نساءٌ رائدات - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
سجل رقم 685 لعام 1123 هجري من سجلات وثائق الصرة أوقاف الحرمين الشريفين
بقلم : الشريف قاسم بن محمد السعدي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: البحتري من فحول شعراء طَيئ (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: هل ال الرشيد حكام نجد السابقين من الاشراف ؟ (آخر رد :المفضلي الشمري)       :: نجاح باهر لأسبوع قبيلة شمر بفضل أقلامكم (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: ترحيب بالأخ الصديق الباحث المحقق النسابة السيد صفاء الموسوي النعيمي (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: سوريا درعا الغارية الشرقية (آخر رد :موسى غنيم)       :: تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك ,,, (آخر رد :غالب الخضري)       :: فى الذكرى الخامسة والثلاثين لحرب أكتوبر ... (آخر رد :غالب الخضري)       :: آل فراج الضباعي (آخر رد :الضباعي)       :: سفانة بنت حاتم الطائي (آخر رد :عبدالمنعم عبده الكناني)       :: أحاديث ذكر حاتم الطائي وكرمه (آخر رد :عبدالمنعم عبده الكناني)      



موسوعة التراجم الكبرى تراجم و سير الشخصيات و الجماعات و الحضارات

Like Tree13Likes

إضافة رد
  #1  
قديم 23-03-2011, 09:15 PM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي نساءٌ رائدات

نساءٌ رائدات



السيدة آمنة بنت وهب
السيدة خديجة بنت خويلد
السيدة عائشة بنت أبى بكر
السيدة أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان
السيدة أم سلمة

السيدة جويرية بنت الحارث

السيدة حفصة بنت عمر

السيدة زينب بنت جحش
السيدة زينب بنت خزيمة الهلالية
السيدة صفية بنت حيي
السيدة ميمونة بنت الحارث
السيدة مارية القبطية
أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم
رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم
زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم
فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم
السيدة حليمة السعدية
السيدة أم أيمن
أروى بنت عبد المطلب
صفية بنت عبد المطلب
عاتكة بنت عبد المطلب
السيدة مريم عليها السلام
السيدة هاجر
آسيا بنت مزاحم
بلقيـس
الماشطةُ
زوجة موسى عليه السلام
أسماء بنت أبى بكر (ذات النطاقين)
(السيدة سارة)
السيدة زينب بنت علي
السيدة نفيسة بنت الحسن
السيدة سكينة بنت الحسين
السيدة زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد
فاطمة بنت الخطاب
فاطمة بنت أسد
فاطمة بنت الحسين
نسيبة بنت كعب
أم رومان زوجة أبى بكر
أم كُجَّة
أم ذر
أم ورقة
أم حكيم
الشيماء
أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب
أم هانئ
أم معبد
أم حرام بنت ملحان
أم كلثوم بنت عقبة
أم سليم بنت ملحان
أم عمارة بنت سفيان
آمنة بنت الأرقم
الشفعاء بنت عبد الله
أَسْمَاء بِنْت النُّعمان
أسماء بنت عميس
أسماء بنت يزيد
حمنة بنت جحش
رفيدة الأسلمية
عاتكة بنت زيد
حواء بنت يزيد
ليلى بنت أبى حثمة
مسيكة التائبة
هند بنت عتبة
هجيمة بنت حيي
خولة بنت الأزور
حفصة بنت سيرين
شهدة بنت الإبري
سفانة بنت حاتم الطائي
رابعة العدوية
زنوبيا ملكة تدمر
الخنساء
ليلى الأخـيلية
ولادة بنت المستكفي
شـجرة الـدرّ
أم عـمارة
أم خالد بنت خالد
أم الـدرداء الصغـرى
أمامة بنت أبي العاص
خولة بنت حكيم
سمية بنت خيَّاط
فاطمة بنت عبد الملك
سيدة القصور
الربيع بنت معوذ
أم المنذر سلمى بنت قيس
أم كلثوم بنت عقبة بن معيط
أميمة بنت خلف
جميلة بنت سعد بن الربيع
عائشة بنت طلحة بن عبيد الله
الفريعة بنت مالك
أم عطية الأنصارية
أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب
أميمة بنت صبيح

ريحانة بنت زيد
كبشة بنت رافع
زَرْقَاءُ اليَمَامَةِ
معاذة بنت عبد الله
الخيزران بنت عطاء
زينب الغزالي الجبيلي..
عائشـة عبد الرّحمن

علية بنت المهدى
ملك حفنى ناصف
نبوية موسى



******************

السيدة آمنة بنت وهب
والدة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم




السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .
وأمها : كِبَرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .
نشأت في أسرة عريقة النسب ، مشهود لها بالشرف والأدب ، وكانت تتسم بالنباهة والبيان ، وتعرف بالذكاء وطلاقة اللسان ، فهي أفضل امرأة في قريش نسباً ومكانة .

كان عبد المطلب سيد قريش وجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد نذر لله أن إذا رزقه الله عشرة من الذكور لينحرن أحدهم شكراً لله وتقرباً إليه . وتحقق المرام ، وصار لعبد المطلب عشرة ذكور ، وبادر إلى تنفيذ نذره ، فأقرع بين أولاده ليعلم أيهم سينحر .
وخرج القدح على (عبد الله) ، أحبهم إليه ، فما العمل ؟

لقد أشار عليه وجوه القوم أن يفديه بعشرة من الإبل ، وقـدم الإبل ثم أقرع بينها وبين ولده ، فخرج سـهم (عبد الله) ، فقـالوا لعبدالمطلب : زدها عشراً ثم اقرع ، ففعل ، فخرج سهم (عبد الله) ، وظل يزيد في كل مرة عشراً من الإبل حتى بلغت المائة ، وعندما أقرع بينها وبين ولده ، وقعت القرعة على الإبل ، فسرّ عبد المطلب لذلك سروراً عظيماً ونحر الإبل المائة فداء ولده، وعمت الفرحة قريشاً بنجاة ابن سيدهم عبد المطلب.

وتزوج عبد الله آمنة بنت وهب ، وفي أول ليلة جمعتهما رأت آمنة أنها رأت شعاعاً من النور خرج منها فأضاء الدنيا من حولها حتى تراءت لها قصور بصرى في الشام وسمعت هاتفاً يقول لها : يا آمنة لقد حملت بسيد هذه الأمة .

وبعد أيام سافر زوجها في تجارة إلى الشام وتوفي في رحلته تلك .ولما جاءها المخاض رأت نوراً ساطعاً خرج منها وملأ ما حولها ولفها مع وليدها ، ولما عرضت عليه ثديها لترضعه أبى فأرسلته إلى البادية ليتم رضاعه ، وعاد إليها بعد عامين ، فربته حتى بلغ السادسة من العمر .

وبينما كانت عائدة من زيارة قبر عبد المطلب وأخـواله بني عدي بني النجـار أدركها المرض وتوفيت في الأبواء بين مكة والمدينة .



التعديل الأخير تم بواسطة حسن جبريل العباسي ; 05-03-2013 الساعة 05:40 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-01-2013, 03:07 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي نساءٌ رائدات

السيدة خديجة بنت خويلد
سيدة نساء قريش

كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يخرج من البيت حتى يذكرها فيحسن الثناء عليها.

هى أم المؤمنين، وخير نساء العالمين، السيدة خديجة بنت خويلد -رضى اللَّه عنها- كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة؛ لطهارة سريرتها وسيرتها، وكان أهل مكة يصفونها بسيدة نساء قريش، وكانت ذات شرف ومال وحزم وعقل، وكان لها تجارة، فاختارت النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم بها، وبرَّرت ذلك الاختيار بقولها له: إنه مما دعانى إليك دون أهل مكة ما بلغني من صدق حديثك، وعظيم أمانتك، وكرم أخلاقك. وقد سمعت من غلامها ميسرة -الذي رافق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الشام - ما أكد لها صدق حدسها ونظرتها في أمانته وصدقه وحسن سيرته في الناس، فقد روى لها ما رآه في طريق الذهاب والعودة عن الغمامة التي كانت تظلل النبي صلى الله عليه وسلم حين يشتد الحر، وعن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكياته في التجارة، وأخبرها بأنه كان لا يعرض شيئًا عُنْوة على أحد، وأنه كان أمينًا في معاملاته، فأحبه تجَّار الشام وفضَّلوه على غيره. كل هذه الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم جعلت السيدة خديجة - رضى اللَّه عنها - ترغب في الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه، وبعثت إليه من يخبره برغبتها في الزواج منه، لما رأت فيه من جميل الخصال وسديد الأفعال.

وفكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الأمر، فوجد التي تدعوه إلى الزواج امرأة ذات شرف وكفاءة، من أوسط قريش نسبًا، وأطهرهم قلبًا ويدًا، فلم يتردد.

وتزوج محمد الأمين صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وعمره خمسة وعشرون عامًا خديجة الطاهرة وعمرها أربعون عامًا، فولدت له أولاده كلهم - عدا إبراهيم - وهم: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، والقاسم، وعبد الله.

وكانت -رضى الله عنها- مثالا للوفاء والطاعة، تسعى إلى مرضاة زوجها، ولما رأت حبه صلى الله عليه وسلم لخادمها زيد بن حارثة وهبته له.

وعندما نزل الوحى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانت أول من آمن به. فقد جاءها الرسول صلى الله عليه وسلم يرتجف، ويقص عليها ما رأى في غار حراء، ويقول: "زمِّلونى زمِّلوني" أى غطُّوني. فغطته حتى ذهب عنه ما به من الخوف والفزع، ثم أخبرها - رضى اللَّه عنها - بما رأى في الغار وبما سمع، حتى قال: "لقد خشيتُ على نفسي". فأجابته بلا تردد وطمأنته في حكمة بكلماتها التي نزلت عليه بردًا وسلامًا فأذابت ما به من خوف وهلع، قائلة: "كلا واللَّه، ما يخزيك اللَّه أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتَقْرِى الضَّيف، وتُعين على نوائب الحق" [البخاري]. ثم سارعت إلى التصديق برسالته والدخول معه في الدين الجديد.. فكان قولها الحكيم تثبيتًا لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه.

إنها لحكيمة لبيبة عاقلة، علمت بشفافيتها ونور بصيرتها حقيقة الأمر، وأن اللَّه لا يجزي عن الخير إلا الخير، ولا يجزي عن الإحسان إلا الإحسان، وأنه يزيد المهتدين هدي، ويزيد الصادقين صدقًا على صدقهم، فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسى بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ثم أرادت أن تؤكد لنفسها ولزوجها صِدْقَ ما ذَهَبَا إليه، فتوجهت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان يقرأ في التوراة والإنجيل وعنده علم بالكتاب -فقد تنصر في الجاهلية وترك عبادة الأصنام- فقصت عليه الخبر، فقال ورقة: قدوس قدُّوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقْتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت.

فلما سمعت خديجة -رضى اللَّه عنها- ذلك، أسرعت بالرجوع إلى زوجها وقرة عينها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بالنبوة والبشرى فهدَّأت من رَوْعِه.

وكانت -رضى الله عنها- تهيئ للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد والشراب ليقضي شهر رمضان في غار حراء، وكانت تصحبه أو تزوره أحيانًا، وقد تمكث معه أيامًا تؤنس وحشته وترعاه.

ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون شِعْبِ أبى طالب، وحاصرهم كفار قريش دخلت معهم السيدة خديجة -رضى الله عنها-، وذاقت مرارة الجوع والحرمان، وهي صاحبة الثراء والنعيم.

فرضي اللَّه عن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، كانت نعم العون لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم في رحلة الدعوة الشاقة، آمنت به وصدقته، فكان إيمانها أول البشرى بصدق الدعوة وانتصار الدين. وثبتت إلى جواره وواسته بمالها، وحبها، وحكمتها، وكانت حصنًا له ولدعوته ولأصحابه الأولين، بإيمانها العميق، وعقلها الراجح، وحبها الفياض، وجاهها العريض، فوقفت بجانبه حتى اشتد ساعده، وازداد المسلمون، وانطلقت الدعوة إلى ما قدر اللَّه لها من نصر وظهور، وما هيأ لها من ذيوع وانتشار.. فلا عجب إذن إذا ما نزل جبريل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول اللَّه! هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربِّها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب (من لؤلؤ مجوَّف) لا صَخَب فيه ولانَصَب (لا ضجيج فيه ولا تعب) [متفق عليه]. ولا عجب إذا ما تفانى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حبها، إلى درجة يقول معها: "إنى لأحب حبيبها".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صواحب خديجة".

لقد كانت مثاًلا للزوجة الصالحة، وللأم الحانية، وللمسلمة الصادقة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "كُمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد" [متفق عليه]. وتُوفيت -رضى اللَّه عنها- في رمضان قبل الهجرة بأعوام ثلاثة، في نفس العام الذي تُوفِّى فيه أبو طالب: عام الحزن كما سماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حيث فقد فيه المعين والسند، إلا رب العالمين. ودفنت بالحجون، ونزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حفرتها التي دفنت فيها، وكان موتها قبل أن تشرع صلاة الجنائز.

ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي قوله:

" خديجة أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين في زمانها. أم القاسم ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية الأسدية. أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد وثبتت جأشه ومضت به إلى ابن عمها ورقة.

ومناقبها جمة. وهي ممن كمل من النساء. كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها بحيث إن عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها.

ومن كرامتها عليه صلى الله عليه وسلم أنها لم يتزوج امرأة قبلها وجاءه منها عدة أولاد ولم يتزوج عليها قط ولا تسرى إلى أن قضت نحبها فوجد لفقدها فإنها كانت نعم القرين. وكانت تنفق عليه من مالها ويتجر هو صلى الله عليه وسلم لها.

وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

الواقدي: حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وابن أبي الزناد عن هشام وروي عن جبير بن مطعم أن عم خديجة عمرو بن أسد زوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن أباها مات قبل الفجار. ثم قال الواقدي هذا المجتمع عليه عند أصحابنا ليس بينهم اختلاف. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بنت ثمان وعشرين سنة. قال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية.

كانت خديجة أولاً تحت أبي هالة بن زرارة التميمي ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ثم بعده النبي صلى الله عليه وسلم فبنى بها وله خمس وعشرون سنة. وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة.

عن عائشة: أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة وقيل: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون عن خمس وستين سنة.

وقال مروان بن معاوية عن وائل بن داود عن عبد الله البهي قال: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها يوماً فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن قال: فرأيته غضب غضباً أسقطت في خلدي وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت قال: "كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس وآوتني إذ رفضني الناس ورزقت منها الولد وحرمتموه مني" قالت: فغدا وراح علي بها شهراً.

قال الواقدي: خرجوا من شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين فتوفي أبو طالب وقبله خديجة بشهر وخمسة أيام. وقال الحاكم: ماتت بعد أبي طالب بثلاثة أيام.

هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة مما كنت أسمع من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين. ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب.

أبو يعلى في مسنده سماعنا: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا سهل بن زياد ثقة: حدثني الأزرق بن قيس عن عبد الله بن نوفل أو ابن بريدة عن خديجة بنت خويلد قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أطفالي منك؟ قال: "في الجنة" قالت: فأين أطفالي من أزواجي من المشركين؟ قال: "في النار". فقلت: بغير عمل قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" فيه انقطاع.

محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة سمع أبا هريرة يقول: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. متفق على صحته.

عبد الله بن جعفر: سمعت علياً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد وخير نسائها مريم بنت عمران. أحمد: حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو: حدثنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: "ومن" قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. الحديث بطوله وهو مرسل.

قال ابن إسحاق: تتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة. وكانت خديجة وزيرة صدق. وهي أقرب إلى قصي من النبي صلى الله عليه وسلم برجل. وكانت متمولة فعرضت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج في مالها إلى الشام فخرج مع مولاها ميسرة. فلما قدم باعت خديجة ما جاء به فأضعف فرغبت فيه فعرضت نفسها عليه فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة.

فأولادها منه: القاسم والطيب والطاهر ماتوا رضعاً ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة.

قالت عائشة: أول ما بدى به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة...... إلى أن قالت: فقال: "إقرأ باسم ربك الذي خلق" قالت: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: "زملوني".... فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: "مالي يا خديجة"؟. وأخبرها الخبر وقال: "قد خشيت على نفسي". فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق. وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الخط العربي وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً قد عمي. فقالت: اسمع من ابن أخيك ما يقول. فقال: يا ابن أخي ما ترى فأخبره. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى الحديث.

قال الشيخ عز الدين بن الأثير: خديجة أول خلق الله أسلم لإجماع المسلمين.

وقال الزهري وقتادة وموسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وسعيد ين يحيى: أول من آمن بالله ورسوله خديجة وأبو بكر وعلي رضي الله عنهم.

قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه عن خديجة أنها قالت: يا ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك فلما جاءه قال: يا خديجة هذا جبريل فقالت: اقعد على فخذي ففعل فقالت: هل تراه قال: نعم قالت: فتحول إلى الفخذ اليسرى ففعل: قالت: هل تراه قال: نعم فألقت خمارها وحسرت عن صدرها. فقالت: هل تراه قال: لا قالت: أبشر فإنه والله ملك وليس بشيطان.
قال ابن عبد البر: روي من وجوه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا خديجة جبريل يقرئك السلام وفي بعضها "يا محمد اقرأ على خديجة من ربها السلام".


عن حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خديجة سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم". في إسناده لين.

حماد بن سلمة عن حميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة حتى خشي عليه حتى تزوج عائشة.

معمر عن قتادة. وأبو جعفر الرازي عن ثابت واللفظ لقتادة عن أنس مرفوعاً: "حسبك من نساء العالمين أربع".

وقال ثابت عن أنس: "خير نساء العالمين مريم وآسية وخديجة بنت خويلد وفاطمة".

الدراوردي عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة وامرأة فرعون آسية".

مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة فتناولتها فقلت: عجوز كذا وكذا قد أبدلك الله بها خيراً منها. قال: "ما أبدلني الله خيراً منها لقد آمنت بي حين كفر الناس وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها". قلت: والله لا أعاتبك فيها بعد اليوم.

وروى عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة.

قال الواقدي: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون.

وقال قتادة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين وكذا قال عروة".

وجاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:

" خديجة بِنْت خويلد بن أسد بن عَبْد العُزى بن قصيّ القُرَشِيَّة الأَسَدِيَّة أم المؤمنين، زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، أول امْرَأَة تزوجها، وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجلٌ ولا امْرَأَة.

قال الزبير: كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة. وأمها فاطِمَة بِنْت زائدة بن الأصم، واسمه جُندب بن هذم بن رواحة بن حُجْر بن عَبْد بن مَعيص بن عامر بن لؤي. وكانت خديجة قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت أبي هالة بن زرارة بن نبّاش بن عَديّ بن حبيب بن صُرَد بن سلامة بن جِروة أُسيِّد بن عُمر بن تميم التميمي. كذا نسبه الزبير.

وقال علي بن عَبْد العزيز الجرجاني: كانت خديجة عند أبي هالة: هِنْد بن النباش بن زُرارة بن وَقدان بن حبيب بن سلامة بن جِروَة بن أُسَيّد بن عَمْرو بن تميم.

ثم اتفقا فقالا: ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عابد بن عَبْد الله بن عُمر بن مخزوم المخزومي. ثم خلف عليها بعد عتيق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقال قتادة: كانت خديجة تحت عتيق بن عابد بن عَبْد الله بن عُمر بن مخزوم، ثم خلف عليها بعده أبو هالة هِنْد بن زرارة بن النباش.

قال قتادة: والقول الأول أصح إن شاء الله تعالى، قاله أبو عُمر.

وروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: وتزوج خديجة قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي بكر: عتيق بن عابد بن عَبْد الله بن عُمر بن مخزوم، ثم هلك عنها فتزوجها بعده أبو هالة النباش بن زرارة. قال: وكانت خديجة قبل أن ينكحها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت عتيق بن عابد بن عَبْد الله، فولدت له هِنْد بِنْت عتيق، ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة مالك بن النباش بن زرارة التميمي الأسدي، حليف بني عَبْد الدار بن قصي، فولدت له هِنْد بِنْت أبي هالة، وهالة ابن أبي هالة، فهِنْد بِنْت عتيق، وهِنْد وهالة ابنا أبي هالة كلهم أخوة أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من خديجة.

كل ذلك ذكره الزبير، وهذا عكس ما نقله أبو عُمر عن الزبير، فإن أبا عُمر نقل عن الزبير أنها كانت عند أبي هالة أوّلاً ثم بعده عند عتيق.
ونقل أبو نعيم عن الزبير فقدَّم عتيقاً على أبي هالة، وأما الذي رويناه في نسب قريش للزبير قال: وكانت يعني خديجة قبل النَّبِيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند عتيق بن عابد بن عَبْد الله بن عُمر بن مخزوم فولدت له جارية، وهلك عنها عتيق، فتزوجها أبو هالة بن مالك، أحد بني عَمْرو بن تميم، ثم أحد بني أُسيد.


قال الزبير: وبعض الناس يقول: أبو هالة قبل عتيق.

وتزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خديجة رضي الله عنها قبل الوحي وعُمره حينئذ خمس وعشرون سنة وقيل: إحدى وعشرون سنة، زوّجها منه عمها عَمْرو بن أسد. ولما خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عمها: مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عَبْد المُطَّلِب يخطب خديجة بِنْت خويلد، هذا الفحل لا يُقدَع أنفه.

وكان عُمرها حينئذ أربعين سنة وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة. وكان سبب تزوجها برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: كانت خديجة امْرَأَة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها تضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه. فلما بلغها عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما بلغها من صدق حديثه وعِظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعَرَضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها وخرج في مالها ومعه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: هذا الرجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي. ثم باع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد، ثم أقبل قافلاً إلى مَكَّة، فلما قدم على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبا، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب. وكانت خديجة امْرَأَة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما اخبرها ميسرة بعثت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت له: أني قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً. فلما قالت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قالت، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عَبْد المُطَّلِب حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولده كلهم قبل أن ينزل عليه الوحي: زينب، وأم كُلْثُوم، وفاطِمَة، ورقية، والقاسم، والطاهر، والطيب. فأما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا قبل الإسلام، وبالقاسم كان يكنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأما بناته فأدركن الإسلام، فهاجرن معه واتبعنه وأمنّ به.

وقيل إن الطاهر والطيب ولدا في الإسلام.

وقد تقدم أن عمها عُمراً زوجها، وأن أباها كان قد مات، قاله الزبير وغيره.

واختلف العلماء في أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها، فروى معُمر عن الزهري قال: زعم بعض العلماء أنها ولدت له ولداً يسمى الطاهر، وقال: قال بعضهم: ما نعلمها ولدت له إلاّ القاسم وبناته الأربع.

وقال عقيل، عن ابن هشام، وذكر بناته وقال: والقاسم والطاهر.

وقال قتادة: ولدت له خديجة غلامين، وأربع بنات: القاسم وبه كان يكنى، وعاش حتى مشى، وعَبْد الله مات صغيراً.

وقال الزبير: ولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم والقاسم وهو أكبر ولده ثم زينب ثم عَبْد الله وكان، يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ثم مات القاسم بمَكَّة، وهو أول ميت مات من ولده، ثم عَبْد الله مات أيضاً بمَكَّة.

وقال الزبير أيضاً: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن: أن خديجة بِنْت خويلد ولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم القاسم، والطاهر، والطيب، وعَبْد الله، وزينب ورقية، وأم كُلْثُوم، وفاطِمَة.

وقال علي بن عَبْد العزيز الجرجاني: أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: القاسم وهو أكبر ولده ثم زينب، قال: وقال الكلبي: زينب والقاسم، ثم أم كُلْثُوم، ثم فاطِمَة، ثم رقية، ثم عَبْد الله وكان يقال له الطيب والطاهر. قال: وهذا هو الصحيح، وغيره تخليط.

وقال الكلبي: ولد عَبْد الله في الإسلام، وكل ولده منها ولد قبل الإسلام. وأما إسلامها فأخبرنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد سرايا بن علي وغير واحد بإسنادهم إلى مُحَمَّد بن إسماعيل: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة أم المؤمنين قالت: أوّل ما بُدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة، في النوم، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح... وذكر الحديث، قال: يعني جبريل، عليه السلام : "اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَق" فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة رضي الله عنها فقال: "زمّلوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وكان أمرأ تنصر في الجاهلية، ويكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا ليتني فيها جَذَعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك.

أخبرنا أبو جعفر بإسناده إلى يونس، عن ابن إسحاق قال: وكانت خديجة أول من أمن بالله ورسوله، وصدّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لا يسمع شيئاً يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه إلا فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها تُثبِّته وتخفف عنه، وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس، رضي الله عنها.

قال ابن إسحاق: وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير: أنه حُدّث، عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا ابن عم، هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: "نعم". فبينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندها إذ جاءه جبريل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "هذا جبريل قد جاءني". فقالت: أتراه الآن؟ قال: "نعم". قالت: اجلس على شِقّي الأيسر. فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: "نعم". قالت: فاجلس على شقي الأيمن. فجلس فقالت: هل تراه الآن؟ قال: "نعم". قالت: فتحول فاجلس في حجري. فتحول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجلس، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم". قال: فتحسرت وألقت خمارها، فقالت: هل تراه؟ قال: "لا". قالت: ما هذا شيطان، إن هذا لمَلَك يا ابن عم، اثبت وأبشر ثم أمنت به وشهدت أن الذي جاء به الحق.

أخبرنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن علي، أخبرنا أبو الفضل بن ناصر، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عَبْد الملك المؤذّن، أخبرنا الحُسَيْن بن فاذشاه، أخبرنا أبو القاسم الطبراني حدثنا القاسم بن زكريا المطرّز، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا تميم بن الجعد حدثنا أبو جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "خير نساء العالمين مَرْيَم بِنْت عُمران، وآسية بِنْت مزاحم، وخديجة بِنْت خويلد، وفاطِمَة بِنْت مُحَمَّد صلّى الله عليه وسلّم".

قال: وأخبرنا أبو صالح، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي الواعظ، أخبرنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عَبْد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا أبو عَبْد الرَّحْمَن، حدثنا داود، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الأرض أربع خطوط، قال: "أتدرون ما هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بِنْت خويلد، وفاطِمَة بِنْت مُحَمَّد، ومَرْيَم بِنْت عُمران، وآسية بِنْت مزاحم امْرَأَة فرعون".

قال: في أصل الشيخ: داود مُصَلِّح، ورواه عارم: داود بن أبي الفرات، عن عِلباء بن أحمر.

أخبرنا إبراهيم وإسماعيل وغيرهما بإسنادهم عن مُحَمَّد بن عيسى: أخبرنا الحُسَيْن بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. أخبرنا يحيى بن محمود وعَبْد الوهاب بن أبي حبّة بإسنادهما إلى مسلم: حدثنا أبو كريب، أخبرنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عَبْد الله بن جعفر قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "خير نسائها خديجة بِنْت خويلد، وخير نسائها مَرْيَم بِنْت عُمران". قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض.

أخبرنا أبو الفضل عَبْد الله بن أحمد بن مُحَمَّد الطوسي، أخبرنا أبو جعفر بن أحمد السراج، حدثنا أبو علي بن شاذان، حدثنا أبو عَمْرو عُثْمان بن أحمد الدقاق، حدثنا ابن أبي العوّام، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا نَصَب فيه ولا صَخَب.

أخبرنا عَبْد الله بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن بدران الحلواني قال: قرئ على أبي الحُسَيْن مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد الأبنوسي وأنا أسمع، أخبركم أبو الحُسَيْن مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن بن جعفر الدينوري فأقرّ به، أخبرنا أبو بكر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن غيلان الخزاز، حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما غِرتُ على أحد من أزواج النَّبِيّ ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها، وإن كان مما تذبح الشاة يتّبع بها صدائق خديجة، فيهديها لهنّ.

أخبرنا يحيى بن محمود وأبو ياسر بإسنادهما عن مسام قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُريب وابن نُمير قالوا: حدثنا ابن فُضيل، عن عَمَارَة، عن أبي زُرعة قال: سمعت أبا هريرة قال: أتى جبريل النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إذام. أو طعام أو شراب. فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومنّي، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. قال أبو بكر في روايته: عن أبي هريرة ولم يقل سمعت، ولم يقل في الحديث: ومني.

وروى مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها. فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، فقد أبدلك الله خيراً منها! فغضب حتى اهتز مُقدّم شعره من الغضب، ثم قال: "لا، والله ما أبدلني الله خيراً منها، أمنت إذ كفر الناس، وصدّقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولادَ النساء". قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبداً.

وروى الزبير بن بكار، عن مُحَمَّد بن الحسن، عن يَعْلَى بن المغيرة عن ابن أبي رواد قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على خديجة في مرضها الذي ماتت فيه، فقال لها: "بالكُره مني ما أثني عليكِ يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً، أما علمت أن الله تعالى زوجني معك في الجنة مَرْيَم بِنْت عُمران، وكَلْثَم أخت موسى، وآسية امْرَأَة فرعون". فقالت: وقد فعل ذلك يا رسول؟ قال: "نعم". قالت: بالرفاء والبنين.

أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: ثم إن خديجة توفيت بعد أبي طالب وكانا ماتا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام كان يسكن إليها.

وقال أبو عُبَيْدة معُمر بن المثنى: توفيت خديجة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين. وقال عروة وقتادة: توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين. وهذا هو الصواب. وقالت عائشة: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قيل: إن وفاة خديجة كانت بعد أبي طالب بثلاثة أيام وكان موتها في رمضان، ودفنت بالحجون. قيل: كان عُمرها خمساً وستين سنة.

أخرجها الثلاثة".

التعديل الأخير تم بواسطة حسن جبريل العباسي ; 17-01-2013 الساعة 02:16 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-01-2013, 03:13 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين
السيدة عائشة بنت أبى بكر

وُلدت السيدة عائشة أم المؤمنين - رضى اللَّه عنها - قبل الهجرة بحوالي ثماني سنوات، في بيت عامر بالإيمان، ممتلئ بنور القرآن، فأبوها الصديق أبو بكر صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأول من آمن من الرجال، وأول خليفة للمسلمين بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمها السيدة أم رومان بنت عامر، من أشرف بيوت قريش وأعرقها في المكانة.
وقد شاركت السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- منذ صباها في نصرة الإسلام، فكانت تساعد أختها الكبيرة أسماء في تجهيز الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وأبيها وهما في الغار عند الهجرة.
وبعد أن استقر مقام المسلمين في مدينة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرسل أبو بكر الصديق إلى ابنه عبد اللَّه يطلب منه أن يهاجر بأهل بيته: عائشة، وأسماء، وأم رومان، فاستجاب عبد اللَّه بن أبى بكر ومضى بهم مهاجرًا، وفى الطريق هاج بعير عائشة فصاحت أم رومان: وابنتاه وا عروساه. ولكن اللَّه لطف، وأسرع الجميع إلى البعير ليسكن، وكان في ركب الهجرة السيدة فاطمة الزهراء والسيدة أم كلثوم بنتا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين السيدة سودة بنت زمعة، ونزلت السيدة عائشة مع أهلها في دار بنى الحارث بن الخزرج، ونزل آل النبي صلى الله عليه وسلم في منزل حارثة بن النعمان.
وبدأتْ مرحلة جديدة في حياة أم المؤمنين عائشة - رضى اللَّه عنها - فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين. [البخاري].
وكان بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي دخلت فيه أم المؤمنين عائشة -رضى اللَّه عنها- حجرة واحدة من الطوب اللَّبِن - النَّـيِّـئ - والطين ، ملحق بها حجرة من جريد مستورة بالطين، وكان باب حجرة السيدة عائشة مواجهًا للشام، وكان بمصراع واحد من خشب، سقفه منخفض وأثاثه بسيط: سرير من خشبات مشدودة بحبال من ليف عليه وسادة من جلد حَشْوُها ليف، وقربة للماء، وآنية من فخارٍ للطعام والوضوء.
وفى زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- تقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُك في المنام مرتين: أرى أنك في سَرقة صلى الله عليه وسلم قطعة من حرير، ويقول: هذه امرأتك. فأكشف فإذا هي أنتِ، فأقول: إن يك هذا من عند اللَّه يُمضِه" [البخارى ومسلم وأحمد]. وانتظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم يخطب عائشة حتى جاءته خولة زوج صاحبه عثمان بن مظعون ترشحها له.
أحبت السيدة عائشة النبي حبَّا كبيرًا، ومن فرط هذا الحب كانت فطرتها - مثل النساء - تغلبها فتغار.
ومرت الأيام بالسيدة عائشة هادئة مستقرة حتى جاءت غزوة بنى المصطلق، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بين نسائه صلى الله عليه وسلمأى أجرى القرعة بينهن لتخرج معه واحدة في السفر) وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك مع أزواجه إذا خرج لأمر، فخرج سهمها فخرجت معه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا فرغ النبي من غزوته، وعاد المسلمون منتصرين، استراح المسلمون لبعض الوقت في الطريق، فغادرت السيدة عائشة هودجها، فانسلّ عِقدها من جيدها صلى الله عليه وسلم عنقها، فأخذت تبحث عنه.. ولما عادت كانت القافلة قد رحلت دون أن يشعر الرَّكْبُ بتخلفها عنه، وظلَّت السيدة عائشة وحيدة في ذلك الطريق المقفر الخالى حتى وجدها أحد المسلمين - وهو الصحابى الجليل صفوان بن المعطل - رضى اللَّه عنه - فركبت بعيره، وسار بها، واللَّه ما كلمها ولاكلمته، حتى ألحقها برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إلا أن أعداء اللَّه تلقفوا الخبر ونسجوا حوله الخزعبلات التي تداعت إلى أُذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأثرت في نفسه، ونزلت كالصاعقة عليه وعلى أبيها"أبى بكر" وأمها "أم رومان" وجميع المسلمين، لكن اللَّه أنزل براءتها من فوق سبع سماوات فنزل في أمرها إحدى عشرة آية؛ لأنه يعلم براءتها وتقواها، فقال تعالي: صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11].
وتقول السيدة عائشة لما علمت بحديث الإفك: وبكيت يومى لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندى أبواى وقد بكيت ليلتى ويومًا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندى وأنا أبكى استأذنتْ امرأة من الأنصار، فأذنتُ لها، فجلست تبكى معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجلس - ولم يجلس عندى من يوم قيل في ما قيل قبلها- وقد مكث شهرًا لا يُوحى إليه في شأنى شيء، فتشهَّد، ثم قال: "يا عائشة، فإنه بلغنى عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى اللَّه وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب اللَّه عليه". فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قَلَص دمعى حتى ما أُحِس منه قطرة، وقلتُ لأبي: أجب عنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللَّه لا أدرى ما أقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبى عنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت: ما أدرى ما أقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن. إنى واللَّه لقد علمت أنكم سمعتم ما يُحَدِّثُ به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، وإن قلتُ لكم إنى بريئة - واللَّه يعلم أنى بريئة - لا تصدقوننى بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر - واللَّه يعلم أنى بريئة - لتصدقني، واللَّه ما أجد لى ولكم مثلا إلا قول أبى يوسف: فّصّبًرِ جّمٌيلِ بًمٍسًتّعّانٍ عّلّي" مّا تّصٌفٍون [يوسف:18]. ثم تحولت على فراشى وأنا أرجو أن يبرئنى الله، ولكن واللَّه ما ظننتُ أن يُنزِل في شأنى وحيًا، ولأنا أحقر في نفسى من أن يُتكلم بالقرآن في أمري، ولكنى كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا تبرئني، فواللَّه ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه الوحى ... فلما سُرِّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو يضحك صلى الله عليه وسلمأى انكشف عنه الوحى ثم ابتسم)، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة، احمدى الله، فقد برأك اللَّه". فقالت لى أمي: قومى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللَّه، فأنزل اللَّه تعالي: إن الذين جاءوا بالإفك. [البخاري].
وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالحها فقال لها ذات يوم : "إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية، وإذا كنتِ على غَضْـبَـي". فقالت رضى اللَّه عنها: من أين تعرف ذلك؟ فقال : "أما إذا كنت عنى راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنتِ غضبى قلت: لا ورب إبراهيم". فأجابت: أجل، واللَّه يا رسول اللَّه، ما أهجر إلا اسمك. [البخاري].
تلك هي المؤمنة ،لا يخرجها غضبها عن وقارها وأدبها، فلا تخرج منها كلمة نابية، أو لفظة سيئة.
ولما اجتمعت نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومعهن السيدة عائشة لطلب الزيادة في النفقة منه رغم علمهن بحاله، قاطعهن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تسعة وعشرين يومًا حتى أنزل اللَّه تعالى قوله الكريم: صلى الله عليه وسلميَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 28-29]. فقام النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه فبدأ بعائشة فقال: "يا عائشة إنى ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تستعجلى حتى تستأمرى أبويك".
قالت: وقد علم أن أبواى لم يكونا ليأمرانى بفراقه، قالت: ثم قال: "إن اللَّه تعالى يقول: صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ)[الأحزاب: 82]. حتى بلغ: صلى الله عليه وسلم (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 29]. فقلت: في هذا أستأمر أبوي؟ فإنى أُريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة. وكذا فعل أزواج النبي جميعًا.
وعاشت السيدة عائشة مع رسول اللَّه حياة إيمانية يملأ كيانها نور التوحيد وسكينة الإيمان، وقد حازت -رضى اللَّه عنها- علمًا غزيرًا صافيًا من نبع النبوة الذي لا ينضب، جعلها من كبار المحدثين والفقهاء، فرُوى عنها من صحيح الحديث أكثر من ألفين ومائة حديث، فكانت بحرًا زاخرًا في الدين، وخزانة حكمة وتشريع، وكانت مدرسة قائمة بذاتها، حيثما سارت يسير في ركابها العلم والفضل والتقي، فقد ورد عن أبى موسى -رضى اللَّه عنه- قال: ما أُشْكِلَ علينا -أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم- حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.
وكان للسيدة عائشة -رضى الله عنها- علم بالشعر والطب، بالإضافة إلى علمها بالفقه وشرائع الدين.
وكان عروة بن الزبير -رضى الله عنه- يقول: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشِعْر من عائشة -رضى الله عنها-.
ومن جميل ما أسدته السيدة عائشة للمسلمين أنها كانت سببًا في نزول آية التيمم، يروى عنها أنها قالت: أقبلنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بِتُرْبان صلى الله عليه وسلم بلد يبعد عن المدينة عدة أميال وهو بلد لا ماء به وذلك وقت السحر، انسلت قلادة من عنقى فوقعت، فحبس على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أى أمر بالبقاء لالتماسها في الضوء حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماء، فلقيت من أبى ما اللَّه به عليم من التعنيف والتأفُّف، وقال: في كل سفر للمسلمين يلقون منك عناء وبلاء، فأنزل اللَّه الرخصة في التيمم، فتيمم القوم وصلوا، قالت: يقول أبى حين جاء من اللَّه الرخصة للمسلمين: واللَّه ما علمت يا بنية إنك لمباركة !! ما جعل اللَّه للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر!! وفى رواية قال لها أُسيد بن حضير: جزاك اللَّه خيرًا، فواللَّه ما نزل بك أمر تكرهينه قط إلا جعل اللَّه لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة.
لم يتزوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، فلقد تزوجها بعد أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين سودة بنت زمعة رضى اللَّه عنهن جميعًا-؛ رغبة منه في زيادة أواصر المحبة والصداقة بينه وبين الصدِّيق -رضى اللَّه عنه-. وكانت منزلتها عنده صلى الله عليه وسلم كبيرة، وفاضت روحه الكريمة في حجرها. وعاشت -رضى اللَّه عنها- حتى شهدت الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - وحضرت معركة الجمل، وكانت قد خرجت للإصلاح.
واشتهرت - رضى اللَّه عنها - بحيائها وورعها، فقد قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبى - رضى اللَّه عنه - واضعة ثوبى وأقول إنما هو زوجى وهو أبي، فلما دُفِن عمر - رضى اللَّه عنه - معهما) واللَّه ما دخلته إلا مشدودة على ثيابى حياءً من عمر - رضى اللَّه عنه-.
وكانت من فرط حيائها تحتجب من الحسن والحسين، في حين أن دخولهما على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حل لهما.
وكانت -رضى الله عنها- كريمة؛ فيُروى أن "أم درة" كانت تزورها، فقالت: بُعث إلى السيدة عائشة بمال في وعاءين كبيرين من الخيش: ثمانين أو مائة ألف، فَدَعت بطبق وهى يومئذ صائمة، فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك المال درهم، فلما أمست قالت: يا جارية هلُمى إفطاري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم درة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا لحمًا بدرهم فنفطر به. فقالت: لا تُعنِّفيني، لو كنتِ ذكَّرتينى لفعلت.
ومن أقوالها :
* لا تطلبوا ما عند اللَّه من عند غير اللَّه بما يسخط اللَّه.
* كل شرف دونه لؤم، فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به.
* إن للَّه خلقًا قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح؛ خفقت معها، فَأفٍّ للجبناء، فأفٍّ للجبناء.
* أفضل النســـاء التي لا تعرف عـيب المقـــال، ولا تهتـدى لمكر الرجــــال، فارغـة القـلب إلا من الـزينة لبعلها، والإبقاء في الصيانة على أهلها.
* التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
* رأت رجـًلا متمـاوتًا فقـالـت: ماهـذا؟ فقـيـل لهـا: زاهــد. قالت: كان عمــر بن الخطــــاب زاهدًا ولكنه كان إذا قال أسمع،وإذا مشى أسرع،وإذا ضرب في ذات اللَّه أوجع.
* علِّموا أولادكم الشعر تعذُب ألسنتهم.
هذه هي السيدة عائشة بنت الصديق -رضى اللَّه عنها- حبيبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والتى بلغت منزلتها عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مبلغًا عظيمًا، فقد رضى الله عنها لرضا رسوله صلى الله عليه وسلم عنها، فعن عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا: "يا عائش! هذا جبريل يقرئك السلام". فقلتُ: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته" [متفق عليه].
وفى ليلة الثلاثاء 17 من رمضان في السنة 57 من الهجرة توفيت أم المؤمنين السيدة عائشة وهى في سن السادسة والستين من عمرها، ودفنت في البقيع، وسارت خلفها الجموع باكية عليها في ليلة مظلمة حزينة، فرضى اللَّه عنها وأرضاها.
جاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي قوله عن السيدة عائشة رضي الله عنها:
" بنت الإمام الصديق الأكبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشية التيمية المكية النبوية أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أفقه نساء الأمة على الإطلاق. وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب ابن أذينة الكنانية.
هاجر بعائشة أبواها وتزوجها نبي الله قبل مهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً وقيل: بعامين ودخل بها في شوال سنة اثنتين منصرفه عليه الصلاة والسلام من غزوة بدر وهي ابنة تسع.
فروت عنه علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وعن أبيها وعن عمر وفاطمة وسعد وحمزة بن عمرو الأسلمي وجدامة بنت وهب. حدث عنها إبراهيم بن يزيد النخعي مرسلاً وإبراهيم بن يزيد التيمي كذلك وإسحاق بن طلحة وإسحاق بن عمر والأسود بن يزيد وأيمن المكي وثمامة بن حزن وجبير بن نفير وجميع بن عمير. والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي والحارث بن نوفل والحسن وحمزة بن عبد الله بن عمر وخالد بن سعد وخالد بن معدان وقيل: لم يسمع منها وخباب صاحب المقصورة وخبيب بن عبد الله بن الزبير وخلاس الهجري وخيار بن سلمة وخيثمة بن عبد الرحمن وذكوان السمان ومولاها ذكوان وربيعة الجرشي وله صحبة وزاذان أبو عمر الكندي وزرارة بن أوفى وزر بن حبيش وزيد بن أسلم وسالم بن أبي الجعد ولم يسمعا منها وزيد بن خالد الجهني وسالم بن عبد الله وسالم سبلان والسائب بن يزيد وسعد بن هشام وسعيد المقبري وسعيد بن العاص وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسليمان بن بريدة وشريح بن أرطاة وشريح بن هاني وشريق الهوزني وشقيق أبو وائل وشهر بن حوشب وصالح بن ربيعة بن الهدير وصعصعة عم الأحنف وطاووس وطلحة بن عبد الله التيمي وعابس بن ربيعة وعاصم بن حميد السكوني وعامر بن سعد والشعبي وعباد بن عبد الله بن الزبير وعبادة بن الوليد وعبد الله بن بريدة وأبو الوليد عبد الله بن الحارث البصري وابن الزبير ابن أختها وأخوه عروة وعبد الله بن شداد الليثي وعبد الله بن شقيق وعبد الله بن شهاب الخولاني وعبد الله بن عامر بن ربيعة وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن فروخ وعبد الله بن أبي مليكة وعبد الله بن عبيد ابن عمير وأبوه وعبد الله بن عكيم وعبد الله بن أبي قيس وابنا أخيها عبد الله والقاسم ابنا محمد وعبد الله بن أبي عتيق محمد ابن أخيها عبد الرحمن وعبد الله بن واقد العمري ورضيعها عبد الله بن يزيد وعبد الله البهي وعبد الرحمن بن الأسود وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني وعبد الرحمن بن شماسة وعبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي وعبد العزيز والد ابن جريج وعبيد الله بن عبد الله وعبيد الله بن عياض وعراك ولم يلقها وعروة المزني وعطاء بن أبي رباح وعطاء ابن يسار وعكرمة وعلقمة وعلقمة بن وقاص وعلي بن الحسين وعمرو بن سعيد الأشدق وعمرو بن شرحبيل وعمرو بن غالب وعمرو ابن ميمون وعمران بن حطان وعوف بن الحارث رضيعها وعياض ابن عروة وعيسى بن طلحة وغضيف بن الحارث وفروة بن نوفل والقعقاع بن حكيم وقيس بن أبي حازم وكثير بن عبيد الكوفي رضيعها وكريب ومالك بن أبي عامر ومجاهد ومحمد بن إبراهيم التيمي إن كان لقيها ومحمد بن الأشعث ومحمد بن زياد الجمحي وابن سيرين ومحمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو جعفر الباقر ولم يلقها ومحمد بن قيس بن مخرمة ومحمد بن المنتشر ومحمد ابن المنكدر وكأنه مرسل ومروان العقيلي أبو لبابة ومسروق ومصدع أبو يحيى ومطرف بن الشخير ومقسم مولى ابن عباس والمطلب بن عبد الله بن حنطب ومكحول ولم يلحقها وموسى بن طلحة وميمون بن أبي شبيب وميمون بن مهران ونافع بن جبير ونافع ابن عطاء ونافع العمري والنعمان بن بشير وهمام بن الحارث وهلال ابن يساف ويحيى بن الجزار ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ويحيى بن يعمر ويزيد بن بابنوس ويزيد بن الشخير ويعلى بن عقبة ويوسف بن ماهك وأبو أمامة بن سهل وأبو بردة بن أبي موسى وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبو الجوزاء الربعي وأبو حذيفة الأرحبي وأبو حفصة مولاها وأبو الزبير المكي وكأنه مرسل وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الشعثاء المحاربي وأبو الصديق الناجي وأبو ظبيان الجنبي وأبو العالية رفيع الرياحي وأبو عبد الله الجدلي وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبو عثمان النهدي وأبو عطية الوادعي وأبو قلابة الجرمي ولم يلقها وأبو المليح الهذلي وأبو موسى وأبو هريرة وأبو نوفل بن أبي عقرب وأبو يونس مولاها وبهية مولاة الصديق وجسرة بنت دجاجة وحفصة بنت أخيها عبد الرحمن وخيرة والدة الحسن البصري وذفرة بنت غالب وزينب بنت أبي سلمة وزينب بنت نصر وزينب السهمية وسمية البصرية وشميسة العتكية وصفية بنت شيبة وصفية بنت أبي عبيدة وعائشة بنت طلحة وعمرة بنت عبد الرحمن ومرجانة والدة علقمة بن أبي علقمة ومعاذة العدوية وأم كلثوم التيمية أختها وأم محمد امرأة والد علي بن زيد ين جدعان وطائفة سوى هؤلاء. مسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث. اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثاً وانفرد البخاري بأربعة وخمسين وانفرد مسلم بتسعة وستين.
وعائشة ممن ولد في الإسلام وهي أصغر من فاطمة بثماني سنين. وكانت تقول لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين. وذكرت أنها لحقت بمكة سائس الفيل شيخاً أعمى يستعطي.
وكانت امرأة بيضاء جميلة. ومن ثم يقال لها: الحميراء ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها ولا أحب امرأة حبها. ولا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها. وذهب بعض العلماء إلى إنها أفضل من أبيها. وهذا مردود وقد جعل الله لكل شيء قدراً بل نشهد أنها زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فهل فوق ذلك مفخر وإن كان للصديقة خديجة شأو لا يلحق وأنا واقف في أيتهما أفضل. نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها.
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاء بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه. فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه".
وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة المكي عن ابن أبي حسين عن ابن أبي مليكة عن عائشة: أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة".
حسنه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الله ورواه عبد الرحمن بن مهدي عنه مرسلاً.
بشر بن الوليد القاضي: حدثنا عمر بن عبد الرحمن عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران: لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري ولقد قبض ورأسه في حجري ولقد قبرته في بيتي ولقد حفت الملائكة ببيتي وإن كان الوحي لينزل عليه وإني لمعه في لحافه وإني لابنة خليفته وصديقه ولقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريماً.
رواه أبو بكر الآجري عن أحمد بن يحيى الحلواني عنه. وإسناده جيد وله طريق آخر سيأتي.
وكان تزويجه صلى الله عليه وسلم بها أثر وفاة خديجة فتزوج بها وبسودة في وقت واحد ثم دخل بسودة فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر. فما تزوج بكراً سواها وأحبها حباً شديداً كان يتظاهر به بحيث إن عمرو بن العاص وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك يا رسول الله: قال: "عائشة" قال: فمن الرجال قال: "أبوها".
وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض وما كان عليه السلام ليحب إلا طيباً. وقد قال: "لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل". فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله.
وحبه عليه السلام لعائشة كان أمراً مستفيضاً ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم يومها تقرباً إلى مرضاته.
قال حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة. قالت: فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فقولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان. فذكرت أم سلمة له ذلك. فسكت فلم يرد عليها. فعادت الثانية. فلم يرد عليها. فلما كانت الثالثة قال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". متفق على صحته.
وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها. إسماعيل بن أبي أويس حدثنا أخي أبو بكر عن سليمان بن بلال عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الآخر أم سلمة وسائر أزواجه. وكانوا المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان في بيت عائشة بعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة. فتكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله هدية فليهد إليه حيث كان من نسائه. فكلمته أم سلمة بما قلن. فلم يقل لها شيئاً. فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن: كلميه. قالت: فكلمته حين دار إليها. فلم يقل لها شيئاً. فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: كلميه. فدار إليها فكلمته. فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة. فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة". فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر. فكلمته فقال: "يا بنية ألا تحبين ما أحب" قالت: بلى. فرجعت إليهن وأخبرتهن. فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع. فأرسلن زينب بنت جحش. فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في ابنة أبي قحافة. فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تتكلم. قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنها ابنة أبي بكر".
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" عائشة بِنْت أبي بكر الصديق، الصديقة بِنْت الصديق أم المؤمنين، زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وأشهر نسائه، وأمها أم رومان ابنة عامر بن عُوَيمر بن عَبْد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سُبيع بن دُهمان بن الحَارِث بن غنم بن مالك بن كنانة الكنانية.
تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل الهجرة بسنتين، وهي بكر، قال أبو عُبَيْدة، وقيل: بثلاث سنين. وقيل: بأربع سنين. وقيل: بخمس سنين. وكان عُمرها لما تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ست سنين، وقيل: سبع سنين. وبني بها وهي بِنْت تسع سنين بالمدينة. وكان جبريل قد عرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صورتها في سَرَقَةِ حرير في المنام، لما توفيت خديجة، وكناها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أم عَبْد الله، بابن أختها عَبْد الله بن الزبير.
أخبرنا يحيى بن محمود فيما أذن لي بإسناده عن ابن أبي عاصم قال: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مُحَمَّد بن عَمْرو، عن يحيى بن عَبْد الرَّحْمَن بن حاطب عن عائشة قالت: لما توفيت خديجة قالت خَوْلَة بِنْت حكيم بن الأوقص امْرَأَة عُثْمان بن مَظْعون، وذلك بمَكَّة : أي رسول الله، ألا تزوج؟ قال: "ومن؟" قلت: إن شئت بِكْراً، وإن شئت ثَيِّباً. قال: "فمن البكر؟" قلت: ابنة أحب خلق الله إليك: عائشة بِنْت أبي بكر. قال: "ومن الثيّب؟" قلت: سَودة بِنْت زَمَعة بن قَيْس، أمنت بك وابتعتك على ما أنت عليه. قال: "فاذهبي فاذكريهما عليّ". فجاءت فدخلت بيت أبي بكر، فوجدت أم رومان أم عائشة، فقالت: أيْ أم رومان، ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخطب عليه عائشة. قالت: ودَدتُ، انتظري أبا بكر، فإنه آت. فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له، إنما هي بِنْت أخيه. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: "ارجعي وقولي له أنت أخي في الإسلام، وابِنْتك تصلح لي". فأتت أبا بكر فقال: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فجاء فأنكحه، وهي يومئذ بِنْت ست سنين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن الثيّب؟" قالت: سودة بِنْت زمعة. قد أمنت بك وابتعتك. قال: "اذهبي فاذكريها عليّ". قالت: فخرجت فدخلت على سودة فقلت: يا سودة ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك عليه. قالت: ودَدَت، ادخلي على أبي فاذكري ذلك له قالت: وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج فدخلت عليه فقلت: إن مُحَمَّد بن عَبْد الله أرسلني أخطب عليه سودة. قال: كُفْءٌ كريمٌ، فماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها. فدعتها فقال: إن مُحَمَّد بن عَبْد الله أرسل يخطبك وهو كفءٌ كريم، أفتحبين أن أُزوجك؟ قالت: نعم. قال: فادعيه لي. فدعته فجاء فزوجها، وجاء أخوها عَبْد بن زمعة من الحج فجعل يحثو التراب على رأسه، وقال بعد أن أسلم. أني لسفيه يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة.
أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء حدثنا أبو علي الحداد وأنا حاضر أسمع، أخبرنا أحمد بن عَبْد الله الحافظ، حدثنا فاروق، حدثنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حبان التمار، حدثنا عَبْد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا سليمان بن بلال، عن أبي طوالة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "فضْلُ عائشة على النِّساء كفضل الثَّريدِ على سائر الطّعام".
أخبرنا مُحَمَّد بن سرايا بن علي العدل، والحُسَيْن بن أبي صالح بن فنَّا خسرو، وغيرهما، بإسنادهم عن مُحَمَّد بن إسماعيل: حدثنا عَبْد الله بن عَبْد الوهاب، حدثنا حماد، حدثنا هشام، عن أبيه قال: كان الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقالوا: يا أم سلمة، إن الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد من الخير كما تريد عائشة، فمري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يامر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، قالت: فأعرض عني فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له ذلك فقال: "يا أم سَلمة، لا تؤذينَني في عائشة، فإنه والله ما نزلَ عليَّ الوحيُ وأنا في لِحاف امْرَأَة منكُنَّ غيرها".
قال: وحدثنا مُحَمَّد بن إسماعيل حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً: " يا عائشُ، هذا جبريلُ يُقْرِئُكِ السّلام". فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، تَرَى ما لا أَرَى.
أخبرنا إسماعيل بن علي، وإبراهيم بن مُحَمَّد، وغيرهما، بإسنادهم عن مُحَمَّد بن عيسى قال: حدثنا عَبْد بن حميد، حدثنا عَبْد الرزاق، عن عَبْد الله بن عَمْرو بن علقَمة المكي، عن ابن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: أن جبريل جاء بصورتها في خِرقَةِ حرير خضراء إلى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: "هذه زوجتُكَ في الدُّنيا والآخرة".
قال: وحدثنا مُحَمَّد بن عيسى: حدثنا بَندَار وإبراهيم بن يعقوب قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا عَبْد العزيز بن المختار، أخبرنا خالد الحذاءُ، عن أبي عُثْمان النَّهدِي، عن عَمْرو بن العاص: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استعمله على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها".
قال: وحدثنا مُحَمَّد بن عيسى: حدثنا مُحَمَّد بن بشار، حدثنا عَبْد الرَّحْمَن بن مهدي، حدثنا سُفْيان، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن غالب: أن رجلاً نال من عائشة رضي الله عنها عند عَمَّار بن ياسر، فقال: اعزُبْ مقبوحاً منبوحاً! أتؤذي حبيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدَّثتني الصديقة بِنْت الصديق، البريئة المبرأة.
وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة من أفقه الناس وأحسن الناس رأياً في العامة.
وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلاً وعلو مجد، فإنها نزل فيها من القرآن ما يُتلى إلى يوم القيامة.
ولولا خوف التطويل لذكرنا قصة الإفك بتمامها، وهي أشهر من أن تخفى.
أخبرنا مسمار بن عُمر بن العُوَيس، وأبو الفرج مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن بن أبي العزّ، وغيرهما بإسنادهم عن مُحَمَّد بن إسماعيل: حدثنا مُحَمَّد بن بشار، حدثنا عَبْد الوهاب بن عَبْد المجيد، حدثنا ابن عون، عن القاسم بن مُحَمَّد: أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين تَقْدَمين على فرَطِ صِدْق، على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلى أبي بكر.
وروت عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم كثيراً، روى عنها عُمر بن الخطاب قال: أدنوا الخيل وانتضلوا وانتعلوا، وإياكم وأخلاق الأعاجم، وأن تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة تدخل الحمام إلا بمئزر إلا من سقم، فإن عائشة حدثتني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وهو على فراشي: "أيّما امْرَأَة مؤمنةٍ وَضَعت خِمارَها على غير بيتها، هَتَكَتِ الحجابَ بينها وبين ربِّها عَزَّ وجَلّ". وتوفيت عائشة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلاً. فدفنت وصلّى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عَبْد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن مُحَمَّد بن أبي بكر، وعَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر، وعَبْد الله بن عَبْد الرَّحْمَن بن أبي بكر. ولما توفي النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم كان عُمرها ثمان عشرة سنة.
أخرجها الثلاثة".

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-01-2013, 03:16 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي


أم المؤمنين التقية

السيدة أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان


إنها أم المؤمنين أم حبيبة "رملة بنت أبى سفيان" ذات الحسب والنسب والمكانة؛ فأبوها هو "أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية" وأمها "صفية بنت أبى العاص"، وأخوها "معاوية بن أبى سفيان" وقد تزوجها النبي فكانت سببًا للمودة بين النبي صلى الله عليه وسلم وآل أبى سفيان. وفى هذا نزل قوله تعالي(عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً) [الممتحنة: 7]. وعوضًا عن صبرها وإيمانها الكبير باللَّه تعالى.
كانت زوجة لعبيد اللَّه بن جحش، وكان قد تنصر في الجاهلية، ورفض عبادة الأصنام، فلما جاء الإسلام، أسرع هو وزوجته إلى الدخول فيه، لكنهما أمام جبروت قريش وقسوتها على الذين آمنوا، اضطرا إلى الفرار من مكة إلى الحبشة، وهناك أنجبا ابنتهما حبيبة، وبها كانت تُكنَّي، فيقال لها: أم حبيبة.
وفى الحبشة، ارتد عبيد اللَّه بن جحش عن الإسلام واعتنق النصرانية، وحاولت أم حبيبة وجميع من هاجروا إلى الحبشة إثناءه عن عزمه، فلم يفلحوا.
وتقص السيدة أم حبيبة تلك الواقعة، فتقول: رأيت في النوم عبيد اللَّه زوجي في أسوأ صورة وأشوهها، ففزعتُ وقلت: تغيرتْ واللَّه حاله، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة، إنى نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية، وكنت قد دِنتُ بها ثم دخلت في دين محمد، وقد رجعتُ. فأخبرتُهُ بالرؤيا فلم يحفل (يهتم) بها، وأكب على الخمر حتى مات.
وقد حاول عبيد اللَّه بن جحش أن يجر امرأته أم حبيبة إلى النصرانية، لكنها أبت عليه ذلك، واستمسكت بعقيدتها وظلت على دينها.. فنجاها اللَّه بصبرها على دينها، وأبدلها عن زوجها زوجًا خيرًا منه وهو رسول اللَّه.
دخلت أبرهة خادمة النجاشي ملك الحبشة عليها، وقالت: يا أم حبيبة إن الملك (تقصد النجاشي) يقول لك إن رسول اللّه كتب إليه ليزوجك منه . قالت أم حبيبة: بشَّركِ اللّه بخير يا أبرهة، خذي هذه مني هدية. وأعطتها سوارين من فضة وخلخالين.
فأرسلت أم حبيبة إلى خالد بن سعيد بن العاص ابن عمها لتوكله في أمر زواجها من رسول اللّه.
ولما دنا الليل أمر النجاشي "جعفر بن أبى طالب" ومَنْ هناك مِن المسلمين فحضروا فخطب النجاشي، فقال:
الحمد للّه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لاإله إلا اللّه وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم عليه السلام. أما بعد: فإن رسول اللّه كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان فأجابت إلى ما دعا إليه رسول اللّه وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب النجاشى الدنانير بين يدى القوم.
وتكلم "خالد بن سعيد" وقال: "الحمد للّه، أحمده وأستعينه وأستنصره، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون. أما بعد: أجبت إلى ما دعا إليـه رسـول اللّه وزوَّجتُه أم حبيبة فبارك اللّه لرسول اللّه. ثم دفع خالد الدنانير إلى أم حبيبة فقبضَتها. ثم أرادوا الخروج لكن النجاشى استوقفهم وقال: "اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يُؤْكل طعام على التزويج". ودعا بطعام فأكل الحاضرون ثم تفرقوا.
تقول أم حبيبة: فلما وصل إلى المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: يا أبرهة! إنى كنت أعطيتك ما أعطيتُ يومئذٍ ولا مال عندى بيدي. فهذه خمسون مثقالا فخذيها واستعيني بها. فأبت أبرهة، وأخرجتْ حُقّا فيه كلُّ ما كنتُ أعطيتُها فردّته علي، وقالتْ: عزم على الملك أن لا آخذ منكِ شيئًا وأن التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعتُ دين محمد رسول اللّه وأسلمت للّه -عز وجل-.
وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليكِ بكل ماعندهن من العطر. فلما كان الغد جاءتني به. فقدمت بذلك على رسول اللّه فكان يراه علي وعندي فلا ينكره. ثم قالت أبرهة: يا أم حبيبة حاجتي إليك أن تقرئي على رسول اللّه السلام منى وتُعلِميه أنى قد اتبعتُ دينه. ثم لطفت بي وكانت هي التي جَهَّزتني. وكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسى حاجتي إليك.
فلما قدمتُ على رسول اللّه أخبرته كيف كانت الخِطبة وما فعلت بي أبرهة، فتبسم وأقرأته منها السلام، فقال: "وعليها السلام ورحمة اللّه وبركاته" .
وفى ليلة الزفاف أقام عثمان بن عفان -رضى اللَّه عنه- وليمة في عرس النبي وأم حبيبة -وهي ابنة عمة عثمان : صفية بنت أبى العاص- هذه الوليمة كانت غير تلك التي أقامها النجاشي في الحبشة عند عقد النكاح.
ولما بلغ أبا سفيان بن حرب خبر زواج النبي من ابنته قال: ذلك الفحل لا يقرع أنفه (أي الرجل الصالح الذي لا يُرد نكاحه). وقد أحبت أُمُّ حبيبة رسول اللَّه حبّا شديدًا، وآثرت محبته على كل محبة أخرى، حتى ولو كانت محبتها لأبيها أو أبنائها أو إخوانها أو عشيرتها.
وكانت أم حبيبة - رضى اللَّه عنها - تحرص دائمًا على مراقبة اللَّه - عز وجل - وابتغاء مرضاته، فقد روى عن السيدة عائشة - رضى اللَّه عنها - أنها قالت: دعتنى أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يحدث بيننا ما يكون من الضرائر، فغفر اللَّه لى ولك ما كان من ذلك. فقلت: غفر الله لكِ ذلك كله وتجاوز وحلَّك من ذلك كله. فقالت: سررتِنى سركِ الله، وأرسلتْ إلى أم سلمة - رضى اللَّه عنها - فقالت لها مثل ذلك.
هذا وقد أسلم أبوها أبو سفيان في فتح مكة، وأعطى رسول الله الأمان لمن دخل داره.. ففرحت أم حبيبة بإسلام أبيها فرحة كبيرة، وامتد بأم حبيبة العمر حتى عَهْدِ أخيها معاوية بن أبى سفيان وتوفيت في سنة أربع وأربعين للهجرة فرضى اللَّه عنها وأرضاها.
وروت -رضى الله عنها- عن رسول الله خمسة وستين حديثًا، وروى عنها كثير من الصحابة والتابعين -رضى الله عنهم أجمعين-.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن أم المؤمنين أم حبيبة قوله:
" السيدة المحجبة: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
مسندها خمسة وستون حديثاً واتفق لها البخاري ومسلم على حديثين وتفرد مسلم بحديثين.
وهي من بنات عم الرسول صلى الله عليه وسلم ليس في أزواجه من هي أقرب نسباً إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها ولا من تزوج بها وهي نائبه الدار أبعد منها. عقد له صلى الله عليه وسلم بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مئة دينار وجهزها بأشياء.
روت عدة أحاديث.
حدث عنها أخواها: الخليفة معاوية وعنبسة وابن أخيها عبد الله ابن عتبة بن أبي سفيان وعروة بن الزبير وأبو صالح السمان وصفية بنت شيبة وزينب بنت أبي سلمة وشتير بن شكل وأبو المليح عامر الهذلي. وآخرون.
وقدمت دمشق زائرة أخاها.
ويقال: قبرها بدمشق وهذا لا شيء بل قبرها بالمدينة. وإنما التي بمقبرة باب الصغير: أم سلمة أسماء بنت يزيد الأنصارية.
قال ابن سعد: ولد أبو سفيان: حنظلة المقتول يوم بدر وأم حبيبة توفي عنها زوجها الذي هاجر بها إلى الحبشة: عبيد الله بن جحش بن رياب الأسدي مرتداً متنصراً.
عقد عليها للنبي صلى الله عليه وسلم بالحبشة سنة ست وكان الولي عثمان بن عفان. كذا قال.
وعن عثمان الأخنسي: أن أم حبيبة ولدت حبيبة بمكة قبل هجرة الحبشة.
وعن أبي جعفر الباقر: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة فأصدقها من عنده أربع مئة دينار.
وعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وآخر قالا: كان الذي زوجها وخطب إليه النجاشي: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. فكان لها يوم قدم بها المدينة بضع وثلاثون سنة.
معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة: أنها كانت تحت عبيد الله وأن رسول الله تزوجها بالحبشة زوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة ألاف درهم وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهازها كله من عند النجاشي.
ابن لهيعة عن الأسود عن عروة قال: أنكحه إياها بالحبشة عثمان.
ابن سعد: أخبرنا الواقدي أخبرنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورة وأشوهها ففزعت وقلت: تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد وقد رجعت فأخبرته بالرؤيا فلم يحفل بها وأكب على الخمر قالت: فأريت قائلاً يقول: يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني. وذكرت القصة بطولها وهي منكرة.
حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت" الأحزاب 33. قال: نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
إسناده صالح وسياق الآيات دال عليه.
وقيل: إن أم حبيبة لما جاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد عقد الهدنة دخل عليها فمنعته أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان الشرك.
وأما ما ورد من طلب أبي سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بأم حبيبة فما صح. ولكن الحديث في مسلم. وحمله الشارحون على التماس تجديد العقد.
وقيل: بل طلب منه أن يزوجه بابنته الأخرى واسمها عزة فوهم راوي الحديث وقال: أم حبيبة.
وقد كان لأم حبيبة حرمة وجلالة ولا سيما في دولة أخيها ولمكانه منها قيل له: خال المؤمنين.
قال الواقدي وأبو عبيد والفسوي: ماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين. وقال المفضل الغلابي: سنة اثنتين وأربعين.
وشذ أحمد بن زهير. فقال: توفيت قبل معاوية بسنة.
الواقدي: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: لما بلغ أبا سفيان نكاح النبي صلى الله عليه وسلم ابنته قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه.
الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يريد غزو مكة فكلمه في أن يزيد في الهدنة. فلم يقبل عليه. فقام فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه. فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنيه لقد أصابك بعدي شر.
قال عطاء: أخبرني ابن شوال أن أم حبيبة أخبرته: أن رسول الله أمرها أن تنفر من جمع بليل.
الواقدي: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك. فقلت: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك فقالت: سررتني سرك الله وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16-01-2013, 03:20 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي



أم المؤمنين
السيدة أم سلمة
(صاحبة الرأى والمشورة)


إنها أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبى أمامة بن المغيرة، وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بنى فراس، وكان أبوها يعرف بلقبه زاد الراكب؛ لأنه كان جوادًا، فكان إذا سافر لا يترك أحدًا يرافقه ومعه زاد إلا وحمله عنه. وكانت أم سلمة -رضى الله عنها- أكبر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
فى يوم الحديبية دخل رسول اللَّه عليها، يشكو إليها عدم إجابة المسلمين لمطلبه حين أمرهم بالنحر والحلق. فقالت - رضى اللَّه عنها - للنبى : يا رسول اللَّه! اخرج فلا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، ففعل النبي ذلك بعد أن استصوب رأى أم سلمة، عندها قام الناس فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا.
عندما علم المسلمون المهاجرون إلى الحبشة بدخول عمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب في الإسلام ازداد حنينهم لمكة وللرسول، فعادت أم سلمة وزوجها عبد اللَّه بن عبد الأسد -الصحابى الجليل وصاحب الهجرتين وابن عمة رسول اللَّه - الذي استجار بأبي طالب بن عبد المطلب فأجاره، لكن أبا طالب لم يلبث أن فارق الحياة، فاشتدت العداوة بين قريش والمسلمين، وأمر النبي أصحابه حينئذ بالهجرة إلى يثرب.
تقول أم سلمة في هذا: إنه لما أراد أبو سلمة الخروج إلى المدينة، أعد لي بعيرًا، ثم حملني عليه، وحمل معي ابنى سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره.
فلما رأته رجال بنى المغيرة، قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، عَلام نتركك تسير بها في البلاد؟! فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه عنوة. وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد - قوم أبى سلمة - فقالوا: لا واللَّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق بنو أسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة فَفُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما زلت أبكى حتى مضت سنة أو نحوها.
فَمَرَّ بى رجل من بني عمي - أحد بنى المغيرة - فَرأى ما بي، فرحمني. فقال لبنى المغيرة: ألا تُخْرِجون هذه المسكينة؟! فَرَّقْتُم بينها وبين زوجها وبين ابنها. ومازال بهم حتى قالوا: الحقي بزوجك إن شئت. وردّ على بنو عبد الأسد عند ذلك ابني، فرحلت ببعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق اللَّه.

حتى إذا كنت بالتنعيم - مكان على فرسخين من مكة - لقيت عثمان بن طلحة، فقال: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ قلت: أريد زوجى بالمدينة. فقال: هل معك أحد؟ فقلت: لا واللَّه، إلا الله وابني هذا. فقال: واللَّه مالك من مَتْرَك. وأخذ بخطام البعير فانطلق معي يقودني، فواللَّه ما صحبت رجلا من العرب أراه كان أكرم منه ؛ إذا نزل المنزل أناخ بي ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه ورحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي.
فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بى المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء - وكان بها منزل أبى سلمة في مهاجره - قال: إن زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة اللَّه. ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
فكانت أم سلمة بذلك أول ظعينة مهاجرة دخلت المدينة، كما كان زوجها أبو سلمة أول من هاجر إلى يثرب من أصحاب النبي، كما كانا أولَ مهاجِرَيْنِ إلى الحبشة.
وفى المدينة عكفت أم سلمة - رضى اللَّه عنها - على تربية أولادها الصغار ؛ سلمة وعمر وزينب ودرة. وجاهد زوجها في سبيل اللَّه، فشهد مع النبي بدرًا وأحدًا، واستعمله على المدينة إبّان غزوة العشيرة ؛ نظرًا لإخلاصه وحسن بلائه، وجعله أميرًا -مرة- على سرية، وكان معه مائة وخمسون رجلا منهم "أبو عبيدة بن الجراح"؛ وذلك عندما بلغ النبي أن بني أسد يُعِدُّون لمهاجمته في المدينة. فعاد أبو سلمة مظفرًا، لكن جرحه الذي أصيب به يوم أحد انتكأ بصورة شديدة أودت بحياته، فمات شهيدًا.
فقالت له أم سلمة يومًا: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تتزوج بعده، إلا جمع اللَّه بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقى الرجل بعدها.. فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي، وألا أتزوج بعدك. قال: فـإذا مت فتزوجي، ثم قال: اللهمَّ ارزق "أم سلمة" بعدي رجلا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها. فلما انتهت عدتها من وفاة زوجها -رضى اللَّه عنه- تقدم أبو بكر، ثم عمر -رضى اللَّه عنهما- ليخطباها ولكنها ردتهما ردًّا جميلاً.
وكان رسول اللَّه يواسيها ويخفف عنها لما توفى زوجها، ويقول لها: "قولي: اللهم اغفر لنا وله، وأعقبني منه عقبى صالحة".
ومرت الأيام، وأراد رسول اللَّه أن يتزوجها، فأرسل حاطبَ بن أبى بلتعة يخطِبها له. فقالت السيدة أم سلمة: مرحبًا برسول اللَّه وبرسله، أخبر رسول اللَّه أنى امرأة غَيْرَى شديدة الغيرة، وأنى مُصْبِيَة عندي صبيان، وأنه ليس أحد من أوليائي شاهدًا. فبعث إليها رسول اللَّه يقول: "أما قولك: إنك امرأة مصبية، فالله يكفيك صبيانك وفى رواية: أما أيتامك فعلى اللَّه ورسوله، وأما قولك: إنك غَيْري، فسأدعو اللَّه أن يذهب غيرتك، وأمـا الأوليـاء، فليـس منهم شاهـد ولا غائـب إلا سيرضى بي" .
فلما وصلها جواب رسول اللَّه فرحت به، ووافقت على الزواج منه؛ فتزوجها ونزلت أم سلمة من نفس النبي منزلا حسنًا؛ فكان إذا صلى العصر دخل على أزواجه مبتدئًا بأم سلمة ومنتهيًا بعائشة؛ رضي اللَّه عنهن أجمعين.
وقد شهدت أم سلمة -رضى الله عنها- مع رسول الله فتح خيبر، وفتح مكة وصحبته في حصار الطائف، وفى غزوة هوازن وثقيف، وكانت معه في حجة الوداع.
وظلت السيدة أم سلمة تنعم بالعيش مع رسول الله حتى لحق بالرفيق الأعلى.
وتعد السيدة أم سلمة - رضوان اللَّه عليها - من فقهاء الصحابة.
رُوِى عنها 387 حديثًا، وأُخرج لها منها في الصحيحين 29 حديثًا، والمتفق عليه منها 13 حديثًا، وقد روى عنها الكثيرون.
وامتد عمرها فكانت آخر من تُوُفِّى من نساء النبي ، وكان ذلك في شهر ذى القعدة سنة 59 للهجرة، وقد تجاوزت الثمانين عامًا.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها:
" السيدة المحجبة الطاهرة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة المخزومية بنت عم خالد بن الوليد سيف الله وبنت عم أبي جهل بن هشام.
من المهاجرات الأول. كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أخيه من الرضاعة: أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي الرجل الصالح.
دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنة أربع من الهجرة وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً.
وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين. عمرت حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد فوجمت لذلك وغشي عليها وحزنت عليه كثيراً لم تلبث بعده إلا يسيراً وانتقلت إلى الله.
ولها أولاد صحابيون: عمر وسلمة وزينب ولها جملة أحاديث.
روى عنها: سعيد بن المسيب وشقيق بن سلمة والأسود بن يزيد والشعبي وأبو صالح السمان ومجاهد ونافع بن جبير بن مطعم ونافع مولاها ونافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح وشهر ابن حوشب وابن أبي مليكة وخلق كثير.
عاشت نحواً من تسعين سنة.
وأبوها: هو زاد الراكب أحد الأجواد قيل اسمه حذيفة.
وقد وهم من سماها: رملة تلك أم حبيبة.
وكانت تعد من فقهاء الصحابيات.
عن الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان عن عبد الملك بن عبيد عن سعيد ابن يربوع عن عمر بن أبي سلمة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي إلى أبي قطن في المحرم سنة أربع فغاب تسعاً وعشرين ليلة ثم رجع في صفر وجرحه الذي أصابه يوم أحد منتقض فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة وحلت أمي في شوال وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى أن قال: وتوفيت سنة تسع وخمسين في ذي القعدة.
عن ابن سعد: أخبرنا أحمد بن إسحاق الحضرمي: حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم الأحول عن زياد بن أبي مريم قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تزوج إلا جمع الله بينهما في الجنة. فتعال أعاهدك ألا تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك. قال: أتطيعينني؟ قالت: نعم. قال: إذا مت تزوجي. اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يحزنها ولا يؤذيها. فلما مات قلت: من خير من أبي سلمة فما لبثت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على الباب فذكر الخطبة إلى ابن أخيها أو ابنها. فقالت: أرد على رسول الله أو أتقدم عليه بعيالي. ثم جاء الغد فخطب.
عن عفان: حدثنا حماد حدثنا ثابت: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن أم سلمة لما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته ثم عمر فردته فبعث إليها رسول الله فقالت: مرحباً أخبر رسول الله أني غيرى وأني مصبية وليس أحد من أوليائي شاهداً. فبعث إليها: "أما قولك: إني مصبية فإن الله سيكفيك صبيانك. وأما قولك: إني غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك وأما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي".
قالت: يا عمر قم فزوج رسول الله.
وقال رسول الله: "أما أني لا أنقصك مما أعطيت فلانة....". الحديث.
عبد الله بن نمير: حدثنا أبو حيان التيمي عن حبيب بن أبي ثابت قال: قالت أم سلمة: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني وبيننا حجاب فخطبني فقلت: وما تريد إلي؟ ما أقول هذا إلا رغبة لك عن نفسي إني امرأة قد أدبر من سني وإني أم أيتام وأنا شديدة الغيرة وأنت يا رسول الله تجمع النساء.
قال: "أما الغيرة فيذهبها الله. وأما السن فأنا أكبر منك. وأما أيتامك فعلى الله وعلى رسوله". فأذنت فتزوجني.
أبو نعيم: حدثنا عبد الواحد بن أيمن: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة. فقالت: في خصال ثلاث: كبيرة ومطفل وغيور... الحديث.
وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخلت أيم العرب على سيد المسلمين أول العشاء عروساً وقامت آخر الليل تطحن يعني: أم سلمة.
عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما بنى رسول الله بأم سلمة قال: "ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وسبعت عندهن يعني نساءه وإن شئت ثلاثاً ودرت؟ قالت: ثلاثاً.
عن روح بن عبادة: حدثنا ابن جريج أخبرني حبيب بن أبي ثابت: أن عبد الحميد بن عبد الله و القاسم بن محمد حدثاه: أنهما سمعا أبا بكر ابن عبد الرحمن يخبر أن أم سلمة أخبرته: أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم: أنها بنت أبي أمية فكذبوها حتى أنشأ ناس منهم الحج فقالوا: أتكتبين إلى أهلك فكتبت معهم فرجعوا فصدقوها وازدادت عليهم كرامة.
قالت: فلما وضعت زينب جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبني فقلت: ما مثلي ينكح.
قال: فتزوجها فجعل يأتيها فيقول: أين زناب حتى جاء عمار فاختلجها وقال: هذه تمنع رسول الله. وكانت ترضعها.
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أين زناب" فقيل: أخذها عمار. فقال: "إني آتيكم الليلة".
قالت: فوضعت ثفالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرتي وأخرجت شحماً فعصدته له ثم بات ثم أصبح فقال: "إن بك على أهلك كرامة إن شئت سبعت لك؟ وإن أسبع لك أسبع لنسائي".
قال مصعب الزبيري: هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة فشهد أبو سلمة بدراً وولدت له عمر وسلمة وزينب ودرة.
أبو أسامة عن الأعمش عن شقيق عن أم سلمة قالت: لما توفي أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: كيف أقول؟ قال: "قولي اللهم اغفر لنا ذنوبنا وأعقبني منه عقبى صالحة". فقلتها فأعقبني الله محمداً صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم في صحيحه. أن عبد الله بن صفوان دخل على أم سلمة في خلافة يزيد.
وروى إسماعيل بن نشيط عن شهر قال: أتيت أم سلمة أعزيها بالحسين.
ومن فضل أمهات المؤمنين قوله تعالى: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن" إلى قوله: "وأقمن الصلاة وآتين الزكاة. وأطعن الله ورسوله. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة". الأحزاب 32، 34.
فهذه آيات شريفة في زوجات نبينا صلى الله عليه وسلم.
قال زيد بن الحباب: حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت". قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال عكرمة: من شاء باهلته إنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
عن إسحاق السلولي: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة: أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة.

روى عطاء بن السائب عن محارب بن دثار: أن أم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد أحد العشرة.
وهذا منقطع. وقد كان سعيد توفي قبلها بأعوام فلعلها أوصت في وقت ثم عوفيت وتقدمها وهو.
وروى أن أبا هريرة صلى عليها ولم يثبت وقد مات قبلها.
ودفنت بالبقيع. قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر: أخبرنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حزناً شديداً لما ذكروا لنا من جمالها فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن فذكرت ذلك لحفصة وكانتا يداً واحدة فقالت: لا والله إن هذه إلا الغيرة ما هي كما تقولين وإنها لجميلة فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة ولكني كنت غيرى.
عن مسلم الزنجي عن موسى بن عقبة عن أمه عن أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها: "إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة وإني أراه قد مات ولا أرى الهدية إلا سترد فإن ردت فهي لك. قالت: فكان كما قال فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية وأعطى سائره أم سلمة والحلة".
القعنبي: حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن هشام به عروة عن أبيه: أن رسول الله أمر أم سلمة أن تصلي الصبح بمكة يوم النحر وكان يومها فأحب أن توافيه.
الواقدي عن ابن جريج عن نافع قال: صلى أبو هريرة على أم سلمة.
قلت: الواقدي ليس بمعتمد والله أعلم ولا سيما وقد خولف.
وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن صفوان دخل على أم سلمة في خلافة يزيد.
وبعضهم أرخ موتها في سنة تسع وخمسين فوهم أيضاً والظاهر وفاتها في سنة إحدى وستين رضي الله عنها.
وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم حين حلت في شوال سنة أربع.
ويبلغ مسندها ثلاث مئة وثمانية وسبعين حديثاً.
واتفق البخاري ومسلم لها على ثلاثة عشر. وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثلاثة عشر".
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16-01-2013, 03:24 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي



أم المؤمنين

السيدة جويرية بنت الحارث

عاتقة المائة


اختارتْ جوار اللَّه ورسوله، وفضلتْ الإسلام على اليهودية، فيروى أنه لما جاء أبوها الحارث بن أبى ضرار -سيد يهود "بنى المصطلق" وزعيمهم- إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( يقول: إن ابنتى لا يُسبَى مثلها، فأنا أَكْرَم من ذلك. قال له النبي: "أرأيت إن خيَّرْناها؟" فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك، فلا تفضحينا. فقالت: فإنى قد اخترتُ اللَّه ورسوله. قال: "قد واللَّه فضحتِنا" [ابن سعد]. ثم أقبل أبوها في اليوم التالى ومعه فداؤها فلما كان بالعقيق (وادٍ قرب المدينة) نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها طمعًا فيهما، فغيبهما في شِعْب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي يقول: يا محمد، أصبتم ابنتى وهذا فداؤها.
فقال رسول اللَّه: "فأين البعيران اللذان غَـيَّـبْتَ (خَبَّأْتَ) بالعقيق في شِعْبِ كذا وكذا؟".
قال الحارث: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فواللَّه ما أطلعكَ على ذلك إلا اللَّه. فأسلم، وأسلم ابنان له، وكثير من قومه، وأرسل بمن جاء بالبعيرين، ودفع بالإبل جميعًا إلى النبي. فكانت -رضى الله عنها- سببًا في إسلام أهلها، ونالت بذلك ثواب هدايتهم، إنها أم المؤمنين السيدة جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار.
تقول جويرية -رضى الله عنها-: قال لى أبى وهو يبرر هزيمته أمام جيش رسول الله: "أتانا ما لا قبل لنا به". فلما أسلمتُ وتزوجنى رسول الله (، ورجعنا إلى المدينة جعلت أنظر إلى المسلمين، فرأيتهم ليسوا كما سمعتُ.فعلمتُ أنه رعب من اللَّه يلقيه في قلوب المشركين.
اشتُهِرتْ جويرية بكثرة عبادتها وقنوتها للَّه، فقد خرج النبي من عندها بكرة حين صلى الصبح وهى في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهى جالسة، فقال: "مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟" قالت: نعم. قال النبي ( لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" [مسلم]. فكانت -رضى الله عنها- كثيرًا تردُّدها.

وقد كانت جويرية قبل أن تتزوج النبي متزوجة من رجل مشرك، هو ابن عمها مسامح بن صفوان، وقد قُتل في غزوة بنى المصطلق في السنة السادسة للهجرة، حين خرج النبي لقتال يهود بنى المصطلق لما بلغه استعدادهم لقتال المسلمين بقيادة زعيمهم الحارث بن أبى ضرار، فقاتلهم، فنصر اللَّه رسوله وهزم الكفار وأُخِذت نساؤهم سبايا، ومنهن: جويرية وكان اسمها قبل أن يتزوجها النبي "بَرّة" فغيره النبي إلى "جويرية"؛ لأنه كره أن يقال: خرج النبي من عند برة. تقول عائشة -رضى اللَّه عنها-: إنه لما أصاب رسول اللَّه نساء بنى المصطلق، فوقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، الذي عرض عليها أمر افتدائها بمقدار تسع أواق من الذهب، وهو واثق من أنها قادرة على دفعها له؛ لأنها بنت سيد بنى المصطلق ومن أغنياء اليهود. فكاتبتْه بهذا المبلغ؛ حتى يطلق سراحها، ولكنه أبَى إلا أن يتسلم أولا الفداء.
ولما كانت جويرية سبية ليس معها ما تفدى به نفسها -توجهت إلى رسول اللَّه ، وهو يومئذٍ عندى تسأله في كتابتها، ولما أذن لها الرسول بالدخول - قالت: يا رسول اللَّه، أنا برة بنت الحارث - سيّد قومه - وقد أصابنى من الأمر ما قد علمتَ، فأعِنِّى في كتابتي. فقال لها : "أولكِ خير من ذلك؟" فقالت: ماهو؟ فقال: "أؤدى عنك كتابك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول اللَّه. فقال: "قد فعلتُ". فخرج الخبر إلى الناس. فقالوا: أأصهار رسول الَّله يُسترقُّون؟ فأعتقوا ما كان في أيديهم من نساء بنى المصطلق، فبلغ عِتْقُهم مائةَ أهل بيت بزواجه إياها، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها [ابن إسحاق]. وكانت السيدة جويرية -رضى الله عنها- في العشرين من عمرها حين تزوجها النبي.
وعاشت جويرية في بيت النبي ، وامتّد عمرها حتى عهد معاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه-.
وتوفيت -رضى الله عنها- عام 56 للهجرة، وصلَّى عليها مَرْوان بن الحكم- أمير المدينة، وقد بلغت سبعين سنة، وقيل توفيت سنة 50 للهجرة وعمرها 65 سنة.
وقد روت -رضى الله عنها- بعضًا من أحاديث النبي.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
"جويرية بِنْت الحَارِث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائد بن مالك بن جذيمة وهو المصطلق بن سعد بن عَمْرو بن ربيعة بن حارثة بن عَمْرو مزيقيا، وعَمْرو هو أبو خزاعة كلها،الخزاعية المصطلقية.
سباها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، سنة خمس، وقيل: سنة ست، وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، فوقعت في سهم ثابت بن قَيْس بن شماس أو ابن عم له. أخبرنا أبو جعفر عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني مُحَمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عرْوَة بن الزبير، عن عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بِنْت الحَارِث في السهم لثابت بن قَيْس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت امْرَأَة حلوةً ملاّحةً، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه. فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهتها، وقلت: يرى منها ما قد رأيت! فلما دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت: يا رسول الله، أنا جويرية بِنْت الحَارِث،سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، وقد كاتبت على نفسي، فأعنّي على كتابتي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "أو خَيْرٌ من ذلك، أؤدِي عنك كتابكِ وأتزوّجك؟" فقالت: نعم: ففعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبلّغ الناس أنه قد تزوجها، فقالوا: أصهار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أُعتق بها مائة أهلُ بيت من بني المصطلق، فما أعلم امْرَأَة، أعظمَ بركة منها على قومها.
ولما تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حَجَبها، وقسم لها، وكان اسمها بَرّة فسماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جويرية. رواه شعبة، ومسعر، وابن عيينة، عن مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن مولى آل طلحة. عن كُرَيْب مولى ابن عباس، عن ابن عباس. وروى إسرائيل، عن مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن، عن كريب، عن ابن عباس قال: كان اسم ميمونة بَرَّة فسماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ميمونة، قاله أبو عُمر.
روت جويرية عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، روى عنها ابن عباس، وجابر، وابن عُمر، وعُبَيْد بن السبّاق، وغيرهم.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن ابن إسحاق قال: ثم تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زينب بِنْت جحش جويرية بِنْت الحَارِث، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له: ابن ذي الشفر، فمات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يصب منها ولداً.
أخبرنا إبراهيم بن مُحَمَّد وغيره بإسنادهم عن أبي عيسى: حدثنا مُحَمَّد بن بشار، حدثنا مُحَمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن قال: سمعت كُريباً يحدث عن ابن عباس، عن جويرية بِنْت الحَارِث: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم مر عليها وهي في مسجدها، ثم مر عليها قريباً من نصف النهار فقال لها: "ما زلتِ على حالِك" ! قالت: نعم. قال: "ألا أعلمك كلمات تقولينها: سبحان الله رضى نفسه سبحان الله عدد خلقه سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته".
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-01-2013, 03:27 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين

السيدة حفصة بنت عمر



صاحبة سر رسول الله


لما فرغ زيد بن ثابت -رضى اللَّه عنه- من جمع القرآن بأمر من أبي بكر الصديق- رضى اللَّه عنه-، كانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبى بكر، حتى توفاه اللَّه، ثم عند عمر حتى توفاه اللَّه، ثم عند حفصة بنت عمر -رضى اللَّه عنها - ثم أخذها عثمان - رضى اللَّه عنه- فنسخها، ثم ردها إليها فكانت في حوزتها إلى أن ماتت.

وُلدت السيدة حفصة قبل بعثة النبي بخمس سنين، في بيت شريف كريم، فأبوها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- وأمها السيدة زينب بنت مظعون بن حبيب.

أسلمتْ حفصة مبكرًا هي وزوجها خُنيس بن حذافة السهمى القرشي، وهاجرت معه إلى الحبشة فرارًا بدينهما، ثم إلى المدينة بعد أن بدأت الدعوة في الانتشار، وشهد زوجها بدرًا، ومات في غزوة أحد بعد جرح أصابه، وترك حفصة شابة لم تتجاوز عامها الحادي والعشرين . وبعد أن انقضت عدتها ذكرها عمر عند عثمان بن عفان، ثم أبى بكر، فلم يردا عليه بالقبول، فجاء عمر إلى النبي يشكو إليه إعراض أبى بكر وعثمان عن ابنته حفصة، فقال: "يتزوج حفصةَ من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمانُ من هي خيرٌ من حفصة" . ثم خطبها الرسول من عمر، فتزوجها فلقى أبوبكر عمر بن الخطاب، فقال له: لا تجد (لا تغضب) علي في نفسك ؛ فإن رسول اللَّه كان قد ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول اللَّه، ولو تركها لتزوجتها.

وبنى بها النبي في شعبان من السنة الثالثة للهجرة، وكان زواج النبي من حفصة؛ إكرامًا لها ولأبيها وحُبّا فيهما، وذات يوم قالت امرأة عمر له: عجبًا يا بن الخطاب ! ما تريد إلا أن تجادل وابنتك تجادل رسول اللَّه حتى يظل يومه غضبان، فذهب عمر ابن الخطاب من فوره إلى حفصة غضبان يقول لها: يا بنيتي إنى أحذرك عقوبة اللَّه وغضب رسوله. كانت السيدة حفصة -رضى اللَّه عنها- عابدة خاشعة، تقوم الليل، وتصوم النهار، لذا كرمها اللَّه تعالى بفضله وجعلها من نساء النبي في الجنة.

وشهدت حفصة-رضى اللَّه عنها- انتصارات الإسلام واتساع دولته، وروت 60 حديثًا عن رسول الله.

توفيت حين بويع الحسن بن علي -رضى اللَّه عنهما- وذلك في جمادى الأولى سنة 41 للهجرة، وقيل توفيت سنة 45هـ.

ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن حفصة أم المؤمنين قوله:

" الستر الرفيع بنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها من خنيس بن حذافة السهمي أحد المهاجرين في سنة ثلاث من الهجرة.

قالت عائشة: هي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي أن مولدها كان قبل المبعث بخمس سنين. فعلى هذا يكون دخول النبي صلى الله عليه وسلم بها ولها نحو من عشرين سنة.

روت عنه عدة أحاديث.

روى عنها: أخوها ابن عمر وهي أسن منه بست سنين وحارثة بن وهب وشتير بن شكل والمطلب بن أبي وداعة وعبد الله بن صفوان الجمحي وطائفة.

وكانت لما تأيمت عرضها أبوها على أبي بكر فلم يجبه بشيء وعرضها على عثمان فقال: بدا لي ألا أتزوج اليوم. فوجد عليهما وانكسر وشكا حاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة". ثم خطبها فزوجه عمر.

وزوج رسول الله عثمان بابنته رقية بعد وفاة أختها.

ولما أن زوجها عمر لقيه أبو بكر فاعتذر وقال: لا تجد علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سره ولو تركها لتزوجتها. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام له بذلك وقال: "إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة".

إسناده صالح. يرويه موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة ابن عامر الجهني.

وحفصة وعائشة هما اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما. وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل". الآية التحريم 4.

عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته فنزل جبريل من الغد وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر رضي الله عنهما.

توفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة.

وقيل: توفيت سنة خمس وأربعين بالمدينة وصلى عليها والي المدينة مروان. قاله الواقدي عن معمر عن الزهري عن سالم.

ومسندها في كتاب بقي بن مخلد ستون حديثاً.

اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث وانفرد مسلم بستة أحاديث.

ويروى عن عمر أن حفصة ولدت إذ قريش تبني البيت.

وقيل: بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة ثلاث.

قال الواقدي: حدثني علي بن مسلم عن أبيه: رأيت مروان فيمن حمل سرير حفصة وحملها أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها.

عن حماد بن سلمة: أخبرنا أبو عمران الجوني عن قيس بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فدخل عليها خالاها: قدامة وعثمان فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة".

وروى نحوه من كلام جبريل الحسن بن أبي جعفر عن ثابت عن أنس مرفوعاً".
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16-01-2013, 03:30 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي



أم المؤمنين
السيدة زينب بنت جحش


السيدة زينب بنت جحش امرأة من علية نساء قريش، هذب الإسلام نفسها، وأضاء قلبها بنوره وضيائه، واكسبها التقوى والخلق الكريم، فأصبحت درة من الدرر المكنونة نادرة الوجود، وتعتبر سيدة من سيدات نساء الدنيا في الورع والتقوى والجود والتصدق، وقد غدت أما من أمهات المؤمنين بزواجها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومما زادها شرفا وتقديرا وذكرا عند المؤرخين على طول الدهر ذكر قصة زواجها في القرآن الكريم، وبسببها أنزلت آية الحجاب، فرفعت مكانتها وعلت منزلتها في محارب العبادة، وكانت أواهة حليمة ، تصوم النهار وتقوم الليل، وكانت سخية اليد، تجود بكل ما لديها دون أن تبخل أو تتوانى في تقديم العون للفقراء والمحتاجين حتى غدت مثالا عظيما في الكرم والجود والخلق الكريم ، وقد لقبت بألقاب عديدة منها: أم المساكين، ومفزع الأيتام، وملجأ الأرامل، فهي امرأة سباقة إلى فعل الخيرات، ولها سيرة ندية عطرة في تاريخنا الإسلامي ، وبهذا تعتبر السيدة زينب {رضي الله عنها} قدوة عظيمة لكل مسلمة تحتذي بأخلاقها وخصالها النبيلة، وتقتفى أثرها، ويهتدي بهديها، ليكون ذلك سببا لها في الفوز برضا الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم.
زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر بن مرة بن كثير بن غنم بن دوران بن أسد بن خزيمة، وتكنى بأم الحكم. من أخوالها حمزة بن عبد المطلب {رضي الله عنه} الملقب بأسد الله وسيد الشهداء في غزوة أحد، والعباس بن عبد المطلب الذي اشتهر ببذل المال وإعطائه في النوائب، وخالتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية، أم حواري النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام الأسدي . ولها إخوان هما عبد الله بن جحش الأسدي صاحب أول راية عقدت في الإسلام وأحد الشهداء، والآخر أبو أحمد واسمه عبد بن جحش الأعمى، وهو أحد السابقين الأولين ومن المهاجرين إلى المدينة، ولها أختان إحداهما أميمة بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأخرى هي حمنة بنت جحش من السابقات إلى الإسلام .
ولدت السيدة زينب {رضي الله عنها} في مكة المكرمة قبل الهجرة بأكثر من ثلاثين سنة"، وقيل أنها "ولدت قبل الهجرة بسبع عشرة سنة". وقد نشأت السيدة زينب بنت جحش في بيت شرف ونسب وحسب، وهي متمسكة بنسبها، ومعتزة بشرف أسرتها، وكثيرا ما كانت تفتخر بأصلها، وقد قالت مرة : "أنا سيدة أبناء عبد شمس".
كانت زينب بنت جحش من اللواتي أسرعن في الدخول في الإسلام، وقد كانت تحمل قلبا نقيا مخلصا لله ورسوله، فأخلصت في إسلامها، وقد تحملت أذى قريش و عذابها، إلى أن هاجرت إلى المدينة المنورة مع إخوانها المهاجرين، وقد أكرمهم الأنصار وقاسموهم منازلهم وناصفوهم أموالهم وديارهم .
تميزت أم المؤمنين زينب بمكانة عالية وعظيمة، وخاصة بعد أن غدت زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم وأما للمؤمنين. كانت سيدة صالحة صوامة قوامة، تتصدق بكل ما تجود بها يدها على الفقراء والمحتاجين والمساكين، وكانت تصنع وتدبغ وتخرز وتبيع ما تصنعه وتتصدق به ، وهي امرأة مؤمنة تقية أمينة تصل الرحم .
عن عائشة {رضي الله عنها} قالت: "كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيت امرأة خيرا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة {رضي الله عنها}."
كانت السيدة زينب {رضي الله عنها} من النساء اللواتي حفظن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ورويت عنها، وقد روت أحد عشر حديثا، واتفق الإمامان البخاري ومسلم لها على حديثين منها. لقد روى عنها العديد من الصحابة، منهم: ابن أخيها محمد بن عبدالله بن جحش، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومذكور مولاها. وروى عنها أيضا الكثير من الصحابيات منهن: "زينب بنت أبي سلمة وأمها أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان المعروفة بأم حبيبة {رضي الله عنها} ، وأيضا كلثوم بنت المصطلق.

جاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن السيدة زينب أم المؤمنين:

" بنت جحش بن رياب وابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمها: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم وهي أخت حمنة وأبي أحمد. من المهاجرات الأول.
وكانت عند زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم. وهي التي يقول الله فيها: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله. وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها". الأحزاب 37.
فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد. فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق عرشه.
وفي رواية البخاري: كانت تقول: إن الله انكحني في السماء.
وكانت من سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً رضي الله عنها.
وحديثها في الكتب الستة.
روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش وأم المؤمنين أم حبيبة وزينب أبي سلمة وأرسل عنها القاسم بن محمد.
توفيت في سنة عشرين وصلى عليها عمر.
عن محمد بن عمرو: حدثنا يزيد بن خصيفة عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع قالت: أرسل عمر إلى زينب بعطائها فقالت: غفر الله لعمر غيري كان أقوى على قسم هذا. قالوا: كله لك. قالت: سبحان الله واستترت منه بثوب وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً وأخذت تفرقه في رحمها وأيتامها وأعطتني ما بقي فوجدناه خمسة وثمانين درهماً ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا.
عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: لما ماتت بنت جحش أمر عمر منادياً ألا يخرج معها إلا ذو محرم. فقالت بنت عميس: يا أمير المؤمنين ألا أريك شيئاً رأيت الحبشة تصنعه بنسائهم فجعلت نعشاً وغشته ثوباً. فقال: ما أحسن هذا وأستره.
فأمر منادياً فنادى: أن اخرجوا على أمكم.
رواه عارم: حدثنا حماد حدثنا أيوب.
وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً". وإنما عنى طول يدها بالمعروف.
قالت عائشة: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً. وكانت زينب تعمل وتتصدق والحديث مخرج في مسلم.
وروي عن عائشة قالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت امرأة خيراً في الدين من زينب أتقى لله وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة. رضي الله عنها.
وعن عمر: أنه قسم لأمهات المؤمنين في العام اثني عشر ألف درهم لكل واحدة إلا جويرية وصفية فقرر لكل واحدة نصف ذلك. قاله الزهري. ابن جريج عن عطاء سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. قال: بل شربت عسلاً عند زينب ولن أعود له. فنزل: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". التحريم 1. إلى قوله: "إن تتوبا" يعني: حفصة وعائشة "وإذ أسر النبي": قوله: بل شربت عسلاً.
وعن الأعرج قال: أطعم رسول الله زينب بنت جحش بخيبر مئة وسق.
ويروى عن عمرة عن عائشة قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف إن الله زوجها ونطق به القرآن وإن رسول الله قال لنا: "أسرعكن بي لحوقاً أطولكن باعاً". فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة.
قلت: وأختها هي حمنة بنت جحش التي نالت من عائشة في قصة الإفك فطفقت تحامي عن أختها زينب. وأما زينب فعصمها الله بورعها.
وكانت حمنة زوجة عبد الرحمن بن عوف ولها هجرة.

وقيل: بل كانت تحت مصعب بن عمير فقتل عنها فتزوجها طلحة فولدت له محمداً وعمران.
وهي التي كانت تستحاض وكانت أختها أم حبيبة تستحاض أيضاً.
وأمهن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أميمة. قال السهيلي فيها: أم حبيب والأول أكثر وقال شيخنا الدمياطي أم حبيب واسمها حبيبة.
وأما ابن عساكر فعنده: أن أم حبيبة هي حمنة المستحاضة.
وقال ابن عبد البر: بنات جحش: زينب وحمنة وأم حبيبة كن يستحضن.
وقال السهيلي: كانت حمنة تحت مصعب وكانت أم حبيب تحت عبد الرحمن بن عوف. وفي الموطأ وهم وهو أن زينب كانت تحت عبد الرحمن فقيل: هما زينبان.
عن إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه: "يتبعني أطولكن يداً فكنا إذا اجتمعنا بعده نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعله حتى توفيت زينب وكانت امرأة قصيرة لم تكن رحمها الله أطولنا فعرفنا أنما أراد الصدقة.
وكانت صناع اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدق.
عن الواقدي: أخبرنا عبد الله بن عمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم: قالت زينب بنت جحش حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني فإن بعث لي عمر بكفن فتصدقوا بأحدهما وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بحقوتي فافعلوا.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بزينب في ذي القعدة سنة خمس وهي يومئذ بنت خمس وعشرين سنة. وكانت صالحة صوامة قوامة بارة ويقال لها: أم المساكين.
عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس: أن رسول الله قال لزيد: "اذكرها علي" قال: فانطلقت فقلت لها: يا زينب أبشري فإن رسول الله أرسل يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن.
عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن عبد الله بن شداد أن رسول الله قال لعمر: "إن زينب بنت جحش أواهة". قيل: يا رسول الله ما الأواهة؟ قال: "الخاشعة المتضرعة". و "إن إبراهيم لحليم أواه منيب" هود: 75.
ولزينب أحد عشر حديثاً اتفقا لها على حديثين.
وعن عثمان بن عبد الله الجحشي قال: باعوا منزل زينب بنت جحش من الوليد بخمسين ألف درهم حين هدم المسجد".
وورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" زينب بِنْت جحش، زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، أخت عَبْد الله بن جحش. وهي أسدية من أسد بني خزيمة، وأمها بِنْت عَبْد المُطَّلِب، عمة النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقد تقدم نسبها عند ذكر أخيها، وتكنى أم الحكم.
وكانت قديمة الإسلام، ومن المهاجرات وكانت قد تزوجها زيد بن حارثة، مولى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، تزوجها ليعلمها كتاب الله وسنة رسوله، ثم إن الله تعالى زوجها النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم من السماء، وأنزل الله تعالى: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليكَ زوجكَ واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها".. الأحزاب 37 الآية. فتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سنة ثلاث من الهجرة، قاله أبو عُبَيْدة. وقال قتادة سنة خمس. وقال ابن إسحاق: تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أم سلمة.
أخبرنا عَبْد الوهاب بن هبة الله، أخبرنا أبو غالب بن البناء، أخبرنا أبو مُحَمَّد الجوهري، أخبرنا أبو بكر القطيعي، أخبرنا مُحَمَّد بن يونس، حدثنا حَبّان بن هلال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب بِنْت جحش قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرني لها". قال زيد: فلما قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك، عظمَتْ في عيني، فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب، بعث بي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكرك؟ فقالت: ما كنت لأُحدث شيئاً حتى أُؤامرَ ربي عَزَّ وجَلّ. فقامت إلى مسجدها، وأنزل الله تعالى هذه الآية: "فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها" فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل عليها بغير إذن.
أخبرنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن علي بن سُويدة بإسناده عن علي بن أحمد قال: أخبرنا أبو عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن عَبْد العزيز الفقيه، حدثنا مُحَمَّد بن الفضل بن مُحَمَّد السلمي، أخبرنا أبي حدثنا أبو أحمد مُحَمَّد بن عَبْد الوهاب، حدثنا الحُسَيْن بن الوليد، عن عيسى بن طهمان، عن أنس بن مالك قال: كانت زينب بِنْت جحش تفخر على نساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وتقول زوجني الله من السماء. وأولم عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخبز ولحم.
وكانت زينب كثيرة الخير والصدقة، ولما دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان اسمها برّة فسماها زينب. وتكلم المنافقون في ذلك وقالوا: أن مُحَمَّداً يحرّم نكاح نساء الأولاد، وقد تزوج امْرَأَة ابنه زيد، لأنه كان يقال له زيد بن مُحَمَّد، قال الله تعالى: "ما كان مُحَمَّد أبا أحدِ من رجالكم" وقال: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله". فكان يدعى زيد بن حارثة. وهجرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وغضب عليها لما قالت لصفية بِنْت حُيي: تلك اليهودية فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر، وعاد إلى ما كان عليه. وقيل: إن التي قالت لها ذلك حفصة. وقالت عائشة: لم يكن أحد من نساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم تساميني في حسن المنزلة عنده إلا زينب بِنْت جحش: وكانت تفخر على نساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وتقول: إن آباءكن أنكحونكن وإن الله أنكحني إياه.
وبسببها أنزل الحجاب. وكانت امْرَأَة صناع اليد، تعمل بيدها، وتتصدق به في سبيل الله.
أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن الفقيه بإسناده إلى أبي يَعْلَى: حدثنا هارون بن عَبْد الله، عن ابن فديك حدثنا ابن أبي ذئب حدثني صالح مولى التوامة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال للنساء عام حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحُصْر". قال: فكن كلهن يحججن إلا سودة وزينب بِنْت جحش، فإنهما كانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد إذ سمعنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أخبرنا يحيى أبو ياسر بإسنادهما عن مسلم قال: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى السيناني أخبرنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بِنْت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "أسرعُكُنَّ لُحوقاً بي أطولُكُنَّ يداً". قالت فكنا نتطاول أينا أطول يداً قالت: فكانت زينب أطولنا يداً لأنها كانت تعمل بيدها، وتتصدق.
وقالت عائشة: ما رأيت امْرَأَة قط خيراً في الدين من زينب،وأتقى لله، وأصدق حديثاً وأوصل للرحم، وأعظم أمانة وصدقة.
وروى شهر بن حَوشب، عن عَبْد الله بن شداد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعُمر بن الخطاب: "إن زينب بِنْت جحش لأوّاهة".
فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: "المتخشع المتضرع".
وكانت أول نساء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحوقاً به كما أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتوفيت سنة عشرين أرسل إليها عُمر بن الخطاب اثني عشر ألف درهم، كما فرض لنساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأخذتها وفرقتها في ذوي قرابتها وأيتامها، ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاءٌ لعُمر بن الخطاب بعد هذا! فماتت، وصلى عليها عُمر بن الخطاب، ودخل قبرها أسامة بن زيد، ومُحَمَّد بن عَبْد الله بن جحش وعَبْد الله بن أبي أحمد بن جحش قيل: هي أول امْرَأَة صنع لها النعش. ودُفنت بالبقيع.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16-01-2013, 03:32 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين
السيدة زينب بنت خزيمة الهلالية



أم المساكين


أول من دفن من أمهات المؤمنين في المدينة.
هي زينب بنت خزيمة الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وكانت أخت ميمونة بنت الحارث {أم المؤمنين} لأمها، وكانت تدعى في الجاهلية {أم المساكين}. وصفت بالطيبة والكرم والعطف على الفقراء والمساكين في الجاهلية والإسلام، ولا يكاد اسمها يذكر في أي كتاب إلا مقرونا بلقبها الكريم -أم المساكين .
زينب بنت خزيمة هي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم والتي لم يمض على دخول حفصة البيت المحمدي وقت قصير حين دخلته أرملة شهيد قرشي من المهاجرين الأولين فكانت بذلك رابعة أمهات المؤمنين. ويبدو أن قصر مقامها ببيت الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرف عنها كتاب السيرة ومؤرخي عصر المبعث فلم يصل من أخبارها سوى بضع روايات لا تسلم من تناقض واختلاف، وزينب بنت خزيمة أرملة شهيد قرشي من المهاجرين الأولين هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، قتل عنها في بدر فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة 3 هجرية، ويقال إنه كان زواجا شكليا، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجها بدافع الشفقة.
واختلف فيمن تولى زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم ففي الإصابة عن ابن الكلبي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها إلى نفسها فجعلت أمرها إليه فتزوجها ، وقال ابن هشام في السيرة : زوَّجه إياها عمها قبيصة بن عمرو الهلالي، وأصدقها الرسول صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم .
واختلفوا أيضا في المدة التي أقامتها ببيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي الإصابة رواية تقول: كان دخوله صلى الله عليه وسلم بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، رضي الله عنها، ثم لم تلبث عنده شهرين أو ثلاثة وماتت، ورواية أخرى عن إبن كلبي تقول: ( فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر وماتت في ربيع الآخر سنة أربع) .
وكانت زينب بنت جحش {رضي الله عنها} أجودهن، يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأبرهن باليتامى والمساكين، حتى كانت تعرف بأم المساكين .
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" زينب أم المؤمنين بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية.
فتدعى أيضاً: أم المساكين لكثرة معروفها أيضاً.
قتل زوجها عبد الله بن جحش يوم أحد فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لم تمكث عنده إلا شهرين أو أكثر وتوفيت رضي الله عنها.
وقيل: كانت أولاً عند الطفيل بن الحارث وما روت شيئاً.
وقال النسابة علي بن عبد العزيز الجرجاني: كانت عند الطفيل ثم خلف عليها أخوه الشهيد: عبيدة بن الحارث المطلبي.
وهي أخت أم المؤمنين ميمونة لأمها".

وجاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:

" زينب بِنْت خزيمة بن الحَارِث بن عَبْد الله بن عَمْرو بن عَبْد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، يقال لها: أم المساكين، لكثرة إطعامها للمساكين وصدقتها عليهم. وكانت تحت عَبْد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: كانت عند الطفيل بن الحَارِث بن المُطَّلِب بن عَبْد مناف، ثم خلف عليها أخوة عُبَيْدة بن الحَارِث، قاله أبو عُمر عن علي بن عَبْد العزيز الجرجاني. وقال: كانت أخت ميمونة زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم لأمها.
قال أبو عُمر: ولم أر ذلك لغيره.
وتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد حفصة. قال أبو عُمر: ولم تلبث عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة حتى توفيت، وكانت وفاتها في حياته. لا خلاف فيه.
وذكر ابن منده في ترجمتها قول النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: "أسرعكنَّ لُحوقاً بي أطولكنَّ يداً" فكان نساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يتذارعن أيتهنّ أطول يداً، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير.
وهذا عندي وهم، فإنه صلّى الله عليه وسلّم قال: "أسرعكن لحوقاً بي". وهذه سبقته، إنما أراد أول نسائه تموت بعد وفاته، وقد تقدم في زينب بِنْت جحش، وهو بها أشبه، لأنها كانت أيضاً كثيرة الصدقة من عمل يدها، وهي أول نسائه توفيت بعده، والله أعلم.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16-01-2013, 03:34 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين
السيدة سودة بنت زمعة



المهاجرة أرملة المهاجر


لُقِّبت بالمهاجرة أرملة المهاجر، لأنها أسلمت وهاجرت بدينها إلى الحبشة مع زوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس، وتحملت مشاق الهجرة ومتاعب الغربة، وتوفي زوجها بعد أن عاد معها من الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، وأمست سودة وحيدة لا عائل لها ولامعين، فأبوها مازال على كفره وضلاله، ولم يزل أخوها عبد اللَّه ابن زمعة على دين آبائه، فخشيت أن يفتناها في دينها.
فلما سمع الرسول ما أصاب السيدة سودة وصبرها والتجاءها إلى الله؛ خشي عليها بطش أهلها، وهم أعداء الإسلام والمسلمين، فأراد أن يرحمها وينجدها من عذابها، ويعينها على حزنها، ويجزيها على إسلامها وإيمانها خيرًا، فأرسل إليها خولة بنت حكيم -رضى اللَّه عنها- تخطبها له، وكانت السيدة خديجة -رضى الله عنها- قد ماتت، وهو بغير زوجة، وكانت سودة قد بلغت من العمر حينئذٍ الخامسة والخمسين، بينما كان رسول الله في الخمسين من عمره.
وحين دخلت خولة عليها قالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة ! قالت: سودة: وما ذاك؟ فقالت خولة: إن رسول الله أرسلنى إليك لأخطبك إليه. قالت: وددت ذلك. فقالت خولة: دخلت على أبيها وكان شيخًا كبيرًا مازال على جاهليته وحيَّـيْـتُه بتحية أهل الجاهلية، فقلت: أنعِم صباحًا. فقال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم. فرحَّب بي، وقال ما شاء الله أن يقول. فقلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة ابنة زمعة. فقال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟ قلت: تُحِبُّ ذلك. قال: ادعوها إلي. ولما جاءت قال: أى سودةُ، زعمت هذه أن محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أفتحبين أن أزوجكه؟ قالت: نعم. قال: فادعوه لي. فدعته خولة، فجاء فزوَّجه.
وفى رواية ابن سعد: أن النبي خطبها، فقالت: أمرى إليك، فقال لها مُرى رجلا من قومك يزوجك. فأمرت حاطب بن عمرو وهو ابن عمها وأول مهاجر إلى الحبشة فزوجها.
ودخلت السيدة سودة بنت زمعة -رضى الله عنها- بيت النبوة، وأصبحت واحدة من أمهات المؤمنين، وكانت الزوجة الثانية لرسول الله، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات.
وكانت السيدة سودة مثالا نادرًا في التفانىي في خدمة النبي وابنته أم كلثوم وفاطمة، فكانت تقوم على رعايتهما بكل إخلاص ووفاء، ثم هاجرت مع الرسول إلى المدينة.
وكانت السيدة سودة -رضى اللَّه عنها- تحب رسول اللَّه حبَّا شديدًا، وكانت تسعى إلى مرضاته دائمًا، فلما كبرت في السن، ولم تعد بها إلى الأزواج حاجَةً، وأحست بعجزها عن الوفاء بحقوق النبي، أرادت أن تصنع من أجله شيئًا يعجبه ويرضيه ويرفع مكانتها عنده... فاهتدت إلى أن تهب يومها لعائشة؛ لعلمها أنها حبيبة إلى قلب رسول الله، وحتى لا تشعر رسول الله بالحرج، وبررت له ما أقدمت عليه بقولها: ما بىي على الأزواج من حرص، ولكنى أحب أن يبعثنى الله يوم القيامة زوجًا لك. وتفرغت للعبادة والصلاة.
قال لها رسول الله :"يا بنت زمعة، لوتعلمين علم الموت، لعلمت أنه أشد مما تظنين".
وكانت السيدة عائشة - رضى اللَّه عنها - تغبطها على عبادتها وحسن سيرتها، قالت: ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مِسْلاخها (هديها وصلاحها) من سودة .
ولما خرجت سودة -رضى الله عنها- مع رسول الله إلى حجة الوداع! قال: "هذه الحجة، ثم ظهور الحُصْر" أى الْـزَمْـنَ بيوتكنّ ولا تخرجْنَ منها. فكانت - رضى الله عنها - تقول: حججت واعتمرت فأنا أَقرُّ في بيتي كما أمرنى الله عز وجل، ولا تحركنا دابة بعد رسول الله.
وكانت السيدة سودة -رضى الله عنها- زاهدة في الدنيا مقبلة على الآخرة. بعث إليها عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- في خلافته ببعض الدراهم، فوزعتها على الفقراء والمساكين.
وظلت كذلك حتى توفيت في آخر خلافة عمر فحضر جنازتها، وصلى عليها، ودفنت بالبقيع.
وكان للسيدة سودة نصيب من العلم والرواية، فقد روت -رضى الله عنها- أحاديثًا لرسول الله.
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن سودة بنت زمعة:
" سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية.
وهي أول من تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة وانفردت به نحواً من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة.
وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة وكانت أولاً عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري.
وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قد فركت رضي الله عنها.
لها أحاديث: وخرج لها البخاري.

حدث عنها: ابن عباس ويحيى بن عبد الله الأنصاري.
توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة.
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة من امرأة فيها حدة فلما كبرت جعلت يومها من النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة.
وروى الواقدي عن ابن أخي الزهري عن أبيه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بسودة في رمضان سنة عشر من النبوة وهاجر بها وماتت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين.
وقال الواقدي: وهذا الثبت عندنا.
وروى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال أن سودة رضي الله عنها توفيت زمن عمر.
قال ابن سعد: أسلمت سودة وزوجها فهاجرا إلى الحبشة.
وعن بكير بن الأشج: أن السكران قدم من الحبشة بسودة فتوفي عنها. فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أمري إليك قال: "مري رجلاً من قومك يزوجك" فأمرت حاطب بن عمرو العامري فزوجها وهو مهاجري بدري. هشام الدستوائي: حدثنا القاسم بن أبي بزة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى سودة بطلاقها. فجلست على طريقه فقالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه لم طلقتني؟ ألموجدة؟ قال: "لا" قالت: فأنشدك الله لما راجعتني فلا حاجة لي في الرجال ولكني أحب أن أبعث في نسائك. فراجعها قالت: فإني قد جعلت يومي لعائشة.
عن الأعمش عن إبراهيم قالت سودة: يا رسول الله صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم فضحك. وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.
عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحصر".
قال صالح: فكانت سودة تقول: لا أحج بعدها.
وقالت عائشة: استأذنت سودة ليلة المزدلفة أن تدفع قبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة أي ثقيلة فأذن لها.
عن حماد بن زيد عن هشام عن ابن سيرين: أن عمر بعث إلى سودة بغرارة دراهم. فقالت: ما هذه قالوا: دراهم قالت: في الغرارة مثل التمر يا جارية: بلغيني القنع ففرقتها.
يروى لسودة خمسة أحاديث: منها في الصحيحين حديث واحد عن البخاري.
عن الواقدي: حدثنا موسى بن محمد بن عبد الرحمن عن ريطة عن عمرة عن عائشة قالت: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعث زيداً وبعث معه أبا رافع مولاه وأعطاهما بعيرين وخمس مئة درهم فخرجنا جميعاً وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وبأم كلثوم وبسودة بنت زمعة وبأم أيمن وأسامة ابنه."
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 16-01-2013, 03:36 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين
السيدة صفية بنت حيي


أم المؤمنين السيدة: صفية بنت حُيى بن أخطب من ذرية نبى اللَّه هارون. كانت أمها: برة بنت سَمَوأل من بنى قريظة، تزوجت النبي وهى في السابعة عشر من عمرها؛ إلا أنها رغم صغر سنها؛ تزوجت قبل ذلك مرتين؛ الأولى من سلام بن مشكم القرظى فارس قومها وشاعرهم، والثانية من كنانة بن الربيع صاحب حصن القوص؛ أقوى حصن من حصون خيبر.
نصر اللَّه المسلمين على اليهود في خيبر نصرًا كبيرًا، وكانت هي من بين السبايا، قال لها رسول اللَّه (: "لم يزل أبوك من أشدّ اليهود لى عداوة حتى قتله اللَّه تعالي.. يا صفية، إن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقى بقومك". فقالت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه يقول في كتابه:(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)[الزمر: 7 ]. وأنا قد هويتُ الإسلام وصدَّقْتُ بك قبل أن تدعونى حيث صِرْت إلى رَحْلِكْ، ومالى في اليهودية أرَبٌ، ومالى فيها والد ولا أخ، وخيّرتنى الكفر والإسلام، فاللَّه ورسوله أحبّ إلى من العتق وأن أرجع إلى قومي. [ابن سعد].
فلما همت صفية أن تركب البعير ثنى لها النبي ركبته لتركب، فأجَلَّتْ رسولَ اللَّه ( أن تضع قدمها على فخذه ؛ فوضعت ركبتها على فخذه فركبت، ثم ركب النبي فألقى عليها الحجاب، ثم سارا مع المسلمين حتى إذا كانا على بُعد ستة أميال من خيبر نُزُلاً مع الجيش منزلاً للراحة، فأراد النبي أن يُعرس بها فأبت صفية، فغضب النبي منها في نفسه، فلما كانا بالصهباء على بعد ستة عشر ميلا من خيبر طاوعته، فقال لها: "ما حملك على إبائك حين أردت المنزل الأول؟" قالت: يا رسول اللَّه خشيت عليك قرب اليهود. فأكرمها النبي على موقفها ذاك وخوفها عليه من اليهود. [ابن سعد].
تقول السيدة صفية -رضى اللَّه عنها-: دخل على رسول اللَّه وقد بلغنى عن عائشة وحفصة قولهما: نحن أكرم على رسول اللَّه منها، نحن أزواجه وبنات عمه، فذكرت له ذلك، فقال : "ألا قُلتِ: وكيف تكونان خيرًا مني؛ وزوجى مُحمد، وأبى هارون وعمى موسى" [الترمذي].
وتقول: جئت إلى رسول اللَّه أزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت معه ساعة، ثم قمت أنصرف، فقام النبي معى يودعني، حتى إذا بلغت باب المسجد، عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول اللَّه فقال لهما النبي: "على رِسلكما إنما هي صفية بنت حُـيَـي". فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! وكبر عليهما، فقال: "إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإنى خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا" [متفق عليه].

ولما كان رسول اللَّه في مرضه الذي تُوفى فيه، قالت السيدة صفية - رضى الله عنها -: واللَّه يا نبى اللَّه ! لوددت أن الذي بكَ بي. فغمزها أزواجه، فأبصرهن رسول اللَّه فقال: "مضمضن". قُلن: من أى شئ؟ قال: "من تغامزكن بها، واللَّه إنها لصادقة" [ابن سعد].
وكانت -رضى اللَّه عنها- سخية كريمة ؛ فقد أهدت إلى السيدة فاطمة الزهراء وبعض أمهات المؤمنين حلقات من ذهب، وتصدقت بثمن دارها قبل وفاتها.
ويروى أن جارية عندها أتت عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- فقالت له: إن صفية تحب السبت وتصِل اليهود، فبعث إليها فسألها عن ذلك، فقالت: أما السبت فإنى لم أحبه فقد أبدلنى اللَّه خيرًا منه وهو الجمعة، وأما اليهود فإن لى فيهم رحمًا لذلك أصلها. ثم قالت للجارية: ما حملكِ على هذا؟ قالت الجارية: الشيطان. فقالت لها السيدة صفية: اذهبى فأنت حرة.
وتحكى صفية أنها لما تزوجت النبي رأى بوجهها أثر خُضرة قريبًا من عينها، فقال لها النبي: "ما هذا؟".
قالت: يا رسول الله. رأيت في المنام كأن قمرًا أقبل من يثرب حتى وقع في حجري، فذكرت ذلك لزوجى كنانة فضرب وجهى ولطمنى لطمًا شديدًا، وقال: أتحبين أن تكونى تحت هذا الملك الذي يأتى من المدينة (يقصد رسول اللَّه ).].
وقد وقفت السيدة صفية بجانب الحق حين تعرض أمير المؤمنين عثمان بن عفان للحصار في منزله ؛ فوضعت خشبًا من منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الماء ووالطعام له.
توفيت - رضى الله عنها - في رمضان سنة 50 من الهجرة - في خلافة معاوية بن أبى سفيان- ودفنت بالبقيع بجوار أمهات المؤمنين، رضوان اللَّه عليهن أجمعين.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن ام المؤمنين صفية بنت حيي:
" بنت حيي بن أخطب بن سعية من سبط اللاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام. ثم من ذرية رسول الله هارون عليه السلام.
تزوجها قبل إسلامها: سلام بن أبي الحقيق ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وكانا من شعراء اليهود فقتل كنانة يوم خيبر عنها وسبيت وصارت في سهم دحية الكلبي فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم عندها وأنها لا ينبغي أن تكون إلا لك فأخذها من دحية وعوضه عنها سبعة أرؤس.
ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طهرت تزوجها وجعل عتقها صداقها.
حدث عنها: علي بن الحسين وإسحاق بن عبد الله بن الحارث وكنانة مولاها وآخرون.
وكانت شريفة عاقلة ذات حسب وجمال ودين رضي الله عنها.
قال أبو عمر بن عبد البر: روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود. فبعث عمر يسألها. فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان قالت: فاذهبي فأنت حرة.
وقد مر في المغازي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بها وصنعتها له أم سليم وركبها وراءه على البعير وحجبها وأولم عليها وأن البعير تعس بهما فوقعا وسلمهما الله تعالى.
وفي جامع أبي عيسى من طريق هاشم بن سعيد الكوفي: حدثنا كنانة: حدثتنا صفية بنت حيي قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام فذكرت له ذلك فقال: "ألا قلت وكيف تكونان خيراً مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى". وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منها نحن أزواجه وبنات عمه.
قال ثابت البناني: حدثتني سمية أو شميسة عن صفية بنت حيي: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بنسائه فبرك بصفية جملها فبكت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبروه فجعل يمسح دموعها بيده وهي تبكي وهو ينهاها فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فلما كان عند الرواح قال لزينب بنت جحش: "أفقري أختك جملاً". وكانت من أكثرهن ظهراً فقالت أنا أفقر يهوديتك!.
فغضب صلى الله عليه وسلم فلم يكلمها حتى رجع إلى المدينة ومحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه. فلما كان ربيع الأول دخل عليها فلما رأته قالت: يا رسول الله ما أصنع قال: وكانت لها جارية تخبؤها من رسول الله فقالت: هي لك. قال: فمشى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سريرها وكان قد رفع فوضعه بيده ورضي عن أهله.
عن الحسين بن الحسن: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مالك بن مالك عن صفية بنت حيي قالت: قلت: يا رسول الله ليس من نسائك أحد إلا ولها عشيرة فإن حدث بك حدث فإلى من ألجأ؟ قال: "إلى علي" رضي الله عنه.
هذا غريب.
قيل: توفيت سنة ست وثلاثين وقيل توفيت سنة خمسين.
وكانت صفية ذات حلم ووقار.
عن معن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن نبي الله في وجعه الذي توفي فيه قالت صفية بنت حيي: والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزها أزواجه فأبصرهن فقال: "مضمضن" قلن: من أي شيء؟ قال: "من تغامزكن بها والله إنها لصادقة".
عن سليمان بن المغيره عن حميد بن هلال قال: قالت صفية رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحيه. قال: فردوا عليها رؤياها وقالوا لها في ذلك قولاً شديداً.
عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم صفية من دحية بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها فكانت وليمته: السمن والأقط والتمر وفحصت الأرض أفاحيص فجعل فيها الأنطاع ثم جعل ذلك فيها.
عن عبد العزيز بن المختار عن يحيى بن أبي إسحاق قال لي أنس: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبو طلحة وصفية رديفته فعثرت الناقة فصرع وصرعت فاقتحم أبو طلحة عن راحلته فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هل ضرك شيء؟ قال: "لا عليك بالمرأة". فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه وقصد نحوها فنبذ الثوب عليها فقامت فشدها على راحلته فركبت وركب النبي صلى الله عليه وسلم.
عن ابن جريج عن زياد بن إسماعيل عن سليمان بن عتيق عن جابر أن صفية لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فسطاطه حضرنا فقال: "قوموا عن أمكم" فلما كان العشي حضرنا ونحن نرى أن ثم قسماً. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طرف ردائه نحو من مد ونصف من تمر عجوة فقال: "كلوا من وليمة أمكم".
زياد ضعيف.
عن أحمد بن محمد الأزرقي: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن ابن عمر قال: لما اجتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية رأى عائشة متنقبة في وسط النساء فعرفها فأدركها فأخذ بثوبها فقال: "يا شقيراء كيف رأيت"؟ قالت: رأيت يهودية بين يهوديات.
وعن عطاء بن يسار قال: لما قدم رسول الله من خيبر ومعه صفية أنزلها. فسمع بجمالها نساء الأنصار فجئن ينظرن إليها وكانت عائشة متنقبة حتى دخلت فعرفها فلما خرجت خرج فقال: "كيف رأيت"؟ قالت: رأيت يهودية قال: "لا تقولي هذا فقد أسلمت".
عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن ابن المسيب قال: قدمت صفية وفي أذنيها خرصة من ذهب فوهبت لفاطمة منه ولنساء معها.
عن الحسن بن موسى الأشيب: حدثنا زهير: حدثنا كنانة قال: كنت أقود بصفية لترد عن عثمان فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى مالت فقالت: ذروني لا يفضحني هذا ثم وضعت خشباً من منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الماء والطعام.
عن الواقدي: حدثنا محمد بن موسى عن عمارة بن المهاجر عن آمنة بنت قيس الغفارية قالت: أنا إحدى النساء اللائي زففن صفية يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعتها تقول: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقبرها بالبقيع.
وقد أوصت بثلثها لأخ لها يهودي وكان ثلاثين ألفاً.
ورد لها من الحديث عشرة أحاديث منها واحد متفق عليه".
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 16-01-2013, 03:38 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي



أم المؤمنين
السيدة ميمونة بنت الحارث


صاحبة الأمنية


أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية، إحدى الأخوات الأربع اللائي سماهن نبي اللَّه الأخوات المؤمنات، وهن: أم الفضل زوج العباس عم النبي ، وأسماء بنت عُمَيْس زوج جعفر بن أبى طالب، وسَـلمَى بنت عُميس زوج حمزة بن عبد المطلب عم النبي ، وميمونة بنت الحارث زوج النبي. وكانت أمهن هند بنت عوف أكرم عجوز في الأرض أصهارًا، فقد تزوج النبي ابنتيها: زينب بنت خزيمة، وميمونة بنت الحارث.
وقد تزوجت السيدة ميمونة -رضى الله عنها- مرتين قبل زواجها بالنبى، فقد تزوجها مسعود بن عمرو بن عمر الثقفي، فلما توفى تزوجها أبو رهم بن عبد العزى بن أبى قيس، ولما توفى كانت زوجًا لرسول الله.

وكانت السيدة ميمونة -رضى الله عنها- تعرف باسم "بَرَّة" فسماها النبي ميمونة، لأنه تزوجها في يوم مبارك -يوم عمرة القضـاء-، وكان عـمرها حينــئـذ ستّـا وعشرين سنـة. .
وكانت -رضى الله عنها- مؤمنة تحب الله ورسوله، وتتمنى أن تنال شرف الزواج برسول الله ، وتكون أمَّا للمؤمنين.
كانت آخر من تزوج الرسول، وعرفت بالعبادة واشتهرت بالزهد، قالت عنها أم المؤمنين السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها-: "إنها كانت من أتقانا للَّه وأوصلنا للرحم" .
جاهدت في سبيل اللَّه واشتركت في معركة تبوك تنقل إلى المجاهدين الماء والزاد، وتسعف الجرحى، وتداوى المرضى، وتضمد جراحهم.
وفى السنة السابعة للهجرة -وبعد صلح الحديبية- كانت عمرة القضاء، فقد جاء النبي ومعه المسلمون لأداء العمرة في العام السابق فمنعهم المشركون، فوقَّعوا صلحًا، على أن يعودوا لأداء العمرة في العام المقبل، وأن تكون مدة العمرة ثلاثة أيام، ولما جاءوا لأداء العمرة -فى السنة السابعة من الهجرة المباركة- أخذت ميمونة تحدث شقيقتها أم الفضل -رضى الله عنها- عن أمنيتها في أن تكون زوجًا للنبي وأمَّا للمؤمنين، فاستبشرت أم الفضل خيرًا وحدّثت زوجها العباس عم النبي بذلك ،فذكرها العباسُ للنبي، فوافق على زواجه منها، فكان ذلك إعزازًا وتقديرًا وشرفًا لها، وتعويضًا لها عن فقد عائلها، فأصدقها النبي أربعمائة درهم، وكان قد بعث ابن عمه جعفرًا -زوج أختها أسماء- يخطبها، فلما جاءها الخاطب بالبشرى - وكانت على بعير- قالت: البعير وماعليه لرسول اللَّه، وجعلت العباس وليها في أمر الزواج.
وفى رواية أن ميمونة هي التي وهبت نفسها لرسول اللَّه فأنزل اللَّه تعالي: (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)[الأحزاب: 50].
ولما قاربت مدة العمرة التي اتفقوا عليها -الأيام الثلاثة- طلب النبي ( من مشركي مكة أن يمهلوه وقتًا حتى يتم الزواج بميمونة، فقال لهم: "ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه". فرفضوا، ومع إيمان الرسول ( بنصر اللَّه إلا أنه أبى إلا أن يفى بوعده معهم، وخرج حتى اقترب من مكان يسمى سَرف يبعد عن مكة بعشرة أميال، فأتمّ زواجه من ميمونة، وكان ذلك في شهر ذى القعدة سنة سبع من الهجرة.
عاشت ميمونة -بعد ذلك- مع النبي تحيا بين جنبات القرآن، وروت -رضى اللَّه عنها- ثلاثة عشر حديثًا.
ولما حانت منيتها في عام الحرة سنة ثلاث وستين، وكانت بمكة، وليس عندها أحد من بنى أخيها، قالت: أخرجونى من مكة، فإنى لا أموت بها، إن رسول اللَّه أَخْبَرَنى أنى لا أموت بمكة فحملوها حتى أتوا بها (سرف) - عند الشجرة التي بنى بها رسول اللَّه فتوفيت هناك، وعمرها حينئذ 81 سنة، وحضر جنازتها ابن عباس -رضى اللَّه عنهما- وغيره من الصحابة.
جاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث:
" بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلالية.
زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأخت أم الفضل زوجة العباس وخالة خالد بن الوليد وخالة أن عباس.
تزوجها أولاً مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام ففارقها وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات. فتزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة. وبنى بها بسرف أظنه المكان المعروف بأبي عروة.
وكانت من سادات النساء. روت عدة أحاديث. حدث عنها ابن عباس وابن أختها الآخر: عبد الله بن شداد بن الهاد وعبيد بن السباق وعبد الرحمن بن السائب الهلالي وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم وكريب مولى ابن عباس ومولاها سليمان بن يسار وأخوه عطاء بن يسار وآخرون.
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر حدثني إبراهيم بن محمد بن موسى عن الفضيل بن أبي عبد الله عن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلى العباس فزوجه بميمونة فأضلا بعيريهما فأقاما أياماً ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد وقد ضما بعيريهما فسارا معه حتى قدم مكة. فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له وجعلت ميمونة أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال. وصوابه: إلى العباس فخطبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس: أنها جعلت أمرها لما خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى العباس فزوجها.
مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة.
قال عبد الكريم الجزري عن ميمون بن مهران: دخلت على صفية بنت شيبة عجوز كبيرة فسألتها: أتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم قالت: لا والله لقد تزوجها وإنهما لحلالان.
أيوب عن يزيد بن الأصم قال: خطبها وهو حلال وبنى بها وهو حلال.
جرير بن حازم: حدثنا أبو فزارة عن يزيد بن الأصم عن أبي رافع أن رسول الله تزوج ميمونة حلالاً وبنى بها حلالاً بسرف.
حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالاً وكنت الرسول بينهما.
الواقدي: حدثنا معمر عن الزهري عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال.
هذا منكر. والواقدي متروك. والثابت عن ابن عباس خلافه.
فقال ابن جريج عن عطاء عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم.
وقال أيوب وهشام عن عكرمة عنه كذلك.
وقال عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عنه مثله.
وعمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عنه نحوه.
فهذا متواتر عنه.
والأنصاري عن حبيب بن الشهيد سمع ميمون بن مهران عنه مثله.
وروى زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
جرير عن منصور عن مجاهد مرسلاً مثله.
رباح بن أبي معروف عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً مثله وفيه وكان ابن عباس لا يرى بذلك بأساً.
وبعض من رأى صحة خبر ابن عباس عد الجواز خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وجود هذا الباب ابن سعد ثم قال: أخبرنا أبو نعيم حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون قال: كنت جالساً عند عطاء فجاءه رجل فقال: هل يتزوج المحرم قال: ما حرم الله النكاح منذ أحله. فقلت: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلي وميمون يومئذ على الجزيرة: أن سل يزيد بن الأصم أكان تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج ميمونة حلالاً أو حراماً.
فقال يزيد: تزوجها وهو حلال.
وكانت ميمونة خالة يزيد.
الواقدي: حدثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن عكرمة أن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال مجاهد: كان اسمها برة فسماها رسول الله ميمونة.
وروى بكير بن الأشج عن عبيد الله الخولاني: أنه رأى ميمونة تصلي في درع سابغ لا إزار عليها.
حماد بن زيد عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم: أن ميمونة حلقت رأسها في إحرامها فماتت ورأسها محمم.
كثير بن هشام: حدثنا جعفر بن برقان حدثنا يزيد بن الأصم قال: تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن أختها ولد لطلحة وقد كنا وقعنا في حائط بالمدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه ثم وعظتني موعظة بليغة ثم قالت أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه ذهبت والله ميمونة ورمي بحبلك على غاربك أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم.
وبه أنبأنا يزيد: أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها فوجدت منه ريح شراب فقالت: لئن لم تخرج إلى المسلمين فيجلدوك لا تدخل علي أبداً. إبراهيم بن عقبة عن كريب: بعثني ابن عباس أقود بعير ميمونة فلم أزل أسمعها تهل حتى رمت الجمرة.
أبو نعيم: حدثنا عقبة بن وهب أخبرنا يزيد بن الأصم: رأيت ميمونة تحلق رأسها.
جرير بن حازم عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم قال: دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت حلقت في الحج. نزلت في قبرها أنا وابن عباس.
وعن عطاء: توفيت ميمونة بسرف فخرجت مع ابن عباس إليها فقال: إذا رفعتم نعشها فلا تزلزلوها ولا تزعزعوها.
وقيل: توفيت بمكة فحملت على الأعناق بأمر ابن عباس إلى سرف وقال: ارفقوا بها فإنها أمكم.
قال الواقدي: ماتت في خلافة يزيد سنة إحدى وستين ولها ثمانون سنة.
قلت: لم تبق إلى هذا الوقت فقد ماتت قبل عائشة. وقد مر قول عائشة: ذهبت ميمونة.
وقال خليفة: توفيت سنة إحدى وخمسين رضي الله عنها.
روي لها سبعة أحاديث في الصحيحين وانفرد لها البخاري بحديث ومسلم بخمسة. وجميع ما روت ثلاثة عشر حديثاً".
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 16-01-2013, 03:39 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم المؤمنين
السيدة مارية القبطية


أم إبراهيم المصرية


مؤمنة من أهل مصر، ارتبط اسمها بالسيدة هاجـر، زوج خليـل الله إبراهيم -عليه السلام-، تزوجت من نبي، وأنجبت له ولدًا، وقدمت إلى بلاد الحجاز؛ لتسكن يثرب. وقد بَـيَّن النبي ( أن له بمصر رحمًا؛ وأوصى أصحابه بالإحسان إلى أهلها عند فتحها، فقال (: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا" (أي صهرًا) [مسلم].
إنها مارية بنت شمعون، أهداها المقوقس - عظيم القبط في مصر- للنبي ومعها أختها سيرين، وعبد خصى يُدْعَى مأبور، وأَلْف مثقال ذهب، وعشرون ثوبًا لينًا من نسيج مصر، وبغلة شهباء تُسمى دلدل، وبعض من عسل، وبعض المسك، وبعض أعواد البخور. وقد حملها إلى النبي ( حاطبُ بن أبى بلتعة رسول النبي ) إلى المقوقس. وقد عرض حاطب الإسلام على مارية فأسلمت.
وُلدت مارية بقرية تدعى حَفن تقع على شرق النيل في صعيد مصر، وقضت فيها طفولتها، فلما شبت انتقلت مع أختها سيرين إلى قصر المقوقس بالإسكندرية.
فلما وصلت هدية المقوقس إلى نبى اللَّه محمد أنزل مارية وأختها سيرين على أم سليم الغميصاء بنت ملحان، ثم وهب سيرين إلى شاعره حسان بن ثابت، واحتفظ لنفسه بالسيدة مارية -رضى الله عنها-. أكرمها النبي، ونزلت من قلبه منزلة عظيمة، وكانت -رضى الله عنها- جميلة، وأنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان الأنصاري، فكانت بجوار السيدة عائشة، وكان النبي يقضى معظم الليل والنهار عندها، فحزنت لذلك السيدة عائشة، وغارت عليها فحولها النبي إلى العالية بضواحى المدينة وكان يذهب إليها هناك، وبعد سنة تقريبًا أنجبت مارية للنبي ابنه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمانِ من الهجرة. -ويقال: إن النبي بعدها أعتقها وتزوجها- وقد فرح النبي بابنه فرحًا كبيرًا؛ وسماه في اليوم السابع إبراهيم، وحلق شعره وتصدق بوزنه فضة، وعَقَّ عنه بكبش.
مرض "إبراهيم" ابن رسول اللَّه، وخطفه الموت من أبويه في ربيع الأول سنة إحدى عشر من الهجرة بعد أن عاش في حجرهما سبعة عشر شهرًا، فوضعه النبي بين يديه وذرفت عيناه عليه، وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" [متفق عليه]. ويروى أن مارية وأختها سيرين كانتا تبكيان على إبراهيم.
وتوفى النبي بعد وفاة ابنه إبراهيم بسنة واحدة، ولم تعمِّر السيدة مارية -رضى الله عنها- بعد وفاة رسول الله طويلا؛ حيث توفيت -رضى اللَّه عنها- سنة ست عشرة من الهجرة، وصلى عليها عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه-، ودفنت بالبقيع بجانب أمهات المؤمنين.
وبعد فتح مصر سنة عشرين من الهجرة اهتم الصحابي الجليل عبادة بن الصامت بالبحث عن القرية التي ولدت بها السيدة مارية، وبنى بها مسجدًا، وتعرف الآن ببلدة الشيخ عبادة.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
"مارِيَة القبطية: مولاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسُرِّيَّتُه، وهي أم ولده إبراهيم بن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين وخُصِيّاً يقال له: مأبور، وبغلة شهباء، وحلّة من حرير. وقال مُحَمَّد بن إسحاق: أهدى المقوقس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جواري أربعاً، منهن مارِيَة أم إبراهيم، وسيرين التي وهبها النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم لحسان بن ثابت، فولدت له عَبْد الرَّحْمَن. وأما مأبور الخصيّ الذي أهداه المقوقس مع مارِيَة، وهو الذي اتهم بمارِيَة، فامر النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم عليّاً أن يقتله، فقال علي: يا رسول الله، أكون كالسكّة المحماة، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: "بل الشّاهد يرى ما لا يرى الغائب". فذهب عليّ إليه ليقتله فرآه مجبوباً ليس له ذكر، فعاد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنه لمجبوب.
وأهديت مارِيَة فوصلت إلى المدينة سنة ثمان، وتوفيت سنة ست عشرةَ في خلافة عُمر. وكان عُمر يجمع الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عُمر.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 16-01-2013, 03:44 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم

ثانية النورين


جاء عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس المواساة في زوجته رقية - رضي اللَّه عنها - بعد وفاتها، وجاء عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعثمان حين عرض عليهما ابنته حفصة، بعد أن مات زوجها خُنيس بن حذافة السهمي -رضى اللَّه عنه- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة". وقد صدقت بشراه صلى الله عليه وسلم حيث تزوج هو من حفصة، وتزوج عثمان من أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
ودخلت أم عياش -خادمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة أم كلثوم تدعوها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ رأيها في أمر الزواج من عثمان ؛ فلما أطرقت صامتة حياءً من النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أنها ترى ما يراه ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: "أزوجك أم كلثوم أُخت رقية، ولوكُنّ عشرًا لزوجتكهن" . فنال عثمان بن عفان بذلك الشرف لقب ذى النورين ؛ لزواجه من ابنتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكلتاهما نور بحق، وظلت أم كلثوم في بيت عثمان زوجة له لمدة ست سنوات لا يفارقها طيف أختها رقية.
ولدت السيدة أم كلثوم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدت ازدهار الإسلام وانتصاره على الكفر والشرك، وجاهدت مع باقى أسرتها، فشاركت أباها صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة جهادهما، وعانت معهما وطأة الحصار الذي فرضه الكفار والمشركون على المسلمين في شِعْب أبي طالب، ثم هاجرت إلى المدينة المنورة مع أختها فاطمة بعد أن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهن زيد بن حارثة ليصحبهن.
وشهدت فرحة انتصار المسلمين في بدر، وقد تشابهت ظروف أم كلثوم وأختها رقية -رضى اللَّه عنهما- حيث نشأتا سويّا في بيت النبوة، وخُطبا لشقيقين هما عتبة وعتيبة من أبناء أبي لهب وزوجته أم جميل، ولكن اللَّه أنقذهما وأكرمهما، فلم يبنيا بهما، وحرم ولدا أبي لهب من شرف زواجهما.
وفى السنة التاسعة من الهجرة، توفيت أم كلثوم دون أن تنجب؛ فأرخى النبي صلى الله عليه وسلم رأسها الشريف بجانب ما بقى من رفات أختها رقية في قبر واحد، مودعًا إياها بدموعه.
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن أم كلثوم:
" أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم البضعة الرابعة النبوية.
يقال تزوجها عتيبة بن أبي لهب ثم فارقها.
وأسلمت وهاجرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفيت أختها رقية تزوج بها عثمان وهي بكر في ربيع الأول سنة ثلاث فلم تلد له.
وتوفيت في شعبان سنة تسع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كن عشراً لزوجتهن عثمان" حكاه ابن سعد.
وروى صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أنس: أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء.
الواقدي: حدثنا فليح عن هلال بن أسامة عن أنس: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على قبرها يعني أم كلثوم وعيناه تدمعان فقال: "فيكم أحد لم يقارف الليلة". فقال أبو طلحة: أنا قال: "انزل".
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
"أم كُلْثُوم بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمها خديجة بِنْت خويلد.
قال الزبير: أم كُلْثُوم أسن من رقية ومن فاطِمَة. وخالفه غيره، والصحيح أنها أصغر من رُقيَّة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زوج رقية من عُثْمان، فلما توفيت زوّجه أم كُلْثُوم، وما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى، والله أعلم. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد زوّج رقيّة وأم كُلْثُوم من عُتبة وعُتَيبة ابني أبي لهب، فلما أنزل الله عَزَّ وجَلّ: "تبّت يدا أبي لهب"، قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابِنْتي مُحَمَّد. قالت أم جميل أمهما حمالة الحطب بِنْت حرب بن أميَّة لابنينها: إن رقية وأم كُلْثُوم قد صَبَتا، فطلقاهما. ففعلا، فطلقاهما قبل الدخول بهما. فزوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم رقية من عُثْمان، فلما توفيت زوجه أم كُلْثُوم رضي الله عنهم. وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولداً، وتوفيت سنة تسع، وصلى عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي التي غسلتها أم عَطِية وحَكَّت قولَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر". وألقى إليهم حَقْوَه، وقال: "أشعِرْنها إياه"، ونزل في قبرها علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وقيل: إن أبا طلحة الأنصاريّ استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أن ينزل معهم، فأذن له، وقال: "لو أن لنا ثالثة لزوجنا عُثْمان بها".
روى سعيد بن المسيّب: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى عُثْمان بعد وفاة رقية مهموماً لهفان، فقال له: "ما لي أراكَ مهموماً؟" قال: يا رسول الله، وهل دخل على أحد ما دخل علي، ماتت ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي كانت عندي، وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: "يا عُثْمان، هذا جبريل عليه السلام يامرني عن الله عَزَّ وجَلّ أن أزوّجك أختها أم كُلْثُوم على مثل صَداقها، وعلى مثل عِشرتها". فزوجه إياها.
أخرجها الثلاثة. واستدركها أبو موسى على ابن منده، وقد أخرجها ابن منده في بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخرجها في الكاف مختصراً، فليس لاستدراكه وجه، والله أعلم".
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 16-01-2013, 03:46 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم


صاحبة الهجرتين


كان نزول هذه الآيات:(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)[سورة المسد]؛ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيدًا ورحمةً، وعيد لأبي لهب وزوجتِه، ورحمة لرقيةَ وأمِّ كلثوم ابنتى رسول الله (؛ إذ نجاهما الله من العيش في بيت الشرك والكفر .
ولدت السيدة رقية -رضى الله عنها- قبل الهجرة بعشرين عامًا، ونشأت في أحضان أبيها رسول الله، وأمها السيدة خديجة بنت خويلد-رضى الله عنها-. وكانت رقية -رضى الله عنها- ملازمة لأختها أم كلثوم لتقارب السن بينهما، ولم يفترقا حتى خطب عبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب) السيدة رقية لابنه عتبة، كما خطب السيدة أم كلثوم لابنه الآخر عتيبة.فلما بُعث رسول الله وأنزل الله عز وجل: تبت يدا أبى لهب.
قال أبو لهب لابنه عتبة: رأسى من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته. ففارقها ولم يكن قد دخل بها، وأسلمت رقية -رضى الله عنها- حين أسلمت أمها السيدة خديجة، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزوجها عثمان بن عفان بمكة.
ثم هاجرت رقية مع زوجها عثمان إلى أرض الحبشة، فكان عثمان أول من هاجر إليها، واستقر بهما المقام بالحبشة، وسارت بهما الأيام هادئة، حتى أشيع أن أهل مكة قد كفوا أيديهم عن تعذيب المسلمين والتنكيل بهم، فعادت السيدة رقية مع زوجها عثمان -رضى الله عنهما-، وبعض الصحابة إلى مكة، ولكنهم فوجئوا بأن أهل مكة مازالوا على عنادهم يسومون المستضعفين من المسلمين سوء العذاب، فانتظروا قدوم الليل، ثم دخلوا مكة متفرقين.
وعندما عادت السيدة رقية إلى مكة كانت أمها خديجة قد لقيت ربها، فحزنت عليها أشد الحزن ، ثم ما لبثت أن هاجرت إلى المدينة بعد أن هاجر زوجها عثمان من قبل.
ولدت رقية من عثمان ابنها عبد الله وبه كان يكنى، ولما بلغ ست سنوات نَقَرَهُ ديكُ في وجهه، فطمر وجهه فمات، وكانت رقية قد أسقطت قبله سقطًا وقت هجرتها الأولى، ولم تلد بعد ذلك.
وتجهز المسلمون لأول معركة مع الكفر في بدر، وتمنى عثمان أن يكون مع المجاهدين، ولكن زوجته كانت تعالج سكرات الموت بعد مرض شديد -قيل إنه الحصبة- إثر حزنها الشديد على وفاة ولدها، ولذلك أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لعثمان بالتخلف ليكون إلى جوارها يطببها، ولكنها ما لبثت أن لبت نداء ربها في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكانت أولى بنات النبي صلى الله عليه وسلم موتًا، وفى ذلك يقول ابن عباس: لما ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحقى بسلفنا عثمان بن مظعون" . فبكت النساء عليها، فجعل عمر بن الخطاب يضربهن بسوطه، فأخذ النبي بيده، وقال: "دعهن يبكين" .ثم قال: "ابكين وإياكن ونعيق الشيطان، فإنه مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان" . فقعدت فاطمة الزهراء على شفير القبـر بجـوار رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، وهى تبكى ورسول الله يمسح الدمع عن عينيها بطرف ثوبه وعيناه تدمعان .
ودفنت - رضى الله عنها - بالبقيع ، رحمها الله .
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" رُقيّة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
رقية بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمها خديجة بِنْت خويلد رضي الله عنهما.
روى الزبير بن بكار، عن عمه مصعب بن عَبْد الله: أن خديجة ولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطِمَة، وزينب، ورقية، وأم كُلْثُوم.
وروى أيضاً عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود: أن خديجة ولدت للنبي صلّى الله عليه وسلّم زينب ورقية، وفاطِمَة، وأم كُلْثُوم.
ورى مُحَمَّد بن فضالة قال: سمعت أن خديجة ولدت للنبي صلّى الله عليه وسلّم زينب، وأم كُلْثُوم، فاطِمَة، ورقية، وقيل: إن فاطِمَة أصغرهن عليهنّ السلام.
وقال أبو عُمر: لا أعلم خلافاً أن زينب أكبر بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. واختلف فيمن بعدها.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد زوّج ابِنْته رقية من عتبة ابن أبي لهب وزّج أختها أم كُلْثُوم عُتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة تبّت قال لهما أبوهما أبو لهب، وأمهما أم جميل بِنْت حرب بن أميَّة حمالة الحطب: فارقا ابِنْتي مُحَمَّد. ففارقاهما قبل أن يدخل بهما كرامة من الله تعالى وهواناً لابنَي أبي لهب. فتزوج عُثْمان بن عَفَّان رقية بمَكَّة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولداً، فسماه عَبْد الله. وكان عُثْمان يُكنّى به، فبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك، فورم وجهه ومرض ومات، وكان موته في جمادى الأولى سنة أربع، وصلى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونزل أبوه عُثْمان في حفرته.

وقال قتادة: إن رقية لم تلد من عُثْمان ولداً. وهذا ليس بصحيح، إنما أختها أم كُلْثُوم لم تلد من عُثْمان، وكان تزوجها بعد رقية، وهذا يدل على أن رقية اكبر من أم كُلْثُوم. ولما سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر كانت ابِنْته رقية مريضة، فتخلف عليها عُثْمان بامر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له بذلك، فتوفيت يوم وصول زيد بن حارثة مبشراً بظفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمشركين، وكانت قد أصابتها الحصبة، فماتت بها. وقيل: ماتت قبل وصول زيد، ودفنت عند ورود زيد، فبينما هم يدفنونها سمع الناس التكبير، فقال عُثْمان: ما هذا التكبير؟ فنظروا فإذا زيد على ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجدعاء بشيراً بقتلى بدر والغنيمة، وضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العُثْمان بسهمه وجره، لا خلاف بين أهل السير في ذلك.

وقال قتادة: حدثني النضر بن أنس، عن أبيه أنس قال: خرج عُثْمان مهاجراً إلى أرض الحبشة، ومعه زوجه رقية بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاحتبس خبرهم عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكان يخرج فيسأل عن أخبارهما، فجاءته امْرَأَة فأخبرته أنها رأتهما، فقال النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: "صحبهما الله، إن عُثْمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام".
أخرجها الثلاثة".
وفي كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي قوله عن رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة.
قال ابن سعد: تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة. كذا قال وصوابه: قبل الهجرة.
فلما أنزلت "تبت يدا أبي لهب" قال أبوه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق بنته. ففارقها قبل الدخول.
وأسلمت مع أمها وأخواتها. ثم تزوجها عثمان.
قال ابن سعد: هاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين جميعاً.
قال عليه السلام: "إنهما لأول من هاجر إلى الله بعد لوط".
وولدت من عثمان عبد الله وبه كان يكنى وبلغ ست سنين فنقره ديك في وجهه فطمر وجهه فمات.
ثم هاجرت إلى المدينة بعد عثمان ومرضت قبيل بدر فخلف النبي صلى الله عليه وسلم عليها عثمان فتوفيت والمسلمون ببدر.
فأما رواية ابن سعد: أخبرنا عفان حدثنا حماد: أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله قال: "الحقي بسلفنا عثمان بن مظعون فبكت النساء عليها فجعل عمر يضربهن بسوطه. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال: "دعهن يبكين" ثم قال: "ابكين وإياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان" فقعدت فاطمة على شفير القبر إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت تبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدمع عن عينها بطرف ثوبه.
قلت: هذا منكر.
وقال ابن سعد: ذكرته لمحمد بن عمر فقال: الثبت عندنا من جميع الرواية: أن رقية توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر. فلعل هذا في غير رقية أو لعله أتى قبرها بعد بدر زائراً".
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 16-01-2013, 03:48 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي



زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم


صاحبة القلادة


السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها السيدة خديجة بنت خويلد -رضى الله عنها- ولدت قبل بعثة والدها صلى الله عليه وسلم بعشر سنوات. وكانت أول أولاده من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضى الله عنها-، وتزوجت من ابن خالتها أبى العاص بن الربيع فأنجبت له عليَّا وأمامة، فمات علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها الإمام علي بن أبى طالب -رضى الله عنه-.
وفى ذلك الحين بدأت ملحمة الصراع بين المسلمين وكفار قريش، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وهاجرت معه رقيَّة وفاطمة وأم كلثوم، وبقيتْ زينب وحيدة في مكة بجوار زوجها الذي ظل متمسكًا بوثنيته، ثم تطورت الأحداث فخرج المسلمون لاسترداد حقهم الذي تركوه بمكة فتعرَّضوا لقافلة أبى سفيان، فخرجت قريش برجالها، وبدأت الحرب بين الفريقين، وكانت غزوة بدر الكبرى.
وانتصر المسلمون وانهزم الكفار والمشركون. فوقع أبو العاص أسيرًا عند المسلمين، فبعثت قريش لتفديه، وأرسلت "زينب" بأخي زوجها "عمرو بن الربيع" وأعطته قلادتها التي أهدتها لها أمها "خديجة" يوم زفافها، فلما وصل عمرو ومعه تلك القلادة التي أرسلتها لفداء زوجها الأسير، ورأى الصحابة القلادة أطرقوا مأخوذين بجلال الموقف، وساد الصمت الحزين برهة، فقطعه النبي صلى الله عليه وسلم والدموع حبيسة عينيه، وقال لهم في رقة رقّت لها أفئدة المسلمين: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا". قالوا: نعم يارسول اللّه. فأطلقوه، وردّوا عليها الذي لها. [أبو داود وأحمد والحاكم].
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا العاص أن يترك زينب، وأن يرسلها إليه في المدينة، ففعل رغم حبه الشديد لها.
رجع أبو العاص وأرسل أخاه كنانة؛ ليقود بعير زينب وهي في طريقها إلى المدينة. لكن قريشًا تصدَّت لهما فأصاب هبار بن الأسود الأسدي بعيرها برمحه، فوقعت "زينب" على صخرة جعلتها تنزف دمًا وأسقطت على إثرها جنينها. فهدَّد كنانة بن الربيع قريشًا بالقتل بسهامه، إن لم يرجعوا ويتركوا زينب فرجع الكفار عنهما.
ورأى كنانة ألم زينب فحملها إلى بيت أخيه. وظلت هناك حتى بدأت تستعيد قواها بجانب أبى العاص زوجها الذي لا يكاد يفارقها لحظة... فخرج بها كنانة مرة أخرى، حتى سلمها إلى زيد ابن حارثة، الذي صحبها حتى أتت بيت أبيها صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فاستقبلها المسلمون استقبالا طيبًا حافلا.
ومرت الأيام، ووقع "أبو العاص" مرة أخرى في الأسر، حين هاجم المسلمون قافلته العائدة من الشام، وبعد صلاة الفجر دخلت زينب إلى أبيها، تطلب منه أن تجير "أبا العاص"، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين قائلا: "أيها الناس هل سمعتم ما سمعتُ؟" قالوا: نعم. قال: "فوالذي نفسى بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليُّهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت" [الحاكم وابن سعد وابن هشام].
وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زينب أن لا يقربها زوجها أبو العاص، لأنها لا تحل له مادام مشركًا.
ورحل أبو العاص بتجارته عائدًا إلى مكة وأعاد لكل ذي حق حقه، ثم أعلن إسلامه على الملأ ورجع مهاجرًا في سبيل اللّه إلى المدينة، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة. فالتأم شمل زينب بزوجها مرة أخرى.
لكن سرعان مانزلت مصيبة الموت بزينب فماتت متأثرة بالألم الذي أصابها بالنزف عند هجرتها إلى المدينة، وكانت وفاتها -رضى الله عنها- في السنة الثامنة للهجرة، فبكاها زوجها أبوالعاص بكاءً مرّا. وحزن عليها الرسول صلى الله عليه وسلم حزنًا كبيرًا، ثم ودعها إلى مثواها الأخير.
ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن زينب بنت النبي:
"بنت صلى الله عليه وسلم وأكبر أخواتها من المهاجرات السيدات.
تزوجها في حياة أمها ابن خالتها أبو العاص فولدت له أمامة التي تزوج بها علي بن أبي طالب بعد فاطمة وولدت له علي بن أبي العاص الذي يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه وراءه يوم الفتح وأظنه مات صبياً.
وذكر ابن سعد: أن أبا العاص تزوج بزينب قبل النبوة وهذا بعيد.
أسلمت زينب وهاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين.
فروي عن عائشة بإسناد واه أن أبا العاص شهد بدراً مشركاً فأسره عبد الله بن جبير الأنصاري فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم جاء في فداء أبي العاص أخوه عمرو وبعثت معه زينب بقلادة لها من جزع ظفار أدخلتها بها خديجة في فداء زوجها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم القلادة عرفها ورق لها وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فعلتم". قالوا: نعم فأخذ عليه العهد أن يخلي سبيلها إليه ففعل.
وقيل: هاجرت مع أبيها ولم يصح.
البزار: حدثنا سهل بن بحر: حدثنا الحسن بن الربيع: حدثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة: أخبرنا بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وكنت فيهم فقال: "إن لقيتم هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو فأحرقوهما". وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله حين خرجت فلم تزل ضبنة حتى ماتت.
ثم قال: "إن لقيتموهما فاقتلوهما فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله".
ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الصبح فلما قام في الصلاة نادت زينب: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما علمت بهذا وإنه يجير على الناس أدناهم".
قال الشعبي: أسلمت زينب وهاجرت ثم أسلم بعد ذلك وما فرق بينهما.
وكذا قال قتادة وقال: ثم أنزلت براءة بعد. فإذا أسلمت امرأة قبل زوجها فلا سبيل له عليها إلا بخطبة.
وروى حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بنكاح جديد ومهر جديد.
وقال ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول ولم يحدث صداقاً.
وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال: خرج أبو العاص إلى الشام في عير لقريش فانتدب لها زيد في سبعين ومئة راكب فلقوا العير في سنة ست فأخذوها وأسروا أناساً منهم أبو العاص فدخل على زينب سحراً فأجارته ثم سألت أباها أن يرد عليه متاعه. ففعل وأمرها ألا يقربها ما دام مشركاً. فرجع إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه ثم رجع مسلماً مهاجراً في المحرم سنة سبع فرد عليه زينب بذاك النكاح الأول.
الزهري عن أنس: رأيت على زينب بنت رسول الله برد سيراء من حرير.
توفيت في أول سنة ثمان.
عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا غسلتنها فأعلمنني". فلما غسلناها أعطانا حقوه فقال: "أشعرنها إياه".
أما في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
"زينب بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
هي أكبر بناته، ولدت ولرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثون سنة، وماتت سنة ثمان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمها خديجة بِنْت خويلد بن أسلم. وقد شذّ من لا اعتبار به أنها لم تكن أكبر بناته، وليس بشيء؛ إنما الاختلاف بين القاسم وزينب: أيهما ولد قبل الآخر؟ فقال بعض العلماء بالنسب: أول ولد وُلد له القاسم، ثم زينب. وقال ابن الكلبي: زينب ثم القاسم. وهاجرت بعد بدر، وقد ذكرنا ذلك في ترجمة أبي العاص بن الربيع، وفي لقيط؛ فإن لقيطاً اسم أبي العاص. وولدت منه غلأما اسمه علي، فتوفي وقد ناهز الاحتلام، وكان رديف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الفتح، وولدت له أيضاً بِنْتاً اسمها أمامة، وقد تقدم ذكرهما، وأسلم أبو العاص. أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس بن بُكير، عن مُحَمَّد ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عبّاد بن عَبْد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان الإسلام قد فرّق بين زينب وبين أبي العاص حين أسلمت، إلا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان لا يقدر على أن يفرق بينها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مغلوباً بمَكَّة، لا يُحلّ ولا يُحرم.
قيل: أن أبا العاص لما أسلم ردّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زينب، فقيل: بالنكاح الأول. وقيل: ردها بنكاح جديد.
أخبرنا أبو أحمد عَبْد الوهاب بن علي بن علي الامين، أخبرنا أبو الفضل بن ناصر بن علي، أخبرنا الخطيب أبو طاهر مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن أبي الصقر الأنباري، أخبرنا أبو البركات أحمد بن عَبْد الواحد بن الفضل بن نظيف الفراء، أخبرنا أبو مُحَمَّد الحسن بن رشيق، أخبرنا أبو بشير مُحَمَّد بن أحمد بن حمّاد الأنصاريّ الدولابي، أخبرنا إبراهيم بن يعقوب، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا مُحَمَّد بن ابن إسحاق، عن داود بن الحُصين عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم ردّ زينب على أبي العاص بعد سنين بالنكاح الأول، لم يحدث صَدَاقا.
قال: وحدثنا الدولابي، حدثنا إبراهيم بن يعقوب، أخبرنا يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطأة، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّ زينب على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد.
وتوفيت زينب بالمدينة في السنة الثامنَة، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قبرها وهو مهموم ومحزون، فلما خرج سُري عنه وقال: "كنت ذكرتُ زينب وضعفها، فسألت الله تعالى أن يُخفف عنها ضيق القبر وغمّه، ففعل وهوّن عليها". ثم توفي بعدها زوجها أبو العاص.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 16-01-2013, 03:52 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم


الريحانة


كانت حبيبة النبي صلى الله عليه وسلم وريحانته وحافظة أسراره ؛ فقد جلست بجواره صلى الله عليه وسلم يومًا فأسرَّ إليها بنبأ جعلها تبكي وتبتسم، فسألتها السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- عن ذلك. فأجابتها: ما كان لى لأفشي سر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم سألتها فقالت: إن أبي قال لى في أول مرة: "إن جبريل كان يعارضنى القرآن الكريم في كل سنة مرة واحدة، وإنه عارضنى إياه مرتين هذا العام، وما أراه إلا قد حضر أجلي". فبكيت، ثم أردف بقوله: "وإنك أول أهلي لحوقًا بي، نعم السلف أنا لك" فتبسمت. [متفق عليه].
إنها السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم التي قالت فيها أم المؤمنين السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها-: "ما رأيت أحدًا من خلق اللَّه أشبه حديثًا ومشيًا برسول اللَّه من فاطمة" [الترمذي].
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها سيدة نساء أهل الجنة [الترمذى والحاكم]. وأخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها واحدة من خير نساء العالمين. فقال: "خير نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". وكان يقول عنها: "فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما أذاها، ويريبني ما رابها" [متفق عليه].
سُميت -رضى اللَّه عنها- فاطمة؛ لأن اللَّه تعالى قد فطمها وحفظها من النار، ولقبها النبي صلى الله عليه وسلم الزهراء ؛ فكانت ريحانته وأحب بناته إليه؛ لأنها أصغرهن وحافظة نسله صلى الله عليه وسلم. وكان إذا دخل عليها النبي قامت له وقبلت يده وأجلسته مكانها، وإذا دخلت عليه صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها وأجلسها بجواره، ورحب بها أيما ترحيب. وكان إذا قدم من غزو أو سفر يبدأ بالمسجد فيصلي، ثم يزور ابنته فاطمة الزهراء ثم يأتي أزواجه -رضوان اللَّه عليهن-.
ولدت الزَّهراء قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وعمره حينئذ خمس وثلاثون سنة، وذلك في يوم التحكيم عند إعادة بناء الكعبة، يوم أخمد النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته وفطنتة نار الحرب بين قبائل قريش المتنازعة حول من يضع الحجر الأسود المقدس في مكانه ؛ فقد بسط رداءه، ووضع فيه ذلك الحجر وطلب من زعماء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف الرداء ثم وضعه بيده الشريفة في مكانه.
وقد شهدت السيدة فاطمة منذ طفولتها أحداثًا جسامًا كثيرة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى يومًا بالكعبة وبعض سفهاء قريش جالسون، فانبعث شقي من أشقياء القوم فأتى بأحشاء جزور فألقاها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فلم يزل ساجدًا حتى جاءت فاطمة فأزالت عنه الأذى. كما كانت أم جميل - امرأة أبي لهب- تلقي الأقذار أمام بيته فيزيلها في هدوء ومعه فاطمة تحاول أن تعيد إلى المكان نظافته وطهارته.
وقاست فاطمة -رضى الله عنها- عذاب الحصار الشديد الذي فرضه الكفار على المسلمين وبني هاشم في شِعْب أبى طالب، وعانت من فراق أمها التي تركتها تعاني ألم الوحدة وحنين الذكريات بعد وفاتها.
وهاجرت الزهراء إلى المدينة وهي في الثامنة عشرة من عمرها وكانت معها أم كلثوم، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. وفى السنة الثانية تقدم كبار الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنهما- للنبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الزواج من السيدة فاطمة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتذر لهم في رفق، ثم طلبها علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- فوافق النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قَـدَّمَ عَلِـى مَهْرًا للسيدة فاطمة قدره أربعمائة وسبعون درهمًا، وكانت ثمنًا لدرع أهداها له الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر، واشتراها منه "عثمان بن عفان" -رضى اللَّه عنه- بهذا الثمن، وكان جهازها خميلة، ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحاءين، وسقاء، وجرتين.
وفى يوم زواجها قدم النبي صلى الله عليه وسلم طبقًا مليئًا بالتمر لأصحابه وضيوفه الكرام، وفى ليلة البناء كان علي قد وُفِّق إلى استئجار منزل خاص يستقبل فيه عروسه الزهراء بعد تجهيزها، وما كان حشو فراشهما ووسائدهما إلا الليف. وبعد صلاة العشاء توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت الزوجية الجديد ودعا بماء فتوضئوا منه ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لهما بقوله: "اللهم بارك فيهما وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما، فتوضئوا" .
وبعد عام رزق اللَّه فاطمة -رضى اللَّه عنها- ابنها الحسن، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم فيه خيرًا، ثم رُزقت من بعده ابنها الحسين، ثم ولد لهما محسن الذي توفى وهو صغير، ثم منَّ اللَّه على بيت النبوة بمولودتين جميلتين هما السيدة "زينب" والسيدة "أم كلثوم"، بنتا الإمام علي والسيدة فاطمة -رضى اللَّه عنهم جميعًا-.
وكانت السيدة فاطمة، وزوجها علي، وابناها الحسن والحسين -رضى الله عنهم- أعز الناس وأقربهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد ورد أنه لما نزل قول الله تعالي: صلى الله عليه وسلم (فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[آل عمران: 61]. دعا رسول الله عليّا وفاطمة والحسن والحسين وقال: "اللهم هؤلاء أهلي" [مسلم].
وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتى وخاصتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" [الترمذي].
وكانت السيدة فاطمة -رضى الله عنها- تقوم على خدمة زوجها وأولادها، ورعاية البيت، فكان يصيبها التعب والمشقة، وقال عنها زوجها علي بن أبى طالب: لقد تزوجتُ فاطمة وما لي ولها خادم غيرها، ولما زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف، ورحاءين وسقاء وجرتين، فكانت تجرُّ بالرحاء حتى أثَّرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثَّرت القربة بنحرها، وكانت تنظف بيتها حتى تغبر ثيابها، وتوقد تحت القدر حتى دنست ثيابها. وكانت السيدة فاطمة -رضى اللَّه عنها- تشكو الضعف، وتشارك زوجها الفقر والتعب نتيجة للعمل الشاق الذي أثَّر في جسديهما. وعندما جاءت أباها لتطلب منه خادمة تساعدها في العمل لم تستطع أن تطلب ذلك استحياء منه، فتولى الإمام علي عنها السؤال وهي مطرقة في استحياء. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهما في رفق وهو يقدر حالهما: "ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أوتيما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبِّرَا أربعًا وثلاثين، وسبِّحَا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم" [البخاري].
وبعد ستة أشهر من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم انتقلت السيدة فاطمة إلى جوار ربها، ودفنت بالبقيع في ليلة الثلاثاء، الثالث من رمضان، سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان عمرها ثمانية وعشرين عامًا.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" سيدة نساء العالمين في زمانها البضعة النبوية والجهة المصطفوية أم أبيها بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية وأم الحسنين.
مولدها قبل المبعث بقليل وتزوجها الإمام علي بن أبي طالب في ذي القعدة أو قبيله من سنة اثنتين بعد وقعة بدر.
وقال ابن عبد البر: دخل بها بعد وقعة أحد فولدت له الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم وزينب.
وروت عن أبيها. وروى عنها ابنها الحسين وعائشة وأم سلمة وأنس بن مالك وغيرهم وروايتها في الكتب الستة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها ويكرمها ويسر إليها. ومناقبها غزيرة. وكانت صابرة دينة خيرة صينة قانعة شاكرة لله وقد غضب لها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا الحسن هم بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل فقال: "والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله وإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها" فترك علي الخطبة رعاية لها. فما تزوج عليها ولا تسرى. فلما توفيت تزوج وتسرى رضي الله عنهما.
ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم حزنت عليه وبكته وقالت: يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه! يا أبتاه أجاب ربا دعاه! يا أبتاه جنة الفردوس مأواه! وقالت بعد دفنه: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال لها في مرضه: إني مقبوض في مرضي هذا. فبكت. وأخبرها أنها أول أهله لحوقاً به وأنها سيدة نساء هذه الأمة فضحكت وكتمت ذلك فلما توفي صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة. فحدثتها بما أسر إليها.
قالت عائشة رضي الله عنها: جاءت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام إليها وقال: "مرحباً يا بنتي".
ولما توفي أبوها تعلقت آمالها بميراثه وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق فحدثها أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة". فوجدت عليه ثم تعللت.
روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتى أبو بكر فاستأذن فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن آذن له. قال: نعم.
قلت: عملت السنة رضي الله عنها فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره.
قال: فأذنت له فدخل عليها يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت. قال: ثم ترضاها حتى رضيت.
توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر أو نحوها. وعاشت أربعاً أو خمساً وعشرين سنة. وأكثر ما قيل: إنها عاشت تسعاً وعشرين سنة. والأول أصح. وكانت أصغر من زينب زوجة أبي العاص بن الربيع ومن رقية زوجة عثمان بن عفان. وقد انقطع نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلا من قبل فاطمة لأن أمامة بنت زينب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها في صلاته تزوجت بعلي ابن أبي طالب ثم من بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي وله رؤية فجاءها منه أولاد.
قال الزبير بن بكار: انقرض عقب زينب.
وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل فاطمة وزوجها وابنيهما بكساء وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً".
أحمد بن حنبل: حدثنا تليد بن سليمان: حدثنا أبو الجحاف عن أبي حازم عن أبي هريرة: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: "أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم".
رواه الحاكم في المستدرك. وفيه من طريق أبان بن تغلب عن أبي بشر عن أبي نضرة عن أبي سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار". إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر عن حذيفة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نزل ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وروى من وجه آخر عن المنهال رواهما الحاكم".
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أسماء عن ثوبان قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذه أهداها لي أبو حسن. فقال: "يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: هذه فاطمة بنت محمد وفي يدها سلسلة من نار"! ثم خرج. فاشترت بالسلسلة غلاماً فأعتقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار" رواه أبو داود.
داود بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة".
أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن أبي زائدة أخبرني أبي عن الشعبي عن سويد بن غفلة قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أعن حسبها تسألني"؟ قال علي: قد أعلم ما حسبها ولكن أتأمرني بها؟ فقال: "لا فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع" قال: لا آتي شيئاً تكرهه.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث عائشة أنها قيل لها أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فاطمة من قبل النساء ومن الرجال زوجها وإن كان ما علمت صواماً قواماً. قلت: ليس إسناده بذاك.
وفي الجامع لزيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما ولا بينهما: "أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم".
وكان لها من البنات: أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب وزينب زوجة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. الأعمش عن عمرو بن مرة عن أ بي البختري قال: قال علي لأمه: اكفي فاطمة الخدمة خارجاً وتكفيك هي العمل في البيت والعجن والخبز والطحن.
عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران".
علي بن هاشم بن البريد عن كثير النواء عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة وهي مريضة فقال لها: "كيف تجدينك" قالت: إني وجعة وإنه ليزيدني مالي طعام آكله. قال: "يا بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين" قالت: فأين مريم قال: "تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك أما والله لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة".
رواه أبو العباس السراج عن محمد بن الصباح عن علي. وكثير واه. وسقط من بينه وبين عمران.
علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم وآسية".
وروى أبو جعفر الرازي عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ولفظه: "خير نساء العالمين أربع".
معمر عن قتادة عن أنس مرفوعاً: "حسبك من نساء العالمين أربع"..... الحديث وصحح الترمذي هذا وهو: "حسبك من نساء العالمين مريم وخديجة وأسية بنت مزاحم وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم".
أبو نعيم: حدثنا محمد بن مروان الذهلي حدثنا أبو حازم: حدثني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ملكاً استأذن الله في زيارتي فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أمتي وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".
غريب جداً والذهلي مقل ويروى نحو ذلك من حديث أبي هريرة أيضاً.
ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها وكذلك كانت هي تصنع به. ميسرة: صدوق.
الزهري عن عروة عن عائشة قالت: عاشت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ودفنت ليلاً.
قال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل عندنا. قال: وصلى عليها العباس ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل.
وقال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة. وهي بنت سبع وعشرين سنة أو نحوها ودفنت ليلاً.
وروى يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: مكثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وهي تذوب. وقال أبو جعفر الباقر: ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر. وعن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: كان بين فاطمة وبين أبيها شهران.
وعن أبي جعفر الباقر: أنها توفيت بنت ثمان وعشرين سنة. ولدت وقريش تبني الكعبة.
قال: وغسلها علي. وذكر المسبحي: أن فاطمة تزوج بها علي بعد عرس عائشة بأربعة أشهر ونصف ولفاطمة يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف.
قتيبة بن سعيد: حدثنا محمد بن موسى عن عون بن محمد بن علي عن أمه أم جعفر وعن عمارة بن مهاجر عن أم جعفر: أن فاطمة قالت لأسماء بنت عميس: إني أستقبح ما يصنع بالنساء يطرح على المرأة الثوب فيصفها.
قالت: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً. فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله إذا مت فغسليني أنت وعلي ولا يدخلن أحد علي.
فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء فوقف على الباب فكلم أسماء. فقالت: هي أمرتني. قال: فاصنعي ما أمرتك ثم انصرف.
قال ابن عبد البر: هي أول من غطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة.
إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن. فأذنت له. فاعتذر إليها وكلمها. فرضيت عنه.
روى إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق عن علي بن فلان بن أبي رافع عن أبيه عن سلمى قالت: مرضت فاطمة..... إلى أن قالت: اضطجعت على فراشها واستقبلت القبلة ثم قالت: والله إني مقبوضة الساعة وقد اغتسلت فلا يكشفن لي أحد كنفاً فماتت وجاء علي فأخبرته فدفنها بغسلها ذلك.
هذا منكر. أبو عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق: حدثتني عائشة قالت: كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعنا عنده لم يغادر منهن واحدة. فجاءت فاطمة تمشي ما تخطىء مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآها رحب بها قال: "مرحباً بابنتي" ثم اقعدها عن يمينه أو عن يساره. ثم سارها فبكت ثم سارها الثانية فضحكت. فلما قام قلت لها: خصك رسول الله بالسر وأنت تبكين عزمت عليك بمالي عليك من حق لما أخبرتني مم ضحكت ومم بكيت؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بمالي عليك من حق لما أخبرتني. قالت: أما الآن فنعم في المرة الأولى حدثني "أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام في هذه السنة مرتين وأني لا أحسب ذلك إلا عند اقتراب أجلي فاتقي الله واصبري فنعم السلف لك أنا". فبكيت فلما رأى جزعي قال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة". قالت: فضحكت أخرجه البخاري عن أبي نعيم عن زكريا عن فراس وهو فرد غريب.
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت لفاطمة: أرأيت حين أكببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم أكببت عليه فضحكت؟ قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه فبكيت ثم أخبرني أنني أسرع أهله به لحوقاً وقال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران". فضحكت. ابن حميد: حدثنا سلمة حدثنا ابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة من فاطمة إلا أن يكون الذي ولدها.
جعفر الأحمر عن عبد الله بن عطاء عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ومن الرجال علي.
إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة حدثته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة فسارها فبكت ثم سارها فضحكت فقلت لها فقالت: أخبرني بموته فبكيت ثم أخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت.
وروى كهمس عن ابن بريدة قال: كمدت فاطمة على أبيها سبعين من يوم وليلة. فقالت لأسماء: إني لأستحيي أن أخرج غداً على الرجال من خلاله جسمي. قالت: أولا نصنع لك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فصنعت النعش. فقالت: سترك الله كما سترتني.
هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت "إذا جاء نصر الله والفتح" دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال لها: إنه قد نعيت إليه نفسه. فبكت. فقال: "لا تبكين فإنك أول أهلي لاحقاً بي". فضحكت.
إسماعيل القاضي: حدثنا إسحاق الفروي: حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن جعفر بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها". غريب: ورواه عبد العزيز الأويسي فخالف الفروي. وروى الحاكم في مستدركه ومحمد بن زهير النسوي هذا عن أبي سهل بن زياد عن إسماعيل القاضي.
شعيب عن الزهري عن علي بن الحسين أن المسور أخبره: أن علياً رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل فلما سمعت فاطمة أتت فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد فقال: "أما بعد: فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بضعة مني وأنا أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل واحد". فترك علي الخطبة.
ورواه الوليد بن كثير: حدثنا محمد بن عمرو بن حلحلة عن الزهري بنحوه. وفيه: "وأنا أتخوف أن تفتن في دينها".
ابن إسحاق عن ابن قسيط عن محمد بن أسامة عن أبيه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ قال: "فاطمة".
ويروى عن أسامة بإسناد آخر ولفظه: أي أهل بيتك أحب إليك؟.
حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: "الصلاة يا أهل بيت محمد "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" الأحزاب 33.
يونس بن أبي إسحاق ومنصور بن أبي الأسود وهذا لفظه: سمعت أبا داود سمعت أبا الحمراء يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر فيقول: "إنما يريد الله....." الآية الأحزاب 33. ومما ينسب إلى فاطمة ولا يصح:
ماذا على من شم تربة أحمد ألا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
ولها في مسند بقي ثمانية عشر حديثاً منها حديث واحد متفق عليه".
وورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" فاطِمَة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، سيدة نساء العالمين، ما عدا مَرْيَم بِنْت عُمران صلى الله عليهما. أمها خديجة بِنْت خويلد. وكانت هي وأم كُلْثُوم أصغر بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقد اختلف: في أيتهن أصغر سنّاً؟ وقيل: إن رقية أصغرهن. وفيه عندي نظر، لأن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم زوّج رقية من أبي لهب، فطلقها قبل الدخول بها، أمره أبواه بذلك، ثم تزوجها عُثْمان رضي الله عنه وهاجرت معه إلى الحبشة، فما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى. وكانت فاطِمَة تكنى أم أبيها، وكانت أحب الناس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وزوجها من علي بعد أحد. وقيل: تزوجها علي بعد أن ابتنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وابتنى بعدها بعد تزويجه إياها بسبعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزويجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر في قول. وانقطع نسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا منها، فإن الذكور من أولاده ماتوا صغاراً، وأما البنات فإن رقية رضي الله عنها ولدت عَبْد الله بن عُثْمان فتوفي صغيراً، وأما أم كُلْثُوم فلم تلد، وأما زينب رضي الله عنها فولدت علياً ومات صبيّاً، وولدت أمامة بِنْت أبي العاص فتزوجها علي، ثم بعده المغيرة بن نوفل. وقال الزبير: انقرض عقب زينب.
أخبرنا أبو أحمد عَبْد الوهاب بن علي الصوفي، أخبرنا أبو الفضل بن ناصر، أخبرنا الخطيب بن أبي الصقر الأنباري، أخبرنا أبو البركات أحمد بن عَبْد الواحد بن نظيف، أخبرنا أبو مُحَمَّد بن رشيق، حدثنا أبو بشر الدولابي، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو مَرْيَم، عن أبي إسحاق، عن الحَارِث، عن علي قال: خطب أبو بكر وعُمر يعني فاطِمَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليهما، فقال عُمر: أنت لها يا علي. فقلت: ما لي من شيء إلا دِرعي أرهنها. فزوجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطِمَة، فلما بلغ ذلك فاطِمَة بكت، قال: فدخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: "مالك تبكين يا فاطِمَة! فوالله لقد أنكَحْتُكِ أكثرهم علماً، وأفضلهم حِلماً، وأوّلهم سِلماً". قال: وحدثني الدولابي، حدثنا أحمد بن عَبْد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عَبْد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد عن علي بن أبي طالب قال: خطبت فاطِمَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت لي مولاة لي. هل علمت أن فاطِمَة خطبت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلت: لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زوجك. فوالله ما زالت ترجّيني حتى دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم جلالة وهيبة فلما قعدت بين يديه أُفحمْتُ، فوالله ما أستطيع أن أتكلم، فقال: "ما جاء بك؟ ألَكَ حاجةٌ؟" فسكتّ، فقال: "لعلّك جئتَ تخطب فاطِمَة؟" قلت: نعم. قال: "وهل عندك من شيء تستحلّها به؟" فقلت: لا، والله يا رسول الله فقال: "ما فعلت بالدرع التي سلَّحتُهَكا؟" فقلت: عندي والذي نفس علي بيده إنها لحُطَمِيّة، ما ثمنها أربعمائة درهم. قال: "قد زوجتك، فابعث بها، فإن كانت لصداق فاطِمَة بِنْت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال: وحدثنا الدولابي، حدثنا أبو جعفر مُحَمَّد بن عَوْف بن سُفْيان الطائي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا عَبْد الرَّحْمَن بن حميد الرواسي، حدثنا عَبْد الكريم بن سَليط، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة البناء يعني بفاطِمَة "لا تُحَدِّثَنَّ شيئاً حتى تلقاني". فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بماء فتوضّأ منه ثم أفرغه على عليّ وقال: "الّلهم بارك فيهما، وبارك علَيهما، وبارك لهما في نسلَيهما".
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يغار لبناته غيرة شديدة، كان لا ينكح بناته على ضرة.
أخبرنا غير واحد بإسنادهم عن أبي عيسى: حدثنا عَبْد الله بن يونس وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا الليث، عن ابن أبي مليكة، عن المِسور بن مَخْرَمة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول وهو على المنبر: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابِنْتهم علي بن أبي طالب، فلا آذَنُ، ثم لا آذنُ، ثم لا آذن، إلا أن يريد علي بن أبي طالب أن يطلّقَ ابِنْتي وينكح ابِنْتهم، فإنها بضعةٌ مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها".
أخبرنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن سويدة، أخبرنا أبو الفضل بن ناصر السلامي، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عَبْد الملك بن علي المؤذن،أخبرنا الحاكم أبو الحسن علي بن مُحَمَّد الحافظ، والقاضي أبو بكر الخيري قالا: أخبرنا أبو العَبَّاس مُحَمَّد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا عُثْمان بن عُمر، حدثنا عَبْد الرَّحْمَن بن عَبْد الله، عن شريك بن عَبْد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت: "إنَّما يريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أهْلَ البيتِ"، قالت: فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فاطِمَة وعلي والحسن والحُسَيْن فقال: "هؤلاء أهلي". قالت: فقلت: يا رسول الله أفما أنا من أهل البيت؟ قال: "بلى، إن شاء الله عَزَّ وجَلّ".
قال أبو صالح: قال الحاكم في المستدرك، عن الأصم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
قال: أخبرنا أبو الصالح، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي، أخبرنا أحمد بن عُبَيْد بن إسماعيل الصفار، حدثنا تمام بن مُحَمَّد بن غالب، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يمر ببيت فاطِمَة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر، يقول: "الصلاة يا أهل بيت مُحَمَّد، "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّرَكم تطهيرا" الأحزاب 33 قال: وأخبرنا أبو صالح أخبرنا أبو القاسم عَبْد الملك بن مُحَمَّد بن بشران، أخبرنا أبو علي أحمد بن الفضل بن العَبَّاس بن خزيمة، حدثنا عيسى بن عَبْد الله الطيالسي رعاث حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: أقبلت فاطِمَة تمشي، كأن مشيتها مشية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: "مرحباً بابِنْتي". ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت، ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما قبض سألتها، فأخبرتني أنه أسرّ إليَّ فقال: "إنَ جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرّة وإنه عارضني العام مرَّتين، وما أراه إلا وقد حضر أجَلي، وإنكِ أول أهلي لحوقاً بي، ونعم السَّلف أنا لك". فبكيت، فقال: "ألا ترضَينَ أن تكوني سيِّدة نساء العالمين؟" قال: أبو صالح: رواه البخاري في الصحيح، عن أبي نعيم. وهذا من غريب الصحيح، فإن زكريا روى عن الشعبي أحاديث في الصحيحين، وهذا يرويه عن فراس، ثم عن الشعبي.
أخبرنا إبراهيم بن مُحَمَّد وغيره بإسنادهم عن الترمذي: حدثنا حسين بن يزيد الكوفي، حدثنا عَبْد السلام بن حرب، عن أبي الحَجاف عن جُمَيع بن عمير التيمي قال: دخلت مع عمي على عائشة، فسألت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالت: فاطِمَة. قيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان، ما علمتُ صوّأما قوّاماً.
أخبرنا أبو مُحَمَّد بن سُوَيدة، أخبرنا مُحَمَّد بن ناصر، أخبرنا أبو صالح المؤذن، أخبرنا أبو بكر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن شاذان المقرئ، حدثنا مُحَمَّد بن عَبْد الله القتاب حدثنا أحمد بن عَمْرو بن أبي عاصم، حدثنا عُمر بن الخطاب، حدثنا أبو صالح حدثنا سُفْيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع عليّ بن أبي طالب يقول: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: أيّنا أحب إليك أنا أو فاطِمَة؟ قال: "فاطِمَة أحبُّ إليَّ منك، وأنت أعزُّ عليَّ منها".
وأخبرنا يحيى بن محمود إذناً بإسناده عن ابن أبي عاصم قال: أخبرنا عَبْد الله بن عُمر بن سالم المفلوج وكان من خيار المسلمين عندي حدثنا حسين بن زيد بن علي بن الحُسَيْن بن علي بن أبي طالب، عن عُمر بن علي، عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه، عن علي بن حسين بن علي، عن حسين بن علي، عن علي: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطِمَة: "إنَّ اللهَ يغضبُ لغضبكِ ويرضى لرضاكِ".
أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن المخزومي بإسناده عن أحمد بن علي: حدثنا الحسن بن عُثْمان بن شقيق، حدثنا الأسود بن حفص المروزي، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قدم من سفر قبَّل ابِنْته فاطِمَة.
قال: وحدثنا أحمد بن علي، حدثنا مُحَمَّد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصريّ، أخبرنا مُحَمَّد بن خالد الحنفي، حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن هاشم بن هاشم عن عَبْد الله بن وهب، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطِمَة إلى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فسارّها بشيءٍ فبكت. ثم سارّها بشيءٍ فضحكت، فسألتها عنه فقالت: أخبرني أنه مقبوضٌ في هذه السنة فبكيت، فقال: " ما يسرّك أن تكوني سيِّدةَ نساء أهل الجَنَّة، إلاّ فلانة"، فضحكت.
أخبرنا عَبْد الوهاب بن أبي حبة بإسناده عن عَبْد الله بن أحمد: حدثني أبي، حدثنا عَفَّان، حدثنا مُعاذ بن مُعاذ، حدثنا قَيْس بن الربيع، عن أبي المقدام، عن عَبْد الرَّحْمَن الأزرق، عن علي قال: دخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحُسَيْن، قال: فقام النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى شاة لنا بَكِئٍ فحلبها، فدرَّت، فجاءه الحسن فنحاه النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت فاطِمَة: يا رسول الله، كأنه أحبهما إليك؟ قال: "لا، ولكنه استسقى قبله". ثم قال: "إنّا وإيّاك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة". أخبرنا إبراهيم وغيره بإسنادهم عن أبي عيسى: حدثنا سليمان بن عَبْد الجبار البغدادي، حدثنا علي بن قادم، حدثنا أسباط بن نصر، الهمْداني، عن السدّي، عن صبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي وفاطِمَة والحسن والحُسَيْن: "أنا حربٌ لمن حاربتم، سِلمٌ لمن سالمتم".
أخبرنا أبو مُحَمَّد الحسن بن علي بن الحُسَيْن الأسدي الدمشقي المعروف بابن البن، حدثنا جدي أبو القاسم الحُسَيْن بن الحسن قال: قرأت على القاضي علي بن مُحَمَّد بن علي المِصّيصي، أخبرنا القاضي أبو نصر مُحَمَّد بن أحمد بن هارون بن عَبْد الله الغساني، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن جيدُرَّة الأطرابلاسي قراءة عليه، حدثنا إبراهيم بن عَبْد الله القصار، أخبرنا العَبَّاس بن الوليد بن بكار الضبي بالبصرة، عن خالد بن عَبْد الله، عن خالد بن بيان، عن الشعبي، عن أبي جُحيفة، عن علي قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من وراء الحجاب: يا أهل الجمْع غُضّوا أبصاركم عن فاطِمَة بِنْت مُحَمَّد حتى تمرّ".
أخبرنا أبو ياسر بن أبي حبّة بإسناده عن عَبْد الله بن أحمد: حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن عَبْد الله بن الحسن هو ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عن أمه فاطِمَة بِنْت الحُسَيْن بن علي، عن جدتها فاطِمَة الكبرى هي بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل المسجد صلّى على مُحَمَّد وسلم، ثم قال: "ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرج صلى على مُحَمَّد وسلم ثم قال: "ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك".
هذا الحديث ليس إسناده بمتصل، فإن فاطِمَة بِنْت الحُسَيْن لم تدرك جدتها فاطِمَة الكبرى، والله أعلم.
وتوفيت فاطِمَة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بستة أشهر. هذا أصح ما قيل. وقيل: بثلاثة أشهر. وقيل: عاشت بعده سبعين يوماً. وما رؤيت ضاحكة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى لحقت بالله عَزَّ وجَلّ، ووجدت عليه وَجداً عظيماً.
قال أنس: قالت لي فاطِمَة: يا أنس كيف طابت قلوبكم؟ تحثون التراب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟!.
وكانت أول أهله لحوقاً به، تصديقاً لقوله صلّى الله عليه وسلّم. ولما حضرها الموت قالت لأَسْمَاء بِنْت عميس: يا أَسْمَاء، إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء، يطرح على المرأة الثوب فيصفها. قالت أَسْمَاء يا ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوباً. فقالت فاطِمَة: ما أحسن هذا وأجمله! فإذا أنا متُّ فاغسليني أنت وعليّ، ولا تُدخلي عليَّ أحداً. فلما توفيت جاءت عائشة، فمنعتها أَسْمَاء، فشكتها عائشة إلى أبي بكر وقالت: هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد صنعت لها هودجاً؟! قالت: هي أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد، وأمرتني أن أصنع لها ذلك. قال: فاصنعي ما أمرتك. وغسَّلها عليّ وأَسْمَاء.
وهي أول من غُطّي نعشها في الإسلام، ثم بعدها زينب بِنْت جحش. وصلى عليها علي بن أبي طالب. وقيل: صلى عليها العَبَّاس. وأوصت أن تدفن ليلاً، ففعل ذلك بها.
ونزل في قبرها علي والعَبَّاس، والفضل بن العَبَّاس.
قيل: توفيت لثلاثٍ خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، والله أعلم. وكان عُمرها تسعاً وعشرين سنة.
وقال عَبْد الله بن الحسن بن الحسن بن علي: كان عُمرها ثلاثين سنة. وقال الكلبي: كان عُمرها خمساً وثلاثين سنة.
وقد روي أنها اغتسلت لما حضرها الموت وتكفنت، وأمرت عليّاً أن لا يكشفها إذا توفيت وأن يَدْرُجَها في ثيابها كما هي، ويدفنها ليلاً. وقد ذكرنا في أم سَلْمَى غسلها أيضاً. والصحيح أن علياً وأَسْمَاء غسَّلاها والله أعلم.
أخرجه الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 16-01-2013, 03:55 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة حليمة السعدية


أرضعتْ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأتمتْ رضاعه حتى الفصال، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم لها ذلك الجميل؛ فعن أبي الطفيل قوله: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقسِّم لحمًا بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط لها رداءه، فقلت: من هذه؟ فقالوا: أمه التي أرضعتْه. [الطبراني].
إنها السيدة حليمة بنت أبى ذؤيب عبد الله السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم .
قدمت السيدة حليمة -رضى اللَّه عنها- مكة تلتمس طفلاً رضيعًا، وكانت تلك السنة مقحطة جافةً على قبيلتها -قبيلة بنى سعد- جعلت نساءها -ومنهن حليمة- يسعين وراء الرزق، فأتين مكة؛ حيث جرتْ العادة عند أهلها أن يدفعوا بصغارهم الرُّضَّع إلى من يكفلهم. وتروى لنا السيدة حليمة قصتها، فتقول: قدمتُ مكة فى نسوة من بني سعد، نلتمس الرضعاء فى سنة شهباء صلى الله عليه وسلم مجدبة على أتان ضعيفة صلى الله عليه وسلم أنثى الحمار معي صبى وناقة مسنة. ووالله ما نمنا ليلتنا لشدة بكاء صبينا ذاك من ألم الجوع، ولا أجد فى ثديى ما يعينه، ولا فى ناقتنا ما يغذيه، فِسْرنا على ذلك حتى أتينا مكة، وكان الرَّكْبُ قد سبقنا إليها، فذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذتُه، فما هو إلا أن أخذته فجئتُ به رحلي، حتى أقبل عَلى ثدياي بما شاء من لبن، وشرب أخوه حتى رَوِي، وقام زوجى إلى الناقة فوجدها حافلة باللبن؛ فحلب وشرب، ثم شربتُ حتى ارتوينا، فبتنا بخير ليلة، فقال لى زوجي: يا حليمة! واللَّه إنى لأراك قد أخذتِ نسمة مباركة، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟!
كانت حليمة -رضى اللَّه عنها- أمينة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حانية عليه، ما فرَّقت يومًا بينه وبين أولادها من زوجها، وما أحس عندها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا.
وكان لها من زوجها الحارث بن عبد العزى أبناء، هم إخوة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وهم عبد اللَّه، وأنيسة، والشيماء.
وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصِل حليمة، وُيْهِدى إليها، عِرْفانًا بحقها عليه؛ فقد عاش معها قرابة أربعة أعوام، تربى فيها على الأخلاق العربية، والمروءة، والشهامة، والصدق، والأمانة، ثم ردَّته إلى أمه السيدة آمنة بنت وهب، وعمره خمس سنوات وشهر واحد.
وقد أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حُبّا كبيرًا؛ حتى إنه لما أخبرته إحدى النساء بوفاتها -بعد فتح مكة- ذرفت عيناه بالدموع عليها.
جاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
"حليمة بِنْت أبي ذؤيب، واسمه: عَبْد الله بن الحَارِث بن شِجْنة بن جابر بن رِزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن.
كذا نقل أبو عُمر هذا النسب، ووافقه ابن أبي خيثمة.
وقال هشام بن الكلبي، وابن هشام: شِجنة بن جابر بن رِزام بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.
وهذا أصح إلا أن الكلبي قال: اسم أبي ذؤيب: الحَارِث بن عَبْد الله بن شجنة، والباقي مثل ابن هشام، ووافقهما البلاذَري.
وأخبرنا أبو جعفر بإسناده إلى يونس عن ابن إسحاق قال: فدُفِع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أمه فالتمست له الرضعاء، واسترضع له من حليمة بِنْت أبي ذؤيب: عَبْد الله بن الحَارِث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.
وهي أم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الرضاعة. روى عنها عَبْد الله بن جعفر بن أبي طالب.
أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد البغدادي بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني جَهْم بن أبي الجهم مولى لامْرَأَة من بني تميم، كانت عند الحَارِث بن حاطب، وكان يقال: مولى الحَارِث بن حاطب قال: حدثني من سمع عَبْد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حُدثت عن حليمة بِنْت الحَارِث أم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي أرضعته أنها قالت: قدمت مَكَّة في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، فقدمت على أتان قمراء كانت أذّمَّت بالركب، ومعي صبي لنا وشارف لنا، والله ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، ما يجد في ثديي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذيه. فقدمنا مَكَّة فوالله ما علمت منا امْرَأَة إلا وقد عُرِض عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا قيل: يتيم، تركناه، وقلنا: ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه! إنما نرجو المعروف من أب الولد فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا. فوالله ما بقي من صواحبي امْرَأَة إلا أخذت رضيعاً غيري، فلم أجد غيره قلت لزوجي الحَارِث بن عَبْد العزى: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال: لا عليك. فذهبت، فأخذته، فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي، فأقبل على ثدياي بما شاء من لبن، وشرب أخوه حتى روى، وقام صاحبي إلى شارفي تلك فإذا بها حافل، فحلب ما شرب، وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة، فقال لي صاحبي: يا حليمة، والله إني لأراك أخذت نَسَمة مباركة... الحديث، وذكر فيه من معجزاته ما هو مشهور به صلّى الله عليه وسلّم. أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن الفقيه بإسناده عن أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا عَمْرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، حدثنا عَمَارَة بن ثوبان: أن أبا الطَفيل اخبره أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم كان بالجعِرّانة يقسم لحماً: وأنا يومئذٍ غلام أحمل عضو البعير: فأقبلت امْرَأَة بدويّة فلما دنت من النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم بسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته.
وكان اسم زوجها الذي أرضعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلبنه: الحَارِث بن عَبْد العُزّى بن رفاعة بن ملاّن بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر.
وقد روى عن ابن هشام في السيرة فصية بالفاء والقاف جميعاً، والصواب بالفاء، قاله ابن دُرِيد، وهو تصغير فُصْيَة.
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 16-01-2013, 03:58 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة أم أيمن

أم الحبيب


هى إحدى المهاجرات الأُوَل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يناديها: "يا أمَّه"، وكان إذا نظر إليها، يقول: "هذه بقية أهل بيتي" [ابن سعد والحاكم]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها دائمًا، ويكرمها، ويقول عنها: "أم أيمن أمي، بعد أمي". وكانت هي سعيدة بهذا الأمر، وتعيشه كأنه حقيقة، فكانت تحنو عليه حنان الأم على ابنها، وتخشى عليه خشيتها، وتغضب أحيانًا عليه كما تغضب الأم، فعن أنس- رضى الله عنه - قال: انطلق بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب. قال: فلا أدرى أصادفته صائمًا أو لم يُرِدْه، فجعلت تصخب عليه صلى الله عليه وسلم (تصرخ فيه) وتذمر عليه (تكلمه بحدة وغضب) وما كانت لتفعل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يعلم أنه بمثابة الابن، فهى قد حضنته وربته صلى الله عليه وسلم.
هذه أم أيمن -رضى الله عنها- أحاطت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبها ورعايتها، وكانت أمَّه صغيرًا وكبيرًا، فأكرمها اللَّه -سبحانه وتعالى- بفضله، وجزاها خيرًا على جميلها، وحفظها كما حفظت النبي صلى الله عليه وسلم، فتروى لنا قصة هجرتها إلى المدينة، ومدى حماية الله تعالى لها، فتقول: خرجتُ مهاجرة من مكة إلى المدينة، وأنا ماشية على رجلي، وليس معى زاد، فعطشتُ وكنتُ صائمة، فأجهدنى العطش، فلما غابت الشمس إذا بإناء تعلّق عند رأسى مُدَلَّى برشاء (أى حبل) أبيض، فدنا منِّى حتى إذا كان بحيث أستمكن منه، تناولته فشربتُ منه، حتى رَويت، فكنتُ بعد ذلك - فى اليوم الحار - أطوف فى الشمس؛ كى أعطش فما عطشتُ بعدها. [ابن سعد.
لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصديق لعمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنهما-: انطلقْ بنا نزْر أم أيمن، كما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما دخلا عليها بكت. فقالا: مايبكيك، فما عند اللَّه خير لرسوله؟ قالت: أَبْكِى أنّ وحْى السماء انقطع، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلتْ تبكى ويبكيان معها. [مسلم وابن ماجة].
إنها أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن، وكانت تعرف بالحبشية، وهى وصيفة (خادمة) عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات صارت لزوجته آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم، فظلّت تُكِنّ لها كل إخلاص ومحبة صادقة، وسافرت معها ومع ابنها محمد صلى الله عليه وسلم إلى يثرب لزيارة قبر زوجها عبد اللَّه، ولما عادوا مرضت أم النبي صلى الله عليه وسلم، وماتت فى الطريق، فدفنتها أم أيمن فى مكان يعرف بالأبواء، وسط الصحراء فى الطريق بين مكة والمدينة، وحملتْ النبي صلى الله عليه وسلم إلى جده عبدالمطلب، وظلتْ تخدمه وتسهر على راحته؛ حتى تزوج صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة بنت خويلد -رضى اللَّه عنها-، فانتقلت معه إلى منزلها، وكانت موضع احترامٍ وتقديرٍ منهما.
وعندما تقدم إليها عبيد بن زيد من بنى الحارث بن الخزرج للزواج منها تكفلتْ السيدة خديجة بتجهيزها، وبعد عام من الزواج أنجبت منه ابنها (أيمن الذي تُكنى به دائمًا) وقد استشهد أيمن فى موقعة خيبر، ولما توفى عبيد بن زيد -زوج أم أيمن- تقدم "زيد بن حارثة" للزواج بالسيدة أم أيمن، وزاد من رغبته فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن" [ابن سعد]، فولدتْ له "أُسامة بن زيد" حِبّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وهى إحدى المؤمنات المجاهدات اللاتى شاركن فى المعارك الإسلامية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدت أُحدًا، وكانت تسقى المسلمين، وتداوى الجَرْحَي، وشهدت غزوة خيبر.
وروت أم أيمن -رضى الله عنهـا- بعـضًا من أحاديــث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتوفيت -رضى الله عنها- فى آخر خلافة عثمان بن عفان -رضى اللَّه عنه- ودفنت بالمدينة بعد أن تجاوزت التسعين من عمرها.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" ام أيمن مولاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحاضنته، واسمها بركة، وهي حبشية فأعتقها عَبْد الله أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وأسلمت قديماً أول الإسلام، وهاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة، وبايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: أنها كانت لأخت خديجة، فوهبتها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقيل: كانت لام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي التي شربت بول النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال لها: "لا يَيْجَعُ بطنكِ أبداً". وقيل: إن التي شربت بوله بركة جارية أم حبيبة، وتُكنى أم أيمن بابنها أيمن بن عُبَيْد.
وتزوجها زيد بن حارثة بن عُبَيْد الحبشي، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ام أيمن أمي بعد أمي". وكان يزورها في بيتها.
أخبرنا عَبْد الوهاب بإسناده عن عَبْد الله: حدثني أبي، حدثنا عَبْد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن أم أيمن بكت لما قُبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقيل لها: ما يبكيك على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقالت: إني علمت أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم سيموت، ولكن أبكي على الوحي الذي رُفع عنا. أخبرنا يحيى بن محمود وأبو ياسر بإسنادهما عن مسلم أبي الحُسَيْن قال: حدثنا أبو طاهر وحرَمْلَة قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مَكَّة... وذكر الحديث وقال: قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعَبْد الله بن عَبْد المُطَّلِب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمِنَةرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدما توفي أبوه، حضنته أم أيمن حتى كبر، ثم أعتقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخمسة أشهر. وقيل: بستة أشهر. وقيل: إن أبا بكر وعُمر كانا يزورانها كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يزورها.
أخرجها الثلاثة".
وجاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" أم أيمن الحبشية مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته. ورثها من أبيه ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة.
وكانت من المهاجرات الأول.

اسمها: بركة. وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي فولدت له: أيمن ولأيمن هجرة وجهاد استشهد يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بعث النبي صلى الله عليه وسلم فولدت له أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روي بإسناد واه مرسل: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأم أيمن: "يا أمه" ويقول: "هذه بقية أهل بيتي".
جرير بن حازم: حدثنا عثمان بن القاسم قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة وجهدت فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فشربت وكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشت.
قال فضيل بن مرزوق عن سفيان بن عقبة قال: كانت أم أيمن تلطف النبي صلى الله عليه وسلم وتقوم عليه. فقال: "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن".
قال: فتزوجها زيد.
أبو نعيم: حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس: جاءت أم أيمن فقالت: يا رسول الله احملني قال: "أحملك على ولد الناقة". قالت: إنه لا يطيقني ولا أريده قال: "لا أحملك إلا عليه". يعني: يمازحها.
الواقدي عن عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث: أن أم أيمن قالت يوم حنين: سبت الله أقدامكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسكتي فإنك عسراء اللسان".
وقال أبو جعفر الباقر: دخلت أم أيمن على النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: سلام لا عليكم. فرخص لها أن تقول: السلام.
معتمر بن سليمان عن أبيه: حدثنا أنس: إن الرجل كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم من ماله النخلات حتى فتحت قريظة والنضير فجعل يرد. وإن أهلي أمرتني أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أهله أعطوه. أو بعضه وكان النبي أعطى ذاك أم أيمن فسألته فأعطانيهن. فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لك كذا" وتقول: كلا والله... وذكر الحديث.
الوليد: حدثنا عبد الرحمن بن نمر عن الزهري: حدثني حرملة مولى أسامة بن زيد: أنه بينا هو جالس مع ابن عمر إذ دخل الحجاج بن أيمن فصلى صلاة لم يتم ركوعها ولا سجودها فدعاه ابن عمر وقال: أتحسب أنك قد صليت؟ إنك لم تصل فعد لصلاتك فلما ولى قال ابن عمر: من هذا فقلت: الحجاج بن أيمن بن أم أيمن. فقال: لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه.
حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن أم أيمن بكت حين مات النبي صلى الله عليه وسلم. قيل لها: أتبكين قالت: والله لقد علمت أنه سيموت ولكني إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عنا من السماء.
وروى قيس بن مسلم عن طارق قال: لما قتل عمر بكت أم أيمن وقالت: اليوم وهى الإسلام. وبكت حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي: ماتت في خلافة عثمان.
ولها في مسند بقي: خمسة أحاديث".
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 16-01-2013, 04:00 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أروى بنت عبد المطلب

المؤازرة


دخل عليها ابنها طليب بن عمير -قبل إسلامها- فقال: يا أمي تبعتُ محمدًا وأسلمت للَّه.
فقالت له: إن أحق من آزرت وعضدت ابن خالك، واللَّه لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال، لتبعناه ودافعنا عنه.
فقال طليب: فما يمنعك يا أمي من أن تسلمي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن.
فقال طليب: فإني أسألك بالله إلا أتيته، فسلمت عليه وصدقته، وشهدتِ أن لاإله إلا الله وأن محمدًا رسول الَّله.
إنها "أروى بنت عبد المطلب بن هاشم" إحدى عمات النبي صلى الله عليه وسلم الست، كانت قبل إسلامها تعضده وتؤازره وتنصره.
قال بعض المؤرخين: إنها أسلمت وهاجرت إلى المدينة، واستدلوا بما رُوِى أن أبا جهل -ومعه عدد من الكفار- اعترضوا النبي صلى الله عليه وسلم فآذوه، فعمد طليب بن عمير إلى أبى جهل فضربه ضربة شجه بها، فأخذوه وأوثقوه. فقام دونه أبو لهب حتى خلاه.
فقيل لأروى: ألا ترين ابنك طليبًا قد صير نفسه غرضًا دون محمد؟ فقالت: خير أيامه يوم يذبُّ عن ابن خاله، وقد جاء بالحق من عند اللَّه.
فقالوا: أوقد تبعتِ محمدًا؟ قالت: نعم.
فخرج بعضهم إلى أبى لهب فأخبره، فأقبل حتى دخل عليها فقال: عجبًا لك ! ولاتباعِكِ محمدًا وتركِكِ دينَ عبد المطلب! فقالت: قد كان ذلك، فقم دون ابن أخيك واعضده وامنعه، فإن يظهر أمره، فأنت بالخيار أن تدخل معه أو تكون على دينك، وإن يُصَبْ، كنتَ قد أعذرت فى ابن أخيك.
فقال أبو لهب: أَوَلَنَا طاقة بالعرب قاطبة، جاء بدِين مُحْدَثٍ، ثم انصرف. وظلت أرْوَى مؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم ناصرة دينه.
قالت ترثى النبي صلى الله عليه وسلم:

ألا يا رسولَ الله كنتَ رجاءنا وكُنْتَ بنا برّا ولم تَكُ جافيًا
كانت أروى بنت عبد المطلب قد تزوجت عمير بن وهب فولدت له طليبًا، ثم تزوجت من بعده كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار فولدت له أروي.
تُوُفِّيَتْ -رضى الله عنها- فى نحو سنة 15 من الهجرة.
ورد في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أَرْوَى بِنْت عَبْد المُطَّلِب بن هاشم بن عَبْد مناف القُرَشِيَّة الهاشمية، عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكرها أبو جعفر في الصحابة، وذكر أيضاً أختها عاتِكَة بِنْت عَبْد المُطَّلِب. وخالفه غيره، فأما ابن إسحاق ومن وافقه فقالوا: لم يُسلم من عمات النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم غير صفية أم الزبير، وقال غير هؤلاء: أسلم من عمات النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم صفية وأَرْوَى. وقال مُحَمَّد بن إبراهيم بن الحَارِث التيمي: لما أسلم طُلَيب بن عُمَير دخل على أمه أَرْوَى بِنْت عَبْد المُطَّلِب فقال لها: قد أسلمت وتبعت مُحَمَّداً وذكر الحديث، وقال لها: ما يمنعك أن تسلمي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة؟ قالت: أنظر ما تصنع أخواتي، ثم أكون مثلهن. قال: فقلت: إني أسألك بالله إلا أتيته وسلّمتِ عليه وصدّقتِه، وشهدت أن لا إله إلا الله. فقالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمَّداً رسول الله. ثم كانت بعد تعضد النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتعينه بلسانها، وتحض ابنها على نصرته والقيام بامره.
أخرجها أبو عُمر. ولم يصح من إسلام عماته إلا صفية، وذكرها ابن منده وأبو نُعيم في ترجمة عاتِكَة، ولم يفرداها بترجمة".
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 16-01-2013, 04:02 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

صفية بنت عبد المطلب

عمة النبي صلى الله عليه وسلم


كانت -رضى الله عنها- صابرة محتسبة، راضية بقضاء الله، ترى كل مصيبة هينة -مهما عظمت- ما دامتْ فى سبيل الله.
ففى غزوة أحد أقبلت لتنظر إلى أخيها حمزة الذي استشهد، فلقيها ابنها الزبير بن العوام فقال: أى أمه، رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولِمَ؟ وقد بلغنى أنه مُثِّل بأخي، وذلك فى اللَّه، فما أرضانا بما كان فى ذلك، لأصبرن وأحتسبن إن شاء اللَّه. فجاء الزبير فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خلِّ سبيلها". فأتتْ إلى حمزة، واستغفرت له، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفنه.
وكانت - رضى اللَّه عنها - مقاتلة شجاعة.فلما خرج صلى الله عليه وسلم إلى غزوة الخندق، جعل نساءه فى بيت لحسان بن ثابت، فجاء أحد اليهود، فرَقَى فوق الحصن حتى أطل على النساء، فقامت إليه صفية -رضى اللَّه عنها- فضربته وقطعت رأسه، ثم أخذتها، فألقتها على اليهود وهم خارج البيت، فقالوا: قد علمنا أن هذا -أى النبي صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليترك أهله، ليس معهم أحد يحميهم، فتفرقوا.

إنها صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أمها بنت وهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كُلاب، وهي أخت حمزة لأمه، تزوجها فى الجاهلية الحارث بن حرب بن أُمية، فولدت له ولدًا، ثم تزوجها "العوام بن خويلد" فولدت له الزبير، والسائب، وعبد الكعبة، وأسلمت صفية، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت إلى المدينة، وكانت من أوائل المهاجرات إلى المدينة، أسلمت مع ولدها الزبير، وقيل: مع أخيها حمزة.
قالت عائشة: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين)[الشعراء:142]، قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بنى عبد المطلب، لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، سلونى من مالى ما شئتم" [مسلم، والنسائي، والترمذي، وأحمد].
ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم رثته صفية.


توفيت "صفية بنت عبد المطلب" سنة عشرين هجرية فى خلافة عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - وعندها بضع وسبعون سنة، ودفنت بالبقيع فى فناء دار المغيرة بن شعبة، وقد روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث، فرضى اللَّه عنها وأرضاها.

جاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" صفية بِنْت عَبْد المُطَّلِب بن هاشم بن عَبْد مناف القُرَشِيَّة الهاشمية، عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي أم الزبير بن العوّام، وأمها هالة بِنْت وهيب بن عَبْد مناف بن زهرة، وهي شقيقة حمزة والمقوَّم وحجْل بني عَبْد المُطَّلِب. لم يختلف في إسلامها من عمّات النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، واختلف في عاتِكَة وأَرْوَى، والصحيح أنه لم يسلم غيرها، كانت في الجاهلية قد تزوجها الحَارِث بن حرب بن أميَّة بن عَبْد شمس، أخو أبي سُفْيان بن حرب، فمات عنها، فتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير وعَبْد الكعبة، وعاشت كثيراً، وتوفيت سنة عشرين في خلافة عُمر بن الخطاب، ولها ثلاث وسبعون سنة. ودفنت بالبقيع، وقيل: إن العوام تزوجها أولاً، وليس بشيء، قاله أبو عُمر. ولما قتل أخوها حمزة وجدت عليه وجداً شديداً، وصبرت صبراً عظيماً. أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري وعاصم بن عُمر بن قتادة ومُحَمَّد بن يحيى بن حبان، والحصين بن عَبْد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سعد بن مُعاذ، وغيرهم من علمائنا، عن يوم أحد وقتل حمزة، قال: فأقبلت صفية بِنْت عَبْد المُطَّلِب تنظر إلى حمزة بأحد، وكان أخاها لأمها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لابنها الزبير: "الْقَها فارْجِعْها، لا ترى ما بأخيها". فلقيها الزبير وقال: أيْ أمه، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يامرك أن ترجعي. قالت: ولِمَ، فقد بلغني أنه مثّل بأخي، وذاك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأصبرنَّ ولأحتسبنّ إن شاء الله. فلما جاء الزبير إليه فأخبره قول صفية قال: خلِّ سبيلها. فأتته فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت له ثن أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدفن.
قال وحدثنا بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عَبْد الله بن الزبير، عن أبيه قال: كانت صفية بِنْت عَبْد المُطَّلِب في فارع حصن حسان بن ثابت، يعني في وقعة الخندق قالت: وكان حسان معنا في الحصن مع النساء والصبيان حيث خندق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت صفية: فمرّ بنا رجلٌ يهوديٌ فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون في نحور عدوِّهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آتٍ، قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهوديّ يُطَوِّفُ بالحصن كما ترى، ولا أمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لكِ يا ابنة عَبْد المُطَّلِب! والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت صفية: فلما قال ذلك، ولم أر عنده شيئاً، احتجزت وأخذت عموداً ونزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان، انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلاّ أنه رجل. فقالا: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عَبْد المُطَّلِب.
قال يونس: وحدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن صفية بِنْت عَبْد المُطَّلِب، مثله ونحوه، وزاد فيه: وهي أول امْرَأَة قتلت رجلاً من المشركين.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16-01-2013, 04:03 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

عاتكة بنت عبد المطلب


عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة الرسول وأخت أبيه من أبيه وأمه وأمهما: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
تزوجت في الجاهلية من أبو أمية حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والد أم سلمة زوج النبي ، فأنجبت له عبد الله وزهير. لم يسلم عبد الله، وأما زهير فقد أسلم وكان أحد الساعين لنقض صحيفة المقاطعة التي فرضتها قريش على الرسول وبني هاشم.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" عاتِكَة بِنْت عَبْد المُطَّلِب بن هاشم القُرَشِيَّة الهاشمية، عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
اختلفت في إسلامها، فقال ابن إسحاق وجماعة من العلماء: لم يسلم من عمات النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم غير صفية. وكانت عاتِكَة عند أبي أميَّة بن المغيرة المخزومي أبي أم سلمة، وهي أم ابنه عَبْد الله بن أبي أميَّة، وأم زهير وقريبة. روت عنها أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بن أبي معيط وغيرها.
أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده، عن يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني حسين بن عَبْد الله ابن عُبَيْد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: و حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: رأت عاتِكَة بِنْت عَبْد المُطَّلِب فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم ابن عُمر الغفاري على قريش مَكَّة بثلاث ليال رؤيا، فأصبحت عاتِكَة فبعثت إلى أخيها العَبَّاس فقالت: يا أخي، لقد رأيت الليلة رؤيا: ليدخلن على قومك منها شر وبلاء! فقال: وما هي؟ فقالت: رأيت فيما يرى النائم رجلاً أقبل على بعير له فوقف بالأبطح، فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم أرى بعيره دخل به المسجد، واجتمع الناس إليه، ثم مثل به بعيره، فإذا هو على رأس الكعبة فقال: انفروا يا آل غدر، لمصارعكم في ثلاث. ثم أرى بعيره مثل به على رأس أبي قبيس فقال: انفروا آل غدر، لمصارعكم في ثلاث. ثم أخذ صخرة فأرسلها من رأس الجبل، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت في أسفله ارفاضَّتْ فما بقيت دار من دور قومك، ولا بيت إلا دخل فيها بعضها. فقال العَبَّاس: اكتميها. قالت: وأنت فاكتمها. فخرج العَبَّاس من عندها فلقي الوليد بن عتبة وكان له صديقاً فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه، فتحدث بها، ففشا الحديث. فقال العَبَّاس: والله إني لغادٍ إلى الكعبة لأطوف بها، فإذا أبو جهل في نفر يتحدثون عن رؤيا عاتِكَة، فقال أبو جهل: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النَّبِيّة؟ فقلت: وما ذاك؟ قال: رؤيا عاتِكَة بِنْت عَبْد المُطَّلِب، أما رضيتم أن تَنبّأ رجالكم حتى تنبأت نساؤكم؟! سنتربص بكم الثلاث التي ذكرت عاتِكَة، فإن كان حقاً فسيكون، وإلا كتبنا عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب! فأنكرت وقلت: ما رأت شيئاً. فلما أمسيت لم تبق امْرَأَة من بني عَبْد المُطَّلِب إلا أتتني فقلن: صبرتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء، وأنت تسمع، فلم يكن عنك غيرة؟! فقلت: قد والله صدّقتُنَّ، ولأتعرضنّ له، فإن عاد لأكفينَكُنَّهُ. فغدوت في اليوم الثالث أتعرض له ليقول شيئاً أشاتمه، فوالله إني لمقبل نحوه إذ ولّى نحو باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي: اللهم العنه، أكلّ هذا فرقاً أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عَمْرو وهو واقف على بعيره بالأبطح، حتى حوّل رحله، وشق قميصه، وجدع بعيره، يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم أموالكم مع أبي سُفْيان، قد عرض لها مُحَمَّد وأصحابه، الغوث الغوثَ. فشغله ذلك عني، وشغلني عنه، فلم يكن إلا الجهاز، حتى خرجنا إلى بدر، فأصاب قريشاً ما أصابها ببدر، وصدق الله سبحانه وتعالى رؤيا عاتِكَة.
أخرجها الثلاثة".
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 16-01-2013, 04:06 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة مريم عليها السلام

الأم العذراء


أنزل الله ملائكة يقولون لها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ)[آل عمران:42].
ويقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير نساء العالمين: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة" [ابن حبان].
فى جو ساد فيه الظلم والاضطراب، كانت الحياة التى يعيشها بنو إسرائيل بائسة، فقد أفسدوا دينهم وحرّفوا عقيدتهم، وأضحى الواحد منهم لا يأمن على نفسه غدر الآخر، وفى خضم هذا الفساد كان يعيش عمران بن ماتان وزوجته حَنّة بنت فاقوذ، يعبدان الله وحده ولا يشركان به شيئًا، وكان الزمان يمر بهما دون ولد يؤنسهما. وفى يوم من الأيام جلست حنة بين ظلال الأشجار، فرأت عصفورة تطعم صغيرها، فتحركت بداخلها غريزة الأمومة، فدعت اللّه أن يرزقها ولدًا حتى تنذره لخدمة بيت المقدس:( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35] .
وتقبل الله منها دعاءها، ولكن حكمته اقتضت أن يكون الجنين أنثى، فكانت السيدة مريم عليها السلام (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[آل عمران: 36.
يقول (فى ذلك أنه : "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها" [مسلم].

لكن القدر كان يخفي لمريم اليتم، فقد توفى أبوها وهي طفلة صغيرة، وأخذتها أمها إلى الهيكل؛ استجابة لنذرها، ودعت الله أن يتقبلها (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا) [آل عمران: 37].
ولما رآها الأحبار قذف الله في قلوبهم حبها، فتنازعوا على من يكفلها. قال نبي الله زكريا -عليه السلام- وكان أكبرهم سنا: أنا آخذها، وأنا أحق بها؛ لأن خالتها زوجتي - يقصد زوجة أم يحيي، لكن الأحبار أَبَوْا ذلك، فقال لهم زكريا: نقترع عليها، بأن نلقي أقلامنا التى نكتب بها التوراة فى نهر الأردن، ومن يستقر قلمه؛ يكفلها، ففعلوا، فأخذ النهر أقلامهم، وظهر قلم زكريا فكفلها. قال تعالى: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون [آل عمران: 44]. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) [آل عمران: 37]. وكان عُمْرُ مريم حينئذ لا يتجاوز عامًا، فجعل لها زكريا خادمة فى محرابها ظلت معها حتى كبرت، وكان لا يدخل عليها حتى يستأذنها ويسلم عليها، وكان يأتي إليها بالطعام والشراب.
غير أنه كلما دخل عليها قدمت له طبقًا ممتلئًا بالفاكهة، فيتعجب زكريا من الفاكهة التى يراها، حيث يرى فاكهة الصيف فى الشتاء، وفاكهة الشتاء فى الصيف، فيقول لها فى دهشة: يا مريم من أين يأتى لك هذا؟ فتقول: رزقنى به اللّه. قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)[آل عمران: 37]، فلما رأى زكريا ما رأى من قدرة ربه وعظمته، دعا اللّه أن يعطيه ولدًا يساعده ويكفيه مؤنة الحياة (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء.فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 38 -39].
مرت السنون وأصبح زكريا شيخًا كبيرًا، ولم يعد قادرًا على خدمة مريم كما كان يخدمها، فخرج على بني إسرائيل، يطلب منهم كفالة مريم، فتقارعوا بينهم حتى كانت مريم من نصيب ابن خالها يوسف النجار، وكان رجلاً تقيا شريفًا خاشعًا للّه. وظل يوسف يخدمها حتى بلغت سن الشباب، فضربت مريم عندئذ على نفسها الحجاب، فكان يأتيها بحاجتها من الطعام والماء من خلف الستار . وبعد ذلك ابتعدت مريم عن الناس، وأصبح لا يراها أحد ولا ترى أحدًا (وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا) [مريم : 16-17].
وبينما مريم منشغلة فى أمر صلاتها وعبادتها، جاءها جبريل بإذن ربها على هيئة رجل ليبشرها بالمسيح ولدًا لها (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) [مريم: 17]، ففزعت منه، وقالت: قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) [مريم:18-21]. يقول المفسرون: إنها خرجت وعليها جلبابها، فأخذ جبريل بكمها، ونفخ فى جيب درعها، فحملت حتى إذا ظهر حملها، استحيت، وهربت حياءً من قومها نحو المشرق عند وادٍ هجره الرعاة. فخرج قومها وراءها يبحثون عنها، ولا يخبرهم عنها أحد. فلما أتاها المخاض تساندت إلى جذع نخلة تبكي وتقول:(قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) [مريم :23]. حينئذ أراد الله أن يسكّن خوفها فبعث إليها جبريل(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم: 24 - 26].
فاطمأنت نفس مريم إلى كلام الله لها على لسان جبريل، وانطلقت إلى قومها. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) [مريم: 27]، أى جئت بشيء منكرٍ وأمرٍ عظيم (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا)[مريم: 28- 29]، لكن الله لا ينسى عباده المخلصين، فأنطق بقدرته المسيح وهو وليد لم يتعدّ عمره أيامًا معدودة (قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِى الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا. وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَي يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:30-33]. فَعَلَتِ الدهشةُ وجوهَ القوم، وظهرت علامات براءة مريم، فانشرح صدرها، وحمدت الله على نعمته.
لكن أعداء الله - اليهود - خافوا على عرشهم وثرواتهم، فبعث ملكهم جنوده ليقتلوا هذا الوليد المبارك، فهاجرت به مريم، ومعها يوسف النجار إلى مصر، حيث مكثوا بها اثنتى عشرة سنة، تَرَّبى فيها المسيح عليه السلام، ثم عادت إلى فلسطين بعد موت هذا الملك الطاغية، واستقرت ببلدة الناصرة، وظلت فيها حتى بلغ المسيح ثلاثين عامًا فبعثه اللّه برسالته، فشاركته أمه أعباءها، وأعباء اضطهاد اليهود له وكيدهم به، حتى إذا أرادوا قتله، أنقذه الله من بين أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على أحد تلاميذه الخائنين وهو يهوذا، فأخذه اليهود فصلبوه حيا. بينما رفع اللَّه عيسى إليه مصداقًا لقوله تعالي:( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم)[النساء: 157]، وقوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[ النساء: 158] .
وتوفيت مريم بعد رفع عيسى -عليه السلام- بخمس سنوات، وكان عمرها حينئذ ثلاثًا وخمسين سنة، ويقال: إن قبرها في أرض دمشق.
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 16-01-2013, 04:08 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة هاجر

أم الذبيح


إنها هاجر، أم إسماعيل، وزوجة إبراهيم خليل الله - رضى الله عنها -. عُرِفَتْ فى التاريخ بأمِّ العَرَب العدنانيين.
وَهَبَهَا ملكُ مِصرَ إلى السيدة سارة - زوجة إبراهيم الأولى-، عندما هاجرا إلى مصر. ولما أدركت سارة أنها كبرت فى السن، ولم تنجب، وهبت هاجر لزوجها ليتزوجها، عسى الله أن يرزقه منها الولد.
وتزوج إبراهيم -عليه السلام- السيدة هاجر، وبدت عليها علامات الحمل، ثم وضعت إسماعيل -عليه السلام- ووجدت الغيرة طريقها إلى قلب السيدة سارة، فكأنها أحست أنها فقدت المكانة التى كانت لها فى قلب زوجها من قبل، فطلبت منه أن يأخذ السيدة هاجر بعيدًا عنها، فأخذها سيدنا إبراهيم - عليه السلام- إلى صحراء مكة، بأمرٍ من الله، ولحكمة يريدها عز وجل، وحدث ما حدث لها ولوليدها، هناك.. فى صحراء مكة القاحلة.. حيث لا زرع ولا ماء.. ولا أنيس ولا رفيق.. تركها زوجها هى ووليدها.. ثم مضى فى طريق عودته، وترك لهم تمرًا وماءً.
فنادته زوجته وهى تقول: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا فى هذا الوادي، الذى ليس فيه أنيس ولا شيء؟! فلم يلتفت إليها الزوج، وكأنه على يقين من وعد الله الذي لا يتخلف ولا يخيب.
فقالت الزوجة - وكأنها أدركت أن أمرًا ما يمنع زوجها من الرد عليها-: الله أمرك بهذا؟
فيرد الزوج: نعم.
فتقول الزوجة التى آمنت بربها، وعرفت معنى اليقين بصِدْقِ وَعْدِ الله، وفهمت كيف تكون معينة لزوجها على طاعة ربها، تقول فى غير تردد ولا قلق: إذن لا يضيعنا. وانصرف إبراهيم -عليه السلام- وهو يدعو ربه ويقول: (ربنا إني أسكنت من ذريتى بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شيء فى الأرض ولا فى السماء)[إبراهيم 37-38].
ونفد الماء والزاد، والأم لا تجد ما تروي به ظمأ طفلها، وقد جفّ لبنها فلا تجد ما ترضعه. فيتلوى الطفل جوعًا وعطشًا، ويصرخ، ويتردد فى الصحراء والجبال صراخه الذى يدمي قلب الأم الحنون.
وتسرع الأم وتصعد على جبل الصفا، لتنظر أحدًا ينقذها هي وطفلها من الهلاك، أو تجد بعض الطعام أو الشراب. ولكنها لا تجد فتنزل مسرعة وتصعد جبل المروة، وتفعل ذلك سبع مرات حتى تمكن منها التعب، وأوشك اليأس أن يسيطر عليها، فيبعث الله جبريل -عليه السلام- فيضرب الأرض بجناحه؛ لِتَخْرُجَ عينُ ماءٍ بجانب الصغير، فتهرول الأم نحوها وقلبها ينطلق بحمد الله على نعمته، وجعلت تغرف من مائها، وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها، وتقول لعين الماء: زُمّى زُمّي، فسميت هذه العين زمزم.
يقول النبي (: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا" [البخاري].
ومرت الأيام بطيئة ثقيلة، حتى نزل على هاجر وابنها إسماعيل بعض أناس من قبيلة "جُرْهُم" وأرادوا البقاء فى هذا المكان؛ لما رأوا عندها الماء، فسمحت لهم بالسكن بجانبها، ومشاركتها فى الشرب من ماء زمزم، واستأنست بهم، وشب الطفل الرضيع بينهم، وتعلم اللغة العربية منهم، ولما كبر تزوج امرأة منهم.
هذه هي هاجر أم الذبيح وأم العرب العدنانيين، رحلت عنا بعدما تركت لنا مثالا رائعًا للزوجة المطيعة، والأم الحانية، والمؤمنة القوية ؛ فقد أخلصت النية للَّه تعالى، فرعاها في وحشتها، وأمَّنها فى غيبة زوجها، ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب.
وقد جعل الله - سبحانه - ما فعلته السيدة هاجر - رضى الله عنها- من الصعود والسعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج.
قيل إنها توفيت وعندها من العمر 90 سنة، ودفنها إسماعيل -عليه السلام- بجانب بيت الله الحرام.
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 16-01-2013, 04:10 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

آسيا بنت مزاحم


نشأتْ ملكة في القصور، واعتادتْ حياة الملوك، ورأَتْ بطش القوة، وجبروت السلطان، وطاعة الأتباع والرعية، غير أن الإيمان أضاء فؤادها، ونوَّر بصيرتها، فسئمتْ حياة الضلال، واستظلتْ بظلال الإيمان، ودعتْ ربها أن ينقذها من هذه الحياة، فاستجاب ربها دعاءها، وجعلها مثلا للذين آمنوا، فقال : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[التحريم: 11].
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : « أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ». [أحمد] برقم(2720) وهو صحيح.
إنها آسية بنت مزاحم -امرأة فرعون- التي كانت نموذجًا خلّده القرآن للمؤمنة الصادقة مع ربها، فهي عندما عرفت طريق الحق اتبعتْه دون خوف من الباطل، وظلم أهله، فلقد آمنت باللَّه إيمانًا لا يتزعزع ولا يلين، ولم تفلح تهديدات فرعون ولا وعيده في ثنيها عن إيمانها، أو إبعادها عن طريق الحق والهدى. لقد تاجرتْ مع اللَّه، فربحَتْ تجارتها، باعتْ الجاه والقصور والخدم، بثمن غال، ببيتٍ في الجنة .
وقد جاء ذكر السيدة آسية - رضي اللَّه عنها - في قصة موسى - عليه السلام - حينما أوحى اللَّه إلى أُمِّه أن تُلْقيه في صندوق، ثم تلقى بهذا الصندوق في البحر، وفيه موسى، ويلْقِى به الموج نحو الشاطئ الذي يطلّ عليه قصر فرعون ؛ فأخذته الجواري، ودخلن به القصر، فلما رأت امرأة فرعون ذلك الطفل في الصندوق؛ ألقى الله في قلبها حبه، فأحبته حبَّا شديدًا.
وجاء فرعون ليقتله - كما كان يفعل مع سائر الأطفال الذين كانوا يولدون من بني إسرائيل - فإذا بها تطلب منها أن يبقيه حيا؛ ليكون فيه العوض عن حرمانها من الولد. وهكذا مكن اللَّه لموسى أن يعيش في بيت فرعون، قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِ ولا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) [القصص 7-9] .
وكانت السيدة آسية ذات فطرة سليمة، وعقل واعٍ، وقلب رحيم، فاستنكرت الجنون الذي يسيطر على عقل زوجها، ولم تصدق ما يدعيه من أنه إله وابن آلهة.
وحينما شَبَّ موسى وكبر، ورحل إلى "مدين"، فرارًا من بطش فرعون وجنوده ثم عاد إلى مصر مرة أخرى - بعد أن أرسله اللَّه - كانت امرأة فرعون من أول المؤمنين بدعوته . ولم يخْفَ على فرعون إيمان زوجته باللَّه، فجن جنونه، فكيف تؤمن زوجته التي تشاركه حياته، وتكفر به، فقام بتعذيبها حيث عَزَّ عليه أن تخرج زوجته على عقيدته، وتتبع عدوه، فأمر بإنزال أشد أنواع العذاب عليها؛ حتى تعود إلى ما كانت عليه، لكنها بقيت مؤمنة بالله، واستعذبت الآلام في سبيل اللَّه .
وقد أمر فرعون جنوده أن يطرحوها على الأرض، ويربطوها بين أربعة أوتاد، وأخذت السياط تنهال على جسدها، وهى صابرة محتسبة على ما تجد من أليم العذاب، ثم أمر بوضع رحًى على صدرها، وأن تُلقى عليها صخرة عظيمة، لكنها دعتْ ربها أن ينجيها من فرعون وعمله .
فاستجاب اللَّه دعاءها، وارتفعت روحها إلى بارئها، تظلِّلُها الملائكة بأجنحتها؛ لتسكن في الجنة، فقد آمنت بربها، وتحملت من أجل إيمانها كل أنواع العذاب، فاستحقت أن تكون من نساء الجنة الخالدات.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: « كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ » البخاري برقم3411 )
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 16-01-2013, 04:13 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

بلقيـس

بلقيس اسم أطلقه العرب على ملكة اليمن. عاصمتها سبأ. وسبب تمليك العرب إياها مع أنفتهم من تمليك النساء، أن ملك اليمن المسمى هدهاد بن شرحبيل لما ملك بعد أبيه، أساء السياسة وانهمك بالفسق ولم يسمع ببنت ذات جمال إلا أحضرها. واستهتر في ذلك حتى جاء لبنت عمه بلقيس في قصرها فأعدت له رجلين فقتلاه ثم أحضرت كبراء المملكة وأخبرتهم بما فعلت بعد أن وبختهم على عدم أنفتهم وتراخيهم عن حماية أعراضهم، فانتخبوها ملكة عليهم جزاء لها على هذه المكرمة. فملكتهم في القرن العاشر قبل المسيح في عصر سليمان.

قصتها حافلة بالدروس والعبر زاخرة بالحكم والدلالات وأنموذج لحكم الشعوب والأمم بكفاءة واقتدار. وشهادة على قدرة المرأة على أن تقود وتسوس إذا توافرت لها القدرات العقلية والملكات الذهنية، وقدوة في مخاطبة الملوك من ناحية ومخاطبة الأنبياء من ناحية أخرى.

إنها بلقيس وقيل تلقمة بنت السيرح وهو الهدهاد وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث أو الحارث بن قيس بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن. فيقال إنه تزوج امرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة التي هي تلقمة أو بلقيس.
وقد آل إليها حكم سبأ بعد وفاة أبيها، في القرن السابع عشر قبل البعثة وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد موت أبيها رجلا، فعم به الفساد. فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا، ثم حزت رأسه ونصبته على بابها فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم.
وقد ساست قومها سياسة حكيمة أشاد القرآن الكريم بها وقص طرفا منها فأحبها الخواص والعوام لما تميزت به من الخلق الفاضل والسلوك النبيل والعقل الرشيد والذكاء النادر. وخضعوا لحكمها ووضعوا أنفسهم تحت إمرتها. وأسلموا لها قيادهم عن رضا وطيب نفس منهم. مع أن النخوة العربية كانت تأبى كل الإباء أن يولوا أمرهم امرأة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها امرأة فريدة في سماتها النفسية والخلقية والعقلية. فاقت في قدرتها عظماء الرجال من قومها، فآثروها بالملك وارتضوا أن تكون خلفا لأبيها، وكان من أعظم ملوكهم وأشدهم بأسا وأوسعهم حلما وسياسة.
وقد أخبر القرآن الكريم في وصفه لها ولقومها أنها أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في سياسة الناس وتدبير الملك، وأن لها عرشا عظيما بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
وقد ذكرها القرآن الكريم في موضع الإشادة والتكريم حيث أسلمت مع نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام وخرجت بقومها من ظلام الشرك وعبادة الشمس إلى عبادة الله الواحد الأحد خالق الشمس والقمر وكل ما في الكون.
وقد سخّر الله سبحانه لسليمان الإنس والجن والحيوان والطير والريح وعلمه لغة الحيوان والطير. قال عز وجل: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيهَا الناسُ عُلمْنَا مَنطِقَ الطيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُل شَيْءٍ إِن هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ” (النمل: 16).
وقال سبحانه: “وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِن وَالْإِنسِ وَالطيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيهَا النمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسمَ ضَاحِكاً من قَوْلِهَا وَقَالَ رَب أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَي وَعَلَى وَالِدَي وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالِحِينَ” (النمل: 17 19)
وورد ذكر بلقيس وقصتها مع سليمان عليه السلام في عدة آيات من سورة النمل في قوله عز وجل: “وَتَفَقدَ الطيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لأعَذبَنهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنهُ أَوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطَانٍ مبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سبأ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِني وَجَدت امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَينَ لَهُمُ الشيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدهُمْ عَنِ السبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلا يَسْجُدُوا لِلهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (النمل: 20 26).
كان الهدهد من جملة ما سخر للنبي الملك سليمان عليه السلام، وكان يقوم بدور حيوي في خدمة سليمان وجيشه، فقد كان بمثابة جهاز الاستطلاع والاستشعار بلغة العصور الحديثة. وكان أهم ما يكشف عنه مصادر المياه سواء أكانت على سطح الأرض أم في باطنها، فإذا كانت على سطح الأرض وصلوا إليها ونهلوا منها وقضوا حاجاتهم. وإذا كانت في باطن الأرض حفروا عنها واستخرجوها ولذلك كان لطائر الهدهد أهمية خاصة.
وكان لهذا الطائر الذي اهتم به سليمان تحديدا أهمية خاصة. وكان لكل طائفة من الدواب والطير قائدها المسؤول عنها.
وكان سليمان يهتم بشؤون هذه الطوائف على السواء. وعندما تفقد الطير لم يجده. ولم يقطع بغيابه وافترض أنه لم يره أو أنه كان من الغائبين فإن كان من الغائبين من دون إذن سليمان أو علمه فقد توعده سليمان بالعذاب الشديد أو الذبح، ومع ذلك فقد ترك باب العفو والمسامحة مفتوحا إذا جاءه الهدهد بسلطان مبين أي بحجة غياب مقنعة.
ولأن الهدهد لم يكن مذنبا بل جاء بأمر جلل. ولأنه يدرك سماحة نبي الله سليمان فعندما وصل بعد قليل من السؤال عنه واقترب من سليمان وروى له ما رآه من أهل سبأ وكيف أنهم تملكهم امرأة. ووصف له هذه المرأة وما تتمتع به من قدرات هائلة، كما حدثه عن عظمة عرشها قرر سليمان أن يتأكد من صدق ودقة معلومات جهاز مخابراته الهدهد وفي ذلك يقول الله عز وجل: “قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَب بكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُم تَوَل عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” (النمل: 27 28).
اوذهب الهدهد مسرعا حاملا رسالة سليمان إلى بلقيس وعندما وصل إلى قصرها ألقاها إليها وهي في خلوة ثم وقف في جانب ينتظر ما يكون من جوابها على كتاب سليمان. وفتحت بلقيس الكتاب وقرأت ما فيه، ولما كان حكمها يقوم على الشورى كما تدل آيات القرآن الكريم كما أنها تتمتع بالرزانة وحسن التصرف فإنها لم تبادر إلى رد فعل متسرع قد تندم عليه في المستقبل، وإنما جمعت وزراءها وأمراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها، وفي البداية أخبرتهم بوصول الكتاب ثم بعنوانه ثم بمضمونه ثم سألتهم الرأي والمشورة: “قَالَتْ يَا أَيهَا المَلأ إِني أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنهُ بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ. أَلا تَعْلُوا عَلَي وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” (النمل: 29 30).
كان قوم بلقيس يتمتعون بالقوة والشجاعة. وكانوا يلتزمون نحوها بالسمع والطاعة، كما كانوا مستعدين لأن يخوضوا معها القتال، إذا قررت ذلك. لكن ذلك لم يكن رأيها ولا قرارها فقد كانت الدعوة التي يحملها الكتاب دعوة للصلاح والإسلام والى عدم الاغترار بالقوة والاستعلاء في الأرض. وكان من حكمة بلقيس أن تختبر نوايا صاحب الكتاب: “قَالُوا نَحْنُ أُوْلُو قُوةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِن الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزةَ أَهْلِهَا أَذِلةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِني مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” (النمل: 33 35).
كانت الهدية التي أرسلتها بلقيس مع وفدها لسليمان تحتوي على كثير من الدرر والجواهر وحلي الذهب والفضة والجواري والغلمان، وكانت تريد أن تختبر سليمان وتعرف إن كان ملكا أم نبيا، وأن تقيم معه في الحالتين أواصر المودة والسلام ولكن سليمان الذي كان نبيا وملكا لم يكن هدفه المال ولم يكن مقصده الدرر والجوهر، وهو الذي دعا ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب الله دعاءه، ولذلك لم يكن مثل هذه الهدية يغريه فرد الهدية: “فَلَما جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مما آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيتِكمْ تَفْرَحونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنهُم منْهَا أَذِلةً وَهُمْ صَاغِرُونَ”(النمل 36 37).
وأدركت بلقيس أنها ليست أمام ملك طامع في مزيد من الملك أو المال وإنما هي أمام نبي مرسل فقررت الذهاب إليه وسط حشد من كبار قومها وعلم سليمان بعزمها فقرر أن يختبرها: “قَالَ يَا أَيهَا المَلأ أَيكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ منَ الْجِن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَإِني عَلَيْهِ لَقَوِي أَمِينٌ. قَالَ الذِي عِندَهُ عِلْمٌ منَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَد إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَما رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِن رَبي غَنِي كَرِيمٌ. قَالَ نَكرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَما جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنا مُسْلِمِينَ. وَصَدهَا مَا كَانَت تعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصرْحَ فَلَما رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنهُ صَرْحٌ ممَردٌ من قَوَارِيرَ قَالَتْ رَب إِني ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلهِ رَب الْعَالَمِينَ” (النمل: 38 44).
تسجل هذه الآيات الكريمات الاختبار الذي قرره النبي سليمان عليه السلام لبلقيس حين طلب من خاصته الإتيان بعرشها فعرض جني أن يحضره قبل أن يقوم سليمان من مجلسه وكان يمتد من الصباح حتى الظهيرة وعرض آخر عنده علم من الكتاب قيل انه جبريل عليه السلام وقيل إنه جني مؤمن وقيل إنه سليمان نفسه والأشهر أنه آصف بن يرضيا ابن خالة سليمان أن يأتيه به في مثل لمح البصر. فلما جيء له بالعرش أمر بتغيير بعض ملامحه، فلما جاءت بلقيس ورأته وسئلت إن كان هو عرشها؟ وكانت تركته خلفها لم تشأ أن تجيب إجابة قاطعة بالإيجاب أو النفي مما يدل على فطنتها وسعة إدراكها وقوة حيلتها.
وحين دعيت إلى دخول صرح سليمان وكان مبنيا من قوارير وله سقف من زجاج وكان مزينا بالكائنات البحرية ظنت انه بحر فلما همت بدخوله كشفت عن ساقيها.
وذكر الثعلبي أن سليمان لما تزوجها بعد إسلامها وقومها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور في اليمن هي غمدان وسالحين وبيتون. وتوفيت بلقيس بعد بضع سنوات من وفاة سليمان بعد عمر طويل من الحكم الرشيد وبعد أن قادت قومها قبل إسلامها إلى القوة وشدة البأس. وقادتهم بإسلامها للخروج مع سليمان من الظلمات إلى النور، ولتظل سيرتها درسا هاديا ونبراسا مرشدا لكل امرأة سليمة الفطرة صادقة الإيمان .
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 16-01-2013, 04:15 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

الماشطةُ

عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً فَقَالَ « يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ قَالَ هَذِهِ رِيحُ قَبْرِ الْمَاشِطَةِ وَابْنَيْهَا وَزَوْجِهَا. ». ابن ماجة برقم (4166 ) وهو صحيح لغيره.
انتشر أمر موسى- عليه السلام - وكثر أتباعه، وأصبح المؤمنون برسالته خطرًا مستمرّا، يهدد فرعون ومُلكه، وظل فرعون في قصره في حالة غليان مستمر يمشى ذهابًا وإيابًا، يفكر في أمر موسى، وماذا يفعل بشأنه وشأن أتباعه، فأرسل في طلب رئيس وزرائه هامان ؛ ليبحثا معًا ذلك الأمر، وقررا أن يقبض على كل من يؤمن بدعوة موسى، وأن يعذب حتى يرجع عن دينه، فسخَّر فرعون جنوده في البحث عن المؤمنين بدعوة موسى، وأصبح قصر فرعون مقبرة للأحياء من المؤمنين باللَّه الموحدين له، وكانت صيحات المؤمنين وصرخاتهم ترتفع من شدة الألم، ووطأة التعذيب تلعن الظالمين وتشكو إلى ربها صنيعهم.
وشمل التعذيب جميع المؤمنين، حتى الطفل الرضيع لم ترحمه يد التعذيب، فزاد البلاء، واشتد الكرب على المؤمنين، فاضطر كثير منهم إلى كتمان إيمانه؛ خوفًا من فرعون وجبروته واستعلائه في الأرض، ولجأ الآخرون إلى الفرار بدينهم بعيدًا عن أعين فرعون .
وكان في قصر فرعون امرأة تقوم بتمشيط شعر ابنته وتجميلها، وكانت من الذين آمنوا، وكتموا الإيمان في قلوبهم، وذات مرة كانت المرأة تمشط ابنة فرعون كعادتها كل يوم، فسقط المشط من يدها على الأرض، ولما همَّت بأخذه من الأرض، قالت: بسم اللَّه. فقالت لها ابنة فرعون: أتقصدين أبي؟ قالت:لا. ولكن ربى ورب أبيك اللَّه، فغضبَتْ ابنة فرعون من الماشطة وهددتها بإخبار أبيها بذلك، ولكن الماشطة لم تخف، فأسرعت البنت لتخبر أباها بأن هناك في القصر من يكْفُر به، فلما سمع فرعون ذلك؛ اشتعل غضبه، وأعلن أنه سينتقم منها ومن أولادها، فدعاها، وقال لها : أَوَ لكِ ربٌّ غيري؟! قالت: نعم، ربى وربك اللَّه . وهنا جُنَّ جنونه، فأمر بإحضار وعاء ضخم من نحاس وإيقاد النار فيه، وإلقائها هي وأولادها فيه، فما كان من المرأة إلاَّ أن قالت لفرعون : إن لي إليك حاجة، فقال لها: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدى في ثوب واحد وتدفننا، فقال: ذلك علينا. ثم أمر بإلقاء أولادها واحدًا تِلْوَ الآخر، والأم ترى ما يحدث لفلذات كبدها، وهى صابرة محتسبة، فالأولاد يصرخون أمامها، ثم يموتون حرقًا، وهى لا تستطيع أن تفعل لهم شيئًا، وأوشك الوهن أن يدب في قلبها لما تراه وتسمعه، حتى أنطق اللَّه -عز وجل- آخر أولادها -وهو طفل رضيع- حيث قال لها: يا أماه، اصبري، إنك على الحق.( أصل القصة في مسند أحمد برقم(2875) وهو صحيح
فاقتحمتْ المرأة مع أولادها النار، وهى تدعو اللَّه أن يتقبل منها إسلامها، فضَربتْ بذلك مثالاً طيبًا للمرأة المسلمة التي تعرف اللَّه حق معرفته، وتتمسك بدينها، وتصبر في سبيله، وتمُتَحن بالإرهاب، فلا تخاف، وتبتلى بالعذاب فلا تهن أو تلين، وماتت ماشطة ابنة فرعون وأبناؤها شهداء في سبيل الله، بعدما ضربوا أروع مثال في التضحية والصبر والفداء.
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 16-01-2013, 04:17 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

زوجة موسى عليه السلام


يقول ابن مسعود: أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلاَثَةٌ : أَبُو بَكْرٍ حِين تَفَرَّسَ فِي عُمَرَ فَاسْتَخْلَفَهُ , وَاَلَّتِي ، قَالَتْ : اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الأَمِينُ وَالْعَزِيزُ حِينَ ، قَالَ لاِمْرَأَتِهِ : أَكْرِمِي مَثْوَاهُ . ابن أبي شيبة برقم(37059) وهو صحيح.
ولكن ما الذي أخرج موسى من مصر إلى أرض مدين في جنوب فلسطين؛ ليتزوج من ابنة الرجل الصالح، ويرعى له الغنم عشر سنين؟!
كان موسى يعيش في مصر، وبينما هو يسير في طريقه رأى رجلين يقتتلان؛ أحدهما من قومه "بني إسرائيل"، والآخر من آل فرعون. وكان المصري يريد أن يسخِّر الإسرائيلي في أداء بعض الأعمال، واستغاث الإسرائيلي بموسى، فما كان منه إلا أن دفع المصري بيده فمات على الفور، قال تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين)[القصص: 15].
وفى اليوم التالي تشاجر الإسرائيلي مع رجل آخر فاستغاث بموسى -عليه السلام- مرة ثانية فقال له موسى: إنك لَغَوِى مُبين؛ فخاف الرجل وباح بالسِّرِّ عندما قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس، فعلم فرعون وجنوده بخبر قتل موسى للرجل، فجاء رجل من أقصى المدينة يحذر موسى، فأسرع بالخروج من مصر، وهو يستغفر ربه قائلاً: (رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص :16].
وخرج موسى من مصر، وظل ينتقل حتى وصل إلى أرض مَدْين في جنوب فلسطين، وجلس موسى -عليه السلام- بالقرب من بئر، ولكنه رأى منظرًا لم يعجبه؛ حيث وجد الرعاة يسقون ماشيتهم من تلك البئر، وعلى مقربة منهم تقف امرأتان تمنعان غنمهما عن ورود الماء؛ استحياءً من مزاحمة الرجال، فأثر هذا المنظر في نفس موسى؛ إذ كان الأولى أن تسقى المرأتان أغنامهما أولاً، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما، فذهب موسى إليهما وسألهما عن أمرهما، فأخبرتاه بأنهما لا تستطيعان السقي إلا بعد أن ينتهي الرجال من سقي ماشيتهم، وأبوهما شيخ كبير لا يستطيع القيام بهذا الأمر، فتقدم ليسقى لهما كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة، فزاحم الرجال وسقى لهما، ثم اتجه نحو شجرة فاستظل بظلها، وأخذ يناجى ربه: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (24) سورة القصص.
وعادت الفتاتان إلى أبيهما، فتعجب من عودتهما سريعًا. وكان من عادتهما أن تمكثا وقتًا طويلا حتى تسقيا الأغنام، فسألهما عن السبب في ذلك، فأخبرتاه بقصة الرجل القوى الذي سقى لهما، وأدى لهما معروفًا دون أن يعرفهما، أو يطلب أجرًا مقابل خدمته، وإنما فعل ذلك مروءة منه وفضلا.
وهنا يطلب الأب من إحدى ابنتيه أن تذهب لتدعوه، فجاءت إليه إحدى الفتاتين تمشي على استحياء، لتبلغه دعوة أبيها: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (25) سورة القصص.
وعندئذ سارعت إحدى الفتاتين -بما لها من فراسة وفطرة سليمة، فأشارت على أبيها بما تراه صالحًا لهم ولموسى -عليه السلام-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِى الأَمِين)[القصص: 26]. فهي وأختها تعانيان من رعى الغنم، وتريد أن تكون امرأة مستورة، لا تحتكّ بالرجال الغرباء في المرعى والمسقى، فالمرأة العفيفة الروح لا تستريح لمزاحمة الرجال. وموسى فتى لديه من القوة والأمانة ما يؤهله للقيام بهذه المهمة، والفتاة تعرض رأيها بكل وضوح، ولا تخشى شيئًا، فهي بريئة النفس، لطيفة الحسّ.
ويقتنع الشيخ الكبير لما ساقته ابنته من مبررات بأن موسى جدير بالعمل عنده ومصاهرته، فقال له: (إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَى هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِى حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَى وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)[القصص :27-28].
ولمَّا وَفَّى موسى الأجل وعمل في خدمة صِهْرِه عشر سنين، أراد أن يرحل إلى مصر، فوافق الشيخ ودعا له بالخير، فخرج ومعه امرأته وما أعطاه الشيخ من الأغنام، فسار موسى من مدين إلى مصر.
وهكذا كانت زوجة موسى - رضي اللَّه عنها - نموذجًا للمؤمنة، ذات الفراسة والحياء، وكانت قدوة في الاهتمام باختيار الزوج الأمين العفيف.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 16-01-2013, 04:20 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أسماء بنت أبى بكر (ذات النطاقين)
توفيت 73 هـ

السيدة الفاضلة أسماء بنت أبى بكر الصديق بن أبى قحافة، أمها قُتيلة بنت عبد العُزّى بن عبد بن أسعد بن نصربن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وأخت عبد اللَّه بن أبى بكر لأبيه وأمه، وأخت عائشة لأبيها، وكانت أَكبر من عائشة فى السن، وكانت أسن من عائشة بعشر سنين، ووالدة عبد الله بن الزبير، وآخر المهاجرات وفاة. شهدت اليرموك مع ابنها وزوجها الزبير .

ولدت أسماء قبل الهجرة النبوية بسبع وعشرين سنة. وتزوجت من الزبير بن العوام قبل هجرتها إلى المدينة. فلما استقر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه هاجرت مع زوجها وكانت حاملاً، وفى المدينة، ولدت عبد اللَّه بن الزبير، فكان أول مولود فى الإسلام بالمدينة بعد هجرة المصطفى، كما ولدت له عروة، والمنذر، والمهاجر، وعاصم، وخديجة الكبرى، وأم حسن، وعائشة.
ورد في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان: " وأما أسماء فهي ذات النطاقين وتزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد، ثم طلقها فكانت مع عبد الله ابنها حتى قتل، وبقيت مائة سنة حتى عميت وماتت بمكة رضي الله عنها".
وسُميت "ذات النطاقين" لأنه لما تجهز رسول اللَّه للهجرة ومعه أبو بكر الصديق أرادت أن تجهز طعامًا، ولم تجد ما تربطه به، فشقت نطاقها نصفين، نصفًا تربط به الطعام، ونصفًا لها.
فقال لها رسول اللَّه (: "قد أبدلكِ اللَّه بنطاقكِ هذا نطاقين فى الجنة". فقيل لها: ذات النطاقين.
وكانت -رضى الله عنها- صامدة صابرة، بعد هجرة أبيها أبى بكر إلى المدينة، حسنة التصرف والتدبير، قالت: ولما توجه رسول اللَّه من مكة إلى المدينة -ومعه أبوبكر- حمل أبو بكر معه جميع ماله: خمسة آلاف أو ستة آلاف، فأتانى جدي أبوقحافة، وقد ذهب بصره، فقال: إن هذا واللَّه قد فجعكم بمالِه مع نَفسه! فقلت: كلا يا أبتِ! قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
فعمدتُ إلى أحجار فجعلتهن فى كوة فى البيت - كان أبو بكر يجعل ماله فيها - وغطيت على الأحجار بثوب، ثم جئتُ به، فأخذتُ بيده فوضعتُها على الثوب، فقلتُ: ترك لنا هذا ! فجعل يَجِدُ مسّ الحجارة من وراء الثوب. فقال: لا بأس، إن كان ترك لكم هذا، فقد أحسن، ففي هذا لكم بلاغ. قالت: لا والله ما ترك لنا شيئًا، لكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
كانت - رضى الله عنها- تؤثر رضا الله تعالى، وتجعل دونه كل رضا، فلما جاءتها أمها "قتيلة بنت عبد العزى" -وكانت مشركة- وقدَّمت لها هدايا، فرفضت أن تقبلها، وقالت: لا أقبلها حتى يأذن لى رسول اللَّه، ولا تدخلى علي. فذكرت ذلك عائشةُ للنبى فأنزل اللَّه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[الممتحنة: 8].
وكانت تقول ما تراه حقًا وما تتمناه صدقًا، مصرحة بذلك من غير إيماء ولا استحياء، فقد حدّث هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخلت أنا وعبد اللَّه بن الزبير على أسماء - قبل قتل ابن الزبير بعشر ليالٍ، وأنها وَجِعَة- فقال عبد اللَّه: كيف تجدينك؟ قالت: وجِعَة. قال: إن فى الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهى موتي، فلذلك تتمناه، فلا تفعل. فالتفت إلى عبد اللَّه فضحكت، فقالت: واللَّه ما أشتهى أن أموت حتى يأتى على أحد طرفيك: إما أن تُقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقرَّ عينى عليك.
كانت باحثة عن الحق، فإذا وجدته كانت أسرع الناس عملاً به، ومرشدة غيرها إليه؛ حرصًا على عموم النفع والخير، وتوضيحًا لما استشكل من الأمور، فقد دخل عليها عبد اللَّه -بعد أن خذله أنصاره مستيئسين من النصر على الحَجَّاج- فقال لها: يا أماه! ما ترين؟ قد خذلنى الناس، وخذلنى أهل بيتي! فقالت: لايلعَبنَّ بك صبيان بنى أمية. عِشْ كريمًا أو مِتْ كريمًا. فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير، فجعل يقاتل فى شجاعة جيش الحجاج.
ولما ناداه الحجاج ليقبل الأمان ويدخل فى طاعة أمير المؤمنين، دخل على أمه أسماء، فقال لها: إن هذا - يعنى الحجاج - قد أمَّنني. قالت : يا بني، لا ترضَ الدنية، فإن الموت لابد منه. قال: إنى أخاف أن يمثَّل بي، قالت: يا بنى ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها.
عندئذٍ خرج فقاتل قتالاً باسلاً حتى استُشهد! وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه، ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وصلبه منكسًا، وعظم الأمر على أمه أسماء - وكان قد ذهب بصرها - فخرجت إلى الحجاج مع بعض جواريها، فلما دخلت عليه قالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل تقصد ابنها عبد الله؟ فقال الحجاج: المنافق؟ فقالت: لا واللَّه ماكان منافقًا. سمعتُ رسول اللَّه يقول: "يخرج فى ثقيف كذاب ومُبير (قاتل). فأما الكذاب فقد رأيناه - تقصد المختار الثقفي- وأما المبُير فأنت هو! [الطبراني].
ثم جاء كتاب عبد الملك بن مروان بإنزال ابنها من الخشبة ودفعه إلى أهله، فغسلتْه أمه أسماء وطَـيَّـبَـتْـهُ، ثم دفنتْه.
وقد روت أسماء الكثير من الأحاديث، وروى عنها أبناؤها وأولادهم، فعن عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، قال: قلتُ لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول اللَّه إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تَدْمعُ أعينهم، وتقشعر جلودهم، كما نعتهم اللَّه، قال: قلتُ: فإن ناسًا هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشيَّا عليه! فقالت: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم.
امتد العمر بأسماء حتى بلغت مائة عام، وتُوفِيَت فى سنة 73 هجرية، ولم يسقط لها سن، ولم يُنكر لها عقل! رضى اللَّه عنها.
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 16-01-2013, 04:23 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

المهاجرة
(السيدة سارة)

خرجتْ مهاجرة مع زوجها ابراهيم عليه السلام وابن أخيه لوط إلى فلسطين.

ولما اشتد الجفاف فى فلسطين هاجرت مع زوجها مرة أخرى إلى مصر. وسرعان ما انتشر خبرهما عند فرعون مصر الذي كان يأمر حراسه بأن يخبروه بأي امرأة جميلة تدخل مصر.
وذات يوم، أخبره الجنود أن امرأة جميلة حضرتْ إلى مصر، فلما علم إبراهيم بالأمر قال لها: "إنه لو علم أنك زوجتي يغلبني عليكِ، فإن سألك فأخبريه بأنك أختي، وأنت أختي فى الإسلام، فإني لا أعلم فى هذه الأرض مسلمًا غيرك وغيري".
وطلب فرعون من جنوده أن يحضروا هذه المرأة، ولما وصلت إلى قصر فرعون دعت اللَّه ألا يخذلها، وأن يحيطها بعنايته، وأن يحفظها من شره، وأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول: "اللهم إن كنتَ تعلم أنى آمنتُ بك وبرسولك، وأحصنتُ فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط على هذا الكافر".فاستجاب اللَّه دعاء عابدته المؤمنة فشَلّ يده عنها - حين أراد أن يمدها إليها بسوء- فقال لها: ادعى ربك أن يطلق يدي ولا أضرك. فدعت سارة ربها؛ فاستجاب الله دعاءها، فعادت يده كما كانت، ولكنه بعد أن أطلق اللَّه يده أراد أن يمدها إليها مرة ثانية؛ فَشُلّت، فطلب منها أن تدعو له حتى تُطْلق يده ولا يمسها بسوء، ففعلت، فاستجاب الله دعاءها، لكنه نكث بالعهد فشُلّت مرة ثالثة. فقال لها : ادعي ربك أن يطلق يدي، وعهدٌ لا نكث فيه ألا أمسّك بسوء، فدعت اللَّه فعادت سليمة، فقال لمن أتى بها: اذهب بها فإنك لم تأتِ بإنسان، وأمر لها بجارية، وهي "هاجر" - رضى الله عنها- وتركها تهاجر من أرضه بسلام.
ورجع إبراهيم وزوجه إلى فلسطين مرة أخرى، ومضى "لوط" -عليه السلام- فى طريقه إلى قوم سدوم وعمورة (الأردن الحالية) يدعوهم إلى عبادة اللَّه، ويحذرهم من الفسوق والعصيان. ومرت الأيام والسنون ولم تنجب سارة بعد ابنًا لإبراهيم، يكون لهما فرحة وسندًا، فكان يؤرقها أنها عاقر لا تلد، فجاءتها جاريتها هاجر ذات مرة؛ لتقدم الماء لها، فأدامت النظر إليها، فوجدتها صالحة لأن تهبها إبراهيم، لكن التردد كان ينازعها؛ خوفًا من أن يبتعد عنها ويقبل على زوجته الجديدة، لكن بمرور الأيام تراجعت عنها تلك الوساوس، وخفَّت؛ لأنها تدرك أنّ إبراهيم - عليه السلام - رجل مؤمن، طيب الصحبة والعشرة، ولن يغير ذلك من أمره شيئًا.
وتزوَّج إبراهيم -عليه السلام- "هاجر"، وبدأ شيء من الغيرة يتحرك فى نفس سارة، بعد أن ظهرت علامات الحمل على هاجر، فلمّا وضعت هاجر طفلها إسماعيل - عليه السلام - طلبت سارة من إبراهيم أن يبعدها وابنها، ولأمر أراده اللَّه أخذ إبراهيم هاجر وابنها الرضيع إلى وادٍ غير ذي زرع من أرض مكة عند بيت الله الحرام، فوضعهما هناك مستودعًا إياهما اللَّه، وداعيا لهما بأن يحفظهما الله ويبارك فيهما، فدعا إبراهيم -عليه السلام- ربه بهذا الدعاء: (رَّبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم :37] .
لكن آيات الله لا تنفد، فأراد أن يظهر آية أخرى معها. وذات يوم، جاء نفرٌ لزيارة إبراهيم عليه السلام؛ فأمر بذبح عجل سمين، وقدمه إليهم، لكنه دهش لما وجدهم لا يأكلون، وكان هؤلاء النفر ملائكة جاءوا إلى إبراهيم -عليه السلام- فى هيئة تجار، ألقوا عليه السلام فرده عليهم . قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط) [هود: 69-70] .
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود : 47-48]
وأخبرت الملائكة إبراهيم - عليه السلام- أنهم ذاهبون إلى قوم لوط؛ لأنهم عصوا نبى الله لوطًا، ولم يتبعوه.
وقبل أن تترك الملائكة إبراهيم -عليه السلام- بشروه بأن زوجته سارة سوف تلد ولدًا اسمه إسحاق، وأن هذا الولد سيكبر ويتزوج، ويولد له ولد يسميه يعقوب.
ولما سمعت سارة كلامهم، لم تستطع أن تصبر على هول المفاجأة، فعبَّرت عن فرحتها، ودهشتها كما تعبر النساء؛ فصرخت تعجبًا مما سمعت، وقالت: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)[هود: 72-73] .
وحملت سارة بإسحاق ووضعته، فبارك اللَّه لها ولزوجها فيه ؛ ومن إسحاق انحدر نسل بنى إسرائيل .
هذه هي سارة زوجة نبى اللَّه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- التى كانت أول من آمن بأبي الأنبياء إبراهيم حين بعثه اللَّه لقومه يهديهم إلى الرشد، ثم آمن به لوط ابن أخيه ، فكان هؤلاء الثلاثة هم الذين آمنوا على الأرض فى ذلك الوقت. وماتت سارة ولها من العمر 127 عامًا .
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 16-01-2013, 04:25 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة زينب بنت علي

الطاهرة


من أقوالها: "من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى اللَّه فليحمده.. ألم تسمع قولهم: سمع اللَّه لمن حمده.. فخف اللَّه لقدرته عليك! واستحِ منه لقربه منك". لُقبت بالطاهرة لطهارة سريرتها ونسبها، فقد وُلدت فى السنة السادسة للهجرة لأبوين شريفين؛ فأبوها علي بن أبى طالب - رضى الله عنه-، وأمها السيدة "فاطمة الزهراء" بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -رضى اللَّه عنها- وإخوتها: "الحسن" و"الحسين" و"أم كلثوم" .
تزوجت "عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب"، وأنجبت له ستة أولاد، منهم: "علي" و"محمد" و"عون"، و"عباس"، و"أم كلثوم".
أدركت السيدة زينب جدها النبي صلى الله عليه وسلم فى طفولتها فحملها بين يديه، ونعمت برؤيته المباركة.
نشأت فى بيت علم ودين، وشهدت اتساع دولة الإسلام فى عهد جدها عليه الصلاة والسلام، ثم في عهد "أبى بكر" و"عمر" و"عثمان" وأبيها "علي" -رضوان اللَّه عليهم أجمعين-.
عاشت السيدة "زينب" أحداث الفتن التي وقعت فى صفوف المسلمين، فقد احتضنت أباها حين قُتل، ورحلت مع أخيها "الحسين" إلى الكوفة، وشهدت يوم كربلاء وكان أشد الأيام عليها حزنًا وألمـًا.
ففى هذا اليوم -وهو يوم العاشر من شهر المحرم سنة 61 من الهجرة- كانت مع أخيها الحسين تحت الحصار الذي فرضه عليهم "عبيد اللَّه بن زياد" والى الكوفة، وفي أثناء الليل قال لها أخوها "الحسين": يا زينب إنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام؛ فقال لي: "إنك تروح إلينا". فاضطربت "زينب" وأدركت أن ذلك يعني أن الحسين قد حان أجله؛ فقالت: يا ويلتاه. فقال لها "الحسين": ليس لكِ الويل يا أخُيَّة! اسكتي يرحمك اللَّه. فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: واثكلاه؛ ليت الموت أعدمني الحياة اليوم؛ ماتت "فاطمة" أُمي، و"علي" أبي، و"حسن" أخي، فنظر إليها الحسين بعطف وشفقة وقال: ياأُخية، لايذهبن حلمَكِ الشيطانُ. فقالت "زينب": بأبي أنت وأمي يا أبا عبد اللَّه، جعلت نفسي فداك، فقال: يا أُخية، اتقي اللَّه ،تعزِّى بعزاء اللَّه، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لايبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه اللَّه الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد واحد؛ أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أسوة. فعزاها بهذا وبمثله، وقال: يا أُخية، إني أقسم عليك فأبرِّي قسمي، لا تشقِّي علي جيبًا، ولا تخمشى علي وجهًا، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت. وبالفعل استشهد الحسين -رضى اللَّه عنه- واستشهد معه ولداها "محمد" و"عون" وآخرون من أهل بيتها. فجعلت "زينب" تنظر إلى جثثهم، وتجمع أشلاءهم يشاركها فى ذلك من بقي معها من النساء والأطفال ودموعها لاتنقطع، وقلبها يكاد ينفطر من شدة الحزن والألم.. وحين أخذوها ومن معها إلى قصر ابن زياد بالكوفة، ومرت على جثة أخيها "الحسين" هاجت أشجانها وأحزانها وأخذت تنادي: "يا محمداه.. يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء، مُزَمَّل بالدماء، مقطع الأعضاء،.. يا محمداه، وبناتك سبايا، وذريتك مقتَّلة". فأبكت كل عدو وصديق.
ولما وصلوا الكوفة، أدخلوا زينب وأهلها على ابن زياد والى الكوفة وقتئذٍ، فلما رآها قال لها: الحمد للَّه الذي فضحكم، كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ فانتفضت قائلة: الحمد للَّه الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيرًا، لا كما تقول أنت، وإنما يُفتضح الفاسق ويكذَّب الفاجر، والذين قتلتهم رجال كُتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللَّه بينك وبينهم فتختصمون عنده. فغضب ابن زياد وأمر بقتل علي بن الحسين وكان صبيًا صغيرًا. فأسرعت عمته زينب، واحتضنته وقالت: حسبك يا بن زياد منَّا، أما يكفيك ما رُويت من دمائنا، وهل أبقيت منَّا أحدًا؟ أسألك باللَّه إن كنت مؤمنًا، إن قتلته اقتلني معه. فقال ابن زياد: عجبًا للرحم ! واللَّه إنى لأظنها ودَّت لو أني قتلتها معه؛ وصاح: دعوا الغلام مع نسائه.
ثم انطلقت جنود ابن زياد بالسيدة زينب ومن معها إلى دمشق مقر خلافة يزيد بن معاوية، فلما دخلوا على "يزيد" فى قصره، بكت نساء آل هاشم إلا زينب، فقد قالت:صدق اللَّه يايزيد :(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون) [الروم:10]. أظننت يا يزيد أنه حين أُخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نُساق كما تساق الأسارى، أن بنا هوانًا على اللَّه وأن بك عليه كرامة؟ وتوهمت أن هذا لعظيم خطرِك ،فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفيك، جذلان فرحًا حين رأيت الدنيا مستوثقة لك والأمور متسقة عليك؟ إن اللَّه إن أمهلك، فهو قوله:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران: 178]. واللَّه ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك! وسترد على رسول اللَّه ( وآله برغمك، ولتجدن عترته ولحمته من حوله في حظيرة القدس يوم يجمع اللَّه شملهم من الشعث (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169]. وستعلم أنت ومن بوَّأك ومكَّنك من رقاب المؤمنين -إذا كان الحكَم ربنا، والخصم جدنا، وجوارحك شاهدة عليك- أيُّنا شر مكانًا وأضعف جندًا. فواللَّه ما اتقيتُ غير اللَّه، وما شكوت إلا للَّه، فكِد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك".
فكان لهذه الكلمات وقع الصاعقة على يزيد، حيث صعب عليه الأمر فتاب إلى اللَّه، وقيل إنه قال للصبي "على بن الحسين" حين دعاه مودعًا: لعن اللَّه ابن مرجانة -يقصد عبيد اللَّه بن زياد- أما واللَّه لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى اللَّه ما رأيت. ثم قال يزيد: "يا نعمان بن بشير" جهزهم بما يصلح، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينًا، وابعث معهم خيلا وأعوانًا فيسيرون إلى المدينة. ثم كساهم وأوصى بهم الشامي، فما زال ذلك الشامي يلطف بهم حتى دخلوا المدينة.
فقالت فاطمة لأختها "زينب":يا أُخية لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا فى صحبتنا فهل لكِ أن نكافئه؟ فقالت زينب: واللَّه ما معنا شيء نكافئه به إلا حُلينا. قالت فاطمة: فنعطيه حُلينا.
فأخذت "زينب" سوارها وبعض حليها، وأخذت أختها "فاطمة" سوارها، وبعثتا بذلك إليه، واعتذرتا إليه، وقالت له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل. فقال الشامي: لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان فى حُـلِـيِّـكُنَّ ما يُرضينى ، ولكن واللَّه ما فعلته إل اللَّه ولقرابتكم من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
أخذت "زينب" بعد ذلك تحكي لأهل المدينة ما فُعل بهم وما تعرضوا له، فخشى "يزيد" أن تؤلب عليه الناس، فأرسل إلى والي المدينة آمرًا بأن يفرق "آل البيت" فى الأقطار والأمصار. فجاء الوالي إلى السيدة "زينب" وطلب منها أن تخرج من المدينة فتقيم حيث تشاء.
فاختارت السيدة زينب أرض "مصر"، وسافرت إليها، فاستقبلها شعبها وأميرها "مسلمة بن مخلد الأنصاري" استقبالاً عظيمًا؛ فبقيت -رضى اللَّه عنها- فيها حوالي عام .
وتوفيت سنة 65 للهجرة ودفنت فى جزء من هذه الدار، التي تحولت بعد ذلك إلى مسجد تقام فيه شعائر الصلاة؛ وهو المسجد الزينبي المشهور بالقاهرة.
وقد روت السيدة "زينب" الكثير من الأحاديث، وروى عنها، فرضى اللَّه عنها وأرضاها.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" زينب بِنْت علي بن أبي طالب، واسمه عَبْد مناف بن عَبْد المُطَّلِب بن هاشم القُرَشِيَّة الهاشميّة. وأمها فاطِمَة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أدركت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وولدت له في حياته، ولم تلد فاطِمَة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته شيئاً. وكانت زينب امْرَأَة عاقلة لبيبة جَزْلَةً زوّجها أبوها علي رضي الله عنهما من عَبْد الله بن أخيه جعفر، فولدت له عليّاً، وعوناً الأكبر، وعبّاساً، ومُحَمَّداً، وأم كُلْثُوم. وكانت مع أخيها الحُسَيْن رضي الله عنه لما قتل، وحُمِلت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن مُعاوِيَة، وكلامها ليزيد حين طلب الشامي أختها فاطِمَة بِنْت علي من يزيد، مشهور مذكور في التواريخ، وهو يدل على عقل وقوة جَنان".
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 16-01-2013, 04:28 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة نفيسة بنت الحسن

نفيسة العلم


كانت من العابدات الزاهدات القانتات لله، كما كانت مصباحًا أضاء الطريق للسالكين الحيارى، وقدوة احتذاها أهل التقوى والإيمان.
فى مكة المكرمة، ولدت نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن ابن علي بن أبى طالب، وكان ذلك اليوم السعيد بعد مائة وخمسة وأربعين عامًا من هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام عام 145هـ.
وفى البلد الحرام عاشت نفيسة مع أحفاد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فتأثرت بهم، وسارت على منهجهم؛ فحفظت القرآن الكريم، وأقبلت على فهم آياته وكلماته، كما حفظت كثيرًا من أحاديث جدها عليه الصلاة والسلام.
نظرت نفيسة إلى الدنيا، فوجدتها فانية زائلة، فأعرضت عنها، وزهدت فيها، وأقبلت بوجهها إلى الله، تستغفره، وتتوسل إليه، وتطلب منه العفو والغفران، ولما بلغت نفيسة مبلغ الشابات؛ تقدم لخطبتها ابن عمها إسحق المؤتمن بن الإمام جعفر الصادق، فرضيته زوجًا لها.
وفى المدينة المنورة، عاشت نفيسة آمنة مطمئنة، وفتحت بيتها لطلاب العلم، تروى لهم أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وتفتيهم في أمور دينهم ودنياهم، حتى أطلقوا عليها اسم: "نفيسة العلم والمعرفة".
وفى عام مائة وثلاثة وتسعين من الهجرة (193هـ)، وصلت السيدة نفيسة إلى مصر بصحبة والدها وزوجها، واستقرت في الفسطاط بدار ابن الجصاص وهو من أعيان مصر، وقد اُستقبلت استقبالا حافلا، وسر أهل البلاد بقدوم حفيدة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
واستمرت نفيسة فى حياة الزهد والعبادة، تقوم الليل، وتصوم النهار، حتى طلب منها زوجها ذات يوم أن ترفق بنفسها، فقالت: "من استقام مع الله، كان الكون بيده وفى طاعته". وكانت تعرف أنها لكى تفوز بجنة الخلد، فلابد لها أن تجتهد فى العبادة، وأن تبتعد عن ملذات الدنيا، تقول: "لا مناص من الشوك فى طريق السعادة، فمن تخطاه وصل".
وداومت السيدة نفيسة على زيارة بيت الله الحرام، وقيل: إنها أدت شعائر الحج ثلاثين مرة، تذهب إلى هناك تتطهر من ذنوبها، وتجدد العهد مع الله على الطاعة، والاستجابة لأوامره، والابتعاد عن كل ما يغضبه، ثم تعود إلى مصر.
وكانت عظيمة القدر والمكانة عند أهل مصر، فكانوا يذهبون إليها، يلتمسون عندها العلم والمعرفة، بل كان يقصد دارها كبار العلماء، فقد تردد عليها الإمام الشافعى، فكانت تستقبله من وراء حجاب، وتناقشه فى الفقه وأصول العبادة وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام.
وحين مرض الإمام الشافعي أرسل إليها يطلب الدعاء له بالشفاء، لكنه مات بعد أيام بعد أن أوصى أن تصلي عليه السيدة نفيسة، فصلت عليه بعد أن صلى عليه الرجال، وحزنت من أجله. وكانت -رضى الله عنها- تجير المظلوم، ولا تستريح حتى ترفع الظلم عنه، فقد استجار بها رجل ثري من ظلم بعض أولى الأمر، فساعدته فى رفع الظلم عنه، ودعت له، وعاد مكرمًا معززًا؛ فأهداها مائة ألف درهم شكرًا لها واعترافًا بفضلها، فوزعتها على الفقراء والمساكين، وهي لا تملك ما يكفيها من طعام يومها.
وبعد سبع سنوات من الإقامة فى مصر، مرضت السيدة نفيسة، فصبرت ورضيت، وكانت تقول: "الصبر يلازم المؤمن بقدر ما فى قلبه من إيمان، وحسب الصابر أن الله معه، وعلى المؤمن أن يستبشر بالمشاق التي تعترضه، فإنها سبيل لرفع درجته عند الله، وقد جعل الأجر على قدر المشقة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم". وتقول أيضًا: "لقد ذكر الصبر فى القرآن الكريم مائة وثلاث مرات، وذلك دليل على قيمة الصبر وعلو شأنه وحسن عاقبته".
ولما أحست السيدة نفيسة أن النهاية قد اقتربت، أرسلت إلى زوجها إسحاق المؤتمن، تطلب منه الحضور وكان بعيدًا عنها.
وفى صحن دارها، حفرت قبرها بيدها، وكانت تنزل فيه وتصلي كثيرًا، حتى إنها قرأت فيه المصحف مائة وتسعين مرة وهي تبكى بكاء شديدًا.
وكانت السيدة نفيسة صائمة كعادتها، فألحوا عليها أن تفطر رفقًا بها، وهي فى لحظاتها الأخيرة، لكنها صممت على الصوم برغم أنها كانت على وشك لقاء الله، وقالت: واعجبًا، منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه وأنا صائمة، أأفطر الآن؟! هذا لا يكون. ثم راحت تقرأ بخشوع من سورة الأنعام، حتى وصلت إلى قوله تعالى:( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)[الأنعام: 127].
ففارقت الحياة، وفاضت روحها إلى الله، فبكاها أهل مصر، وحزنوا لموتها حزنًا شديدًا، وحينما حضر زوجها أراد أن ينقل جثمانها إلى المدينة، لكن الناس منعوه، ودفنت فى مصر.

جاء في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان":
" السيدة نفيسة ابنة أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين؛ دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق رضي الله عنه، وقيل بل دخلت مصر مع أبيها الحسن وإن قبره بمصر لكنه غير مشهور، وإنه كان والياً على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور، وأقام بالولاية مدة خمس سنين، ثم غضب عليه فغزله واستصفى كل شيء له وحبسه ببغداد، فلم يزل محبوساً حتى مات المنصور وولي المهدي فأخرجه من محبسه ورد عليه كل شيء ذهب له، ولم يزل معه.
فلما حج المهدي كان في جملته، فلما انتهى إلى الحاجر مات هناك، وذلك في سنة ثمان وستين ومائة، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وصلى عليه علي بن المهدي.- والحاجر على خمسة أميال من المدينة - وقيل إنه توفي ببغداد ودفن بقبرة الخيرزان، والصحيح أنه مات بالحاجر، هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله أعلم.
وكانت نفيسة من النساء الصالحات التقيات، ويروى أن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لما دخل مصر في التاريخ المذكور في ترجته حضر إليها، وسمع عليها الحديث وكان للمصريين فيها اعتقا عظيم، وهو إلى الآن باق كما كان.
ولما توفي الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أدخلت جنازته إليها وصلت في دارها، وكانت "مقيمة" في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين. ولما ماتت عزم زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك، فسأله المصريون بقاءها عندهم، فدفنت في الموضع كان يعرف به الآن بين القاهرة ومصر عند المشاهد، وهذا الموضع كان يعرف يومذاك بدرب السباع، فخرج الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد، وقبرها معروف بإجابة الدعاء عنده، وهو مجرب، رضي الله عنها".
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 16-01-2013, 04:30 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة سكينة بنت الحسين

الأديبة الكريمة


السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب -رضى الله عنهم-، وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس.
وُلدت سنة سبع وأربعين من الهجرة وسُمِّيت آمنة على اسم جدتها آمنة بنت وهب، ولقبتها أمها الرباب سُكَيْنَة، واشتهرت بهذا الاسم، وفي الثلث الأخير من حياتها اشتغلت بتعليم المسلمين، حيث شربت من بيت النبوة أفضل الأخلاق فوُصِفَتْ بالكرم والجود، وأحبت سماع الشعر فكان لها فى ميادين العلم والفقه والمعرفة والأدب شأن كبير.
جاء أهل الكوفة يعزُّونها فى مقتل زوجها، فقالت لهم: اللَّه يعلم أني أبغضكم، قتلتم جدّي عليَّا، وقتلتم أبي الحسين، وزوجي مصعبًا فبأي وجه تلقونني؟ يتَّمتُمُوني صغيرة، وأرملتُمُوني كبيرة.
وخرجت مع أبيها الحسين بن علي إلى العراق، وعمرها آنذاك أربعة عشر عامًا، وعلى بُعد ثلاثة أميال من كربلاء ظهر جيش عدده ألف مقاتل أمر بتجهيزه عبيد اللَّه بن زياد بأمر من يزيد بن معاوية، وكان الحسين قد خرج متوجهًا إلى العراق في ركب قليل كانت معه ابنته، فجمع أهله وقال لهم: يا أم كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا سكينة وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب، إذا أنا قُتلتُ، فلا تشق إحداكن علي جيبًا، ولا تخمش وجهًا، ولا تَقُلْ هجرًا (أي لا تقول كلامًا قبيحًا). فلما سمعت سكينة هذا الكلام أخذها البكاء، وأخذت دموعها تتساقط وهي الفتاة الرقيقة ذات الحس المرهف، التي لم تبلغ من العمر العشرين، ولكن معرفتها بأن مصير المجاهد الشهيد الجنة، كانت تخفف عنها الحزن وتلهمها الصبر، ولما اشتد القتال بين قافلة الحسين التي تجاوزت السبعين بقليل، وبين ذلك الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية حيث كان عدده فى بداية الأمر ألف رجل سرعان ما طوق الجيش قافلة الحسين وفتك بها، وفي ذهولٍ وقفت سكينة تنظر إلى البقايا والأشلاء، ثم ألقت بنفسها على ما بقي من جسد أبيها، وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة، وعانقته، ولكنهم انتزعوها من على جسد أبيها بالقوة، وألحقوها بركب السبايا، فألقت سكينة نظرة أخيرة على ساحة القتال المملوءة بجثث الشهداء. ودارت الأيام، وعادت سكينة إلى الحجاز حيث أقامت مع أمها رباب فى المدينة.
ولم يمض وقت طويل حتى توفيت "الرباب"، وعاشت سكينة بعدها فى كنف أخيها زين العابدين، وكانت قد خُطبت من قبل إلى ابن عمها عبد الله بن الحسن بن علي فقتل بالطائف قبل أن يبني بها، فكانت -رضى اللَّه عنها- ترفض الزواج بعد هذه الأحداث، ولما جاء مصعب بن الزبير يريد الزواج منها تزوجته، وكان شجاعًا جوادًا ذا مال ومروءة حتى قِيلَ فيه: "لو أنَّ مصعب بن الزبير وجد أنَّ الماء ينقص من مروءته ما شربه". وانتقلت سكينة إلى بيت مصعب وكان متزوجًا من عائشة بنت طلحة، وظلت سكينة تسعد زوجها، ولكن أين تذهب من قدرها المحتوم، فسرعان ما قُتِلَ مصعب، ثم تزوجت عبد اللَّه بن عثمان بن حكيم بن حزام، وأنجبت منه: عثمان، وحكيم، وربيعة، ثم مات عنها بعد ذلك، واستقر بها المقام فى المدينة حيث يسجى جدها المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد تُوفيت السيدة سُكينة سنة 117هـ، بعد أن تجاوزتْ الثمانين من عمرها، فرضى الله عنها وأرضاها.
ورد في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" بنت الحسين الشهيد روت عن أبيها وكانت بديعة الجمال تزوجها ابن عمها عبد الله بن الحسن الأكبر فقتل مع أبيها قبل الدخول بها ثم تزوجها مصعب أمير العراق ثم تزوجت بغير واحد وكانت شهمة مهيبة دخلت على هشام الخليفة فسلبته عمامته ومطرفه ومنطقته فأعطاها ذلك ولها نظم جيد.
قال بعضهم أتيتها فإذا ببابها جرير والفرزدق وجميل وكثير فأمرت لكل واحد بألف درهم. توفيت في ربيع الأول سنة سبع عشرة ومئة قلما روت"
قال ابن خلكان في "وفيات الأعيان": ((السيدة سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم؛ كانت سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النسار وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً، وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام فولدت له قريناً، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل ا لدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا، والطرة السكينية منسوبة إليها.
ولها نوادر وحكايات ظريفة مع الشعراء وغيرهم، من ذلك ما يروى أنها وقفت على عروة بن أذينة -وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة-فقالت له: أنت القاتل:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي

أقبلت نحو سقاء الماء أبتـرد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره

فمن لنار على الأحشاء تتقـد
فقال لها: نعم، فقالت: وأنت القائل:
قالت وأبثثتها سري فـبـحـت بـه

قد كنت عندي تحب الستر فاستتـر
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لهـا

غطى هواك وما ألقى على بصري
فقال: نعم، فالتفتت إلى جوار كن حولها وقالت: هن حرائر إن كان خرج هذا من قلب سليم قط.
وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فمات فرثاه عروة بقوله:
سرى هـمـي وهـــم الـــمـــرء يســـري

وغـاب الـنـــجـــم إلا قـــيد فـــتـــر
أراقـب فـي الـمـجـــرة كـــل نـــجـــم

تعـرض أو عـلـى الـمـــجـــراة يجـــري
لهـــم مـــا أزال لـــه قـــرينـــــــاً

كأن الـقـلـب أبـطـــن حـــر جـــمـــر
على بكر أخي، فارقت بكراً وأي العيش يصلح بعد بكر؟


فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن هو بكر هذا؟ فوصف لها، فقالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يم بنا؟ قالوا: نعم، قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت. وأسيد: تصغير أسود.
ويحكى أن بعض المغنين غنى هذه الأبيات عند الوليد بن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه، فقال للمغني: من يقول هذا الشعر؟ فقال: عروة بن أذينة، فقال الوليد: وأي العيش يصلح بعد بكر؟ هذا العيش الذي نحن فيه، والله لقد تحجر واسعاً.
وكان عروة المذكور كثير القناعة، وله في ذلك أسعار سائرة وكان قد وفد من الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة، فقال له: ألست القائل:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي

أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعيني تطلـبـه

ولو قعدت أتاني لا يعنيني
وما أراك فعلت كما قلت، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر، وخرج من فروه إلى راحلته فركبها وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث هشام يومه غافلاً عنه، فلما كان في الليل استيقظ من منامه وذكره، وقال: هذا رجل من قريش قال حكمة ووفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا آمن لسانه، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له وأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذه عروة بن أذينة فأعطه إياها، قال: فلم أدركه إلا وقد دخل بيته، فقرعت عليه الباب، فخرج فأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيد فأكديت، ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق. وهذه الحكاية وغن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها.
ولبعض المعاصرين وهو محمد بن إدريت المعروف بمرج كحل الأندلسي في معنى هذين البيتين، وأحسن فيه:
مثل الرزق الذي تطلـبـه

مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه مـتـبـعـاً

فإذا وليت عنه تـبـعـك
وكان وفاة سكينة بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائة، رضي الله عنهما؛ وقيل اسمها آمنة، وقيل أمينة، وقيل أميمة، وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي. وقال محمد بن السائب الكلبي النسابة: سألني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن اسم سكينة ابنة الحسين بن علي رضي الله عنهم، فقلت: أميمة، فقال: أصبت.
وتوفي مرج كحل المذكور في سنة أربع وثلاثين وستمائة ببلده-وهو جزيرة شقر بالأندلس-وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 16-01-2013, 04:33 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

السيدة زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد

صاحبة القرآن


كانت زبيدة تتمنى بينها وبين نفسها أن تتزوج من ذلك الشاب اليافع، وها قد تحقق حلمها الذي كانت تحلم به، فقد عاد ابن عمها هارون الرشيد مع أبيه الخليفة "المهدي" من ميدان المعركة بعد أن حققا النصر على الروم، وستكون الفرحة فرحتين، فرحة النصر، وفرحة الزواج من هارون، نصبت الزينات وأقيمت الولائم التي لم يشهدها أحد من قبل فى بلاد العرب وازينت زبيدة بالحلى والجواهر، والمسك والعنبر والروائح الطيبة تنتشر فى مكان العرس، والناس مسرورون بهذا الزواج المبارك.
وتزوجت زبيدة من هارون الرشيد، فملأ الحب قلبيهما، واستطاعت بذكائها ولباقتها أن تزيد من حبه لها حتى أصبح لايطيق فراقها ولا يملُّ صحبتها، ولا يرفض لها طلبًا.
ومرت الأيام، وأنجبت زبيدة من هارون الرشيد ابنها "محمدًا" الأمين وقد أحبته كثيرًا، وكانت شديدة العطف عليه والرفق به لدرجة أنها بعثت ذات يوم جاريتها إلى الكسائى مؤدبه ومعلمه، وكان شديدًا عليه، تقول له : "ترفق بالأمين فهو ثمرة فؤادى وقرة عيني".
وتولى هارون الرشيد الخلافة، فازداد الخير فى البلاد، واتسع ملكه، لدرجة جعلته يقول للغمامة حين تمر فوقه : "اذهبي فأمطري أَنَّى شئت، فإن خراجك سوف يأتي إلىّي".
ورأت "زبيدة" زوجة خليفة المسلمين أن تساهم فى الخير، وفى إعمار بلاد الإسلام، فحين حجت إلى بيت الله الحرام سنة 186هـ ، وأدركت ما يتحمله أهل مكة من المشاق والصعوبات فى الحصول على ماء الشرب، دعت خازن أموالها، وأمرته أن يجمع المهندسين والعمال من أنحاء البلاد، وقالت له : اعمل ولو تكلَّفتْ ضَرْبةُ الفأس دينارًا. وحُفر البئر ليشرب منه أهل مكة والحجاج وعرف بعد ذلك ببئر زبيدة.
ولم تكتفِ زبيدة بذلك، بل بَنَتْ العديد من المساجد والمباني المفيدة للمسلمين، وأقامتْ الكثير من الآبار والمنازل على طريق بغداد، حتى يستريح المسافرون، وأرادت زبيدة أن تولى ابنها الأمين الخلافة بعد أبيه، لكن هارون الرشيد كان يرى أن المأمون وهو ابنه من زوجة أخرى أحق بالخلافة لذكائه وحلمه، رغم أنه أصغر من الأمين؛ فدخلت زبيدة على الرشيد تعاتبه وتؤاخذه، فقال لها الرشيد : ويحك، إنما هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورعاية من استرعانى طوقًا بعنقي، وقد عرفت ما بين ابني، وابنك يا زبيدة، ابنك ليس أهلا للخلافة؛ فقد زينه فى عينيك ما يزين الولد فى عين الأبوين، فاتَّقى الله ؛ فوالله إن ابنك لأحب إلي، إلا أنها الخلافة لا تصلح إلا لمن كان أهلا لها، ونحن مسئولون عن هذا الخلق ؛ فما أغنانا أنا نلقى الله بوِزْرِهِمْ، وننقلبَ إليه بإثمهم ؛ فدعيني حتى أنظر فى أمري. وعلى الرغم من ذلك فقد عهد بولاية العهد لابنه "محمد الأمين"، ثم للمأمون من بعده.
وحين دخل المأمون بغداد بعد مقتل الأمين، وكان صراع قد شب بينهما حول منصب الخلافة استقبلتْهُ، وقالت له: أهنيكَ بخلافة قد هنأتُ نفسي بها عنكَ، قبل أن أراكَ، ولئن كنتُ قد فقدتُ ابنًا خليفةً؛ لقد عُوِّضْتُ ابنًا خليفة لم ألِدْه، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوض . فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه. وماذا أبقت فى هذا الكلام لبلغاء الرجال.
وتُوُفِّيت السيدة زبيدة فى بغداد سنة 216هـ بعد حياة حافلة بالخير والبر، فرحمة الله عليها.
جاء في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان:
" أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هائم، وهي أم الأمين محمد بن هارون الرشيد؛ كان لها معروف كثير وفعل خير، وقصتها في حجها وما اعتمدته في طريقها مشهورة فلا حاجة إلى شرحها.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب "الألقاب": إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وإنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحوت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان، فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: أعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار، فبلغت النفقة عليه ألف ألف وسبعمائة ألف دينار؛ قال اسماعيل بن جعفر بن سليمان: حجت أم جعفر زبيدة فبلغت نفقتها في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف، ولها آثار كثيرة في طريق مكة والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من مصانع وبرك أحدثتها. وإنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن، ولكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن، وإن اسمها أمة العزيز، ولقبها جدها أبو جعفر المنصور "زبيدة" لبضاضتها ونضارتها.
قال الطبري في تاريخه: أعرس بها هارون الرشيد في ذي الحجة في سنة 165 في قصره المعروف بالخلد وحشد الناس من الآفاق وفرق فيهم الأموال ولم ير في الإسلام مثله، وبلغت النفقة في هذا الغرض من بيت مال الخاصة خارجة سوى ما أنفقه هارون من ماله خمسين ألف ألف درهم، وليس في بني هاشم هاشمية ولدت خليفة إلا هي. وحكي أنها أحضرت الأصمعي وقالت له: إن أمير المؤمنين استدعاني وقال: هلمي يا أم نهر، فما معنى ذلك؟ فقال لها: إن جعفراً في اللغة هو النهر الصغير وأنت أم جعفر.
وحضر شاعر بابها، وأنشد:
أزبـيدة ابـنة جـعـفـر طوبى لزائرك المـثـاب
تعطين من رجـلـيك مـا تعطي الأكف من الرغاب
فتبادر الخدم إليه ليوقعوا به على سوء أدبه وعبارته فقالت: دعوه فإن من أراد خيراً فأخطأ خير ممن أراد شراً فأصاب، سمع الناس يقولون: شمالك أندى من يمين غيرك، فقدر أن هذا مثل ذلك؛ أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل.
ووقع بين الرشيد وبين زبيدة الشركة المتعهدة فتهاجرا فعمل داود بن رزين مولى عبد القيس شعراً وهو:
زمـن طـيب ويوم مـطـير هذه روضة وهـذا غــدير
إنما أم جعفـر جـنة الـخـل د رضاها والسخط منها السعير
أنت عبد لها ومولى لـهـذا ال خلق طرا وليس في ذا نكـير
فاعتذر يا خليفة اللـه فـي الأر ض إليها وترك ذاك كـبـير
فصار إليها عندما وقف على الأبيات وسألت عن سبب مجيئه فعرفت، وأوصلت إلى داود مائة ألف درهم في وقتها وأضعافها بعد ذلك.
ولما ولدت ابنة جعفر محمداً قال مروان بن أبي حفصة:
لله درك يا عقيلة جـعـفـر ماذا ولدت من الندى والسؤدد
إن الخلافة قد تبين نـورهـا للناظرين على جبين محمـد
إني لأعلم أنـه لـخـلـيفة إن بيعة عقدت وإن لم تعقـد
فأمر له هارون بثلاثة آلاف دينار، وأمرت زبيدة أن يحشى فوه جوهراً، فكانت قيمته عشرة آلاف دينار.

وقالت زبيدة للمأمون عند دخوله بغداد: أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، وان كنت قد فقدت ابناً خليفة لقد عوضت ابناً خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك وثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجراً على ما أخذ وامتاعاً بما عوض؛ وقيل إن زبيدة أرسلت إلى أبي العتاهية أن يقول على لسانها أبياتاً يستعطف بها المأمون، فأرسل هذه الأبيات:
ألا إن صرف الدهر يدني ويبعد ويمتع بالألاف طراً ويفـقـد
أصابت بريب الدهر منـي يدي فسلمت للأقدار والله أحـمـد
وقلت لريب الدهر إن هلكت يد فقد بقيت والحمد للـه لـي يد
إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ولي جعفر لم يفقدا ومحـمـد
فسيرتها له، فلما قرأها المأمون استحسنها وسأل عن قائلها فقيل له أبو العتاهية، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعطف على زبيدة وزاد في تكرمتها والبر بها.
اختلف الرشيد وأم جعفر في اللوزينج والفالوذج أيهما أطيب، فمالت زبيدة إلى تفضيل الفالوذج ومال الرشيد إلى تفضيل اللوزينج، وتخاطرا على مائة دينار، فأحضر أبا يوسف القاضي وقالا له: يا يعقوب قد اختلفنا في كذا على كذا وكذا فاحكم فيه، فقال: يا أمير المؤمنين ما يحكم على غائب وهو مذهب أبي حنيفة، فأحضر له جامين من المذكورين، فطفق يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة، وتحقق انه إن حكم للرشيد لم يأمن غضب زبيدة، وإن حكم لها لم يأمن غضب الرشيد، فلم يزل في الأكل إلى أن نصف الجامين فقال له الرشيد: أيه ابا يوسف، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت خصمين أجدل منهما، كلما أردت أن أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجته، وقد حرت بينهما، فضحك الرشيد وأعطاه المائة دينار وانصرف مشكوراً.
ومن عجائب التنجيم أن زبيدة فقدت خاتماً بفص له قيمة، وأنها اتهمت به بعض جواريها، فأحضرت رجلاً من أهل الصناعة فأخذ الطالع على تلك المصانع وقال: ما أخذ هذا الخاتم إلا الله تعالى، وردد القول ولم يرجع عنه، فبعد مدة فتحت زبيدة المصحف فوجدت الخاتم فيه، وكانت قد جعلته علامة للوقف وأنسيته.
وكانت وفاتها في سنة ست عشرة ومائتين في جمادى الأولى ببغداد، وتوفي أبوها جعفر بن المنصور في سنة ست وثمانين ومائة.
ورآها عبد الله بن المبارك الزمن في المنام فقال لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي الله بأول معول ضرب في طريق مكة، قال: قلت ما هذه الصفرة في وجههك؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي فزفرت جهنم عليه زفرة فاقشعر لها جسدي، فهذه الصفرة من تلك الزفرة، رحمها الله تعالى".
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 16-01-2013, 04:41 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

فاطمة بنت الخطاب

أخت الفاروق


سُجل اسمها فى ذاكرة التاريخ ووعي الأمة من خلال إسلام أخيها "عمر بن الخطاب"، ويكفيها فخرًا واعتزازًا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعز الله الإسلام بأحد العمرين قد تحققت على يديها.
إنها أم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر -رضى الله عنهما- فيحكِى عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- قصة إسلامه على يديها، فيقول: خرجتُ بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، فإذا بنعيم ابن عبد الله المخزومي، فقلتُ له: أرَغِبْتَ عن دين آبائك إلى دين محمد؟ قال: قد فعل ذلك من هو أعظم عليكَ حقَّا مني. فقلتُ: ومَنْ هو؟ قال: أختك فاطمة وخَتنُك (صهرك) زوجها، (سعيد بن زيد).
فانطلقتُ فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعتُ هَمْهَمَة، ولما فُتِح الباب - دخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمعُ؟ قالتْ فاطمة: ما سمعت شيئًا. فما زال الكلام بيننا حتى أخذتُ برأسها، فقالتْ: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييتُ حين رأيت الدم.
وقلت: أرونى الكتاب الذي سمعتكم تقرءون آنفًا. فقالت: إنا نخشاك عليه، فقلتُ: لا تخافى وحلفت بالآلهة لأردّنه -إذا قرأتُه- إليهم، فقالت: إنه لا يمسهٍ إلا بالمطهرون، فاغتسلتُ، فقرأتُ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشي تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى) [طه: 1-5].
فقلتُ: ما أحسنَ هذا الكلام وأكرمَه، فلما سمع منى خَبَّاب بن الأَرَتّ هذا الكلام خرج من مخبئه، حيث كان يُقْرِئها وزوجَها القرآن، فلما سمعنى -أَطْرُق على الباب- خشى وتخفّى فيه، فقال: يا عمر. إنى لأرجو اللَّه أن يكون قد خصَّك بدعوة نبيه، فإنِّى سمعتُه أمس وهو يقول: "اللهم أيِّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب" (وفى رواية: بأحد العُمَرَيْن) فاللهَ اللهَ يا عمر.
فقلتُ لخباب: دلنى على محمد؛ حتى آتيه فأُسْلِم. فأخذنى إلى بيت الأرقـم بن أبى الأرقم (على الصفا)، حتى قلت أمـام رسـول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، حينئذ كَبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فكَبَّر الصحابة وهللوا، وأعلنوا فرحتهم.
نشأت فاطمة فى بيت أبيها الخطاب بن نفيل المخزومى القُرشى صاحب الشرف والرفعة والفضائل العربية، وأمها هي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة.
كانت فاطمة بنت الخطاب صحابية جليلة لها السبق إلى الإسلام، هي وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل -أحد العشرة المبشرين بالجنة- حيث أسلما قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وأنجبت له عبد الرحمن.
وقد كان لها دور مهم فى بداية الدعوة، فقد أعطتْ نموذجًا كريمًا للمرأة فى الكتمان والسرية حفاظًا على الإسلام وعلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، وضربْت -كذلك- مثالا فى الشجاعة.
يروى أن المشركين هاجموا المسلمين ذات يوم، وكان فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وضُرب أبو بكر ضربًا شديدًا، ثم حُمل إلى داره. فلما أفاق سأل أمه "أم الخير": مافعل رسول اللَّه (؟ فقالت: واللَّه مالى علم بصاحبك ! فقال: اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.
فخرجَتْ حتى جاءت أمَّ جميل، فقالتْ: إن أبا بكر يسألكِ عن محمد بن عبد اللَّه، فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللَّه، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالتْ: نعم. فمضتْ معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعًا، فاقتربتْ أم جميل منه، وصاحت: واللَّه إن قومًا نالوا هذا منك، لأهل فسق وكفر، وإنى لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: فى دار ابن الأرقم. قال: فإن للَّه على لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى آتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فأمهلتاه حتى سكن الناس. ثم خرجتا به يتكئ عليهما؛ حتى أدخلتاه علـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روت -رضى اللَّه عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" فاطِمَة بِنْت الخطاب بن نفيل بن عَبْد العزّى القُرَشِيَّة العدويّة، أخت عُمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وهي امْرَأَة سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفيل العدوي، أحد العشرة.
أسلمت قديماً أول الإسلام مع زوجها سعيد، قبل إسلام أخيها عُمر، وهي كانت سبب إسلام أخيها عُمر.
روى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عُمر عن إسلامه، فقال: خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي وكان قد أسلم فقلت: تركت دين آبائك واتَّبعت دين مُحَمَّد؟ قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقاً مني! قلت: من هو؟ قال: أختك وختَنك. قال: فانطلقت فوجدت الباب مغلقاً، وسمعت همهمة، ففتح الباب، فدخلت فقلت: ما هذا الذي أسمع؟ قالت: ما سمعت شيئا. فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس خَتني فضربته فأدميته، فقامت إليَّ أختي فأخذت رأسي فقالت: قد كان ذاك على رغم أنفك! قال: فاستحييت حين رأيت الدم، وقلت: أروني هذا الكتاب...وذكر قصة إسلام عُمر في ترجمته.
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 16-01-2013, 04:42 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

فاطمة بنت أسد

أم الإيمان


لما تُوفِّيت دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وجلس عند رأسها، وقال: "رحمك اللَّه يا أمي، كنت أُمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرّيْنَ وتكسينني، وتمنعين نفسك طيبها وتطعمينني، تريدين بذلك وجه اللَّه والدار الآخرة" ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده، ثم خلع قميصه، فألبسها إياه، وكفنها، ولما حُفِر قبرها وبلغوا اللَّحد حفره النبي صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه، فلما فرغ، دخل صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال: "اللَّه الذي يحيى ويميت، وهو حى لايموت، اللّهم اغفر لأمى فاطمة بنت أسد، ولقِّنها حجتها، ووَسِّعه عليها بحق نبيك والأنبياء من قبلي، فإنك أرحم الراحمين". ثم كبَّر عليها أربعًا، وأدخلها اللحد ومعه العباس وأبو بكر الصديق يساعدانه. [الطبراني].
وعندما سأله الصحابة: ما رأيناك صنعتَ بأحد ما صنعتَ بهذه، قال: " إنه لم يكن بعد أبى طالب أبرّ بى منها، وإنما ألبستُها قميصى لتُكْسَى من حُلل الجنة، واضطجعتُ فى قبرها لأُهَوِّنَ عليها عذاب القبر" [الطبراني].
هذه هي منزلة السيدة "فاطمة بنت أسد" زوجة أبي طالب عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ حيث كانت ترعاه رعاية خاصة، فقد كانت تشعر باليُتْم الذي يعانيه حتى إنها كانت تفضله على أبنائها.
وقد نشأت السيدة فاطمة فى بيت من أشرف بيوت قريش وأعزها، فأبوها هو "أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي"، وأمها "فاطمة بنت قيس" وقد تزوجت "فاطمة بنت أسد" من أبي طالب فولدت له طالبًا وعقيلاً وجعفرًا وعليّا -كرم اللَّه وجهه-، وأم هانئ، وجمانة، وربطة.
وقد تركت معاملتها فى نفس النبي صلى الله عليه وسلم -وهو طفل- أبلغ الأثر، فقد كانت حميدة الأخلاق، عميقة الإيمان، صافية النية، مما جعلها تترك أثرًا بالغًا -أيضًا- فى نفوس أبنائها، وبخاصة الإمام على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه-
وظلت فاطمة تمارس دورها بعد وفاة زوجها أبى طالب، فدخلت فى الإسلام وهاجرت، وكافحت فى سبيل توطيد دعائم الدين الحنيف.
وكان على يقول لها -بعد أن تزوج فاطمة الزهراء بالمدينة-: يا أمي اكفي فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سقاية الماء، والذهاب فى الحاجة، وتكفيك الداخل: الطحن والعجن. [الطبراني]
ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي:
" فاطمة بنت أسد ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمية والدة علي بن أبي طالب. هي حماة فاطمة.
كانت من المهاجرات الأول. وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً. قاله الزبير. قال ابن عبد البر: روى سعدان بن الوليد السابري عن عطاء عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي ألبسها النبي صلى الله عليه وسلم قميصه واضطجع معها في قبرها فقالوا: ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا فقال: "إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها". هذا غريب".
وجاء في "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" فاطِمَة بِنْت أَسَد بن هاشم بن عَبْد مناف القُرَشِيَّة الهاشمية، أم علي بن أبي طالب، وأم أخوته طالب وعقيل وجعفر. وقيل: إنها توفيت قبل الهجرة. وليس بشيء، والصحيح أنها هاجرت إلى المدينة، وتوفيت بها.
قال الشعبي: أم علي فاطِمَة بِنْت أسد، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت بها.
وروى الأعمش، عن عَمْرو بن مرَّة، عن أبي البحتري، عن علي قال: قلت لامي فاطِمَة بِنْت أسد: اكفي فاطِمَة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سِقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك الداخل: الطحنَ والعجنَ.
وهذا يدل على هجرتها، لأن علياً إنما تزوج فاطِمَة بالمدينة. قال الزهري: هي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وهي أيضاً أول هاشمية ولدت خليفة، ثم بعدها فاطِمَة بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولدت الحسن، ثم زبيدة امْرَأَة الرشيد ولدت الامين، لا نعلم غيرهنّ. ثم إن هؤلاء الثلاثة لم تصْفُ لهم الخلافة، فأما علي فإنه كان من اضطراب الامور عليه إلى أن قتل، ما هو مشهور، وأما الحسن والامين فخلعا.
أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم: حدثنا عَبْد الله بن شبيب بن خالد القَيْسي، حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هانئ، حدثنا حسين بن زيد بن علي، عن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عُمر بن علي، عن أبيه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفَّن فاطِمَة بِنْت أسد في قميصه، واضطجع في قبرها، وجَزَّأها خيراً.

وروي عن ابن عباس نحو هذا، وزاد، فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه! قال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ قاله ابن حبيب. منها، إنما ألبستها قميصي لتُكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر".
قال الزبير:انقرض ولد أسد بن هاشم إلا من ابِنْته فاطِمَة بِنْت أسد.
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 16-01-2013, 04:43 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

فاطمة بنت الحسين

امرأة لا تعرف الشر


ذُكرت عند الخليفة عمر بن عبد العزيز -رضى اللَّه عنها- فقيل عنها: إنها لا تعرف الشر. فقال عمر: عدم معرفتها الشر جنَّبها الشر.
كانت -رضى اللَّه عنها- توصى أبناءها دائمًا فتقول لهم: استتروا بستر اللَّه.
"فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب" -رضى الله عنهم . تقدم ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب -رضى الله عنهم- لعّمه الحسين للخطبة، فقال له الحسين: يا بن أخي، لقد انتظرت هذا منك، انطلق معي. فخرج به حتى أدخله منزله، ثم أخرج إليه بنتيه فاطمة وسُكينة، فقال: اختر، فاختار فاطمة.
فزوَّجه إيّاها؛ فولدت له: عبد الله، وإبراهيم، وحسنًا، وزينب. ولما وقعت الفتنة ورفض الحسين بن علي أن يكون أسيرًا، وقاتل حتى قُتِل، وقُتِلَ معه ابنه وأصحابه الذين ثبتوا معه بمكان يقال له: "الطّفّ" عند كربلاء. وانطلق بعلي بن الحسين، وأختيه فاطمة وسكينة وعمته زينب بنت علي إلى عبيد اللَّه بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فقال علي: أما واللَّه لو رآنا رسول اللَّه ( مغلولين لأحبّ أن يحلنا من الغُلِّ (القيد). قال: صدقت. فحلوهم من الغل (القيد)، قال: ولو وقفنا بين يدى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على بُعد لأحب أن يقرّبنا. قال: صدقت. فقرّبوهم، ثم أمر بهم فجُهِّزُوا وأُخرِجوا إلى المدينة المنورة.
وفى رواية أخرى أن فاطمة بنت الحسين جاءت إلى يزيد بعد أن قُتل أبوها الحسين بن علي، وقالت له: يا يزيد أبنات رسول اللَّه سبايا؟ قال: بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك تجدينهن قد فعلن ما فعلت.
ولما استشهد الحسن، قال لها: إنك امرأة مرغوب فيك، فكأني بعبد اللَّه بن عمرو بن عثمان إذا خرج بجنازتي قد جاء علي فرس لابسًا حُلته، يسير فى جانب الناس يتعّرض لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع من الدنيا ورائي همًا غيرك! قالت: ائمن من ذلك.
وطمأنته بالأيمان لا تتزوجه، ومات الحسن بن الحسن فلما انقضت عدِتها أرسل إليها عبد الله بن عمرو يخطبها، فقالت: كيف بيميني التي حلفت بها؟! فأرسل إليها يقول: مكان كل مملوك مملوكان، ومكان كل شيء شيئان. فعوّضها من يمينها، فنكحته؛ وولدت له محمدًا الذي سُمى بالديباج لحسنه وجماله، والقاسم، ورقيّة. فكان عبد الله بن الحسن، وهو أكبر ولدها يقول: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحدًا، وما أحببت حب ابنه محمد -أخي- أحدًا.
وبعد موت زوجها عبد اللَّه بن عمرو خطبها عبد الرحمن بن الضحاك وكان حاكمًا للمدينة، فرفضت، فغضب عليها، فشكته إلى رجل شامي يدعى ابن هرمز، فقالت له: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض مني. كما أوفدت رسولا بكتاب إلى يزيد، فلما قرأه جعل يضرب بخيزران فى يديه ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك؛ هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ فقيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر الخضري. فدعا يزيد بقرطاس فكتب بيده إلى عبد الواحد، وهو بالطائف: سلام عليك، أما بعد؛ فإنى قد وليتك المدينة فإذا جاءك كتابى هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى تُسْمِعنى صوته وأنا على فراشي. فلمّا علم ابن الضحاك هرب ونزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا فى جوارك. فذهب مسلمة إلى يزيد فى قصره وذكر حاجة جاء من أجلها. فقال يزيد: كل حاجة تكلمت فيها هي فى يدك ما لم يكن ابن الضحاك. فقال: هو واللَّه ابن الضحاك،. فقال: والله لا أعفيه أبدًا وقد فعل ما فعل. فأغرمه عبد الواحد أربعين الف دينار وعذبه وطاف به فى جبة من صوف.
وكانت فاطمة صاحبة حكمة، وراوية من راويات الحديث، ومما روته أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي، وافتح لى أبواب رحمتك". وإذا خرج قال: " بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لى أبواب فضلك".
وكانت -رضى الله عنها- تحب العلم وتحفظ القرآن الكريم، كما كانت تحب الشعر؛ رُوي أنه لما دخل الكميت بيتها، قالت: هذا شاعرنا أهل البيت. وأمرت له بثلاثين دينارًا، فدمعت عيناه وقال: لا والله لا أقبلها إني لم أحبكم للدنيا.
وتوفيت رضى اللَّه عنها فى عام 110 من الهجرة.
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 16-01-2013, 04:46 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

نسيبة بنت كعب

المحاربة أم المحاربين


"ما التفتُّ يومَ أُحد يمينًا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني" .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم عنها: "لمَقَاَم نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقامِ فلان وفلان".
وتقول عن نفسها: رأيتُنى وقد انكشف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما بقى إلا فى نفر لا يتمُّون عشرة، وأنا وابناي وزوجىي بين يديه نذبّ عنه (ندافع عنه)، والناس يمرون به منهزمِين، ورآنى لا تِرْسَ معي، فرأى رجلاً موليًا معه ترس، فقال صلى الله عليه وسلم لصاحب الترْس: "ألْقِ تِرْسَكَ إلى مَنْ يقاتل". فألقى تِرْسَه، فأخذتُه، فجعلتُ أتَتَرَّسُ به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحابُ الخيل، لو كانوا رجالاً مثلنا، أصبناهم إن شاء اللّه، فأقبل رجل على فرس، فضربنى وتترستُ له، فلم يصنع سيفُه شيئًا، وولَّي، فضربتُ عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا ابنَ أم عمارة، أمك أمك، فعاوننى عليه حتى أوردته شَعُوب صلى الله عليه وسلمالموت). فسمعـتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "بارك اللّه عليكم من أهل بيت، رحمكم اللّه -أهل البيت-" .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم اجعلهم رفقائي فى الجنة". فقالت أم عمارة: ما أبالىي ما أصابني من الدنيا.
ويقول ابنها عبد الله بن زيد: جُرِحْتُ يومئذٍ جرحًا، وجعل الدم لا يرقأ (لا يسكن عن الانقطاع)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اعصب جرحك"، فتُقبل أمى إلي، ومعها عصائب فى حقوها، فربطتْ جرحي، والنبى واقف ينظر إلي، فقال: "انهض بُنَى فَضارب القوم". وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة". قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا ضارب ابنك". فاعترضتُ له فضربتُ ساقه، فبركَ. فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى رأيتُ نواجذه، وقال : "استقدتِ (أخذتِ ثأركِ) يا أم عمارة"، ثم أقبلنا نُعِلُّهُ (تتابع ضربه) بالسلاح حتى أتينا على نَفَسِه. فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي ظفرك" .
إنها السيدة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري، المعروفة بأم عمارة، وأمها الرباب بنت عبد الله بن حبيب بن زيد، أنموذج حـَي من نماذج النساء المؤمنات المخلصات، وواحدة من امرأتين حضرتا بيعة العقبة الثانية، وتقول فى ذلك: كانت الرجال تصفِّق على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، والعباس آخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بقيتُ أنا وأم منيع أختي؛ نادى زوجي "غُزية بن عمرو": يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد بايعتُهما على ما بايعتُكم عليه، إنى لا أصافح النساء".
جاهدتْ فى الله بكل ما أوتيتْ من قوة، ونذرت نفسها لإعلاء كلمة اللّه، فقاتلتْ يوم أُحد وجُرِحت اثنتي عشرة جراحة، وداوت جرحًا فى عنقها لمدة سنة حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان"، ولما نادى النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، شدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، كما شهدت الحديبية وخيبر وحنينًا ويوم اليمامة.
وهي أخت عبد اللّه بن كعب الذي شهد بدرًا، وأخت أبي ليلى عبد الرحمن بن كعب -أحد البكّائين- لأبيها وأمها.
تزوجتْ من زيد بن عاصم النجاري فولدتْ له عبدالله وحبيبًا، اللذين صحبا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزوجت بعده غزية بن عمرو من بنى النجار، فولدت له تميمًا وخولة. وقد شهد معها ومع ابنيها من زوجها الأول أُحُدًا.
كانت نسيبة تحافظ على حضور الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كبقية النساء آنذاك، فتسمع منه الدروس وتتعلم أدب الإسلام.
ولما بلغها أن ابنها "حبيبًا" قتله مسيلمة الكذاب، ومثَّل به -حين بعثه أبو بكر إليه؛ ليدعوه إلى الإسلام ويُرْجِعُهُ عن افتراءاته وكذبه- عاهدتْ الله أن لا تموت دون هذا الكذَّاب؛ لهذا جاءت الصديق أبا بكر -عندما أراد إرسال الجيش إلى اليمامة لمحاربة المرتدين ومسيلمة الكذاب- تستأذنه فى الخروج مع الجيش، فقال لها: قد عرفنا بلاءَكِ فى الحرب، فاخرجي على اسم اللّه. وأوصى خالدَ بن الوليد بها خيرًا، وفى المعركة جاهدت وأبلت أحسن البلاء، وجُرحت أحد عشر جرحًا وقُطِعَتْ يدها، واستشهد ابنها الثاني عبد اللَّه، وذلك بعد أن شارك معها فى قتل مسيلمة عدو اللّه.

ولما هدأت الحرب وصارت أم عمارة إلى منزلها؛ جاءها خالد ابن الوليد يطلب من العرب مداواتها بالزيت المغلي، فكان أشد عليها من القطع، ولهذا كان أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- يعودها - وهو خليفة - بعدما عادت من اليمامة؛ لأنه أكرم فيها إيمانها وصدقها وبطولتها، وعَرَفَ شهادة نبى الله صلى الله عليه وسلم فيها؛ لهذا ظل يسأل عنها ويعودها، حتى شُفِيَتْ بإذن الله.وكان خالد بن الوليد يزورها ويعرف حقها ويحفظ فيها وصية سيد البشر صلى الله عليه وسلم.
تلك هي المسلمة المجاهدة الداعية المربية، التي تعدُّ الأبطال، وتربي الرجال، التي لا تعبأ بما يصيبها فى الدنيا، بعد أن دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم برفقته فى الجنة، فكانت فى طليعة المؤمنات الصادقات، ورصَّعَتْ تاريخها على جبين التاريخ لتكون نموذجًا يُحتذي.
جاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي عن نسيبة بنت كعب:
" نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول.
الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية النجارية المازنية المدنية.
كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين. وكان أخوها عبد الرحمن من البكائين.
شهدت أم عمارة ليلة العقبة وشهدت أحداً والحديبية ويوم حنين ويوم اليمامة. وجاهدت وفعلت الأفاعيل.
روي لها أحاديث. وقطعت يدها في الجهاد.
وقال الواقدي: شهدت أحداً مع زوجها غزية بن عمرو ومع ولديها.
خرجت تسقي ومعها شن وقاتلت وأبلت بلاء حسناً وجرحت اثني عشر جرحاً.
وكان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته وكانت قد شهدت أحداً قالت: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: "لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان". وكانت تراها يومئذ تقاتل أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها علي وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يضربها على عاتقها. وكان أعظم جراحها فداوته سنة. ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى حمراء الأسد. فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف الدم. رضي الله عنها ورحمها.
ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر: أخبرنا عبد الجبار بن عمارة عن عمارة بن غزية قال: قالت أم عمارة: رأيتني انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون به منهزمين ورآني ولا ترس معي فرأى رجلاً مولياً ومعه ترس فقال: ألق ترسك إلى من يقاتل فألقاه فأخذته فجعلت أترس به عن رسول الله. وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل لو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله.
فيقبل رجل على فرس فيضربني وترست له فلم يصنع شيئاً وولى فأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا ابن أم عمارة أمك أمك قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر: حدثني ابن أبي سبرة عن عمرو بن يحيى عن أمه عن عبد الله بن زيد قال: جرحت يومئذ جرحاً وجعل الدم لا يرقأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعصب جرحك".
فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقوها فربطت جرحي والنبي صلى الله عليه وسلم واقف فقال: انهض بني فضارب القوم وجعل يقول: "من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة"!.
فأقبل الذي ضرب ابني فقال رسول الله: هذا ضارب ابنك. قالت: فأعترض له فأضرب ساقه فبرك.
فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى رأيت نواجذه وقال: "استقدت يا أم عمارة"! ثم أقبلنا نعله بالسلاح حتى أتينا على نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي ظفرك".
أخبرنا محمد بن عمر: حدثني ابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله: سمعت عبد الله بن زيد بن عاصم يقول: شهدت أحداً فلما تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دنوت منه أنا وأمي نذب عنه. فقال: "ابن أم عمارة؟" قلت: نعم قال: "ارم" فرميت بين يديه رجلاً بحجر وهو على فرس فأصبت عين الفرس فاضطرب الفرس. فوقع هو وصاحبة وجعلت أعلوه بالحجارة والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم.
ونظر إلى جرح أمي على عاتقها فقال: "أمك أمك! اعصب جرحها! اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة".
قلت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا.
وعن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: أتي عمر بن الخطاب بمروط فيها مرط جيد فبعث به إلى أم عمارة.
شعبة عن حبيب بن زيد الأنصاري عن امرأة عن أم عمارة قالت: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقربنا إليه طعاماً وكان بعض من عنده صائماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل عند الصائم الطعام صلت عليه الملائكة".
وعن محمد بن يحيى بن حبان قال: جرحت أم عمارة بأحد اثني عشر جرحاً وقطعت يدها يوم اليمامة وجرحت يوم اليمامة سوى يدها أحد عشر جرحاً. فقدمت المدينة وبها الجراحة فلقد رئي أبي بكر رضي الله عنه وهو خليفة يأتيها يسأل عنها.
وابنها حبيب بن زيد بن عاصم هو الذي قطعه مسيلمة.
وابنها الآخر عبد الله بن زيد المازني الذي حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم الحرة وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب بسيفه.
انفرد أبو أحمد الحاكم وابن مندة بأنه شهد بدراً.
قال ابن عبد البر: بل شهد أحداً.
قلت: نعم الصحيح أنه لم يشهد بدراً. والله أعلم".
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 16-01-2013, 04:47 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم رومان زوجة أبى بكر

امرأة من الحور العين


قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين؛ فلينظر إلى أم رومان" [ابن سعد] صحابية مجاهدة، ذات قلب طاهر ونفس طيبة، نزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبرها، واستغفر لها وقال: "اللهمَّ لم يخْف عَليك ما لقيتْ أم رومان فيك وفى رسولك" [ابن حجر فى الإصابة].
إنها أم رومان بنت عمر بن عويمر، من المسلمات الأُول، تزوجت من عبد اللَّه بن الحارث بن سخبرة، وأنجبت منه الطفيل، وكان قد قدم بها مكة، فحالف أبا بكر الصديق، ولما مات عبد اللَّه تزوجها أبو بكر الصديق؛ فأنجبت منه: عبد الرحمن وعائشة أم المؤمنين. وكان أبو بكر - رضى اللَّه عنه - متزوجًا قبلها، وعنده من الولد عبد اللَّه وأسماء رضى الله عنهما.
ولما بلغت عائشة -رضى الله عنها- ست سنوات، ذهبت السيدة خَوْلَة بنت حكيم إلى أمها أم رومان، تقول لها: أى أم رومان! ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟
قالت أم رومان: وما ذاك؟
أجابت خَوْلَة: أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب له عائشة.
ومن ذلك الحين وأم رومان تتشرف بقرابة المصاهرة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لها عندهصلى الله عليه وسلم مكانة خاصة لتُقَاها وإيمانها.
وكانت زوجة لأبى بكر -رضى الله عنه- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حبَّا كبيرًا. هاجرت أم رومان إلى المدينة مع ابنتها عائشة -رضى اللَّه عنهما- وفى طريق الهجرة هاج بَعِيرُ السيدة عائشة فصاحت أم رومان -وهى خائفة على ابنتها-: وابنتاه، واعروساه. فسكن البعير، ووصلت القافلة إلى المدينة بسلام، وهناك أخبرت أم رومان ابنتها "عائشة" بأنها ستتزوج من النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت أم رومان تحب ابنتها عائشة حُبّا عظيمًا، ففى حديث الإفك أُغْمِى عليها؛ حُزْنًا على ما أصاب ابنتها، ولما أفاقت أخذت تدعو اللَّه أن يظهر الحق، وظلت تواسى ابنتها ودموعها تتساقط، وجعلت تقول: أى بنية !.. هوِّنى عليك، فواللَّه لَقَلَّ ما كانت امرأة حسناء عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا كثرن وكثر عليها الناس..

وما إن انكشفت غمامة الإفك، حتى انشرح صدر أم رومان، وحمدت اللَّه على براءة ابنتها، وتكريم الله لها.
ولما كانت السنة السادسة من الهجرة توفيت "أم رومان"، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم قبرها واستغفر لها اللَّه. رضى اللَّه عنها وأرضاها، ورجح ابن حجر أنها ماتت بعد السنة الثامنة، والله أعلم.
ورد في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم رومان بِنْت عامر بن عُوَيمر بن عَبْد شمس بن عتّاب بن أذَينة بن سُبيع بن دهمان بن الحَارِث بن غنم بن مالك بن كنانة الكنانية، امْرَأَة أبي بكر الصديق. وهي أم عائشة وعَبْد الرَّحْمَن ولدي أبي بكر. كذا نسبها الزبير، وخالفه غيره خلافاً كثيراً، وأجمعوا أنها من بني غنْم بن مالك بن كنانة.
وتوفيت في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذي الحجة سنة ست من الهجرة. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة خمس، قاله أبو عُمر، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قبرها، واستغفر لها. وروي عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "من سرَّه أن ينظر إلى امْرَأَة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان".
وكانت قبل أبي بكر تحت عَبْد الله بن الحَارِث بن سَخْبَرة بن جرثومة الخير بن عادية بن مرّة الأزدي. فولدت له الطفيل. وتوفي عنها. فخلف عليها أبو بكر. فولدت له عائشة وعَبْد الرَّحْمَن، فهما أخوال الطفيل لامه.
روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلّفنا وخلف بناته، فلما استقرَّ بعث زيد بن حارثة، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظّهر، وبعث أبو بكر معهما عَبْد الله بن أرَيقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى ابنه عَبْد الله بن أبي بكر أن يحمل أمي أم رومان وأنا وأختي أَسْمَاء، فخرجوا مصطحبين، وكان طلحة يريد الهجرة فسار معهم، وخرج زيد وأبو رافع بفاطِمَة وأم كُلْثُوم وسودة بِنْت زمعة، زوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وأم أيمن، فقدمنا المدينة و النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يبني مسجده وأبياتاً حول المسجد، فأنزل فيها أهله.
أخرجها الثلاثة.
قلت: من زعم أنها توفيت سنة أربع أو خمس، فقد وهم، فإنه قد صح أنها كانت في الإفك حيَّة، وكان الإفك سنة ست في شعبان، والله أعلم".
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 16-01-2013, 04:52 AM
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً
نائب رئيس مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 01-05-2010
المشاركات: 6,636
افتراضي

أم كُجَّة

صاحبة الميراث


جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتاي استشهد أبوهما معك يوم أُحد، وقد أخذ عمهما مالهما كله، ولم يدع لهما شيئًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه، فواللَّه لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يقضي اللَّه فى ذلك.
فأنزل اللَّه تعالى فى أمرهما آية الميراث، وجعلها أساسًا وشريعة لكافة المسلمين، قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا)[ النساء:11] .
فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادع إلى المرأة وصاحبها" فقال للرجل: "أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقى فهو لك" [أحمد وأصحاب السنن].
وما إن فرض نظام الميراث فى الإسلام، حتى استفادت النساء من عدله ورحمته، بعد أن كان الجاهليون لا يورِّثون النساء ولا الضعفاء من الرجال، ويقولون: إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف.[أخرجه أحمد وأصحاب السنن].
تلك هي السيدة أم كُجَّة -رضى اللَّه عنها-، عاشت فى المدينة تتعلم شرائع الإسلام من النبي صلى الله عليه وسلم ، وتساند مسيرة الإسلام المباركة.
تزوجت "أوس بن ثابت" - رضى اللَّه عنه - أخا حسان بن ثابت - شاعر الرسول - وساهمت فى الجهاد، فحضرت أحدًا حيث استشهد زوجها - رضى اللَّه عنهما -.
جاء في كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير المؤرخ:
" أم كجة زوج أوس بن ثابت. نزلت فيها آية المواريث. أخبرنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن علي بن عَبْد الله بن سويدة بإسناده عن أبي الحسن علي بن أحمد المفسر، في قوله تعالى: "للرجالِ نصيبٌ مما ترك الوالدانِ والأقربون"... النساء 7 الآية، قال: قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن أوس بن ثابت الأنصاريّ توفي وترك ثلاث بنات وامْرَأَة، يقال لها أم كُجة، فقام رجلان من بني عمه فأخذا ماله، ولم يعطيا أمرأته ولا بناته شيئاً، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية.
وروى عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجّة إلى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، إن لي ابِنْتين قد مات أبوهما، وليس يعطيان شيئاً، فأنزل الله تعالى: "يُوِصيكمُ اللهُ في أولادكم للذكر مثلُ حظِّ الأُنثَيَيْن"... الآيتين.
أخرجها أبو نُعَيْم وأبو موسى".
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوصف الكامل لرسول الله عبد الحميد جويلي هذا هو الحب فتعال نحب 22 15-10-2017 06:18 PM
نور على نور. دوبلالي الأنساب في السيرة النبوية 4 29-01-2016 08:54 PM
التحذير من البدع ام نواف مجلس العقائد العام 2 08-04-2013 01:41 AM
نفحة عبير محمد محمود فكرى الدراوى هذا هو الحب فتعال نحب 1 26-12-2009 11:42 PM
الصحابة والمنافقون فى صدرالإسلام محمد محمود فكرى الدراوى هذا هو الحب فتعال نحب 0 26-12-2009 12:14 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 07:00 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه