدودها من شواطئ البسفور حتى النيل أطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية.
انتقل الحكم في روما إلى الإمبراطور أورليانوس الذي بادر حالا إلى التفاوض مع زنوبيا وأوقف زحف جيوشها مقابل هبات عظيمة لها واعترف بألقاب ابنها وامتيازاته وضربت النقود في إنطاكية والإسكندرية فكانت صورة وهب اللات على وجهها الأول وعلى الوجه الثاني صورة أورليانوس.وفي خطوة تالية عهدت بملك مصر إلى ولدها وأزالت من النقود صورة الإمبراطور ونادت بالاستقلال المطلق.
وما أن اطلع أورليانوس على عمل زنوبيا هذا إلا وصب عليها جام غضبه ووطن نفسه على التنكيل بها وسحق الدولة التدمرية. عبأ جيشاً علاماً وعلى رأسه القائد بروبوس وبعث به إلى مصر سنة 271م ، وتولى بنفسه جيشاً آخر توجه به إلى آسيا الصغرى على أن يلتقي الجيشان في تدمر . بدأت الخطة تلاقي النجاح، حيث احتل بروبوس مصر بدون أن يلقى مقاومة كبيرة، أما أورليانوس فوصل أنطاكية واستطاع أن يقهر القوات التدمرية في معركة كبرى دامية مما اضطرها إلى الانسحاب إلى تدمر .

النهـاية:
تعقبهم أورليانوس نحو حمص متابعاً زنوبيا التي انسحبت إليها ، فأوقع بجيشها هزيمة أخرى ، شابهت ظروفها معركة أنطاكية ووصل تدمر وحاصرها حصاراً تاماً قضى على ما لدى التدمريين من المؤن، وكانت قد أعدت كل ما تستطيع إعداده من وسائل الدفاع إذ وضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف المهاجمين بالحجارة، وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وصممت على المقاومة بشجاعة بطولية، معلنة أنه إذا كان لا بد لحكمها من النهاية فلتقترن هذه بنهاية حياتها.
عرض أورليانوس على زنوبيا التسليم لقاء شروط معتدلة : أن تنسب انسحاباً كريماً ، وأن يحتفظ مواطنوها بامتيازاتهم القديمة . لكنها رفضت شروطه بإباء وشمم، لا بل اقترن الرفض بالإهانة، وبعد أن استبد بها اليأس، حاولت زنوبيا الهروب ووصلت نهر الفرات إلا أنها وقعت في الأسر واقتيدت إلى أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها سنة 282م.ثم اقتادها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قوادها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في حمص.
وعلى أرجح الأقوال أن حياتها قد انتهت في منزل حقير في تيبور أعده لها اورليانوس، ولم يتحقق من طريقة وفاتها، إلا أن لإحدى الروايات تقول أنها امتصت سماً وماتت به، أما بناتها فقد تزوجهن بعض أشراف الرومان.

الخاتمة:
كانت سيرتها أقرب إلى سير الأبطال من سير النساء، فلم تكن تركب في الأسفار غير الخيل، ولك تكن تحمل في الهودج، وكانت تجالس قوادها وأعوانها وتباحثهم ، وإذا جادلتهم غلبتهم بقوة برهانها وفصاحة لسانها، وكثيراً ما ضم مجلسها رجالاً من أمم شتى وبينهم وفود من ملوك الفرس والأرمن ، وكانت عادلة في رعاياها خصوصاً من العرب.
في مجالسها الاعتيادية كانت تدخل معها ابنها وهب اللات معها وعليها أفخر اللباس وعلى كتفيها المشملة القصيرة الأرجوانية، وعلى رأسها التاج ، وأوكلت تدبير أمور قصورها إلى بعض شيوخ الخصيان ، أما إذا تجولت حفت بها الفتيات من بنات الأشراف..أما عند استعراض الجند في الميادين مرت أمام الصفوف فوق جوادها وعليها لباس الحرب وعلى رأسها الخوذة الرومانية مرصعة بالدر والجوهر، فإذا رآها الناس في ذلك الموقف حسبوها آلهة من الآلهة العظام كما كان شائعاً في الأساطير اليونانية والرومانية.آثار تدمر مازالت شاهدة حتى اللحظة على ما كانت فيه من عظمة ومنعة وعز وثراء وبهاء بقيادة زنوبيا ، ولها آثار باقية في لبنان منها أقنية الماء من نهر إبراهيم إلى جبيل وكذلك من نهر قاديشا إلى طرابلس ومن نهر بيروت إلى بيروت .
حقاً كانت امرأة عظيمة بكل المواصفات البشرية القديمة والحديثة ، وصارت عبرة لمن شاء أن يعتبر


التعديل الأخير تم بواسطة حسن جبريل العباسي ; 17-01-2013 الساعة 01:20 AM
رد مع اقتباس
  #72  
قديم 16-01-2013, 05:56 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

الخنسـاء

575- 664م


هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد السلمية، ولدت في جزيرة العرب ولقبت بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه. عرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية. يُستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، ومن خلال القصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما. وأثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها، فتزوجت من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي. إلا أنها لم تدم طويلا معه لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله، لكنها أنجبت منه ولدا. ثم تزوجت بعد ذلك من ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي وأنجبت منه أربعة أولاد وهم: يزيد ومعاوية وعمرو وعمرة. وتعد الخنساء من المخضرمين لأنها عاشت في عصرين : عصر الجاهلية وعصر الإسلام. وبعد ظهور الإسلام أسلمت وحسن إسلامها.
قال ابن خلكان في "وفيات الأعيان": ((الخنساء: اسمها تماضر، بضم التاء المثناة من فوقها وفتح الميم وبعد الألف ضاد مكسورة معجمة وبعدها راء، وهي ابنة عمرو بن الشريد السلمي)).
قُتل معاوية على يد هاشم ودريد ابنا حرملة يوم حوزة الأول سنة 612 م، فحرّضت الخنساء أخاها صخر بالأخذ بثأر أخيه، فقام بقتل دريد. ولكن صخر أصيب بطعنة دام إثرها حولاً كاملاً وتوفي في يوم كلاب سنة 615 م. فبكت الخنساء على أخيها صخر قبل الإسلام وبعده حتى عميت . وفي الإسلام حرّضت الخنساء أبناءها الأربعة على الجهاد وقد رافقتهم مع الجيش زمن عمر بن الخطاب، وهي تقول لهم: "يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية. يقول الله عز وجل:" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". وأصغى أبناؤها إلى كلامها، فذهبوا إلى القتال واستشهدوا جميعا في موقعة القادسية . وعندما بلغ الخنساء خبر وفاة أبنائها لم تجزع ولم تبك، ولكنها صبرت، فقالت قولتها المشهورة: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". ولم تحزن عليهم كحزنها على أخيها صخر.
تُعـد الخنساء من الشعراء المخضرمين، تفجر شعرها بعد مقتل أخويها صخر ومعاوية ، وخصوصا أخوها صخر. فقد كانت تحبه حباً لا يوصف ، ورثته رثاء حزينا وبالغت فيه حتى عدت أعظم شعراء الرثاء. ويغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار لأنها سارت على وتيرة واحدة تميزت بالحزن والأسى وذرف الدموع.
تعكس أبيات الخنساء عن حزنها الأليم على أخويها وبالأخص على صخر، فقد ذكرته في أكثر أشعارها:
ألا يا عين فانهمري بغدر وفيضـي فيضـة مـن غـير نــــزر
ولا تعدي عزاء بعد صخـر فقد غلب العزاء وعيل صبري
وجاء في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: ((هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسمها تماضر.
والخنساء لقب غلب عليها ، وفيها يقول دريد بن الصمة، وكان خطبها فردته، وكان رآها تهنأ بعيرا:
حيوا تماضر وأربعوا صحبي

وقفوا فإن وقوفكم حسبـي
أخناس قد هام الفؤاد بـكـم

وأصابه تبل مـن الـحـب
ما إن رأيت ولا سمعت بـه

كاليوم طالي أينـق جـرب
متبذلا تبـدو مـحـاسـنـه

يضع الهناء مواضع النقب
قال أبو عبيدة ومحمد بن سلام: لما خطبها دريد بعثت خادما لها وقالت: انظري إليه إذا بال، فإن كان بوله يخرق الأرض ويخد فيها ففيه بقية، وإن كان بوله يسبح على وجهها فلا بقية فيه. فرجعت إليها وأخبرتها، فقالت: لابقية في هذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأدع بني عمي وهم مثل عوالي الرماح، وأتزوج شيخا! فقال:
وقاك الله يا ابنة آل عمرو

من الفتيان أشباهي ونفسي
وقالت إنني شيخ كـبـير

وما نبأتها أني ابن أمـس
فلا تلدي ولا ينكحك مثلي

إذا ما ليلة طرقتبنـحـس
تريد شرنبث القدمين ششنا

يباشر بالعشية كل كـرس
فقالت الخنساء تجيبه:
معاذ الله ينكحني حبركـى

يقال أبوه من جشم بن بكر
ولو أصبحت في جشم هديا

إذا أصبحت في دنس وفقر
وهذا الشعر ترثي به أخاها صخرا وقتله زيد بن ثور الأسدي يوم ذي الأثل.
أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، وأضفت إليه رواية الأثرم عن أبي عبيدة قال: غزا صخر بن عمرو، وأنس بن عباس الرعلي في بني سليم، بني أسد بن خزيمة ،-قال أبو عبيدة: وزعم السلمي أن هذا اليوم يقال له يوم الكلاب ويم ذي الأثل-في بني عوف وبني خفاف، وكانا متساندين، وعلى بني خفاف صخر بن عمرو الشريدي، وعلى بني عوف أنس بن عباس. قال: فأصابوا في بني أسد بن خزيمة غنائم وسبيا، وأخذ صخر يومئذ بديلة امرأة . قال: وأصابت صخرا يومئذ طعنة، طعنه رجل يقال له ربيعة بن ثور، ويكنى أبا ثور، فأدخل جوفه حلقا من الدرع فاندمل عليه حتى شق عنه بعد سنين، وكان سبب موته.
قال أبو عبيدة: وقال غيره: بل ورد هو وبلعاء بن قيس الكناني. قال: وكانا أجمل رجلين في العرب. قال: فشربا عند يهودي خمار كان بالمدينة. قال:فحسدهما لما رأى من جمالهما وهيأتهما، وقال: إني لآحسد العرب أن يكون فيهم مثل هذين! فسقاهما شربة جويا منها . قال: فمر بصخر طبيب بعد ما طال مرضه، فأراهما به،فقال: أشق عنك فتفيق. قال: فعمد إلى شفار فجعل يحميها قم يشق بها عنه، فلم ينشب أن مات. قال أبو عبيدة: واما أبو بلال بن سهم فإنه قال: اكتسح صخر أموال بني أسد وسبى نساءهم، فأتاهم الصريح فتبعوه فتلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور السدي صخرا في جنبه، وفات القوم فلم يقعص وجوي منها، ومرض قريبا من حول، حتى مله اهله. قال: فسمع صخر امرأة وهي تسأل سلمى امرأة صخر: كيف بعلك؟ فقالت سلمى:لاحي فيرجى، ولاميت فينعى، لقينا منه الأمرين! قال: وزعم آخر أن التي قالت هذه المقالة بديلة الأسدية التي كان سباها من بني أسد فاتخذها لنفسه. فأنشد هذا البيت:
ألا تلكم عرسي بديلة أوجسـت

فراقي وملت مضجعي ومكاني
وأما أبو بلال بن سهم فزعم أن صخرا حين سمع مقالة سلمى امرأته قال:
أرى أم صخر لاتمل عـيادتـي

وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة

عليك ومن يغتر بالـحـدثـان
أهم بأمر الحزم لو أستطـيعـه

وقد حيل بين العير والنـزوان
لعمري لقد نبهت من كان نائمـا

وأسمعت من كانت لـه أذنـان
وللموت خير من حياة كأنـهـا

محلة يعسوب برأس سـنـان
وأي امرىء ساوى بأم حـلـيلة

فلا عاش إلا في شقا وهـوان
فلما طال عليه البلاء وقد نتأت قطعة مثل اللبد في جنبه في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا ان تبرأ. فقال: شأنكم. فأشفق عليه بعضهم فنهاهم، فأبى وقال: الموت أهون علي مما أنا فيه! فأحموا له شفرة ثم قطعوها فيئس من نفسه.
قال: وسمع صخر أخته الخنساء تقول: كيف كان صبره؟ فقال صخر في ذلك:
أجارتناإن الـخـطـوب تـنـوب

على الناس، كل المخطئين تصيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنـنـي

صبور على ريب الزمان صلـيب
كأني وقد أدنوا إلـي شـفـارهـم

من الصبر دامي الصفحتين ركوب
أجارتنا لست الغـداة بـظـاعـن

ولكن مقـيم مـا اقـام عـسـيب
عن أبي عبيدة: عسيب: جبل بأرض بني سليم إلى جنب المدينة، فقبره هناك معلم.
وقال أبو عبيدة: فمات فدفن هناك، فقبره قريب من عسيب.
فقالت الخنساء ترثيه:
ألاما لعينـك أم مـا لـهـا

لقد أخضل الدمع سربالهـا
ابعد ابن عمرو من آل الشري

د حلت به الأرض أثقالهـا
فإن تـك مـرة أودت بــه

فقد كان يكثرتـقـتـالـهـا
سأحمل نفسي علـى خـطة

فإما علـيهـا وإمـا لـهـا
فإن تصبر النفس تلق السرور

وإن تجزع النفس أشقى لها
غنى فيه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.
قال السلمي: ليست هذه في صخر، هذه إنما رثت بها معاوية اخاها، وبنو مرة قتلته. ولكنها قالت في صخر:
قذى بعينـك أم بـالـعـين عـوار

أم أقفرت إذ خلت من أهلها الـدار
تبكي لصخر، هي العبرى وقد ثكلت

ودونه من جديد التـرب أسـتـار
لابد من ميتة في صرفـهـا غـير

والدهر في صرفه حول وأطـوار
يا صخر وراد مـاء قـد تـنـاذره

أهل الموارد ما فـي ورده عـار
مشى السبنتى إلى هيجاء معضـلة

له سـلاحـان أنـياب وأظـفـار
فما عجول على بو تـطـيف بـه

لها حنينـان إصـغـار وإكـبـار
ترتع ما رتعت حتـى إذا ادكـرت

فإنـمـا هـي إقـبـال وإدبـار
لاتسمن الدهر في أرض وإن رتعت

فإنما هي تحـنـان وتـسـجـار
يوما بأوجد منـي يوم فـارقـنـي

صخر وللدهـر إحـلاء وإمـرار
فإن صخـرا لـوالـينـا وسـيدنـا

وإن صخرا إذا نشتـو لـنـحـار
وإن صخرا لتـأتـم الـهـداة بـه

كأنـه عـلـم فـي راسـه نـار
-غنى في هذين البيتين الأولين ابن سريج، من رواية يونس-:
لم ترأه جارة يمشي بساحتها

لربية حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت يأكله

لكنه بارز بالصحن مهمار
مثل الرديني لم تنفد شبيبتـه

كأنه تحت طي البرد أسوار
في جوف رمس مقيم قد تضمنه

في رمسه مقمطرات وأحجار
طلق البدين بفعل الخير ذو فجر

ضخم الدسيعة بالخيرات أمـار
ورفقة حار هاديهم بمهـلـكة

كأن ظلمتها في الطخية القـار
عروضه ثان من البسيط.
العوار والعائر: وجع، وهو مثل الرمد. وذرفت: قطرت قطرا متتبعا لايبلغ أن يكون سيلا. والعبرى، يقال امرأة عبرى وعابر. والعبرة : سخنة العين . والوله : ما يصيب الرجل والمرأة من شدة الجزع على الولد. حول وأطور، أي تحول وتقلب وتصرف. قد تناذره، أي أنذر بعضهم بعضا هوله وصعوبته. ويروى: تبادره وقولها مافي ورده عار أرادت ما في ترك ورده عار، أي لايعير أحد إن عجز عنه من صعوبة ورده .
العجول: الثكول. والبو: أن ينحر ولد الناقة ويؤخذ جلده فيحشى ويدنى من أمه فترأمه. إحلاء وإمرار، يقال: ماأحلى ولاأمر. أي ما أتى بحلوة ولامرة . والمعنى أن الدهر يأتي بالمشقة والمحبة . كأنه علم في رأسه نار أي إنه مشهور. والعلم: الجبل، وجمعه أعلام. كأنه تحت طي البردأسوار، أي من لطافة بطنه وهيفه شبيه أسوار من ذهب.والرديني: الرمح منسوب إلى ردينة: امرأة كانت تقوم الرماح. أي هو معصوب البدن ليسبمهيج منحل. وهذا كله من انفاخ الجلد والسمن والاسترخاء. وقال أبو عمرو: مقمطرات: صخور عظام.والأحجار صغار .ذو فجر: يتفجر بالمعروف. والدسيعة: العطاء. الطخية، من الطخاء، وهو الغيم الرقيق الذي يواري النجوم فيتحير الهادي .

وقالت الخنساء أيضا ترثي صخرا:

بكت عيني وعاودها قذاهـا

بعوار فما تقضي كـراهـا
على صخر وأي فتى كصخر

إذا ما الناب لم ترأم طلاهـا
-الطلا:الولد،أي لم تعطف عليه من الجدب-
فتى الفتيان ما بلغوا مداها

ولايكدي إذا بلغت كداهـا
لئن جزعت بنو عمرو عليه

لقد رزئت بنو عمرو فتاها
-غنى في هذه الأبيات ابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر حبش أن لهأيضافيه خفيف رمل بالبنصر-
ترى الشم الجحاجح من سليم

وقد بلت مدامعها لحـاهـا
-إذا وصف السيد بالشمم فإنه لايدنو لدناءة، ولايضع لها أنفه-
وخيل قد كففت بجول حيل

فدارت بين كبشيها رحاها
-وجول خيل: جولان. ويقال: قطعة خيل تجول، أي تذهب وتجيء-
ترفع فضـل سـابـغة دلاص

على خيفانة خفق حـشـاهـا
وتسعى حين تشتجر العـوالـي

بكأس الموت ساعة مصطلاها
محافظة ومـحـمـية إذا مـا

نبا بالقوم من جزع لـظـاهـا
فتتركها قد اشتجرت بطـعـن

تضمنه، إذا اختلفت، كـلاهـا
هنالك لو نزلت بـال صـخـر

قرى الأضياف سخنا من ذراها
فمن للضيف إن هبت شـمـال

مزعزعة يجاوبهـا صـداهـا
وألجأ بردها الأشـوال حـدبـا

إلى الحجرات بارزة كـلاهـا
أمطعمكم وحاملكم تركـتـهـم

لدى غبراء منهـدم رجـاهـا
ليبك عليك قومك للمـعـالـي

وللهيجاء إنك مـا فـتـاهـا
وقد فوزت طلعة فاستراحـت

فليت الخيل فارسهـا يراهـا
وقال خفاف بن عمير يرثي صخرا ومعاوية ابني عمرو، ورجالا منهم أصيبوا:
تطاول همه ببـراق سـعـر
لذكراهـم وأي أوان ذكـر

كأن النار تخرجهـا ثـيابـي
وتدخل بعد نوم الناس صدري

لباتت تضرب الأمثال عنـدي
على ناب شريت بها وبكـر

وتنسى من أفارق غير قـال
وأصبر عنهم من آل عمـرو

وهل تدرين أن مارب خـرق
رزئتمبرأ بقصـاص وتـر

أخى ثقة إذا الضراء نـابـت
وأهل حباء أضياف ونحـر

كصخر للـسـرية غـادروه
بذرة أو معاوية بن عمـرو

وميت بالجناب أثل عـرشـي
كصخر أو كعمرو أو كبشر

وآخر بالنواصف مـن هـدام
فقد أودى ورب أبيك صبري

فلم أرمثلهم حـيا لـقـاحـا
أقاموا بين قاصية وحـجـر

أشد على صروف الدهـر إذا
وآمرمنهم فيهـا بـصـبـر

وأكـرم، حـين ضـن الـنـاس، خـيمــا
وأحـمـد شـيمة ونـشـــيل قـــدر
إذا الـحـسـنـاء لـم تـرحـض يديهــا
ولم يقـصـر لـهـا بـصـر بـسـتـر
قروا أضـيافـهـم ربـحـا بـــبـــح
تجـيء يعـبـقـري الـودق سـمـــر
رمـاح مـثـقـف حـمـلـت نـصــالا
يلـحـن كـأنـهـن نـجـوم فـجـــر
جلاها الـصـيقـلـون فـأخـلـصـوهـا
مواضـي كـلـهـا يفـري بـبـتـــر
هم الأيسـار إن قـحـطـت جـمـــادى
بكـل صـبـير سـارية وقـــطـــر
يصـدون الـمـغـيرة عـن هـواهـــا
بطـعـن يفـلـق الـهـامـات شــزر
تعلم أن خير الناس طر
الولدان غداة الريح غبر
وأرملة ومعتر مسيف
عديم الـمـال، عـجـزة أم صـخـــر
ومما رثت به الخنساء صخرا وغني فيه:
أعيني جودا ولا تـجـمـدا

ألا تبكيان لصخر الـنـدى
ألا تبكيان الجريء الجمـيل

ألا تبكيان الفتـى الـسـيدا
طويل النجاد رفيع العـمـا

د ساد عشـيرتـه أمـردا
إذا القـوم مـدوا بـأيديهـم

إلى المجـد مـد إلـيه يدا
فنال الـذي فـوق لأيديهـم

من المجد ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عـالـهـم

وإن كان أصغرهم مولـدا
ترى المجد يهوي إلى بيتـه

يرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألـفـيتـه

تأزر بالمجـد ثـم ارتـدى
ونذكر الآن ها هنا خبر مقتل معاوية بن عمرو أخيهما، إذكانت أخبارهما وأخبارها يدعوبعضها إلى بعض.
قال أبو عبيدة: حدثني أبو بلال بن سهم بن عباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور قال: غزامعاوية بن عمرو أخو خنساء، بني سعد بن ذبيان وبني فزارة، ومع خفاف بن عمير بن الحارث، وأمه ندبة سوداء، وإليها ينسب، فاعتوره هاشم ودريد ابنا حرملة المريان. قال ابن الكلبي: وحرملة هو حرملة بن الأسعر بن إياس بن مريطة بن ضمرة بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. قال أبو عبيدة فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله، فما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثاربه! فشد على مالك بن حمار الشمخي، وكان سيد بني شمخ بن فزارة، فقتله-أقال: وهو مالك بن حمارين حزن بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن مازن بن فزارة -فقال خفاف في ذلك:
فإن تك خيلي قد أصيب صممها

فعمدا على عين تيممت مالكـا
يعني مالك بن حمار الشمخي.
قال أبو عبيدة: فأجمل أبو بلال الحديث.
قال: وأما غيره فذكر أن معاوية وافى عكاظ في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي بسوق عكاظ، إذ لقي أسماء المرية، وكانت جميلة، رغم انها كانت بغيا، فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه وقالت: أما علمت أني عند سيد العرب هاشم بن حرملة؟! فقال: أما والله لأقار عنه عنك. قالت: شأنك وشأنه. فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية وما قالت له، فقال هاشم: فلعمري لا يريم أبياتنا حتى ننظر ما يكون من جهده. قال: فلما خرج الشهر الحرام وتراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية بن عمرو غازيا يريد بني مرة وبني فزارة، في فرسان أصحابه من بني سليم، حتى إذا كان بمكان يدعى الجوزة- والشك من أبي عبيدة-دومت عليه طير وسنح له ظبي، فتطير منهما ورجع في أصحابه، وبلغ ذلك هاشم بن حرملة فقال: ما منعه من الإقدام إلا الجبن! قال: فلما كانت السنة المقبلة غزاهم، حتى إذا كان في ذلك المكان سنح له ظبي وغراب فتطير فرجع، ومضى أصحابه وتخلف في تسعة عشر فارسا منهم لايريدون قتالا،إنما تخلف عن عظم الجيش راجعا إلى بلاده ، فوردوا ماء وإذا عليه بيت شعر، فصاحوابأهله فخرجت إليهم امرأة فقالوا ما أنت ممن أنت؟قالت: امرأة من جهينة، أحلاف لبني سهم بن مرة بن غطفان. فوردوا الماء يسقون، فانسلت فأتت هاشم بن حرملة، فأخبرته أنهم غير بعيد، وعرفته عدتهم وقالت: لاأرى إلا معاوية في القوم. فقال: بالكاع، أمعاوية في تسعة عشر رجلا، شبهت أو أبطلت. قالت: بل قلت الحق، ولئن شئت لأصفنهم لك رجلا رجلا. قال: هاتي.
قالت: رأيت فيهم شابا عظيم الجمة، جبهته قد خرجت من تحت مغفره، صبيح الوجه، عظيم البطن، على فرس غراء. قال: نعم هذه صفته. يعني معاوية وفرسه الشماء. قالت: ورأيت رجلا شديد الأدمة شاعرا ينشدهم. قال: ذلك خفاف بن عمير.
قالت: ورأيت رجلا ليس يبرح وسطهم، إذا نادوه رفعوا أصواتهم. قال: ذلك عباس الأصم.
قالت:ورأيت رجلا طويلا يكنونه أبا حبيب، ورأيتهم أشد شيء له توفيرا. قال: ذاك نبيشة بن حبيب.
قالت: ورأيت شابا جميلا له وفرة حسنة. قال: ذاك العباس بن مرداس السلمي.
قالت: ورأيت شيخا له ضفيرتان، فسمعته يقول لمعاوية:بأبي أنت أطلت الوقوف! قال: ذاك عبد العزى زوج الخنساء أخت معاوية.
قال: فنادى هاشم في قومه وخرج، وزعم المري أنه لم يخرج إليهم إلا في مثل عدتهم من بني مرة.قال: فلم يشعر السلميون حتى طلعوا عليهم، فثاروا إليهم فلقوهم فقال لهم خفاف: لاتنازلوهم رجلا رجلا؛ فإن خيلهم تثبت للطراد وتحمل ثقل السلاح، وخيلكم قد أمنها الغزو وأصابها الحفا .
قال: فاقتلوا ساعة وانفرد هاشم ودريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له أحدهما فشد عليه معاوية وشغله، واغتره الآخر فطعنه فقتله. واختلفوا أيهما استطرد له وأيهما قتله، وكانت بالذي استطردله طعنة طعنه إياها معاوية. ويقال: هو هاشم. وقال آخرون: بل دريد أخو هاشم)).

رد مع اقتباس
  #73  
قديم 16-01-2013, 05:58 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

ليلى الأخـيلية
تو. 85 هـ

ليلى الأخيلية من أهم شاعرات العرب المتقدمات في الإسلام ولا يتقدمها أحد من النساء سوى الخنساء. هي ليلى بنت عبد الله بن الرحال وسميت الرحالة. آخر أجدادها كان يعرف بالأخيل وهم ينتسبون إلى قبيلة بني عامر.

عاصرت ليلى الأخيلية أهم أحداث عصرها السياسية، ولكن شعرها خلا من تلك الأحداث باستثناء رثائها لعثمان الذي استشهد سنة 35هـ. وبرزت ليلى بجمالها وشجاعتها التي مكنتها من التصدي لأكبر الشخصيات، ومقدرتها على إسكات فحول الشعراء بشاعريتها الواضحة في شعرها وعفتها.
نشأت ليلى منذ صغرها مع ابن عمها توبة بن الحمير. والمشهور عنها أنها عشقت توبة وعشقها. وكان يوصف بالشجاعة ومكارم الأخلاق والفصاحة. وكان اللقاء عند الكبر عندما كانت ليلى من النساء اللواتي ينتظرن الغزاة، وكان توبة مع الغزاة فرأى ليلى وافتتن بها. وهكذا توطدت علاقة حب عذري. ولكن رفض والد ليلى كان عائقاً في زواجهما.
زوّجها أبوها من أبي الأذلع. ولكن زواج ليلى لم يمنع توبة من زيارتها وكثرت زياراته لها. فتظلم بنو الأذلع إلى السلطان الذي أهدر دم توبة، إذا عاود زيارة ليلى، فأخذوا يترصدون له في المكان المعتاد. وذات يوم علمت ليلى بمجيء توبة وخرجت للقائه سافرة وجلست في طريقه فاستغرب خروجها سافرة. ولكنه فطن أنها أرادت أن تعلمه عن كمين نصب له فأخذ فرسه وركض، وكانت ليلى هي السبب في نجاته. وفي هذا الحدث يقول توبة:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
تزوجت ليلى مرتين، وكان زواجها الأول من الأذلعي. ومن أهم صفات زوجها الأول أنه كان غيوراً جداً. وبعض القصص تقول إنه طلقها لغيرته الشديدة من توبة، وقصص أخرى أنه مات عنها. أما زوجها الثاني فهو سوار بن أوفي القشيري والملقب بابن الحيا. وكان سوار شاعراً مخضرماً من الصحابة. ويقال إن ليلى أنجبت منه العديد من الأولاد.
كانت ليلى في ذلك الزمان مشهورة بين الأمراء والخلفاء. فحظيت بمكانة لائقة واحترام كبير. فأسمعت الخلفاء شعرها سواء كان من الرثاء أو المديح ونالت منهم الأعطيات والرغبات. وكذلك كان الشعراء يحتكمون إليها وكانت تفاضل بينهم.
ذات يوم وفدت ليلى على معاوية بن أبي سفيان ولديها عدة قصائد مدحته فيها، وقصيدة لها وصفت فيها ناقتها التي كانت تجوب الأرض لتصل إلى معاوية فيجود عليها من كرمه. وسأل معاوية ذات يوم ليلى عن توبة العشيق إذ كان يصفه الناس بالجمال والشجاعة والكرم . فقالت "يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجى للأقران، كريم المختبر، عفيف المئزر، جميل المنظر". ثم قال معاوية وما قلت له ؟ قالت : "قلت ولم أتعد الحق وعلمي فنه". فأعجب من وصفها وأمر لها بجائزة عظيمة واستنشدها المزيد.
كانت ليلى على علاقة وثيقة بالحجاج بن يوسف وبالأمويين عامة . ويذكر ذات يوم أنها دخلت على الحجاج، فاستؤذن لليلى فقال الحجاج من ليلى ؟ قيل الأخيلية صاحبة توبة . فقال: ادخلوها. فدخلت امرأة طويلة دعجاء العينين، حسنة المشية، حسنة الثغر. وعند دخولها سلمت فرد عليها الحجاج ورحب بها. وبعد جلوسها سألها عن سبب مجيئها فقالت للسلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه. ثم قال لها وكيف خلفت قومك؟ قالت تركتهم في حال خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال والكلأ، وأما الأمن فقد أمنه الله عز وجل، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك؟ فقال: إذا شئت، فقالت:
أحــجاج لا يفـلل سلاحك إنما المنـايا بكـف الله حيث تراها
إذا هبـط الحجاج أرضاً مريضة تتبـع أقصـى دائـها فشفـاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غـلام إذا هـز القنـا سقـاها
سقاها دمــاء المارقين وعلـها إذا جمحت يوماً وخفيـف أذاها
إذا سمـع الحجـاج صوت كتيبة أعـد لها قبـل النـزول قراها

بعد انتهائها قال الحجاج: لله ما أشعرها. وأمر لها بخمسمائة درهم، وخمسة أثواب وخمسة جِمال. وبعد مسيرها أقبل الحجاج على مجلسه وقال: أتدرون من هذه؟ قالوا:لا والله ما رأينا امرأة أفصح وأبلغ ولا أحسن إنشاداً . قال: هذه ليلى صاحبة توبة. ولم يكن الحجاج يظهر بشاشته ولا سماحته في الخلق إلا في اليوم الذي دخلت عليه ليلى الأخيلية.

إن أغلب القدماء أشادوا بأن ليلى الأخيلية شاعرة فاقت أكثر الفحول من الشعراء، وشهدوا لها بالفصاحة والإبداع. ومن الذين أعجبوا بشعرها الفرزدق حتى أنه فضل ليلى على نفسه، وأبو نواس الذي حفظ العديد من قصائدها، وأبو تمام الذي ضرب بشعرها المثل، وأبو العلاء المعري الذي وصف شعرها بأنه حسن ظاهره.
تتسم العطفة في شعرها بالهدوء والاستسلام للقدر على شيء من التفلسف والتأمل في الوجود. ويتبين من شعرها تأثير البيئة الأموية التي عادت فيها العصبيات القبلية إلى الظهور، وتفاخر الشعراء بقبائلهم كقول الأخيلية:
نحن الأخايل لا يزال غلامنا حتى يدب على العصا، مشهوراً
تبـكي الرماح إذا فقدن أكفنا جزعاً، وتعرفنا الرفاق بحـوراً

ويلاحظ التأنق اللفظي في شعر الأخيلية. وهذا التأنق يأتي بعيداً عن التكلف والتعقيد. ومن أساليب التأنق اللفظي يلاحظ في شعرها الطباق، وهناك غموض خفيف وبساطة قريبة من عالم الشعر والخيال. ومن سمات شعر الأخيلية التكرار اللفظي. وهذا التكرار مستحسن لدى الأخيلية وغايته تأكيد المعنى والإكثار من الألفاظ المتشابهة.
أقبلت ليلى من سفر وأرادت أن تزور قبر توبة ذات يوم ومعها زوجها الذي كان يمنعها، ولكنها قالت: "والله لا أبرح حتى أسلم على توبة". فلما رأى زوجها إصرارها تركها تفعل ما تشاء. فوقفت أمام القبر وقالت: "السلام عليك يا توبة". ثم قالت لقومها ما عرفت له كذبة. فلما سألوها عن ذلك قالت أليس هو القائل:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمـت علـي، ودوني تربـة وصـفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوصاح إليها صدى من جانب القبر صائح

فما باله لم يسلم علي كما قال؟! وكانت بجانب القبر بومة فلما رأت الهودج فزعت وطارت في وجه الجمل، الذي أدى إلى اضطرابه ورمى ليلى على رأسها وماتت في نفس الوقت ودفنت بجانب قبر توبة. وكانت المنطقة تعرف بالري.
وورد في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: هي ليلى بنت عبد الله بن الرحال وقيل ابن الرحالة بن شداد بن كعب بن معاوية، وهو الأخيل وهو فارسها الهرار ، ابن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وهي من النساء المتقدمات في الشعر من شعراء الإسلام .
وكان توبة بن الحمير يهواها. وهو توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو ابن عقيل .
جاءها توبة يوماً فسفرت له لتحذره: أخبرني ببعض أخبارهما أحمد بن عبد العزيز الجوهري ومحمد بن حبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثنا محمد بن علي أبو المغيرة قال حدثنا أبي عن أبي عبيدة قال حدثني أنيس بن عمرو العامري قال: كان توبة بن الحمير أحد بني الأسدية، وهي عامرة بنت والبة بن الحارث، وكان يتعشق ليلى بنت عبد الله بن الرحالة ويقول فيها الشعر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وزوجها في بني الأدلع. فجاء يوماً كما كان يجيء لزيارتها، فإذا هي سافرة ولم ير منها إليه إلا بشاشةً، فعلم أن ذلك لأمرٍ ما كان، فرجع إلى راحلته فركبها ومضى، وبلغ بني الأدلع أنه أتاها فتبعوه ففاتهم. فقال توبة في ذلك:
نأتك بليلى دارها ولا تزورهـا

وشطت نواها واستمر مريرها
وهي طويلة، يقول فيها:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت

فقد رابني منها الغداة سفورها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان توبة بن الحمير إذا أتى ليلى الأخيلية خرجت إليه في برقع. فلما شهر أمره شكوه إلى السلطان، فأباحهم دمه إن أتاهم. فمكثوا له في الموضع الذي كان يلقاها فيه. فلما علمت به خرجت سافرةً حتى جلست في طريقه فلما رآها سافرةً فطن لما أرادت وعلم أنه قد رصد، وأنها أسفرت لذلك تحذره، فركض فرسه فنجا. وذلك قوله:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت

فقد رابني منها الغداة سفورها
قال أبو عبيدة وحدثني غير أنيس أنه كان يكثر زيارتها، فعاتبه أخوها وقومها فلم يعتب ، وشكوه إلى قومه فلم يقلع، فتظلموا منه إلى السلطان فأهدر دمه إلى أن أتاهم. وعلمت ليلى بذلك، وجاءها زوجها وكان غيوراً فحلف لئن لم تعلمه بمجيئه ليقتلنها، ولئن أنذرته بذلك ليقتلنها. قالت ليلى: وكنت أعرف الوجه الذي يجيئني منه، فرصدوه بموضعٍ ورصدته بآخر، فلما أقبل لم أقدر على كلامه لليمين، فسفرت وألقيت البرقع عن رأسي. فلما رأى ذلك أنكره فركب راحلته ومضى ففاتهم .
عرفها رجل من بني كلاب وخبره معها ومع زوجها: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر قال حدثني أبو زيادٍ الكلابي قال: خرج رجل من بني كلابٍ ثم من بني الصحمة يبتغي إبلاً له حتى أوحش وأرمل ، ثم أمسى بأرض فنظر إلى بيت بوادٍ، فأقبل حيث ينزل الضيف، فأبصر امرأة وصبياناً يدورون بالخباء فلم يكلمه أحد. فلما كان بعد هدأةٍ من الليل سمع جرجرة إبلٍ رائحةٍ، وسمع فيها صوت رجلٍ حتى جاء بها فأناخها على البيت، ثم تقدم فسمع الرجل يناجي المرأة ويقول: ما هذا السواد حذاءك؟ قالت: راكب أناخ بنا حين غابت الشمس ولم أكلمه. قفال لها: كذبت، ما هو إلا بعض خلانك، ونهض فضربها وهي تناشده، قال الرجل: فسمعته يقول: والله لا أترك ضربك حتى ياتي ضيفك هذا فيغيثك. فلما عيل صبرها قالت: يا صاحب البعير يا رجل! وأخذ الصحمي هرواته ثم أقبل يحضر حتى أتاها وهو يضربها، فضربه ثلاث ضربات أو أربعاً، ثم أدركته المرأة فقالت: يا عبد الله، ما لك ولنا! نح عنا نفسك، فانصرف فجلس على راحلته وأدلج ليلته كلها وقد ظن أنه قتل الرجل وهو لا يدري من الحي بعد ، حتى أصبح في أخبيةٍ من الناس، ورأى غنماً فيها أمة مولدة، فسألها عن أشياء حتى بلغ به الذكر ، فقال: أخبريني عن أناس وجدتهم بشعب كذا . فضحكت وقالت: إنك لتسألني عن شيء وأنت به عالم. فقال: وما ذاك لله بلادك؟ فوالله ما أنا به عالم. قالت: ذاك خباء ليلى الأخيلية، وهي أحسن الناس وجهاً، وزوجها رجل غيور فهو يعزب بها عن الناس فلا يحل بها معهم، والله ما يقربها أحد ولا يضيفها، فكيف نزلت أنت بها؟ قال: إنما مررت فنظرت إلى الخباء ولم أقربه، وكتمها الأمر. وتحدث الناس عن رجل نزل بها فضربها زوجها فضربه الرجل ولم يدر من هو. فلما أخبر باسم المرأة وأقر على نفسه تغنى بشعر دل فيه على نفسه وقال:
ألا يا ليل أخت بني عـقـيلٍ

أنا الصحمي إن لم تعرفيني
دعتني دعوة فحجزت عنهـا

بصكاتٍ رفعت بها يمينـي
فإن تك غيرة أبرئك منـهـا

وإن تك قد جننت فذا جنوني
سألها الحجاج هل كان بينها وبين توبة ريبة وجوابها له: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا رشد بن خنتم الهلالي قال حدثني أيوب بن عمرو عن رجل يقال له ورقاء قال: سمعت الحجاج يقول لليلى الأخيلية: إن شبابك قد ذهب، واضمحل أمرك وأمر توبة؛ فأقسم عليك إلا صدقتني، هل كانت بينكما ريبة قط أو خاطبك في ذلك قط؟ فقالت: لا والله أيها الأمير إلا أنه قال لي ليلةً وقد خلونا كلمةً ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له:
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها

فليس إليها ما حييت سبـيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه

وأنت لأخرى فارغ وحلـيل
فلا والله ما سمعت منه ريبةً بعدها حتى فرق بيننا الموت. قال لها الحجاج: فما كان منه بعد ذلك؟ قالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاعل شرفاً ثم اهتف بهذا البيت:
عفا الله عنها هل أبيتـن لـيلةً

من الدهر لا يسري إلي خيالها
فلما فعل الرجل ذلك عرفت المعنى فقلت له:
وعنه عفا ربي وأحسن حفظه

عزيز علينا حاجة لا ينالهـا
مقتل توبة وسببه وكيف كان: أخبرني بالسبب في مقتل توبة محمد بن الحسن بن دريد إجازةً عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة، والحسن بن علي الخفاف قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن علي ابن المغيرة عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، ورواية أبي عبيدة أتم واللفظ له. قال أبو عبيدة: كان الذي هاج مقتل توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة أنه كان بينه وبين بني عامر بن عوف بن عقيلٍ لحاء ، ثم إن توبة شهد بني خفاجة وبني عوفٍ وهم يختصمون عند همام بن مطرف العقيلي في بعض أمورهم. قال: وكان مروان بن الحكم يومئذٍ أميراً على المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان، فاستعمله على صدقات بني عامر. قال: فوثب ثور بن أبي سمعان بن كعب بن عامر بن عوف بن عقيل على توبة بن الحمير فضربه بجرزٍ وعلى توبة الدرع والبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة. فأمر همام بثور بن أبي سمعان فأقعد بين يدي توبة، فقال: خذ بحقك يا توبة. فقال له توبة: ما كان هذا إلا عن أمرك، وما كان ليجترئ علي عند غيرك. وأم همام صوبانة بنت جون بن عامر بن عوف بن عقيل فاتهمه توبة لذلك، فانصرف ولم يقتص منه. فمكثوا غير كثيرٍ، وإن توبة بلغه أن ثور بن أبي سمعان خرج في نفرٍ من رهطه إلى ماء من مياه قومه يقال له قوباء يريدون مالهم بموضع يقال له جرير بتثليثٍ قال: وبينهما فلاة فاتبعه توبة في ناس من أصحابه، فسأل عنه وبحث حتى ذكر له أنه عند رجلٍ من بني عامر بن عقيل يقال له سارية بن عمير بن أبي عدي وكان صديقاً لتوبة. فقال توبة: والله لا نطرقهم عند سارية الليلة حتى يخرجوا عنه. فأرادوا أن يخرجوا حين يصبحون. فقال لهم سارية. ادرعوا الليل؛ فإني لا آمن توبة عليكم الليلة فإنه لا ينام عن طلبكم. قال: فلما تعشوا ادرعوا الليل في الفلاة. وأقعد له توبة رجلين فغفل صاحبا توبة. فلما ذهب الليل فزع توبة وقال: لقد اغتررت إلى رجلين ما صنعا شيئاً، وإني لأعلم أنهم لم يصبحوا بهذه البلاد، فاقتص آثارهم، فإذا بأثر القوم قد خرجوا، فبعث إلى صاحبيه فأتياه، فقال: دونكما هذا الجمل فأوقراه من الماء في مزادتيه ثم اتبعا أثري، فإن خفي عليكما أن تدركاني فإني سأنور لكما إن أمسيتما دوني. وخرج توبة في أثر القوم مسرعاً، حتى إذ انتصف النهار جاوز علماً يقال له أفيح في الغائط. فقال لأصحابه: هل ترون سمراتٍ إلى جنب قرون بقرٍ؟ وقرون بقر مكان هنالك فإن ذلك مقيل القوم لم يتجاوزوه فليس وراءه ظل. فنظروا فقال قائل: أرى رجلاً يقود بعيراً كأنه يقوده لصيدٍ. قال توبة: ذلك ابن الحبترية، وذلك من أرمى من رمى. فمن له يختلجه دون القوم فلا ينذرون بنا؟ قال: فقال عبد الله أخو توبة: أنا له. قال: فاحذر لا يضربنك، وإن استطعت أن تحول بينه وبين أصحابه فافعل. فخلي طريق فرسه في غمضٍ من الأرض، ثم دنا منه فحمل عليه، فرماه لابن الحبترية قال: وبنو الحبتر ناس من مذحج في بني عقيل فعقر فرس عبد الله أخي توبة واختل السهم ساق عبد الله، فانحاز الرجل حتى أتى أصحابه فأنذرهم، فجمعوا ركابهم وكانت متفرقةً. قال: وغشيهم توبة ومن معه، فلما رأوا ذلك صفوا رحالهم وجعلوا السمرات في نحورهم وأخذوا سلاحهم ودرقهم، وزحف إليهم توبة، فارتمى القوم لا يغني أحداً منهم شيئاً في أحد. ثم إن توبة وكان يترس له أخوه عبد الله، قال: يا أخي لا تترس لي؛ فإني رأيت ثوراً كثيراً ما يرفع الترس، عسى أن أوافق منه عند رفعه مرمى فأرميه. قال: ففعل، فرماه توبة على حلمة ثديه فصرعه. وجال القوم فغشيهم توبة وأصحابه فوضعوا فيهم السلاح حتى تركوهم صرعى وهم سبعة نفرٍ. ثم إن ثوراً قال انتزعوا هذا السهم عني. قال توبة: ما وضعناه لننتزعه. فقال أصحاب توبة: انج بنا نأخذ آثارنا ونلحق راويتنا، فقد أخذنا ثأرنا من هؤلاء وقد متنا عطشاً . قال توبة: كيف بهؤلاء القوم الذي لا يمنعون ولا يمتنعون !. فقالوا: أبعدهم الله. قال توبة: ما أنا بفاعل وما هم إلا عشيرتكم، ولكن تجيء الراوية فأضع لهم ماءً وأغسل عنهم دماءهم وأخيل عليهم من السباع والطير لا تأكلهم حتى أوذن قومهم بهم بعمقٍ . فأقام توبة حتى أتته الراوية قبل الليل، فسقاهم من الماء وغسل عنهم الدماء، وجعل في أساقيهم ماءً، ثم خيل لهم بالثياب على الشجر، ثم مضى حتى طرق من الليل سارية بن عويمر بن أبي عدي العقيلي فقال: إنا قد تركنا رهطاً من قومكم بسمراتٍ من قرون بقر، فأدركوهم، فمن كان حياً فداووه، ومن كان ميتاً فادفنوه، ثم انصرف فلحق بقومه. وصبح سارية القوم فاحتملهم وقد مات ثور بن أبي سمعان ولم يمت غيره. فلم يزل توبة خائفاً. وكان السليل بن ثورٍالمقتول رامياً كثير البغي والشر، فأخبر بغرةٍ من توبة وهو بقنةٍ من قنان الشرف يقال لها قنة بني الحمير، فركب في نحو ثلاثين فارساً حتى طرقه؛ فترقى توبة ورجل من إخوته في الجبل، فأحاطوا بالبيوت، فناداهم وهو في الجبل: هأنذا من تبغون فاجتنبوا البيوت. فقالوا: إنكم لن تستطيعوه وهو في الجبل، ولكن خذوا ما استدف لكم من ماله، فأخذوا أفراساً له ولإخوته وانصرفوا. ثم إن توبة غزاهم، فمر على أفلت بن حزن بن معاوية بن خفاجة ببطن بيشة . فقال: يا توبة أين تريد؟ قال: أريد الصبيان من بني عوف بن عقيلٍ. قال: لا تفعل فإن القوم قاتلوك، فمهلاً. قال: لا أقلع عنهم ما عشت، ثم ضرب بطن فرسه فاستمر به يحضر وهو يرتجز ويقول:
تنجو إذا قيل لـهـا يعـاط

تنجو بهم من خلل الأمشاط
حتى انتهى إلى مكانٍ، يقال له حجر الراشدة، ظليلٍ، أسفله كالعمود، وأعلاه منتشر، فاستظل فيه هو وأصحابه. حتى إذا كان بالهاجرة مرت عليه إبل هبيرة بن السمين أخي بني عوف بن عقيلٍ واردةً ماءً لهم يقال له طلوب، فأخذها وخلى طريق راعيها، وقال له: إذا أتيت صدغ البقرة مولاك فأخبره أن توبة أخذ الإبل، ثم انصرف توبة يطرد الإبل . قال: فلما ورد العبد على مولاه فأخبره نادى في بني عوف وقال: حتام هذا! فتعاقدوا بينهم نحواً من ثلاثين فارساً ثم اتبعوه. ونهضت امرأة من بني خثعم من بني الهرة كانت في بني عوف وكانت تؤخذ لهم، فقالت: أروني أثره، فخرجوا بها فأروها أثره، فأخذت من ترابه فسافته فقالت: اطلبوه فإنه سيحبس عليكم. فطلبوه فسبقهم، فتلاوموا بينهم وقالوا: ما نرى له أثراً، وما نراه إلا وقد سبقكم. قال: وخرج توبة حتى إذا كان بالمضجع من أرض بني كلابٍ جعل نذارته وحبس أصحابه. حتىإذا كان بشعبٍ من هضبةٍ يقال لها هند من كبد المضجع جعل ابن عمٍ له يقال له قابض بن عبد الله ربيئةً له على رأس الهضبة فقال: انظر فإن شخص لك شيء فأعلمنا. فقال عبد الله بن الحمير: يا توبة إنك حائن ، أذكرك الله، فوالله ما رأيت يوماً أشبه بسمرات بني عوفٍ يوم أدركناهم في ساعتهم التي أتيناهم فيها منه ، فانج إن كان بك نجاة. قال: دعني، فقد جعلت ربيئة ينظر لنا. قال: ويرجع بنو عوف بن عقيل حين لم يجدوا أثر توبة فيلقون رجلاً من غني، فقالوا له: هل أحسست في مجيئك أثر خيلٍ أو أثر إبلٍ؟ قال: لا والله. قالوا: كذبت وضربوه. فقال: يا قوم لا تضربوني؛ فإني لم أجد أثراً، ولقد رأيت زهاء كذا وكذا إبلاً شخوصاً في هاتيك الهضبة، وما أدري ما هو. فبعثوا رجلاً منهم يقال له يزيد بن رويبة لينظر حتى ما في الهضبة. فأشرف على القوم، فلما رآهم ألوى بثوبه لأصحابه حتى جاءوا، فحمل أولهم على القوم حتى غشي توبة، وفزع توبة وأخوه إلى خيلهما، فقام توبة إلى فرسه فغلبته لا يقدر على أن يلجمها ولا وقفت له، فخلى طريقها، وغشيه الرجل فاعتنقه، فصرعه توبة وهو مدهوش وقد لبس الدرع على السيف فانتزعه ثم أهوى به ليزيد بن رويبة فاتقاه بيده فقطع منها، وجعل يزيد يناشده رحم صفية، وصفية أم له من بني خفاجة. وغشي القوم توبة من ورائه فضربوه فقتلوه، وعلقهم عبد الله بن الحمير يطعنهم بالرمح حتى انكسر. قال: فلما فرغوا من توبة لووا على عبد الله بن الحمير فضربوا رجله فقطعوها. فلما وقع بالأرض أشرع سيفه وحده ثم جثا على ركبتيه وجعل يقول: هلموا، ولم يشعر القوم بما أصابه. وانصرف بنو عوف بن عقيل، وولى قابض منهزماً حتى لحق بعبد العزيز بن زرارة الكلابي فأخبره الخبر. قال: فركب عبد العزيز حتى أتى توبة فدفنه وضم أخاه. ثم ترافع القوم إلى مروان ابن الحكم، فكافأ بين الدمين وحملت الجراحات. ونزل بنو عوفٍ بن عقيلٍ البادية ولحقوا بالجزيرة والشام .
رواية لأبي عبيدة في مقتله وسببه: قال أبو عبيدة: وقد كان توبة أيضاً يغير زمن معاوية بن أبي سفيان على قضاعة وخثعمٍ ومهرة وبني الحارث بن كعبٍ. وكانت بينهم وبين بني عقيلٍ مغاورات ، فكان توبة إذا أراد الغارة عليهم حمل الماء معه في الروايا ثم دفنه في بعض المفازة على مسيرة يومٍ منها، فيصيب ما قدر عليه من إبلهم فيدخلها المفازة فيطلبه القوم، فإن دخل المفازة أعجزهم فلم يقدروا عليه فانصرفوا عنه. قال: فمكث كذلك حيناً. ثم إنه أغار في المرة الأولى التي قتل فيها هو وأخوه عبد الله بن الحمير ورجل يقال له قابض بن أبي عقيل ، فوجد القوم قد حذروا فانصرف توبة مخفقاً لم يصب شيئاً. فمر برجل من بني عوف بن عامر بن عقيلٍ متنحياً عن قومه، فقتله توبة وقتل رجلاً كان معه من رهطه واطرد إبلهما، ثم خرج عامداً يريد عبد العزيز بن زرارة بن جزء بن سفيان بن عوف بن كلاب، وخرج ابن عم لثور بن أبي سمعان المقتول، فقال له خزيمة: صر إلى بني عوف بن عامر بن عقيلٍ فأخبرهم الخبر. فركبوا في طلب توبة فأدركوه في أرض بني خفاجة، وقد أمن في نفسه فنزل، وقد كان أسرى يومه وليلته، فاستظل ببرديه وألقى عنه درعه وخلى عن فرسه الخوصاء تتردد قريباً منه، وجعل قابضاً ربيئةً له ونام، فأقبلت بنو عوف بن عامر متقاطرين لئلا يفطن لهم أحد، فنظر قابض فأبصر رجلاً منهم إلى توبة فأنبهه. فقال توبة: ما رأيت؟ قال: رأيت شخص رجلٍ واحد، فنام ولم يكترث له، وعاد قابض إلى مكانه فغلبته عيناه فنام. قال: فأقبل القوم على تلك الحال فلم يشعر بهم قابض حتى غشوه، فلما رآهم طار على فرسه. وأقبل القوم إلى توبة، وكان أول من تقدم غلام أمرد على فرس عريٍ يقال له يزيد بن رويبة ابن سالم بن كعب بن عوف بن عامر بن عقيلٍ؛ ثم تلاه ابن عمه عبد الله بن سالم ثم تتابعوا. فلما سمع توبة وقع الخيل نهض وهو وسنان فلبس درعه على سيفه ثم صوت بفرسه الخوصاء فأتته، فلما أراد أن يركبها أهوت ترمحه ، ثلاث مراتٍ، فلما رأى ذلك لطم وجهها فأدبرت، وحال القوم بينه وبينها. فأخذ رمحه وشد على يزيد بن رويبة فطعنه فأنفذ فخذيه جميعاً . وشد على توبة ابن عم الغلام عبد الله بن سالم فطعنه فقتله، وقطعوا رجل عبد الله. فلما رجع عبد الله بعد ذلك إلى قومه لاموه وقالوا له: فررت عن اخيك، فقال عبد الله بن الحمير في ذلك . قال أبو عبيدة وحدثني أيضاً مزرع بن عبد الله بن همام بن مطرف بن الأعلم قال: كان أهل دارٍ من بني جشم بن بكر بن هوازن يقال لهم بنو الشريد حلفاء لبني عداد بن خفاجة في الإسلام، فكان بينهم وبين خميس بن ربيعة رهط قومه قتال على ماءةٍ تدعى الحليفة وعامتها لجد بن همام. قال وشهد عبد الله بن الحمير ذلك وهو أعرج، عرج يوم قتل توبة فلم يغن كثير غناءٍ. فقالت بنو عقيل: لو توبة تلقاهم لبلوا منه بغير أفوق ناصل . فقال عبد الله بن الحمير يعتذر إليهم: قصيدة لعبد الله بن الحمير يعتذر فيها إلى قومه بعد قتل أخيه:
تأوبني بعـارمة الـهـمـوم
كما يعتاد ذا الـدين الـغـريم

كأن الهم لـيس يريد غـيري
ولو أمسى لـه نـبـط وروم

علام تقوم عاذلـتـي تـلـوم
تؤرقني وما إنجاب الصـريم

فقلت لها رويداً كي تجـلـى
غواشي النوم والليل البـهـيم

ألما تعلـمـي أنـي قـديمـاً
إذا ما شئت أعصي من يلـوم

وأن المـرء لا يدري إذا مـا
يهم علام تحمله الـهـمـوم

وقد تعدي على الحاجات حرف
كركن الرعن ذعلبة عـقـيم

مداخلة الفـقـار وذات لـوثٍ
على الحزان مقحمة غشـوم

كأن الرحل منها فـوق جـأبٍ
بذات الحاذ معقله الـصـريم

طباه برجلة الـبـقـار بـرق
فبات الليل منتصـبـاً يشـيم

فبينا ذاك إذ هبطـت عـلـيه
دلوح المزن واهـية هـزيم

تهب لها الشمال فتمـتـريهـا
ويعقبها بـنـافـحةٍ نـسـيم

يكب إذا الرذاذ جرى عـلـيه
كما يصغي إلى الآسي الأميم

إذا ما قال أقشـع جـانـبـاه
نشت من كل ناحـيةٍ غـيوم

فاشعـر لـيلة أرقـاً وقـراً
يسهره كما أرق الـسـلـيم

ألا من يشتري رجلاً برجلٍ
تخونها السلاح فما تسـوم
تلومك في القتال بنو عقيلٍ
وكيف قتال أعرج لا يقوم
ولو كنت القتيل وكان حـياً
لقاتل لا ألـف ولا سـئوم
ولا جثـامة ورع هـيوب
ولا ضرع إذا يمسي جثوم
قال: ثم إن خفاجة رهط توبة جمعوا لبني عوف بن عامر عقيل الذين قتلوا توبة، فلما بلغهم الخبر لحقوا ببني الحارث بن كعب، ثم افترقت بنو خفاجة. فلما بلغ ذلك بني عوف رجعوا، فجمعت لهم بنو خفاجة أيضاً قبائل عقيل. فلما رأت ذلك بنو عوف بن عامر بن عقيل لحقوا بالجزيرة فنزلوها؛ وهم رهط إسحاق بن مسافر بن ربيعة بن عاصم بن عمرو بن عامر بن عقيل. ثم إن بني عامر بن صعصعة صاروا في أمرهم إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، فقالوا: ننشدك الله أن تفرق جماعتنا، فعقل توبة وعقل الآخرين معاقل العرب مائةً من الإبل، فأدتها بنو عامر. قال: فخرجت بنو عوف بن عامر قتلة توبة فلحقوا بالجزيرة، فلم يبق بالعالية منهم أحد، وأقامت بنو ربيعة بن عقيلٍ وعروة ابن عقيل وعبادة بن عقيل بمكانهم بالبادية .
رواية أبي عبيدة عن مزرع في مقتله وسببه: قال أبو عبيدة وحدثنا مزرع بن عمرو بن همام قال أبو عبيدة: وكان معي أبو الخطاب وغيره قال: توبة بن حمير بن ربيعة بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيلٍ، وأمه زبيدة. فهاج بينه وبين السليل بن ثور بن أبي سمعان بن عامر بن عوف بن عقيل كلام، وكان شريراً ونظير توبة في القوة والبأس، فبلغ الحور وهو الكلام إلى أن أوعد كل واحدٍ منهما صاحبه، فالتقى بعد ذلك توبة والسليل على غديرٍ من ماء السماء، فرمى توبة السليل فقتله. ثم إن توبة أغار ثانيةً على إبل بني السمين بن كعب بن عوف بن عقيلٍ واردةً ماءهم فاطردها. واتبعوه وهم سبعة نفر: يزيد بن رويبة، وعبد الله بن سالمٍ، ومعاوية بن عبد الله قال أبو عبيدة: ولم يذكر غير هؤلاء فانصرفوا يجنبون الخيل يحملون المزاد، فقصوا أثر توبة وأصحابه فوجدوهم وقد أخذوا في المضجع من أرض بني كلابٍ في أرضٍ دمثةٍ تربةٍ، فضلت فرس توبة الخوصاء من الليل، فأقام واضطجع حتى أصبح، وساق أصحابه الإبل، وهم ثلاثة نفرٍ سوى توبة: المحرز أحد بني عمرو بن كلابٍ، وقابض بن أبي عقيل أحد بني خفاجة، وعبد الله بن حمير أخو توبة لأمه وأبيه. فلما أصبح توبة إذا فرسه الخوصاء راتعة أدنى ظلمٍ قريبة منه ليس دونها وجاح فأشلاها حتى أتته، ثم خرج يعدو حتى لحق بأصحابه، فانتهوا إلى هضبةٍ بكبد المضجع، فارتقى توبة فوقها ينظر الطلب ، فرآه القوم ولم يرهم عند طلوع الشمس، وبالت الخوصاء حين انتهت إلى الهضبة، فقال القوم: إنه لطائر أو إنسان. فركب يزيد بن رويبة وكان أحدث القوم سناً، وأمه بنت عم توبة، فأغار ركضاً حتى انتهى إلى الهضبة فإذا بول الفرس وعليه بقية من رغوته، وإذا أثر توبة يعرفونه، فرجع فخبر أصحابه. واندفع توبة وأصحابه حتى نزلوا إلى طرف هضبةٍ يقال لها الشجر من أرض بني كلاب، فقالوا بالظهيرة، فلم يشعر شعره إلا والإبل قد نفرت، وكانت بركاً بالهاجرة، من وثيد الخيل. فوثب توبةً، وكان لا يضع السيف، فصب الدرع على السيف متقلده وهلاً، وداجت القوم، فطلب قائم السيف فلم يقدر عليه تحت الدرع فلم يستطع سله، فطار إلى الرمح فأخذه، فأهوى به طعناً إلى يزيد بن رويبة، وقد كان يزيد عاهد الله ليقتلنه أو ليأخذنه، فأنفذ فخذ يزيد، واعتنقه يزيد فعض بوجنتيه، واستدبره عبد الله بالسيف ففلق رأس توبة، وهيت توبة حين اعتوره الرجلان بقابضٍ: يا قابض فلم يلو عليه، وفر قابض والكلابي، وذب عبد الله بن حمير عن أخيه، فأهوى له معاوية بن عبد الله بالسيف فأصاب ركبته فاختلعت أي سقطت. فأتى قابض من فوره ذلك عبد العزيز بن زرارة أحد بني أبي بكر بن كلابٍ فقال: قتل توبة. فنادى في قومه، فجاءه أبوه زرارة فقال: أين تريد؟ فقال: قتل توبة. فقل أبوه طوط سحقاً لك! أتطلب بدم توبة أن قتلته بنو عقيلٍ ظالماً لها باغياً عادياً عليها! قال: لكني أجنه إذاً. قال أبوه: أما هذه فنعم. فألقى السلاح وانطلق حتى أجنه، وحمل أخاه عبد الله بن حمير. قال: فأهل البادية يزعمون أن محرزاً سحر فأخذ عن سيفه. فقالت ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن الرحالة بن شداد بن كعب ابن معاوية فارس الهرار ابن عبادة بن عقيلٍ: رثت ليلى توبة بعدة قصائد:
نظرت وركن مـن ذقـانـين دونـه

مفاوز حوضي أي نظـرة نـاظـر
لأونس إن لم يقصر الطرف عنـهـم

فلم تقصر الأخبار والطرف قاصري
فوارس أجلي شأوها عـن عـقـيرةٍ

لعاقرها فيهـا عـقـيرة عـاقـر
شأوها : سرعتها وهو الطلق وجريها، وقال غيره: غايتها. عقيرة: تعني توبة. لعاقرها: تعني لعاقر توبة، تريد يزيد بن رويبة. ووجه آخر : في عقيرة عاقرٍ معنى مدحٍ أي عقيرة كريمة لعاقرها. ووجه آخر: عقيرة لعاقرها: فيها الهلاك بعقرها
فآنست خيلاً بالرقـي مـغـيرةً

سوابقها مثل القطا المـتـواتـر

قتيل بني عوفٍ وأيصـر دونـه

قتيل بني عوفٍ قتـيل يحـابـر

توارده أسيافـهـم فـكـأنـمـا

تصادرن عن أقطاع أبيض باتـر

من الهندوانيات في كل قـطـعةٍ

دم زل عن أثرٍ من السيف ظاهر

أتته المنايا دون زغفٍ حـصـينةٍ

وأسمر خطيٍ وخوصاء ضامـر

على كل حرداء السراة وسـابـحٍ

درأن بشباك الـحـديد زوافـر

عوابس تعدو الثعلبـية ضـمـراً

وهن شواحٍ بالشكيم الشـواجـر
فلا يبعدنك اللـه يا تـوب إنـمـا

لقاء المنايا دارعاً مثل حـاسـر
فإلا تك القتلـى بـواءً فـإنـكـم

ستلقون يوماً ورده غير صـادر
وإن السليل إذ يباوي قـتـيلـكـم

كمرحومةٍ من عركها غير طاهر
فإن تكن القتلى بـواءً فـإنـكـم

فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامـر
فتىً لا تخطاه الـرفـاق ولا يرى

لقدرٍ عيالاً دون جـارٍ مـجـاور
ولا تأخذ الكوم الجلاد رماحـهـا

لتوبة في نحس الشتاء الصنابـر
إذا ما رأته قـائمـاً بـسـلاحـه

تقته الخفاف بالثقال الـبـهـازر
إذا لم يجد منها برسلٍ فقـصـره

ذرى المرهفت والقلاص التواجر
قرى سيفه منها مشاشاً وضـيفـه

سنام المهاريس السباط المشافـر
وتوبة أحـيا مـن فـتـاةٍ حـييةٍ

وأجرأ من ليثٍ بخـفـان خـادر
ونعم الفتى إن كان توبة فـاجـراً

وفوق الفتى إن كان ليس بفاجـر
فتى ينهل الحاجات ثـم يعـلـهـا

فيطلعها عنه ثنايا الـمـصـادر
خرج توبة إلى الشام فلقيه زنجي وخبره معه: أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعدٍ عن أحمد بن معاوية بن بكر قال حدثني أبو الجراح العقيلي عن أمه دينار بنت خيبري بن الحمير عن توبة بن الحمير قال: خرجت إلى الشام، فبينا أنا أسير ليلةً في بلادٍ لا أنيس بها ذات شجرٍ نزلت لأريح، وأخذت ترسي فألقيته فوقي، وألقيت نفسي بين المضطجع والبارك. فلما وجدت طعم النوم إذا شيء قد تجللني عظيم ثقيل قد تجللني عظيم ثقيل قد برك علي، ونشزت عنه ثم قمصت منه قماصاً فرميت به على وجهه، وجلست إلى راحلتي فانتضيت السيف، ونهض نحوي فضربته ضربة انخزل منها، وعدت إلى موضعي وأنا لا أدري ما هو أإنسان أم سبع، فلما أصبحت إذا هو أسود زنجي يضرب برجليه وقد قطعت وسطه حتى كدت أبريه، وانتهيت إلى ناقةٍ مناخةٍ موقرةٍ ثياباً من سلبه، وإذا جارية شابةً ناهد وقد أوثقها وقرنها بناقته. فسألتها عن خبرها، فأخبرتني أنه قتل مولاها وأخذها منه. فأخذت الجميع وعدت إلى أهلي. قال أبو الجراح قالت أمي: وأنا أدركتها في الحي تخدم أهلنا .
حديث معاوية مع ليلى في توبة: أخبرنا اليزيدي عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال أخبرنا عطاء بن مصعب القرشي عن عاصم الليثي عن يونس بن حبيبٍ الضبي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الخيلية عن توبة بن الحمير فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين ليس كل ما يقول الناس حقاً، والناس شجرة بغيٍ يحسدون أهل النعم حيث كانوا وعلى من كانت. ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجاً للأقران، كريم المخبر ، عفيف المئزر، جميل المنظر. وهو يا أمير المؤمنين كما قلت له. قال: وما قلت له؟ قالت قلت ولم أتعد الحق وعلمي فيه:
بعيد الثرى لا يبلغ القوم قـعـره

ألد ملد يغلب الحـق بـاطـلـه
إذا حل ركب في ذراه وظـلـه

ليمنعهم مما تخـاف نـوازلـه
حماهم بنصل السيف من كل فادحٍ

يخافونه حتى تموت خصـائلـه
فقال لها معاوية: ويحك! يزعم الناس أنه كان عاهراً خارباً . فقالت من ساعتها:
معاذ إلهي كـان والـلـه سـيدا

جواداً على العلات جماً نوافلـه
أغر خفاجياً يرى البخـل سـبةً

تحلب كفاه النـدى وأنـامـلـه
عفيفاً بعيد الهم صلبـاً قـنـاتـه

جميلاً محياه قلـيلاً غـوائلـه
وقد علم الجوع الذي بات سـارياً

على الضيف والجيران أنك قاتله
وأنك رحب الباع يا توب بالقرى

إذا ما لئيم القوم ضاقت منازلـه
يبيت قرير العين من بات جـاره

ويضحي بخيرٍ ضيفه ومنازلـه
فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره. فقالت: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته وخبرته لعرفت أني مقصرة في نعته وأني لا أبلغ كنه ما هو أهله. فقال لها معاوية: من أي الرجال كان؟ قالت:
أتته المنايا حين تم تـمـامـه

وأقصر عنه كل قرنٍ يطاوله
وكان كليث الغاب يحمي عرينه

وترضى به أشباله وحلائلـه
غصوب حليم حين يطلب حلمه

وسم زعاف لا تصاب مقاتلـه
قال: فأمر لها بجائزةٍ عظيمة وقال لها: خبريني بأجود ما قلت فيه من الشعر. قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت فيه شيئاً إلا والذي فيه من خصال الخير أكثر منه. ولقد أجدت حين قلت:
جزى الله خـيراً والـجـزاء بـكـفـه

فتىً من عقيلٍ سـاد غـير مـكـلـف

فتىً كانت الدنـيا تـهـون بـأسـرهـا

عليه ولا ينـفـك جـم الـتـصـرف

ينـال عـلـيات الآمـور بـهـــونةٍ

إذا هي أعيت كـل خـرقٍ مـشـرف

هو الذوب بل أري الخـلايا شـبـيهـه

بدرياقةٍ من خمـر بـيسـان قـرقـف

فيا توب ما في العـيش خـير ولا نـدٍى

يعد وقد أمست فـي تـرب نـفـنـف

وما نلت منك النصف حتى ارتميت بك ال

منايا بسهمٍ صـائب الـوقـع أعـجـف

فيا ألف ألفٍ كنـت حـياً مـسـلـمـاً

لألقاك مثل القسـور الـمـتـطـرف

كما كنت إذ كنت المنحى من الردى

إذا الخيل جالت بالقنا المتقصـف
وكم من لهيفٍ محجرٍ قد أجبـتـه

بأبيض قطاع الضريبة مـرهـف
فأنقذته والمـوت يحـرق نـابـه

عليه ولم يطعن ولـم يتـنـسـف






ما كان بين توبة وجميل أمام بثينة: أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن ابن سعد عن القحذمي عن محارب بن غصين العقيلي قال: كان توبة قد خرج إلى الشام، فمر ببني عذرة، فرأته بثينة فجعلت تنظر إليه، فشق ذلك على جميلٍ، وذلك قبل أن يظهر حبه لها. فقال له جميل: من أنت؟ قال: أنا توبة بن الحمير. قال: هل لك في الصراع؟ قال: ذلك إليك، فشدت عليه بثينة ملحفةً مورسة فأتزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل. ثم قال: هل لك في النضال ؟ قال: نعم، فناضله فنضله جميل. ثم قال له: هل لك في السباق؟ فقال: نعم، فسابقه فسبقه جميل. فقال له توبة: يا هذا إنما تفعل بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا الوادي، فصرعه توبة ونضله وسبقه .
سأل عبد الملك بن مروان ليلى عما رآه توبة فيها فأجابته: أخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال: بلغني أن ليلى الأخيلية دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت وعجزت، فقال لها: ما رأى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك. فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها .
وفود ليلى على الحجاج وحديثه معها: وأخبرني الحسن بن علي عن ابن أبي سعد عن أحمد بن رشيد بن حكيم الهلالي عن أيوب بن عمرو عن رجلٍ من بني عامر يقال له ورقاء قال: كنت عند الحجاج بن يوسف، فدخل عليه الآذن فقال: أصلح الله الأمير، بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير الناد . قال: أدخلها. فلما دخلت نسبها فانتسبت له. فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم ، وقلة الغيوم ، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرد . قال: فأخبريني عن الأرض. قالت: الأرض مقشعرة ، والفجاج مغبرة، وذو الغنى مختل، وذو الحد منفل. قال: وما سبب ذلك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً، ولم تبق عافطةً ولا ناقطةً؛ فقد أهلكت الرجال، ومزقت العيال، وأفسدت الأموال، ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناه متقدماً . وقال في الخبر: قال الحجاج: هذه التي تقول :
نحن الأخايل لا يزال غلامـنـا

حتى يدب على العصا مشهوراً
تبكي الرماح إذا فقدن أكفـنـا

جزعاً وتعرفنا الرفاق بحـوراً
ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض شعرك في توبة، فأنشدته قولها:
لعمرك ما بالموت عار على الفتى

إذا لم تصبه في الحياة المـعـاير
وما أحد حي وإن عاش سـالـمـاً

بأخلد ممن غيبتـه الـمـقـابـر
فلا الحي مما أحدث الدهر معتـب

ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وكل جديدٍ أو شبابٍ إلـى بـلًـى

وكل امرئٍ يوماً إلى الموت صائر
قتيل بني عوفٍ فيا لهـفـتـا لـه

وما كنت إياهـم عـلـيه أحـاذر
ولكنني أخشـى عـلـيه قـبـيلةً

لها بدروب الشأم بادٍ وحـاضـر
فقال الحجاج لحاجبه: اذهب فاقطع لسانها. فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها، فقالت: ويلك! إنما قال لك الأمير اقطع لسانها بالصلة والعطاء، فارجع إليه واستأذنه. فرجع إليه فاستأمره ، فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه، ثم أمر بها فأدخلت عليه، فقالت: كاد وعهد الله يقطع مقولي، وأنشدته:
حجاج أنت الذي لا فـوقـه أحـد

إلا الخليفة والمستغفر الصـمـد
حجاج أنت سنان الحرب إن نهجت

وأنت للناس في الدواجي لنا تقـد
أخبرنا الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو الحسن ميمون الموصلي عن سلمة بن أيوب بن مسلمة الهمداني قال: كان جدي عند الحجاج، فدخلت عليه امرأة برزة ، فانتسبت له فإذا هي ليلى الأخيلية. وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: كنت عند الحجاج. وأخبرني وكيع عن عن إسماعيل بن محمد عن المدائني عن جويرية عن بشر بن عبد الله بن أبي بكر: أن ليلى دخلت على الحجاج، ثم ذكر مثل الخبر الأول، وزاد فيه: فلما قالت:
غلام إذا هز القناة سقاها
قال لها: لا تقولي غلام، قولي همام. وقال فيه: فأمر لها بمائتين. فقالت: زدني، فقال: اجعلوها ثلاثمائة. فقال بعض جلسائه: إنها غنم. فقالت: الأمير أكرم من ذلك وأعظم قدراً من أن يأمر لي إلا بالإبل. قال: فاستحيا وأمر لها بثلاثمائة بعيرٍ، وإنما كان أمر لها بغنمٍ لا إبل .
وأخبرنا به وكيع عن إبراهيم بن إسحاق الصالحي عن عمر بن شبة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه، وقال فيه: ألا قلت مكان غلامٍ همام! وذكر باقي الخبر الذي ذكره من تقدم، وقال فيه: فقال لها: أنشدينا ما قلت في توبة، فأنشدتها قولها:
فإن تكن القتلى بـواءً فـإنـكـم

فتىً ما قلتم آل عوف بن عامـر
فتىً كان أحيا من فـتـاةٍ حـييةٍ

وأشجع من ليثٍ بخفـان خـادر
أتته المنـايا دون درعٍ حـصـينةٍ

وأسمر خطي وجرداء ضامـر
فنعم الفتى إن كان توبة فـاجـراً

وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
كأن فتى الفتيان تـوبة لـم ينـخ

قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
فقال لها أسماء بن خارجة: أيتها المرأة إنك لتصفين هذا الرجل بشيء ما تعرفه العرب فيه. فقالت: أيها الرجل هل رأيت توبة قط؟ قال: لا. فقالت: أما والله ولو رأيته لوددت أن كل عاتقٍ في بيتك حامل منه؛ فكأنما فقيء في وجه أسماء حب الرمان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها! .
وفاتها وكيف كانت: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد عن محمد بن علي بن المغيرة قال سمعت أبي يقول سمعت الأصمعي يذكر أن الحجاج أمر لها بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لك من حاجةٍ؟ قالت: نعم أصلح الله الأمير، تحملني إلى ابن عمي قتيبة بن مسلمٍ، وهو على خراسان يومئذٍ فحملها إليه، فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلما كانت بالري ماتت، فقبرها هناك. هكذا ذكر الأصمعي في وفاتها وهو غلط. وقد أخبرني عمي عن الحزنبل الأصبهاني عمن أخبره عن المدائني، وأخبرني الحسن بن علي عن ابن مهدي عن ابن أبي سعدٍ عن محمد بن الحسن النخعي عن ابن الخصيب الكاتب، واللفظ في الخبر للحزنبل، وروايته أتم: أن ليلى الأخيلية أقبلت من سفرٍ، فمرت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودجٍ لها. فقالت: والله لا أبرح حتى أسلم على توبة، فجعل زوجها يمنعها من ذلك وتأبى إلا أن تلم به. فلما كثر ذلك منها تركها، فصعدت أكمةً عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حولت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفت له كذبةً قط قبل هذا. قالوا: وكيف؟ قالت: أليس القائل: صوت:
ولو أن ليلى الأخيلية سـلـمـت

علي ودوني تـربة وصـفـائح
لسلمت تسليم البـشـاشة أو زقـا

إليها صدًى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بمـا لا أنـالـه

ألا كل ما قرت به العين صالـح
فما باله لم يسلم علي كما قال !. وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر فرمى بليلى على رأسها، فماتت من وقتها، فدفنت إلى جنبه. وهذا هو الصحيح من خبر وفاتها.
رد مع اقتباس
  #74  
قديم 16-01-2013, 05:59 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

ولادة بنت المستكفي
تو. 1091 م

هي ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر لدين الله الأموي. شاعرة أندلسية من بيت الخلافة. كان مجلسها في قرطبة منتدى للأدباء. فكانت تخالط الشعراء في زمانها وتساجلهم، بل وتنافسهم.

أحبت ولادة الشعر وشُهد لها بالصيانة والعفاف. وكانت في قولها حسنة وجزلة الألفاظ. ناضلت الشعراء وساجلت الأدباء وتفوقت عليهم براعة.

كانت لولادة جارية سوداء بديعة المعنى فظهر لها أن ابن زيدون مال إليها فكتبت إليه:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا لم تهوَ جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمر بجماله وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما لكن ولعت لشوقي بالمشتري

كانت ولادة في المغرب تعد كعلية بالمشرق إلا أن ولادة تزيد بمزيّة الحسن الفائق. وأما الأدب والشعر النادر وخفة الروح فلم تكن تقصّر عنها. وكان لها صفة في الغناء.

قيل إن ابن زيدون لم يزل يروم دنو ولادة والاقتراب منها ولعاً وحباً بها، فيهدر دمه دونها ويهدد لسوء أثره ملك قرطبة وواليها. وعندما يئس من لقياها كتب إليها يستديم عهدها ويؤكد ودّها ويعتذر من فراقها بالخطب الذي خشيه والامتحان الذي غشيه، ويعلمها أنه ما سلاها بخمر ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب الجمر، وهي قصيده ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر وهم، ونزعت منزعا قصّر عنه حبيب بن أوس الطائي "البحتري" وعلي بن الجهم. وقيل إن ابن عبدوس كان مغرماً بها أيضاً.

اعتبرت ولادة بنت المستكفي من أروع الشعراء والأدباء في شعرها حيث كانت لها مكانة مميزة. وقد ترك وفاتها فراغاً كبيراً في نفوس محبيها وعمرت عمراً طويلا ولم تتزوج.

رد مع اقتباس
  #75  
قديم 16-01-2013, 06:01 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

شـجرة الـدرّ
تو. 1257م

شجرة الدرّ، أم خليل، المُلقّبة بعصمة الدّين: ملكة مصر. أصلها من جواري الملك الصّالح نجم الدين أيّوب الذي اشتراها في أيّام أبيه، وحظيت عنده، وولّدت له ابنه خليلاً، فأعتقها وتزوّجها، فكانت معه في البلاد الشامية، لما كان مستولياً على الشّام، مدّة طويلة. ثمّ انتقلت معه إلى مصر حيث تولّى السّلطنة.
كانت أم خليل في بعض الأحيان تُدير أمور الدّولة عند غيابه في الغزوات. وكانت ذات عقلٍ وحزمٍ، كاتبة قارئة، لها معرفة تامّة بأحوال المملكة. وقد نالت من العزّ والرّفعة ما لم تنله امرأة قبلها ولا بعدها. كانت تكتب خطاً يُشبه خطّ الملك الصالح، فكانت تعلّم على التّواقيع. ولما توفّي الملك الصالح سنة 647 هـ بالمنصورة، والمعارك ناشبة بين جيشه والإفرنج، كانت عنده؛ فأَخفَت خبر موته، واستمرّ كلّ شيء كما كان: السّماط يُمدّ كلّ يومٍ، والأمراء في الخدمة، وهي تقول: "السّلطان مريض، وما يصل أحد إليه". وأرسلت بعض رجالها إلى ابنه تورنشاه، وكان في حصن كيفا، فحضر. وحين عَلِمَت بوصوله إلى القُدْس، انتقلت هي إلى القاهرة، فبَعَث يهدّدها، ويطلب المال والجواهر، فخافت شرّه واستوحش منه بعض المماليك فقتلوه. وتقدّمت للملك، فخُطِبَ لها على المنابر، وضُرِبَت السّكة بإسمها، وأقامت عزّ الدين أَيْبَك الصّالحي، وزير زوجها، وزيرًا لها. وكانت علامتها على المراسيم "أم خليل" وعلى السّكة المستعصميّة الصالحية، ملكة المسلمين، والدة الملك المنصور خليل أمير المؤمنين. ولم يستقرّ أمرها غير ثمانين يومًا. وخرجت الشّام عن طاعتها، فتزوّجت بوزيرها عزّ الدّين وتنازلت له عن السّلطنة، واحتفظت بالسّيطرة عليه، فطلّق زوجته الأولى أم علي وتلّقب بالمَلِك المُعزّ. ثم أراد أن يتزوّج عليها، فأمرت مماليكها فقتلوه خنقاً بالحمّام. وعلِمَ ابنه عليّ بالأمر، فقبض عليها، وسلّمها إلى أمّه، فأمرت جواريها أن يقتلنها بالقباقيب والنّعال، فضربنها حتى ماتت.
رد مع اقتباس
  #76  
قديم 16-01-2013, 07:28 PM
الاموي القرشي غير متواجد حالياً
باحث في الانساب
 
تاريخ التسجيل: 10-01-2013
المشاركات: 80
افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
__________________
فلا تحسب الأنساب تنجيك من لظى
و لو كنت من قيس و عبد مدان
أبو لهب في النار و هو إبن هاشم
وسلمان في الفردوس من خرسان
رد مع اقتباس
  #77  
قديم 17-01-2013, 12:43 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم عـمارة


نسيبة بنت كعب بن عمرو ، الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية النجارية المازنية المدنية.
كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين ، وكان أخوها عبد الرحمن من البكائين.

شهدت أم عمارة ليلة العقبة ، وشهدت أحداً ، والحديبية ، وحنين .
وكان ضمرة بن سعيد المازني يُحدث عن جَدته وكانت قد شهدت أحداً ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لمقام نَسِيبة بنت كعب اليوم خيرٌ من مُقام فلان وفُلان )).


وكانت تراها تقاتل أشد ما يكون القتال ، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها ، حتى جرحت ثلاثة عشر جُرحاً ، ( وكانت تقول ) : إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يضربها على عاتقها وكان أعظم جراحها ، فداوته سنة . ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى حمراء الأسد . فشدت عليها ثيابها ، فما استطاعت من نزف الدم ، رضي الله عنها ورحمها.


عن عُمارة بن غزية قال: قالت أم عمارة : رأيتني ، وانكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بقي إلا نُفير ما يُتمون عشرة ، و أنا و ابناي و زوجي بين يديه نذب عنه ، و الناس يمرون به منهزمين ، و رآني ولا ترس معي ، فرأى رجلاً مولياً ومعه ترس ، فقال : ألق تُرسك إلى من يقاتل ، فألقاه فأخذته . فجعلت أترس به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل ، لو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله ، فيُقبل رجل على فرسه فيضربني ، وترست له فلم يصنع شيئاً ، فأضرب عُرقوب فرسه فوقع على ظهره . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح : يا ابن أم عمارة ، أُمك ! أُمك! قالت : فعاونني عليه حتى أوردته شعوب .
وعن محمد بن يحي بن حبان ، قال : جُرحت أُم عمارة بأحد اثني عشر جُرحاً فقدمت المدينة وبها الجراحة ، فلقد رُئي أبو بكر رضي الله عنه، وهو خليفة ، يأتيها يسألُ عنها .

وابنها حبيب بن زيد بن عاصم، هو الذي قَطعه مُسيلمة.
وابنُها الآخر عبدُ الله بن زيد المازني ،الذي حكى وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قُتل يوم الحرة ،وهو الذي قتل مُسيلمة الكذاب بسيفه . شهد أُحداً.


في ليلة مقمرة.. لاح فيها البدر ينثر شعاعه على مهبط الوحي .. طرزت النجوم على سواده المخملي أبهى خيوطها.. كانت مكة تقف مختالة كعروس بهية الطلة سعيدة بأفئدة رانت إليها من سائر بلاد العرب يسابقهم الشوق للقاء البيت العتيق.. وأهل مكة يتحمسون على سائر الأعراب بشرف السقاية والسدانة.. يركلون بصلف وتعنت نوراً أطل من بين ظهرانيهم يريد أن يزيدهم سؤدداً على سؤدد ويضفي عليهم مزيداً من الشرف والمكانة لكنهم بالرغم من الجبروت الذي أظهرته خيلاؤهم ظلوا يتوجسون خيفة من هذا النور الذي بعثر أحلامهم وسفه أصنامهم.. وجعلهم ينامون وقلوبهم يقظة ترتعد من سماع اسم محمد على لسان أحد من أعراب الجزيرة.. لذا فقد سعوا عبر عيونهم إلى مراقبة تحركاته وتوجهاته خوفاً من أن تناصره إحدى قبائل العرب فتقوى دعوته وتشرق شمسه في فضاء الكون.

بيعة العقبة الثانية
لكن أقدار السماء شاءت لهذا الدين أن تنصره طيبة الطيبة.. حين أقبل أهلها من خلف الصخب الذي عاشته مكة في مواسم الحج للقاء النبي عليه السلام عند العقبة.
فلما قدم عليهم هبوا لمبايعته والوعد بنصرته وحمايته.. بقلوب تخفق لهذا الدين الجديد الذي استشعروا فيه الخلاص من براثن غدر يهود قابعين كالأشواك بينهم.. لا يألون جهداً في بث سمومهم ونفث أحقادهم بين أعراب طيبة من أوسها إلى خزرجها تاركين نار العصبية تنهش بين أبناء الحي العربي الواحد.
وكان من بين جموع الأوس والخزرج المناصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية وجه لامرأة تسمى نسيبة بنت كعب المازنية.. اخترقت الصفوف للقاء النبي القرشي صلى الله عليه وسلم.. معلنة بيعتها.. واعدة النبي صلى الله عليه وسلم بالحماية والنصرة.. لا يقل حماسها للدين الجديد عن الرجال لتصبح أول مناصرة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بين نساء يثرب.. فكان هذا الوعد من امرأة عربية أبية شرفاً يسجله التاريخ الإسلامي للمرأة عبر صفحاته المشرقة.


في طيبة الطيبة

بعد بيعة العقبة الثانية بدأت رحلة الهجرة لينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.. لتبدأ مع تلك الخطوات أولى مراحل بناء الدولة الإسلامية في شموخ يمتطي به الحق عنان السماء مرفرفاً برايات التوحيد.. تتألف بها أفئدة تاقت لنصرة الإسلام.. فكان النصر في بدر الكبرى على أوتاد الكفر.. ورماح الإسلام تئد بحوافر النصر سادات قريش في قليب بدر.. لترحل العنجهية الظالمة إلى الدركات السفلى في جهنم.. لكن قريش لم تسكت على قتل صناديدها دون أن تشغل فتيل قتال جديد ضد محمد وصحبه فكانت معركة الثأر في أحد.

يوم التمحيص والابتلاء

حينها .. جهز صلى الله عليه وسلم جيشاً دعمه بخمسين من الرماة لحماية ظهور المسلمين.. فلما احتدمت الصفوف اندفع المسلمون يحملون سيوف الحق في وجه قوى الباطل من قريش فتقهقر فرسانها يجرون أذيالها هزيمة متوقعة.. الأمر الذي دفع بالرماة وقد لاحت تباشير النصر إلى النزول من أعلى الجبل بعيون تتجه نحو أرض قريبة خلت من كل حوافر الخيل وأقدام الشجعان.. ولم يبق فيها إلا السيوف وبقايا الدروع وأرتال القتلى من المشركين.. في هذه الأثناء كانت عينا خالد بن الوليد تراقبان هذا الموقف بنظرة عسكرية صائبة.. فقرر أن يحتل الجبل الذي خلا من معظم رماته.. ليقلب بعقليته العسكرية موازين المعركة من هزيمة محققة إلى انتصار يسجل لخالد بن الوليد لا لمشركي مكة.. فتعثرت خطوات المسلمين وتحول التقهقر إلى اندفاع ، والهجوم إلى تراجع.. والنبي عليه السلام وسط غبار الخيل ينادي المسلمين ليصمدوا في هذا الامتحان الصعب يقاتل قتال الأبطال وخيل المشركين تبحث عنه يسابقها كابوسها الأسود لقتله والتخلص من هذا الدين الجديد.

المرأة المحاربة

كانت النساء المسلمات يراقبن المعركة.. تعلو وجوههن ابتسامة فرح بتباشير النصر التي انبثقت كفلق الصبح.. وهن يسعفن المصابين ويعالجن الجرحى ويسقين العطشى.. حتى إذا ما طغى غبار الهزيمة وأعتم الفجر من جلل الضباب.. ورأت النساء تراجع المسلمين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستصرخ الهمم للثبات والصمود.. عند هذا الخطب الجلل هبت أم عمارة الطبيبة المداوية لتتحول في ثوان معدودة إلى جلمودة صخر تدافع عن النبي الكريم.. تتلقى عنه الطعنات وتجعل من نحرها درعاً تتكسر عليه السيوف..
لندع أم عمارة تخبرنا عن هذا الموقف الجلل : (خرجت أول النهار وأنا أنظر الناس ما تصنع.. ومعي سقاء فيه ماء.. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين.. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي بالقوس.. حتى خلصت الجراح إليّ.. فلما تولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ابن قمئة وهو يقول : دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا.. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فضربني ضربة غائرة لا تزال آثارها في عاتقي.. ولكنني ضربته والله على ذلك ضربات لكن عدو الله كانت عليه درعان).
هكذا تصدت أم عمارة لعدو الله تأخذ الطعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ليترك الطعن جرحاً غائراً تظل آثاره شاهدة على قلب امرأة شجاعة لا تعبأ بالجراح بل تستمر في الذود عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى تسقط فاقدة الوعي وسط بحر من الدماء والأوجاع مما لا يقوى عليه عتاة الرجال.

مع كل هذا أفاقت أم عمارة لا تهتم لجرحها بقدر خوفها على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يكون قد أصابه أذى.. لا تبالي بوهن الجسد ، والروح تخفق في حب نبي الله.

ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة !!

وحدث ابنها عبد الله بن زيد فقال : جرحت يومئذ جرحاً ، وجعل الدم لا يرقأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اعصب جرحك) ، وكانت أم عمارة لاهية بقتال الأعداء ، فلما سمعت نداء النبي صلى الله عليه وسلم أقبلت إلي ومعها عصائب في حقوها فربطت جرحي والنبي صلى الله عليه وسلم واقف فقالت لي أمي : انهض بني وضارب القوم ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة !!).

في حمراء الأسد والجرح نهر دماء

حين نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ، ودعاهم للخروج إلى حمراء الأسد ، ولم يمض على أحد إلا سويعات معدودة تحسباً من النبي صلى الله عليه وسلم أن تعود قريش لمهاجمة المدينة بعد أن لامست ضعف بعض المسلمين في أحد.. فهبت أم عمارة تجيب نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبالي بجرحها الغائر وآلامها المبرحة ونزيفها الذي لم يرقأ بعد!.. أي قوة صنعها الإسلام في قلب امرأة.. وأي تحمل يصل إلى قمة التضحية لأجل الله ورسوله.. لكننا لن نتعجب من هذا فنور الإسلام يصنع الأعاجيب في أتباعه.. حين يكون الصبر والتحمل لأجل شرف الأمة وعودة عزها ومجدها.

محنة الأم

ثم تمضي الأيام بأم عمارة تأخذها من نصر إلى نصر.. وهي تنتقل معها من تضحية إلى أخرى بدءاً بروحها ثم جسدها فأبنائها.. كل ذلك لأجل الله وحبا في دينه.. فتزداد مع الأيام مكانتها بين نساء المسلمين يضرب بها المثل في دفاعها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. والأيام تمضي بأم عمارة من محنة إلى محنة فآلام الجرح الذي أصابها يوم أحد لم تختلف آثاره عن جسدها ليكتوي قلبها بمحنة جديدة حين عاد ابنها من تجارته بأرض العراق ماراً بنجد.. وكان مسيلمة الكذاب قد خرج بدعوته التي أعمت بعض ضعاف النفوس ممن لم يفقهوا الإسلام بعد.. فقبض على ابنها وحبسه ليرغمه على الاعتراف بنبوته أمام جمع غفير من أعوانه.. لكن ابن أم عمارة لم يرضخ لمطالب هذا الكتاب.. فعمد مسيلمة إلى قطع يديه ورجليه ثم ألقى به في النار أملاً في أن يرعب أتباعه فازدادوا يقيناً بدعوته الآفكة.. فكانت حروب الردة.. وأم عمارة تخرج مع المسلمين تحمل بين طيات قلبها ناراً تأججت على ما فعله مسيلمة بابنها ويقيناً منها بأن هذا المتنبئ إنما جاء ليقضي على نور الحق الذي انتشر في أرجاء جزيرة العرب.

وفي يوم الحديقة التي اختبأ فيها مسيلمة مع جيشه صالت أم عمارة بين الصفوف تبتغي الوصول إليه.. فلما لقيته أقبلت عليه لتقتله لكن جموع الشرك من أتباعه قطعت يدها في صراع مرير لتخليص مسيلمة من أم عمارة.. لكن الله عز وجل أراد لأم عمارة أن تأخذ بثأرها من الكذاب الأشر حين نجح ابنها عبد الله في قتل مسيلمة.. ليعود نور الإسلام ساطعاً في جزيرة العرب لا تقدر قوى الشر على إطفائه.

وبعد يوم اليمامة دخلت أم عمارة مرحلة من الإعياء الذي رافقها من ويلات قطع يدها ترجو رحمة الله عز وجل حتى وافتها المدينة.
وبعد ...

هذه هي نسيبة بنت كعب المازنية .. المرأة المبايعة.. المجاهدة.. التي ربت أبناءها على الحق فصمدوا في وجه جحافل الباطل لا تأخذهم في الله لومة لائم.
أحبت أم عمارة الله.. وأقبلت على حب نبيه طمعاً في جنات الخلد.. سطرت بدماء عبقة هذا الحب في سجل الخالدات وببسالة فاقت بها أعاظم الرجال.. فأين نحن يا نساء المسلمين من هذه الشمس التي أشرقت على الإسلام في أيام المحن .. رضي الله عن أم عمارة التي قال عنها النبي عليه السلام : (ما التفت يمنة ولا يسرة إلا رأيتها).. وما أعظم النساء اللواتي أنجبتهن مدرسة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
رد مع اقتباس
  #78  
قديم 17-01-2013, 12:44 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم خالد بنت خالد

أمة بنت خالد، صحابية قرشية مكية، تكنى أم خالد.
أبوها خالد بن سعيد بن العاص أحد السباقين إلى الإسلام، وأمها أميمة بنت خلف الخزاعية إحدى فضليات نساء الصحابة.
وأخوها سعيد بن خالد، أحد الصحابة الأبرار.
وعمها عمرو بن سعيد بن العاص من السابقين إلى الإسلام، قتل في معركة اليرموك.
وزوجها أحد العشرة المبشرين بالجنة الزبير بن العوام، رضي الله عنهم أجمعين.
ولدت أم خالد في أرض الحبشة، وفتحت عينيها على الإسلام، وكان والدها من المهاجرين إلى الحبشة حين اشتد الأذى على المؤمنين في مكة.
ولقد كان لأم خالد مكانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يخصها بهديته، ومن ذلك أنه أتي – عليه الصلاة والسلام – بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: (من ترون أكسو هذه) ؟ فسكتوا. فقال: (ائتوني بأم خالد)، قالت أم خالد – وهي التي روت الحديث: فأتي بي أحمل، فألبسنيها بيده، وقال (أبلي وأخلقي) يقولها مرتين، وجعل ينظر إلى علم الخميصة أصفر وأحمر، فقال: (هذا سنا يا أم خالد، هذا سنا) ويشير بإصبعه إلى العلم، وسنا بالحبشة: حسن.
وقد تزوجت أم خالد الزبير بن العوام – رضي الله عنها، وولدت له عمراً وخالداً.
ولقد كان لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم أثر مبارك في حياة أم خالد رضي الله عنها عندما قال لها: (أبلي وأخلقي) إذ معنى الحديث كما قال الحافظ ابن الحجر في الفتح: (أي إنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق). وقد استجيبت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تعش امرأة من الصحابة ما عاشت أم خالد. وذكر الذهبي في السير : أنها عمرت إلى قريب عام تسعين.

رد مع اقتباس
  #79  
قديم 17-01-2013, 12:48 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم الـدرداء الصغـرى

السيدة العالمـة الفقيهة ، هجيمة ، وقيل : جهيمـة ، الأوصابية الحميرية الدمشقية ، وهي أم الدرداء الصغرى .
تابعية ،عرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء .

وطال عمرها ، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد .
قال أبو مسهر الغساني : أم الدرداء الكبرى هي خيرة بنت أبي حدرد ، لها صحبة .
قال ابن جابر وعثمان بن أبي العاتكة : كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء تختلف معه في برنس ، تصلي في صفوف الرجال ، وتجلس في حلق القراء تعلم القرآن ، حتى قال لها أبو الدرداء يوماً : الحقي بصفوف النساء .
عن جبير بن نفير عن أم الدرداء أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت : إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوك ، وأنا أخطبك إلى نفسي في الآخرة ، قال : فلا تنكحي بعدي . فخطبها معاوية فأخبرته بالذي كان ، فقال : عليك بالصيام .
وعن عون بن عبد الله قال : كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها .
وقال يونس بن ميسرة : كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء ، فإذا ضعفن عن القيام تعلقن بالحبال .
كان الرجال يقرؤون عليها ، ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق ، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة .
وقال عثمان بن حيان : سمعت أم الدرداء تقول : إن أحدهم يقول : اللهم ارزقني ، وقد علم أن الله لا يمطر ذهباً ولا دراهم ، وإنما يرزق الله بعضهم من بعض ، فمن أعطي شيئاً فليقبل ، فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة وإن كان فقيراً فليستعن به .

رد مع اقتباس
  #80  
قديم 17-01-2013, 12:52 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أمامة بنت أبي العاص


أمامة بنت أبي العاص بن الربيع القرشية ، حفيدة رسول الله صلى عليه وسلم التي حظيت بحب النبي صلى الله عليه وسلم واستأثرت بعطفه ، فكان يكرمها ويحملها وهي طفلة.
أمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجدتها لأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ، وسيدة نساء العالمين في زمانها ، وأول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقه قبل كل أحد.
وأبوها أبو العاص بن الربيع صهر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب ، وابن أخت خديجة أم المؤمنين ، كان قد أسر يوم بدر فأطلق بلا فداء كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب زينب ، ثم أسلم قبيل فتح مكة ، وحسن إسلامه.
ولدت أمامة رضي الله عنها في حياة جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضعت الإيمان من أمها زينب ، وصنعت على عينها ، حيث غذتها بزاد التقوى ، وفطمتها على الصلاح. فكانت أمامة بذلك كريمة النشأة والأًصل ، ولذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يأنس بها ، ويهش لها ، وأحلها من قلبه الشريف مكاناً رحباً ، ومن عطفه حناناً يروي النفوس ويغذي.
ولم تطل مدة حياة زينب رضي الله عنها ، حيث توفيت في السنة الثامنة ، تاركة أمامة التي لم تبلغ الحلم بعد ، وكان فراق زينب أليماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ابنتها الصغيرة ، ودخل عليه الصلاة والسلام على النساء وهن يغسلن زينب رضي الله عنها فقال : ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ، بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من الكافور ، فإذا فرغتن فآذنني).
فلما فرغن آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطينه حقوه فقال : ( أشعرنها إياه) ، وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم‘ ثم دفنت في البقيع رضي الله عنها وأرضاها.

ولقد سبق زينب إلى جوار الله تعالى أختاها رقية وأم كلثوم ، فتركن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم الحزن ولكنه صلى الله عليه وسلم احتسبهن عند الله تعالى الذي لا تضيع لديه الأمانات ، فله ما أعطى وله ما أخذ ، وكل شيء عنده بأجل مسمى.

ولقد لقيت أمامة من النبي صلى الله عليه وسلم الرعاية ، وأفاض عليها من حبه ما جعله يحملها حتى في الصلاة ، فعن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر وقد دعا بلال للصلاة ، إذ خرج إلينا ، وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه وقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه. قال : فكبر فكبرنا. حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده ، ثم قام ، أخذها فردها في مكانها ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته.


ولما توفي أبو العاص بن الربيع سنة اثنتي عشرة للهجرة ، كان قد أوصى بابنته أمامة إلى ابن خاله الزبير بن العوام ، وقد زوجها الزبير من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة خالتها فاطمة رضي الله عنها ، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبقيت عنده مدة ، وجاءته الأولاد منها ، فلما قتل علي رضي الله عنه تأثرت أمامه لمقتله ، وقالت أم الهيثم النخعية تصف حزن أمامه :


أشاب ذؤابتي أذل ركبي أمامة حين فارقت القرينـا تطيف به لحاجتهـا إليه فلما استيئست رفعت رهينا

وعاشت أمامة بعد علي حتى تزوج بها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ، ثم توفيت عنده بعد أن ولدت له يحي بن المغيرة ، وكانت وفاتها في عهد معاوية بن أبي سفيان.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوصف الكامل لرسول الله عبد الحميد جويلي هذا هو الحب فتعال نحب 22 15-10-2017 06:18 PM
نور على نور. دوبلالي الأنساب في السيرة النبوية 4 29-01-2016 08:54 PM
التحذير من البدع ام نواف مجلس العقائد العام 2 08-04-2013 01:41 AM
نفحة عبير محمد محمود فكرى الدراوى هذا هو الحب فتعال نحب 1 26-12-2009 11:42 PM
الصحابة والمنافقون فى صدرالإسلام محمد محمود فكرى الدراوى هذا هو الحب فتعال نحب 0 26-12-2009 12:14 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 03:16 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه