لم يعرف الإسلام التعصب يوماً - الصفحة 2 - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
شوف كيف الدنيا وأتعجّب
بقلم : سليم هريسه
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: عائلة عليان (آخر رد :محمد عليان)       :: قبيلة نهد القضاعية [ بحث متجدد] (آخر رد :ابن جنـاب)       :: كتاب (مكسب البيان في نسب بني ذبيان) (آخر رد :صقر بن عبيد العتيبي)       :: السؤال عن نسب عائلة الماضي من قبيلة الالمدا (آخر رد :آل حسين)       :: شأن الجنس العربي ومسؤوليته في الرسالة المحمدية ! (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: ((وأشرفها نسلا خزيمة والنضر)) (آخر رد :الجارود)       :: السؤال عن نسب اللويسات (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: اعقاب منصور الاعمى بن الشيخ عز الدين أبو حمرا في الشوبك (آخر رد :محمد عليان)       :: الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام ,,, (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ ,,, (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)      



الاسلام باقلامنا " و من احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين "

Like Tree89Likes

إضافة رد
قديم 02-11-2014, 11:12 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

المساواة العنصرية في الإسلام -2-

( ترجمة محمد الشوفاني )

دعوة الحق العدد 136

هناك مصدر آخر لتحصيل معلومات عن المواقف العنصرية، نجده في الأدب الديني، وعلى الخصوص في ذلك الذي يدين التحيز العنصري والتمييز بواسطة استشهادات مناسبة.

وقد جمع تقاة المسلمين عددا كبيرا من الأحاديث خلال القرون التي تبعث وفاة النبي عليه السلام،
والأحاديث هي التعاليم والتقاليد التي تختص بأعمال محمد عليه الصلاة والسلام وأقواله، وقد جاءت نسبة كبيرة من هذه الأحاديث عفو الخاطر بكل تأكيد، ورغم أن هذا قد يبطل قيمتها كبرهان على وجهات نظر الرسول، فإنه لا يمنعها من أن تكون برهانا مهما على تطور المواقف خلال الفترة التي أنشئت فيها، ويهتم عدد كبير من تعاليم الرسول وتقاليده بقضايا الجنس واللون، فهناك بعض منها يدين هذا الجنس على الخصوص أو ذاك، وهكذا أثير عن الرسول قوله عن الحبشي أنه "كالزنجي إذا جاع سرق وإن شبع زنى" (1) ولا شك أن هذا القول قد جاء على البديهة، ولكنه جد معروف في العصور القديمة والحديثة كمثل يضرب عن الزنج.

مثل هذه الأحاديث قليلة ولا يعتبرها الناس آمرة جازمة، بينما هناك مجموعة كبيرة من التي عاشت وكان الغرض العام منها استنكار التحيز العنصري والإلحاح على أسبقية التقوى.

وأحد من هذه الأقوال الشائعة القول المنسوب إلى الرسول:
"لقد بعثت إلى الأحمر والأســــود" (2) وهو تعبير يحتضن كل الجنس البشري.
وبالإضافة إلى الآية التي استشهدنا بها بالبداية من القرآن الكريم، فإن الأقوال المنشئة للتقاليد والتعاليم الإسلامية، وهي أيضا جاءت عفو الخاطر تقريبا، تبغي لها هدف الإلحاح على أن الفضيلة الحقة إنما توجد في التقوى وفي العمل الصالح وهما أسبق من المنشأ.

هذه الأحاديث، والأحاديث التي تقابلها، تعكس بوضوح الصراع الكبير الذي وقع في فجر الإمبراطورية الإسلامية بين العرب الخلص الفاتحين الذين يدعون سموا اجتماعيا وعرقيا، وبين المعتنقين للإسلام من البلدان المفتوحة، والذين لم يستطيعوا ادعاء امتياز عائلي أو عرقي، فألحقوا بسبب ذلك ربما، على أسبقية التقوى والفضيلة الدينية.

وربما وجب علي هنا أن أنبه إلى صورة بلاغية شائعة الاستعمال بالعربية – وهي برهان بالخلف، مختلفة كل الاختلاف عن تلك الصورة التي نسميها برهانا غير مباشرة، أن هدف البرهان غير المباشر، أو البرهان بالخلف هو البرهنة على خطا حجة ما بإيراده في أكثر أشكاله تطرفا وغرابة، أما الصورة البلاغية العربية التي أتحدث عنها فهدفها غير ذلك، إذ أنها لا تريد أن تدحض أو تبطل، ولكنها تؤكد وتثبت، فهي إذن ليست برهانا بالخلف ولكنها بالأحرى تأكيد بالخلف، إذا سمحت لنفسي بحشر هذا التعبير البلاغي.
أم المرء لا يملك إلا أن يدهش من عدد المرات الذي يستعمل فيها الإنسان الأسود للإرشاد إلى هذا النمط من الحجج.

وهكذا فإن رجال القضاء المسلمين يتلون قولا مأثورا منسوبا إلى الرسول عليه السلام عندما يؤكدون واجب الطاعة والخضوع للسلطة (3).
"أطيعوا من ولى عليكم ولو كان عبدا حبشيا مجذوع الأنف"
أن امتزج الخاصيتين يشير إلى عدم الأهلية الجسمانية والاجتماعية والعرقية.
وفي موضوع الزواج يقول عليه الصلاة والسلام:
"لا تنكح المرأة لمالها ولا لجاهها، وعليك بذات الدين تربت يدك" (4)
يجب تفضيل التقوى على الميل والهوى ولو أن التقوى لا تستطيع أن تعيد توجيه الميول.

ونجد نفس الموضوع يرد في القصص التي تروى عن أبي ذر، وهو بطل إسلامي قديم يذكر غالبا كنموذج للتقوى والتواضع، ويروى كأمثلة على تواضعه أنه تزوج امرأة سوداء "لأنه أراد زوجة تدنيه لا زوجة تعليه." وأنه كان مستعدا للصلاة وراء رجل حبشي (5)

ونجد القضية أكثر وضوحا وفعالية عندما يتعرض لها ابن حزم الشهير (990 – 1064) الذي يلاحظ أن:
"الله شرع أن أكثر الناس ورعا هو أكثر الناس نبلا (6) ولو كان ابن زنجية زانية، وأن أكثر الناس خطيئة وكفرا هو في الدرك الأسفل حتى ولو كان ابن الأنبياء" (7)
أن هذا الشعور شعور بالتقوى والمساواة، ولكنه بشكل ما لا يحمل اقتناعا كاملا، أن ابن حزم يقدم هذه الملاحظة في مقدمة دراسته عن النشأة العربية والذي يحاول فيه أن يبرهن على أهمية هذا العلم.

وفي حديث آخر ملتبس بعض الالتباس يقول رجل حبشي للرسول:
"إنكم أيها العرب تفوقوننا في كل شيء في البنية واللون وانتساب النبي لكم، فهل سأكون معكم في الجنة إذا آمنت"
فيجيبه الرسول:
"نعم، وفي الجنة سيظهر بياض الحبشي للرائي على مسافة أكثر من ألف سنة". (8)

أن الأخلاق والتعاليم التي نستخرجها من هذا القول ومن عدد لا حصر له من الأقوال والحكايات من نفس النوع إنما هي أن التقوى تطغى وترجح على السواد، وأن عدم التقوى تطغى وترجح على البياض، ولا يعني هذا أنه لا فرق بين البياض والسواد بل إن عكس ذلك يتأكد في بعض الحكايات مثل تلك التي تتحدث عن الزنجي التقي الذي يتحول لونه أبيض ويقابلها قصص عن فاعلي الشر الذين يتحول لونهم إلى السواد.

ونجد مثلا حيا على ذلك في رسالة الغفران حيث يقدم الشاعر السوري أبو العلاء (973 – 1057) صورة عن – الجنة والنار، يلتقي الراوي في الجنة بحرية فائقة الجمال تقول له أن اسمها في الحياة كان توفيق الزنجية، وكانت تخرج الكتب للناسخين في أكاديمية بغداد، فيقول مندهشا:
"ولكنك كنت سوداء وأصبحت الآن أبيض من الكافور".
فتجيبه ببيت من الشعر معناه:
أنه لو كان هناك بصيص من نور الله لدى كل السود لتحولوا كلهم بيضا (9).

نجد نفس هذا الاقتران للبياض مع الخير في أدب السيرة النبوية التي يصف الرسول نفسه بالبياض أو الحمرة،
ونفس اللون ينسب إلى زوجته عائشة وإلى صهره علي وأعقابه وحتى أجداده كما ينسب على الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى (10).

الفتح والاسترقاق:
يمكن نسبة هذا التغيير العظيم الذي وقع في الوقف، خلال بضعة أجيال إلى تطورين رئيسيين هامين.
1- أولهما هو عامل الفتح، وإنشاء العرب المتحضرين لإمبراطورية عظيمة كان لابد من أن يظهر فيها التمييز تمييزا دينيا فحسب، ولكن الدخول السريع للإسلام من طرف الشعوب المفتوحة أحدث طبقة جديدة هي طبقة المعتنقين للإسلام من غير العرب، والذين يشبه وضعهم وضع المسيحيين الأصليين في الإمبراطوريات الأوربية الأولى.

لقد كان معتنقو الإسلام غير العرب متساوين مع العرب حسب مذاهب الإسلام والتي أكدها باستمرار شراح العقيدة التقاة، بل لقد كان من الممكن أن يفوقوهم بالتقوى، ولكن العرب مثل غيرهم من الفاتحين، قبلهم وبعدهم، كانوا يرفضون المساواة مع المفتوحين، وقد أبقوا على امتياز وضعهم أطول مدة ممكنة، كان ينظر إلى المسلمين غير العرب نظرة استصغار، وكانوا عرضة لسلسلة من اللا أهلية المالية، والاجتماعية، والسياسية والعسكرية.

كان الصراع من طرف المعتنقين للإسلام غير العرب من أجل المساواة في الحقوق أحد المواضيع الهامة التي شغلت القرنين الأولين من تاريخ الإسلام، وكان صراع أنصاف العرب من أجل المساواة مع العرب الإقحام موضوعا آخر يساوي الموضوع الأول في الأهمية، ولقد كان هناك تمييز، في أوائل الإمبراطورية الإسلامية حتى بين أولئك الذين كانوا من سلالة حرة من كلا الطرفين، وبين أولئك الذين كانت أمهاتهم غير حرات، كانوا أبناء محظيات، وبالضرورة كانوا أبناء لأشخاص من جنس مختلف، ورغم أنهم كانوا أسمى من المسلمين غير العرب، فهم قطعا أدنى من العرب الأقحاح من كلا الطرفين، وكلما ازداد عددهم كلما ازداد إلحاحهم في المساواة مع العرب.

ومن بين هذين الطائفتين: طائفة المعتنقين للإسلام غير العرب، وطائفة المنحدرين من أصل نصف عربي، لم يكن اللون ليثير قضية ذات بال.
ويحفظ الأدب ذكريات صراع مرير خاضه الأطراف الثلاثة من العرب، وأنصاف العرب، وغير العرب.



أن أهمية التمييز بين شخص من أصل إفريقي، وبين شخص من أصل غير عربي ترجع إلى رؤية العين، فالابن الذي هو من أب عربي وأم سورية أو فارسية لم يكن يبدو في شكله مختلفا عن ابن كلا أبويه عربيان، فالتمييز كان في الواقع اجتماعيا لا غير، أما الابن الذي أمه إفريقية فقد كان يظهر من مجرد الرؤية وكان بالتالي أكثر تعرضا للإساءة والتمييز، وقد كان لفظ (ابن السوداء) سيئة توجه لمثل هؤلاء الأشخاص.

كان الشاعر نصف الملحمي عنترة ابنا لأب عربي من قبيلة عبس وأم سوداء،
ويقول بيت من الشعر منسوب إليه:
وأن يعيبوا سوادي فهو لي شرف
يوم التزال إذا ما فاتني النسب (11)

يقال في هذا الصدد أن الخليفة عمر نفسه حفيدا لامرأة حبشية، وهذا الادعاء من بقايا الموقف القديم.
يقول مؤلف عربي قديم هو محمد ابن حبيب أنه حدث يوما في حياة الرسول أن شتم رجل عمر وناداه (بابن السوداء)، فأنزل الله الآية القرآنية على أثر ذلك:
"يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم..." سورة الحجرات الآية 11 (12).
والقصة ذات أهمية رغم أنها قد تكون اختراعا من أجل التقوى، وتأتي في فصل قصير عن عظماء الرجال الذين كانوا أبناء نساه حبشيات.

2- أما العامل الهام الثاني فهو عامل التجربة الواسعة التي حملها الفتح إلى العرب، كانت معرفتهم قبل الإسلام محدودة في الحبشة، وهي بلد كان له مستوى مرتفعا نسبيا في الحضارة المادية والمعنوية، وكانت سمعة الأحباش الطيبة في حياة الرسول ترجع إلى الترحاب الذي كان يلقاه المهاجرون المسلمون من مكة، وحدثت تغييرات بعد الفتح حيث التقى العرب خلال توغلهم في إفريقيا من جهة، وفي جنوب غرب آسيا من جهة أخرى بشعوب خفيفة اللون كانت أكثر تحضرا، وشعوب داكنة اللون كانت أكثر بدائية، ولاشك أن نتيجة ذلك كانت الشروع في معادلة العرب بين الأمرين.

يضاف إلى هذا التوسع عامل التطور الكبير الذي حدث في أوائل القرون الإسلامية، ذلك هو عامل الرق وتجارة الرقيق (13)،
ثم يكن العرب هم أول من استرق الأفارقة السود، فالمصريون في زمان الفراعنة كانوا قد بدأوا اعتقال واستعمال الرقيق الإفريقي الأسود، وبعض هؤلاء مرسوم على الآثار المصرية، وكان هناك أيضا رقيق أسود في العالم الهيليني والعالم الروماني، ولكنه يبدو أنه كان قلة غير ذات أهمية نسبيا، ويبدو أن تطور الاسترقاق بأعداد كبيرة والتجارة بالأفارقة السود، واستيرادهم بأعداد ضخمة لتشغيلهم في بلدان البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط يعود إلى الفترة العربية.

ولقد كان من المحتم أن يؤثر هذا على مواقف العرب والمسلمين من الشعوب الداكنة اللون الذين التقى بهم العرب والمسلمون بهذه الطريقة فحسب.
كان العالم المتحضر يعني للمسلمين هم أنفسهم، كما كان الأمر بالنسبة لكل الشعوب المتحضرة التي عرفها التاريخ.

كانوا هم وحدهم يملكون الإشعاع والعقيدة الحقة، وكان العالم الخارجي يسكنه برابرة وكفرة، وفي هذا العالم الخارجي الذي يمتد وراء حدود العالم الإسلامي أدرك المسلمون بعض التمييزات، ففي الشرق كانت الهند، والصين بلدين وثنيتين، ولكنهما كانا يستحقان بعض الاحترام لما يملكانه من سمات حضارية، وفي الغرب يمتد العالم المسيحي البيزنطي ثم الأوربي والذي كان يعتبر عقيدة منافسة، وثقافة منافسة، ونظاما عالميا منافسا.
ـــــــــــــــــــــ
(1) الميداني: أمثال العرب
(2) مولدزيير: موح – الترجمة الانجليزية ص 87.
(3) – (4) ابن ماجة: السنن (القاهرة 1372 / 1952) ص 597
(5) ابن سعد: كتاب الطبقات الكبير طبعة شاصو ص 134.
(6) إشارة إلى الآية القرآنية الكريمة
(7) ابن ماجة: جمهرة أنساب العرب (القاهرة (1948) ص 1
(8) كولد زير: ص 74
(9) أبو العلاء المعري: رسالة الغفران – القاهرة (131 / 1903) ص 73.
(10) ابن هشام: سيرة رسول الله ص 226
(11) الوردح: الشعراء العرب القدامى (لندن 1870) ص 32
(12) ابن حبيب، كتاب المحبر (حيدراباد) 1361 – 1942 ص 306
(13) مازالت تجارة الرقيق في العالم الإسلامي تحتاج إلى الدراسة، وللاطلاع أرجع إلى "عبد" في انسكلو
توقيع : حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2014, 12:10 AM   رقم المشاركة :[9]
معلومات العضو
نائب رئيس مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية حسن جبريل العباسي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

المساواة والعنصرية في الإسلام

تعقيب


ان كتابات المستشرقين وابحاثهم عن الاسلام لا تخلو من مغامز عن قصد في الغالب و يمكن ان تكون احيانا عن جهل بمعاني التعابير العربية التي اقحموا انفسهم في الاستنباط من دقائق مراميها وكثيرا ما يكون ذلك موجها لقواعد ثابتة يريد المستشرقون تشكيك الجيل الصاعد في قيمتها رغم بلوغها مبلغ الشهرة او التواتر القطعي حتى يريدوا قطع النظر عن احاديث الرسول الصحيحة واتباع احاديث مكذوبة ارضاء لشهواتهم،

فقد تعرض البروفيسور برنار لويس في بحثه ( المساواة العنصرية في الاسلام) المنشور في العدد التاسع من مجلة ( دعوة الحق) لشهر شوال 1391 ه – نوفمبر 1971 م ، الى مصدر اخر( كما يقول ) للمواقف العنصرية هو الادب الديني و ما يدين منه التحيز و التمييز العنصريين بواسطة استشهادات مناسبه قال :
فلقد جمع تقاة المسلمين عددا لا حصر له من الاحاديث بعد موت الرسول و النسبة الكبيرة من هذه الاحاديث جاءت عفو الخاطر ، ورغم ان ذلك قد يبطل قيمتها كبرهان على اراء الرسول الخاصة فانها مع ذلك تبقى حجة على تطور المواقف التي انشئت فيها’

ثم زاد هذا المستشرق فقال:
يهتم عدد كبير من هذه الاحاديث بقضايا العنصر او ذاك و هكذا اثر عن الرسول قوله عن الحبشي انه اذا جاع سرق و ان شبع زنى لم نفطن الى ان هذا القول الماثور في حق الحبشي من الرسول قد يقال له فيه الم تقل ان الاحاديث التي جاءت عفوالخاطر تبطل قيمتها كبرهان على اراء الرسول الخاصة فهذا مثلها فاستدرك على احتمال ورود هذا السؤال الذي يعود على قوله السابق بالابطال فقال :
ولا شك ان هذا القول جاء عفو الخاطر و لكنه معروف في التاريخ القديم و الحديث كمثل عربي سائر عن الزنج..
نقول من المعلوم ان الرسول عليه الصلاة والسلام في مقام التشريع لا ينطق عن الهوى

و كثير من احاديثه الشريفة الصحيحة قد يكون لها اسباب يقولها في تلك المناسبات جوابا عن سؤال او بيان حكم في نازلة او بيان لاية كريمة من كتاب الله امتثالا لقول الله تعالى :
وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم

واذا نظرنا الى قول الله تعالى :
(( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم))
ونظرنا الى قول الرسول : ( لا فضل لعربي على عجمي و لا لابيض على اسود الا بتقوى الله)
نجد التطابق في المعنى بين الاية و الحديث تاما

و فد كان لبلال الحبشي و سلمان الفارسي مقام كريم بين جميع الصحابة من المهاجرين و الانصار على السواء ,
فكيف يتجرا البروفيسور برنارد لويس على الطعن في الاحاديث التي جمعها ثقاة المسلمين بان النسبة الكبيرة منها جاءت عفو الخاطر ثم يقول ورغم ان وذلك قد يبطل قيمتها كبرهان على اراء الرسول الخاصة فانها تبقى حجة على تطور المواقف الخ..

فالاحاديث الثابتة عن الرسول سواء كانت تتعلق بالاحكام او بالعبادات او بالاحوال الخاصة او العامة لا يقال : فيها ما يبطل قيمتها في أي حالة من الحالات,

و العجب ان هذا المستشرق برنارد لويس يبطل قيمة الاحاديث الصحيحة التي جمعها تقاة المسلمين ثم يلجا للاستدلال على نظرياته بالاحاديث المكذوبة عن الرسول في الميز العنصري و بان بعضها معروف في التاريخ القديم و الحديث كمثل عربي سائر ان هذا الترجيح يمكن قبوله لو كان جعل بحثه في الشعبوية التي استجدت بعد عصر الصحابة او في الميز العنصري في التاريخ و لكنه جعل عنوان بحثه المساواة العنصرية في الاسلام

ولنقل كلمة عن نظرة الايمة في الحديث الذي قال عنه انه ماثور عن الرسول..
ففي كتاب اللالىء المصنوعة في الاحاديث الموضوعة ( أي المكذوبة على الرسول عليه السالم)
ابن عدي:
حدثنا جعفر ابن مروان حدثنا عبد الله بن الوليد حدثنا حبيب بن ابي حبيب حدثنا عبد الله بن عامر عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا ان الحبشة نجداء اسخياء و ان فيهم ليهنا فاتخدوهم و امتهنوهم فانهم اقوىشىء)
حبيب كاتب مالك يكذب قال: ابن عدي احاديثه كلها موضوعة انتهى ( موضوعة أي مكذوبة على الرسول) ،

كما ذكر السيوطي ما رواه الطبراني عن وسجة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا خير في الحبش اذا جاعوا سرقوا و اذا شبعوا زنوا وان فيهم لخلتين حسنتين اطعام الطعام وباس عند الباس
ثم نقل السيوطي قول الحافظ الذهبي عن وضع و كذب هذا الحديث في كتابه المغنى:
عوسجة عن ابن عباس روى له ابو داودمجهل،

وهناك احاديث في هذا المعنى ذكرها السيوطي صرح في بعضها و لكنها لا تخلو من مغامز ويكفي انها مخالفة للاحاديث الصحيحة التي تثبت الاخوة و المساواة في الاسلام باجلى معانيها ,
وان مناط التفاضل هو تقوى الله كما قال بعض الصحابة في حق ابي بكر الصديق وبلال الحبشي معتق ابي بكر هو سيدنا واعتق سيدنا ,

ولكن المستشزقين ينكرون التطبيق العملي لتعاليم الشرع الاسلامي في شتى النواحي لاخصوصية للميز العنصري ويتعلقون بما لا يثبت حتى يشككوا المسلمين والشباب المثقف منهم في تعاليم دينهم الخالدة ولكن الحمدلله حيث تنبه كثير من مفكري الاسلام إلى مراميهم فصاروا ينبهون عنهم من يغتر بها وتوجد في بحت هذا المستشرق مغامز مبنية على ما اسسه من الاسس الواهية يعرفها من تشبع بروح الاسلام.
على أننا لا ننكر أن الواقع التاريخي فيه شعوبية في ظل حياة المسلمين و نظرات الى السلالات في
حالات لا يرتضيها الاسلام.

وعليه رد الرسول الاعظم عليه السلام بقوله
( أن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بالاباء.
وقال عندما سمع بعض الصحابة ينادي بالعصبية القبلية (ليس منا من دعى بدعوى الجاهلية )وكل هذا هو المعروف الثابت الصحيح من أقوال الرسول أما غير هذا فانما يتعلق به اصحاب الاغراض للحط من المساواة التامة التي جاء بها الاسلام فالناس من آدم وآدم من تراب والله ولي التوفيق.

----------------------------
توقيع : حسن جبريل العباسي
حسن جبريل العباسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2014, 07:22 AM   رقم المشاركة :[10]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

نقل ... مميز ... ولا غرابة !!!
هكذا عودتمونا ...
سلمت يداك
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2014, 10:11 AM   رقم المشاركة :[11]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس الادب و التاريخ - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية ابراهيم العثماني
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

اخي اسلام الغربي شكرا لك على جميل ما نقلت وطرحت موضوع في غاية الروعة بارك الله فيك وتقبل مروري وفائق تقديري واحترامي
وان اتسع لي صدرك اخي هل لي بسؤال:
ما كان لون سيدنا ادم عليه السلام؟
توقيع : ابراهيم العثماني
العاقـــــــــل
خــــــــــــصيم
نفـــــــــــسه


إبراهيم العثماني العباسي الهاشمي
ابراهيم العثماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2014, 03:45 PM   رقم المشاركة :[12]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبيلة بني عقيل
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

اشكرك على نقل رائع

وعلى كل حال السواد او الحمره ليست غريبه لدى العرب بشكل عام

فالعرب امة بها الاسود ( الادم ) و الاسمر و الحنطي و الابيض المشرب بالحمره

فكمثال هذا وصف بلال بن رباح رضي الله عنه

(من رأى بلالا ، رجلا آدم شديد الأدمة ، نحيفا طُوالا )

وهذا وصف ابو ذر الغفاري رضي الله عنه الذي قال لبلال يابن السوداء

( قال رجل من بني عامر بن صعصعة: " دخلتُ مسجد منى فإذا شيخ معروق آدَم، عليه حُلّة قِطْري، فعرفت أنه أبو ذَر بالنعت.")

فلون بلال وابي ذر رضي الله عنهما نفسه فلا يفرق بلال الا انه شديد الادمه ( السواد )

اما قصة سيد الانصار عباده بن الصامت رضي الله عنه معا المقوقس بها تحريف من الكاتب ولا عتب على ناقل

فلم يقول ( ليس مزدرى بيناا ) بل قالو ( ليس يُنكَرُ السواد فينا )

والا يومنا هذا لا ينكر سواد ( عند البدو فقد )

ولا ننسى كلمة عباده بن الصامت ( قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سوادًا مني وأفظع منظرًا )

فقد ذكر ان هناك الف رجل اسود وبتاكيد جلهم من العرب الاقحاح

___ من ناحيه اخرى ___

وعلى كل حال

فزمن الحالي لاحمر والادم اصبحو ينكرون من قبل بعض العرب

رغم ان نبي الله صلى الله عليه وسلم ابيض مشرب بالحمره
ورعم ان علي بن ابي طالب رضي الله عنه ادم مثله مثل بلال وغيره من صحابه

وبنهاية ان العرب امة وسطا فبها الابيض المشرب بحمره وبالعرب الادم الاسود و الاصفر وتجد اصحاب لون الهندي الاسمر و الحنطي وهو الغالب على الالوان العرب و تجد الاسمر شديد السمره

وكل هذه الالوان تجدها بالعرب

وقد تئتي عن طريق الخؤله القديمه وقد تئتي صريحه هكذا

والله اعلم
يزيد ابن بطي القوادي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-05-2015, 08:15 PM   رقم المشاركة :[13]
معلومات العضو
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية عبدالقادر بن رزق الله
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي التسامح الاسلامي في العيش مع غير المسلمين

التعايش مع غير المسلمين
د . منقذ بن محمد السقــار
(المكتبة الاسلامية الشاملة)
تمهيد : يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، فيما معناه ؛ أنا لا أخشى على الاسلام من خارجه ( أعدائه) ، و لكني أخشى عليه من داخله ( أهله) ، فإن المسلمين الجاهلين بتعاليم دينهم ، والذين لم يطلعوا على الفقه الاسلامي ، و لم يتعاملوا مع النصوص بوعي و فقه ، يتصرفون و باسم الاسلام تصرفات غير شرعية ، لا يقبلها الاسلام ، فيسيئون إليه أكثر من أعدائه . في هذا المضمار ، أنقل (بتصرف ) للقراء الكرام بحثا أكاديميا للدكتور منقذ السقار ، جزاه الله خيرا عن الاسلام ، يتناول مبدأ الاسلام في التعايش مع غير المسلمين أي الكافرين ، بكل تسامح و طيبة و تعاون ، آملا الافادة به :

فإن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه من مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا في الدين والجنس واللغة.
وقد اصطفى الله نبينا - صلى الله عليه وسلم - للرسالة، وجعله رحمة إلى الناس أجمعين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فكانت رسالة الإسلام أول رسالة عالمية، تجاوزت حدود الزمان والمكان واللغة والجنس «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة»
لكن الله تبارك وتعالى شاء بمشيئته وحكمته أن يخلق الإنسان كائنا فريداً متميزاً بالاختيار
ولو شاء الله لألزم الإنسانية دينه فطرة وقهراً، فلا تملك في قبوله حولاً ولا طولاً، لكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}.
قال ابن كثير عن قول الله تبارك وتعالى {ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك}: "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. "
ولنا أن نتساءل عن مصير أولئك الذين آثروا إرث الأجداد على الهدي المستبان، وقالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}، كيف يتعامل الإسلام مع هؤلاء؟ وكيف يحكم فيهم إذا سكنوا ربوعه وتفيؤوا ظلاله؟
ما أحرانا أن نبدد مخاوف الآخرين الذين يعيشون داخل العالم الإسلامي، فصحوتنا وعودتنا إلى ديننا لن تؤدي إلى شيء مما يفرقونه ويحذرونه.
وهذه المخاوف نبددها باستدعاء التجربة التاريخية الفريدة التي عاشها أجدادهم ضمن المجتمع المسلم طوال قرون رغيدة، حفظت للأحفاد حتى اليوم وجودهم وكينونتهم داخل مجتمعنا وضمن حضارتنا.
رسالة نتقدم بها إلى أولئك الذين دأبوا على اتهام الإسلام بالانغلاق، ووصموه بما يكذبه التاريخ، ولا تعشى عن حقائقه الأبصار.
إنه لمن العجب أن يوسم الإسلام بالصفة ونقيضها، فلئن اتهمه بعضهم بالعنف؛ فإن آخرين عابوا عليه نزعته التسامحية ورأوها سبب أفول الدولة الإسلامية، يقول الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام": "تطرف المسلمون في المحاسنة؛ لأنها سهلت العصيان للعصاة، ومهدت لبعض الأسر المستقلة في المغرب الخروج على الجماعة في بلاد الأندلس وبلاد المغرب، وانتهى الأمر - مع المحاسنة - إلى انحلال عناصر المملكة العربية، ومن المرجح أن المسلمين لو عاملوا الأندلسيين كما عامل المسيحيون الأمم السكسونية والواندية؛ لأخلدت إلى الإسلام واستقرت عليه"
أ. معنى الكفر
الكفر: وصف يشمل كل من كذب الرسول عليه الصلاة والسلام، في شيء مما جاء به، أو صدقه وامتنع عن الدخول في الإسلام، يقول ابن تيمية: " الكفر يكون بتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم" فالمقصود به من سوى المسلمين من أهل الملل والأديان؛ سواء كانت كتابية أو وثنية؛ فإن حكم الكفر يشملهم جميعاً؛ إذ لا فرق - وفق الرؤية الإسلامية - بين من يعبد العجل ومن يعبد المسيح؛ إذ كلاهما عبد غيرَ الله، ووقع في الشرك والكفر الذي توعد المسيح عليه الصلاة والسلام فاعله بالنار: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ}.
ولا يشكلنَّ على القارئ لآيات القرآن ما يجده من خطاب قرآني رقيق مع أهل الكتاب يميزهم به عن غيرهم من إخوانهم من أهل الشرك، فيظن أن نداءه لهم {يا أهل الكتاب} شهادة لهم بالإيمان، من وهِم ذلك فهو جاهل بطريقة القرآن في الخطاب مع غير المسلمين، إذ لم يرد في القرآن: (يا أيها الذين كفروا) إلا في تصوير حالهم في الآخرة، حين يناديهم الله {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} ، وورد مثله صريحاً في مفاصلة المشركين {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون} إذ لم يكن من أدب الإسلام أن يخاطب من استيقن كفره بقوله: (يا كافر). قال الله تعالى: {وقولوا للناس حسناً}.
وكذلك فإن نداء القرآن {يا أهل الكتاب} يفيد في غاية مقصده أنهم قوم نزل فيهم كتاب من كتب الله، ولا يفيد إيمانهم، ولا حتى سلامة كتبهم - التي يناديهم باسمها - من التحريف والتبديل، ومن ظن أن هذا الخطاب القرآني يلحقهم بالمؤمنين، فقد جهل أصول الإسلام التي صرحت بكفر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}.
ولا يشكلنَّ على القارئ لآيات القرآن ما يجده في الكتاب
وكذلك فإن نداء القرآن {يا أهل الكتاب} يفيد في غاية مقصده أنهم قوم نزل فيهم كتاب من كتب الله، ولا يفيد إيمانهم، ولا حتى سلامة كتبهم - التي يناديهم باسمها - من التحريف والتبديل، ومن ظن أن هذا الخطاب القرآني يلحقهم بالمؤمنين، فقد جهل أصول الإسلام التي صرحت بكفر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}.
ولا يشكلنَّ على القارئ لآيات القرآن ما يجده من خطاب قرآني رقيق مع أهل الكتاب يميزهم به عن غيرهم من إخوانهم من أهل الشرك، فيظن أن نداءه لهم {يا أهل الكتاب} شهادة لهم بالإيمان، من وهِم ذلك فهو جاهل بطريقة القرآن في الخطاب مع غير المسلمين، إذ لم يرد في القرآن: (يا أيها الذين كفروا) إلا في تصوير حالهم في الآخرة، حين يناديهم الله {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} ، وورد مثله صريحاً في مفاصلة المشركين {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون}، إذ لم يكن من أدب الإسلام أن يخاطب من استيقن كفره بقوله: (يا كافر). قال الله تعالى: {وقولوا للناس حسناً}.
وكذلك فإن نداء القرآن {يا أهل الكتاب} يفيد في غاية مقصده أنهم قوم نزل فيهم كتاب من كتب الله، ولا يفيد إيمانهم، ولا حتى سلامة كتبهم - التي يناديهم باسمها - من التحريف والتبديل، ومن ظن أن هذا الخطاب القرآني يلحقهم بالمؤمنين، فقد جهل أصول الإسلام التي صرحت بكفر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} (البينة: 1).
ب. أنواع الكفار
الكفار المستعلنون برفض الإسلام وعقائده وأصوله لا فرق بينهم في أحكام الآخرة، فكلهم متوعد بالنار يوم القيامة {وأن للكافرين عذاب النار}، وإن اختلفت بواعث كفرهم.
وأما في أحكام الدنيا فالشريعة تفرق بين الكفار بحسب عدائهم للمجتمع المسلم، فلا يستوي فيها أبو طالب وأبو جهل، نعم. كلاهما كفر بدين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن أحدهما أعلن العداء لدين الحق وحارب الله ورسوله، بينما دافع الآخر عن الحق، وحماه، وذاد عن حياضه؛ وإن لم يؤمن به، فلا سواء في أحكام الدنيا بين هذا وذاك.
والكفار بحسب شريعة المجتمع المسلم على أنواع، أجملهم الإمام ابن القيم بقوله: «الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان»
فأول أنواعهم؛ الحربي، وهو المقيم في بلاد الكفر المحاربة للمسلمين، ولا تعلق له بمبحثنا إلا إذا دخل بلاد المسلمين بهدنة أو أمان، فإنه لا يصير حينذاك حربياً، بل يكون من أهل النوع الثاني؛ أهل العهد، أي يكون معاهداً أو مستأمناً.
والأصل في ألفاظ (الأمان والعهد والذمة) أنها ألفاظ عامة، تشمل أنواع المستأمنين والمعاهدين وغيرهم ممن هم في بلاد الإسلام بعقد ذمة أو هدنة أو أمان، فذمَّة المسلمين وعهودهم وأمانهم ثابتة لكل هذه الأصناف، والأصل في معاملتهم جميعاً قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.
وإن الفقهاء فرقوا بينها من الناحية الاصطلاحية، فخصوا كل واحد منها بنوع من الكفار.
فـ (أهل الذمة) هم الكفار المقيمون تحت ولاية المسلمين وفي دولتهم، قال ابن القيم: "ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء [أهل الذمة وأهل الهدنة وأهل الأمان] كلهم في الأصل , وكذلك لفظ الصلح، فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد.
وقولهم: هذا في ذمة فلان، أصله من هذا، أي: في عهده وعقده .. ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء (أهل الذمة) عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم يقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله"
قال المرداوي: "لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين: بذل الجزية والتزام أحكام الملة من جريان أحكام المسلمين عليهم .. يلزم أن يأخذوهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه" .
ولقد يعجب المرء من وسائل الإعلام ،تنفث سمومها حول هذا المصطح (أهل الذمة) حتى تخاله سُبة شنيعة، تطيش عند سماعه عقول من لم يفهموا المعانى السامية والدقيقة التي تحملها هذه الكلمة، فأهل ذمة المسلمين - كما قال سليمان البجيرمي - أهل: "عهدهم وأمانهم وحرمتهم" .
و (ذمة الله وذمة رسوله) وصف جميل يشتمل على الكثير من التكريم، وقد أمر به في حق المسلمين الذين عَهِد الله ورسوله بالكف عن دمائهم وأموالهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» وكذلك فإن من ذمة الله التي يرقبها المسلم ما لا يعطاه إلا المؤمن الذي يصلي الفجر في جماعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه فيكبه في نار جهنم» ، فمن كان هذا حاله فهو في أمان الله وعهده وضمانه؛ فلا ينبغي أن يتعرض له أحد بالإيذاء.
وهذا المعنى الرفيق هو ما نريده حين نسمي مواطنينا غير المسلمين (أهل ذمة الله ورسوله)، أي لهم عهد من الله ورسوله بالأمان، فينبغي على كل مسلم رعايته وعدم التعرض لهم بالإيذاء، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل معاهَداً له ذمة الله وذمة رسوله , فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين عاماً».
والصنف الثاني من الكفار(أهل العهد)، وهم الذين صالحهم إمام المسلمين أو هادنهم، قال ابن القيم: "أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة"
وأما (المستأمن) فهو من يدخل بلاد المسلمين من أهل بلاد الحرب بأمان لغرض ما، لا على وجه الديمومة، قال النووي: "المستأمن هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان" .
وفصّل ابن القيم أقسام المستأمنين الذين يدخلون بلاد المسلمين لغير الاستيطان فهم على " أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية" ، ويندرج في هؤلاء سفراء الدول المعادية ودبلوماسيهم وصحفييهم ومن في حكمهم.
والأصل في الأمان المعطى لهذه الأنواع جميعاً أن يكون من الوالي أو الحاكم المسلم، ولو أعطاه أحد من عامة المسلمين ثبت له، فقد أجارت زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا العاص بن الربيع , فأمضاه النبي عليه الصلاة والسلام .
كما أمضى - صلى الله عليه وسلم - جوار أم هانىء لأحمائها، فقال لها: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء, إنما يجير على المسلمين أدناهم» .
وعليه فأي مسلم أمَّن حربياً دخل بلاد المسلمين ثبت أمانه - كائناً من كان -، لأن «ذمة المسلمين واحدة, يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يُقبل منهم صرف ولا عدل» .
وممن يأمن بأمان المسلمين في بلادهم؛ التجار. قال أحمد: " إذا ركب القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم، ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة بويع، ولم يسأل عن شيء" .
وهكذا فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين بعهد أو أمان، أو أقام بينهم؛ فهو في ذمة المسلمين وعهدهم، والله يقول: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً).
حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم
أوجب الاسلام لغير المسلمين المقيمين في بلاد المسلمين ضمانات الضمانات :
أولاً: ضمان حرية المعتقد
عقيدة المسلمين أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه ديانات إلهية حُرفت ثم نُسخت بالإسلام، أو ضلالات وتخبطات أوجدها البشر جهلاً منهم بحقيقة الدين والمعتقد أو بغياً وهوى، وأن كل ذلك يحيق بأصحابه عذاب النار.
وقد أشفق المسلمون على إخوانهم في البشرية من هذا المصير المؤلم، وعملوا جهدهم على استنقاذهم منه ومن دياجير العيش في ظلال الكفر، ولم يدخروا جهداً في استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر، ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقولُ.
ولم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، وذلك تطبيقاً لمجموعة من المبادئ الإسلامية التي رسخت فيهم هذا السلوك:

أً. حتمية الخلاف وطبيعته
إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد.
قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} .
قال ابن حزم: "وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به [شرعاً]، وإنما أراده تعالى إرادة كونٍ، كما أراد الكفر وسائر المعاصي" أي فلن يعصى أحدٌ اللهَ قهراً،(و إنما باختياره ،و لذا يحاسب عليه).
قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف".
ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالاً ويطلب ممتنعاً، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف.
ب. مهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس
إن هداية الجميع من المحال، وأن أكثر الناس - كما أخبر الله - لا يؤمنون {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، ولكن واجب الدعاة هو الدأب في دعوة الآخرين وطلب أسباب هدايتهم. فإن مهمتهم هي البلاغ فحسب، والله هو من يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطباً نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ} . وقال تعالى: {فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد}.
قال الإمام القرطبي: " فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان؛ فإنما عليك البلاغ، أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا".
قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} " أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما بلّغته إليهم، {وعلينا الحساب} أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك".
وقال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر - لست عليهم بمسيطر} (الغاشية: .
ولهذا فلا صراع للمسلم مع الذي تنكب الهداية وأعرض عن أسبابها، فإنما حسابه على الله ، قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء}. وقال له وللأمة من بعده: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}.
ج. التكريم الإلهي للإنسان
خلق الله آدم عليه السلام،و كرمه و كرم ذريته من بعده و أوكل إليه عمارة الأرض بمنهج الله: {إني جاعل في الأرض خليفة}
ووفق هذه الغاية كرَّم الله الجنس البشري على سائر مخلوقاته {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً}.
وأكد نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصحبه من بعده - احترام النفس الإنسانية ومراعاة كرامتها، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: «أليست نفساً».
ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل {وهديناه النجدين}، وبموجبه وهبه الارادة و حرية لاختيار {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}
د. لا إكراه في الدين
ولكون الانسان مخيرا في افعاله فإنه يختار ما يشاء من المعتقد {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} ، وحسابه على الله {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} .
قال ابن كثير: "أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح؛ جليٌ دلائلُه وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً" فخسارته للجنة والنجاة هي الخسران العظيم، لذلك يقول الله تعالى: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني - فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} ويقول:(وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون - الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) وقال الإمام الشيباني : "لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من خلفائه؛ أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام "ومن أكره من الكفارعلى الاسلام ، فلا قيمة لايمانه ، و إن عاد الى الكفر بعد زوال الاكراه فلا يُقتل لأنه ليس مرتدا بحكم إجباره على الاسلام ، و لا يصح اسلامه شرعا،و أن عمر بن الخطاب قال لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق. فلم تقبل ، وقالت: أنا عجوز كبيرة، والموت أقرب إليّ! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: {لا إكراه في الدين}.
______________________________________

و كان لعمر مملوك نصراني اسمه أسبق، قال كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول: {لا إكراه في الدين} ويقول: (يا أسبق، لو أسلمتَ لاستعنّا بك على بعض أمور المسلمين) .
شهادات التاريخ في كيفية انتشار الإسلام
لقد فقه المسلمون مبدأ عدم الإكراه على الدين ووعوه، فتركوا لرعاياهم من غير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر التعبدية، ولم يأمروا أحداً باعتناق الإسلام قسراً وكرهاً، وننقل في هذا شهادات غير المسلمين؛ حتى نرد ادعاءات المفترين بأن الاسلام انتشر بالسيف :
يقول المؤرخ الإنجليزي توماس آرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إِحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإِيزابلا دين الإِسلام من أسبانيا" .
ويقول: "نستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح" .
وينقل شهادة مهمة للبطريك النسطوري يشوع ياف الثالث (عيشو يابه) في رسالته إلى سمعان مطران ريفارشير ورئيس أساقفة فارس ينوح فيها على دخول شعب خراسان في الإسلام، ويقول: «أين أبناؤك؛ أيها الأب الذي ثكل أبناءه؟ أين أهل مروالعظماء، الذين على الرغم من أنهم لم يشهدوا سيفًا ولا نارًا ولا تعذيبًا .. واحسرتاه على هذه الآلاف المؤلفة التي تحمل اسم المسيحية .. فلماذا إذاً هجر شعبك من أهل مرو عقيدتهم من أجل هؤلاء العرب؟ ولماذا حدث ذلك أيضًا في وقت لم يرغمهم فيه العرب!؟» .
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام" .
بل على عكس ما يشيعه الغربيون عن إجبار الناس على اعتناق الإسلام فإن المؤرخين الغربيين ينقلون باستغراب بعض الحوادث المشينة في تاريخنا عن كراهية بعض الأمراء دخول الناس في الإسلام، لكنها على كل حال تنقض ما يزعمه المفترون على الإسلام، تقول المؤرخة زيغرد: "لقد عسّر المنتصرون على الشعوب المغلوبة دخول الإسلام حتى لا يقللوا من دخلهم من الضرائب التي كان يدفعها من لم يدخل في الإسلام" .
ويقول ول ديورانت في سياق حديثه عن الخليفة عمر بن عبد العزيز: "وبينما كان أسلافه من خلفاء الأمويين لا يشجعون غير المسلمين في بلاد الدولة على اعتناق الإسلام، حتى لا تقل الضرائب المفروضة عليهم، فإن عمر قد شجع المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين على اعتناقه، ولما شكا إليه عماله القائمون على شؤون المال من هذه السياسة التي ستفقر بيت المال أجابهم بقولهِ: (والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا، حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا) " .
ويبين لنا توماس أرنولد أن خراج مصر كان على عهد عثمان اثنا عشر مليون دينار، فنقص على عهد معاوية حتى بلغ خمسة ملايين، ومثله كان في خراسان، فلم يسقط بعض الأمراء الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، ولهذا السبب عزل عمر بن عبد العزيز واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، وكتب: "إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" .
لقد كان انتشار الإسلام السريع في العالم القديم حدثاً مدوياً، تجاوز ما عرفته البشرية من زحف بطيء للأديان السابقة ، فما السرفي تقبل الشعوب للإسلام وإقبالها عليه؟ تأتي الاجابة من غير المسلمين الأحرار :

يقول المستشرق دوزي في كتابه "نظرات في تاريخ الإسلام": "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام، وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة " .
ويقول غوستاف لوبون: " إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم .. فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذ العربية لغة له؛ فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى" .
و يواصل: "وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم" .
ويوافقه المؤرخ ول ديورانت فيقول: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عدداً قليلاً منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندنوسيا إلى مراكش والأندلس، وتملَك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها" .
ويضيف السير توماس أرنولد إلى التسامح سبباً آخر أخذ بنواصي الناس إلى الإسلام، وهو الإعجاب بحضارة الإسلام ومدنيته وآدابه: «وقد بلغ من تأثير الإِسلام في نفوس معظم الذين تحولوا إليه من مسيحي أسبانيا مبلغاً عظيماً، حتى سحرهم بهذه المدنية الباهرة، واستهوى أفئدتهم بشعره، وفلسفته، وفنه الذي استولى على عقولهم وبهر خيالهم .. أضف إِلى ذلك أن علوم المسيحيين وآدابهم لا بد أن تكون بدت فقيرة ضئيلة إذا ما قيست بعلوم المسلمين وآدابهم التي لا يبعد أن تكون دراستها في حد ذاتها، باعثاً على الدخول في دينهم. هذا إِلى أن الإِسلام في أسبانيا استطاع أن يثير في نفوس الأتقياء الجمال الذي ينشده الورعون والمتحمسون من جماعة إخوان الصفا» (5).
وثمة أسباب لا تتعلق بالإسلام نفسه دعت الناس إلى اعتناق الإسلام، فقد اختارالكثيرون ترك أديانهم بسبب رجال الدين في هذه الملل، فقد رأى الناس منهم ما قوَّض تعلقهم بأديانهم، إضافة إلى ما لمسوه من قصور في شرائعهم التي عجزت عن تلبية حاجات معتنقيها الروحية، فأسلمتهم للإسلام طوعاً، ففي حديث السير أرنولد عن انتشار الإسلام بين المسيحيين، وبخاصة أهل مصر؛ يرى أن سبب ذلك هو فساد رجال الدين، وتخليهم عن واجبهم الروحي، فيتحدث أرنولد عن تسامح صلاح الدين الأيوبي مع أهل مصر وتخفيفه للضرائب عليهم، ثم يقول: "وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية، قرابة قرن من الزمان، لم يكن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد والانحطاط، فقد فشت السيمونية بينهم، فبيعت مناصب القسيسين الذين اتصفوا بالجهل والرذيلة، على حين حيل بين الذين طلبوا التعيين وبين هذا المنصب المقدس بعجزهم عن أداء الأموال المطلوبة في احتقار وازدراء، مع أنهم كانوا من الجديرين بشغل هذا المنصب، وكان من أثر ذلك أن أهمل تثقيف الناس روحياً وخلقياً إهمالاً تاماً، وبلغت الحياة المسيحية درجة محزنة من الانحلال» .
ومثل هذا حصل في بلاد النوبة (السودان)، حيث «يظهر أن النوبيين قد انساقوا من المسيحية إلى الإِسلام بالتدريج وفي بطء شديد، وكانت الحياة الروحية في كنيستهم قد انحدرت إلى أقصى دركات الانحطاط.
ولما وجد المسيحيون أن لا أمل في قيام حركة للإِصلاح في مجتمعهم؛ وأنهم قد فقدوا الاتصال بكنائسهم التي تقع فيما وراء حدودهم؛ لم يكن من الطبيعي إلا أن ينشدوا ما يشفي غلتهم ويسد رمقهم الروحي في الدين الإسلامي الذي حمل أتباعه بين هؤلاء الدليل على قوة حيويته وقتاً طويلاً» .
ويقول روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "لكنا لا نعلم للإسلام مجمعاً دينياً، ولا رسلاً وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكرَه أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب"
إن ما سقناه يذب دعاوى الناعقين بانتشار الإسلام بالسيف والغلبة، وينكأ جروحاً عميقة عن انتشار أديان أخرى ما فتئ بعض قادتها يطعنون في الإسلام، وكأني بهم لم يطلعوا على حقائق التاريخ التي تحدثنا أن الملك شارلمان خيَّر قبائل الألمان بين المعمودية (رمز الدخول في النصرانية) والسيف، فتعمد آلاف المقهورين خوفاً ووجلاً

فقد "استخدم لذلك وسائل عنيفة جداً، فكان يضطر الألوف للدخول في مياه المعمودية تخلصاً من الموت الشنيع" .
وأما محاكم التفتيش فقد خيرت يهود أسبانيا بين التنصر والنفي، ولم يظفر الهنود الحمر بفرصة النفي، فقد احتل كولمبوس بلادهم، وكان «هدفه المتعهد به هو تحويل الكفار الهنود إلى إيماننا المقدس»، ولَما لم يستجبوا له تعرضوا للاستعباد والإبادة، ففي مكسيكو «جرى إحراق السكان المحليين الذين لم يتحولوا إلى المسيحية»، وسوغ مثل هذا الفعل مرسومٌ بابوي صدر عام1493م، وحكم القاضي إينسيسكو عام 1509 بأن من حق الملك الأستيلاء على أموال الهنود الكفار وأرضهم، وأن يستعبدهم ويقتلهم كما فعل النبي يشوع بأهل كنعان أي وفقاً للكتاب المقدس .

ثانياً: ضمان سلامة دور العبادة
لم يجبر الإسلام من تحت ولايته على الدخول فيه؛ و قد ترك للناس حرية البقاء على أديانهم، و قررالسماح بها، وضمان سلامة دورها.
وهذا - بالفعل - ما ضمنه المسلمون في عهودهم التي أعطوها للأمم التي دخلت في ولايتهم أو عهدهم، فقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران أماناً شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤونهم وعباداتهم، وأعطاهم على ذلك ذمة الله ورسوله، (أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته).
و سار الخلفاء الراشدون من بعده - صلى الله عليه وسلم -، على نهجه وجاء في العهدة العمرية لأهل القدسالدليل القاطع بذلك: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم .. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين "
ولما خاف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من انتقاض عهده لأهل القدس لم يصل في كنيسة القيامة حين أتاها، وجلس في صحنها، فلما حان وقت الصلاة قال للبترك: أريد الصلاة. فقال له البترك: صل موضعك. فامتنع عمر - رضي الله عنه - وصلى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفرداً، فلما قضى صلاته قال للبترك: (لو صليتُ داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي، وقالوا: هنا صلى عمر).
وكتب لهم أن لا يجمع على الدرجة للصلاة، ولا يؤذن عليها، ثم قال للبترك: أرني موضعاً أبني فيه مسجداً فقال: على الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب، ووجد عليها دماً كثيراً، فشرع في إزالته".
وقد نقل هذه الحادثة بإعجاب المستشرق درمنغم في كتابه " The live of Mohamet" فقال: "وفاض القرآن والحديث بالتوجيهات إلى التسامح، ولقد طبق الفاتحون المسلمون الأولون هذه التوجيهات بدقة، عندما دخل عمر القدس أصدر أمره للمسلمين أن لا يسببوا أي إزعاج للمسيحيين أو لكنائسهم، وعندما دعاه البطريق للصلاة في كنيسة القيامة امتنع، وعلل امتناعه بخشيته أن يتخذ المسلمون من صلاته في الكنيسة سابقة، فيغلبوا النصارى على الكنيسة"، ومثله فعل ب سميث في كتابه: "محمد والمحمدية"

وبمثل كتاب عمر لأهل أورشليم كتب - رضي الله عنه - لأهل اللُد في فلسطين.
وبمثله أيضاً كتب عياض بن غنم - رضي الله عنه - لأهل الرقة، ولأسقف الرها.
وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء والمؤمنين".
وتضمن كتابه - رضي الله عنه - لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم".
وفي عهد التابعين أكد أمراء المسلمين وفقهاؤهم على ضمان دور العبادة لمواطنيهم من غير المسلمين، فكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار".
وحين أخل بعض حكام المسلمين بهذه الحقوق؛ اعتبر المسلمون ذلك ظلماً محرماً، وأمر أئمة العدل بإزالته، وسعوا في إبطاله، ومن ذلك أن الوليد بن عبد الملك أخذ كنيسة يوحنا من النصارى قهراً، وأدخلها في المسجد، فاعتبر المسلمون ذلك من الغصب المحرم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة؛ شكا إليه النصارى ذلك، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاد في المسجد عليهم، فاسترضاهم المسلمون، وصالحوهم، فرضوا.
كما شكا النصارى إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز في شأن كنيسة أخرى في دمشق أقطعها بعض أمراء بني أمية لبني نصر، فردها إليهم .
وفي القرن الهجري الرابع وقعت فتنة بين المسلمين والنصارى فهدم المسلمون ونهبوا أربع كنائس «فرفع النصارى الأمر إلى المقتدر فوقَّع لهم ببنيان هذه الكنائس» .
وفي سرده لأحداث سنة 767هـ ذكر ابن كثير أن الأفرنج دخلوا الإسكندرية، وفعلوا بأهلها الأفاعيل «وعاثوا في أهلها فساداً، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال .. وقد أسروا خلقاً كثيراً يقاومون [أي يزيدون على] الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهباً وحريراً وبهاراً وغير ذلك ما لا يحدُّ ولا يوصف ..

فأصدرنائب السلطان في الشام مرسوما «بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، وانطلقت مراكب المسلمين تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى .و تساءل المسلمون عن حكم الشريعة في مثل هذا؟ الإفرنج يعتدون على المسلمين في الإسكندرية، والمسلمون يأخذون ربع أموال النصارى ويهينونهم، فهل هذا جائز في شريعة الإسلام؟
يقول ابن كثير: «ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعاً»، ثم يحكي عن زيارته لنائب السلطان، وأنه قال له: «هذا لا يجوز اعتماده في النصارى .. هذا مما لا يسوغ شرعاً، ولا يجوز لاحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد - الفرد - فوق ما يبذلونه من الجزية»، ثم ذكر ورود الأمر من السلطان برد الأموال لنساء النصارى دون الرجال، فعقب عليه ابن كثير بما يدل على فرحه المنقوص لعدم إرجاع الكل، فقال: «وإن كان الجميع [أي ما أُخذ من الرجال والنساء] ظلماً، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم» .
لقد كان التاريخ خير شاهد على التزام المسلمين بالجملة بالمحافظة على دور عبادة أهل الكتاب ، و سجلها الأحرار من مؤرخي الغرب والشرق سماحة المسلمين مع مواطنيهم، وبخاصة فيما يتعلق بسلامة دور العبادة ومن فيها.
يقول ول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة: المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم"
وينقل ترتون وأرنولد شهادة مهمة للبطريك النسطوري يشوع ياف الثالث (عيشو يابه)، سجلها في رسالته إلى سمعان مطران ريفارشير ورئيس أساقفة فارس: " وإِن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا .. ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس، يعطفون على ديننا، ويكرمون قسسنا وقديسي الرب، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديار".
ويتحدث السير أرنولد عن فتح مصر وما قدمه المسلمون للأقباط: «وقد جلب الفتح الإِسلامي إِلى هؤلاء القبط حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان، وقد تركهم عمرو أحراراً على أن يدفعوا الجزية، وكفل لهم الحرية في إِقامة شعائرهم الدينية، وخلصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي أنُّوا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني، ولم يضع عمرو يده على شيء من ممتلكات الكنائس، ولم يرتكب عملاً من أعمال السلب والنهب .. وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتدادهم عن دينهم القديم ودُخولهم في الإِسلام على نطاق واسع كان راجعاً إِلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين، بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط إِلى الإِسلام قبل أن يتم الفتح» .
ويقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه "ظلال الكنيسة" (ص 64) متحدثاً عن الفتح الإسلامي للأندلس: "لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى؛ حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب .. كانت غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وقهر .. ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمناً عن فضيلة حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب، فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبِيَع اليهود، ولم يخشَ المسجدُ معابدَ الأديان التي سبقته، فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها، غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها" .
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: " المسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سُمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟ ".

ثالثاً: حرية ممارسة العبادة
ولم يتوقف المسلمون عند المحافظة على دور العبادة وضمان سلامتها، بل طالب الفقهاء المسلمون بتأمين حقوق رعاياهم في العبادة وضمان عدم إشغالهم في أوقاتها، فقرروا أنه "يحرم إحضار يهودي في سبته ، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: «وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت»
وصوناً لاختيار غير المسلم في فعل ما هو جائز في دينه؛ فإن أمان الذمي في المجتمع المسلم يسري على كل ماله، ولو كان محرَّماً أو مهدر القيمة عند المسلمين وفي شريعتهم، وفي هذا الصدد ينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير والخمر وغيره مما يحل في دينهم، فيقول: "وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر وأكل لحم الخنازير واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصراً ليس فيه أهل إسلام (أي في بلادهم التي هم فيها الكثرة) " .
وقال الإمام مالك: "إذا زنى أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام؛ إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويُدخلوا عليهم الضرر؛ فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين" .
وقال فقيه الأندلس أبو الوليد الباجي: " إن أهل الذمة يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه، لا يمنعون من شيءٍ منه في باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره في المحافل والأسواق".
وهذا الذي قرره الفقهاء في زمن عز الدولة الإسلامية وتمكنها؛ امتثله أمراء المسلمين وحكامهم بقدر التزامهم بتعاليم دينهم، فعاش المواطنون غير المسلمين في كنف الدولة الإسلامية، وهم يتمتعون بحرية العبادة وإقامة شعائرهم الدينية، يقول ول ديورانت: "وكان اليهود في بلاد الشرق الأدنى قد رحبوا بالعرب الذين حرروهم من ظلم حكامهم السابقين .. وأصبحوا يتمتعون بكامل الحرية في حياتهم وممارسة شعائر دينهم .. وكان المسيحيون أحراراً في الاحتفال بأعيادهم علناً، والحجاج المسيحيون يأتون أفواجاً آمنين لزيارة الأضرحة المسيحية في فلسطين .. وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، الذين كانوا يلقون صوراً من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية وأورشليم والاسكندرية وإنطاكيا، أصبح هؤلاء الآن أحراراً آمنين تحت حكم المسلمين".
وينقل معرب "حضارة العرب" قول روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان ... يتبع .














التعديل الأخير تم بواسطة الشريف ابوعمر الدويري ; 19-05-2015 الساعة 05:42 AM سبب آخر: فقرة مكررة
توقيع : عبدالقادر بن رزق الله
اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ ، وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تمحُها ، و خالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسنٍ
عبدالقادر بن رزق الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-05-2015, 05:45 AM   رقم المشاركة :[14]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

نقل مميّز ... جزاك الله الخير
بحث من الواجب تعميمه وتبنيه من كل مسلم حريص على دينه
رحم الله والديك
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكتاب : الشجرة المباركة في الأنساب الطالبية-المؤلف : الفخر الرازي على نجيب مجلس قبائل مصر العام 3 01-02-2017 06:11 PM
كتاب يتحدث عن أخطاء المؤرخ ابن خلدون المختار لخنيشي مجلس قبائل موريتانيا 8 24-09-2016 05:43 PM
هؤلاءعلمونى (1) محمد جلال كشك محمد محمود فكرى الدراوى مجلس الادباء العرب ( المستطرف من كل فن مستظرف ) 2 06-03-2015 03:24 AM
تاريخ النسيان في أخبار ملوك السودان الألوسي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 0 23-06-2014 01:18 AM
تاريخ السودان الألوسي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 0 23-06-2014 12:00 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 08:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه