جهود صلاح الدين في إنشاء دولة بني أيوب - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
سؤال للمتخصصين من قبيلة زهران!
بقلم : عبدالرحمن بن علي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: أصل عائلة الكوهجي (آخر رد :الأمير المميز)       :: 1 - دراسة حول نسب السيد ابراهيم الدسوقي (آخر رد :أمير إبراهيم أحمد القرشي)       :: سلالة نوح (آخر رد :لمرابط)       :: عائله رشوان بيت عياض (آخر رد :وليد عبد القادر)       :: ذرية حليمة السعدية . (آخر رد :محمد الشامسي)       :: شهادة وفاة !!! (آخر رد :دحموني بلاشِي)       :: الاردن (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: الى اين نسير ؟!! (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: قبيلة الطالب عبد القادر الرفاعي (آخر رد :عبد الرحيم عبد الرحمن الرفاعي)       :: عائلة الصويني قبيلة الدخيسة جهة مكناس المغربية (آخر رد :طيب الصويني)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس التاريخ العربي > مجلس التاريخ الوسيط

مجلس التاريخ الوسيط يعنى بالتاريخ في الفترة من قبيل البعثة النبوية الى فتح القسطنطينية


إضافة رد
قديم 04-08-2014, 02:43 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي جهود صلاح الدين في إنشاء دولة بني أيوب

جهود صلاح الدين في إنشاء دولة بني أيوب

بقلم م ايمن زغروت

مقـدمة
لقد حظي صلاح الدين الأيوبي بدراسات كثيرة يعد فيها صلاح الدين مؤسس الدولة الأيوبية بلا منازع و رافع هذه الأسرة الى مصاف الاسر الملكية في الإسلام , رغم جهود عمه أسد الدين شيركوه قبله و جهود ابن اخيه تقي الدين عمر المعاصر له , و قد مرت جهوده في تأسيس الدولة بعدة أطوار :

أولا جهوده تحت إمارة عمه أسد الدين شيركوه:

و قد قام اسد الدين شيركوه مصطحبا ابن اخيه صلاح الدين بعدة حملات بامر السلطان نور الدين زنكي تهدف لضم مصر الى الدولة الزنكية لتوحيد جهود الامة تحت راية الجهاد و لاسقاط الدولة الفاطمية الشيعية بالقاهرة و إرجاع مصر الى الخلافة العباسية مرة اخرى.

الحملة الأولى:
انطلقت هذه الحملة من دمشق بقيادة أسد الدين شيركوه في جمادى الأولى سنة 559(1)، واسْتَصْحَبَ معه شاوَر، كما اسْتَصْحَبَ ابن أخيه صلاح الدين، وجعله مقدَّم عسكره ومستشاره(2)، وكان عمره آنذاك سبعًا وعشرين، وقد كان نور الدين يدرك خطورة الطريق بين مصر والشام؛ فخشِيَ على جيشه من الصليبيين؛ فأخذ يشاغلهم بِهجمات متفرِّقة، ممَّا مكَّن أسد الدين من الوصول إلى مصر بأمان(3)، وفي مصر التقت الحملة الزنكية بجيش ضرغام الوزير الفاطمي وهزمتْه، ودخل أسد الدين شيركوه القاهرة وقتل ضرغام، الذي لم يَدُم في الوزارة سوى تسعة أشهر، وأعاد شاوَر للوزارة في شهر رجب من نفس العام(3)، لكنَّ شاوَر لم يَفِ بما التزم به لنور الدين؛ بل إنَّه غدر بأسد الدين وطلب منه الرجوع إلى الشام، فاضطرَّ أسد الدين إلى مغادرة القاهرة واللجوء لبِلْبِيس(4) بنصيحة من ابْنِ أخيه صلاح الدين(5)، وأرسل نُوَّابه لأخذ بعضِ البلاد، ولمَّا كان شاوَر يُدْرِكُ عَجْزَهُ عنِ الوقوف في وجه أسد الدين - فقدِ استنجد بالصليبيين، وأرسل إلى ملك بيت المقدس يطلب منه المجيء لمصر لمنع سقوطها في يد الزنكيين، ومع أنَّ مملكة بيت المقدس مهدَّدةٌ من قِبَل نور الدين الذي أراد إشغال الصليبيين عن مصر - فإنَّ ملكها يدرك خطورة سقوط مصر في يد نور الدين، وقد أشار إلى ذلك ابن الأثير إذ يقول:
"فأرسل شاوَر إلى الفرنج يستمدُّهم ويخوِّفهم من نور الدين إن مَلَكَ مصرَ، وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تمَّ مُلْكُه لها، فلمَّا أرسل شاوَر ليطلب منهم أن يُساعِدُوه على إخراج أسد الدين من البلاد - جاءهم فرجٌ لم يَحْتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوَتِه ونُصْرَتِه، وطمِعوا في تلك الديار المصرية، وكان قد بذَلَ لَهُمْ مالاً على المسير إليه، وتَجهَّزُوا وسارعوا، فلمَّا بَلَغَ نورَ الدين ذلك سار بِعساكِرِه إلى أطراف بلادِهِم ليمتَنِعُوا عنِ السير، فلم يَمنَعْهُم ذلك؛ لعِلْمِهم أنَّ الخطرَ في مقامهم إذا مَلَكَ أسد الدين مصر أشدُّ"(6).

ويعلِّق ابن واصل عن ذلك بقوله: "وعلموا أنَّه إنْ مَلَكَها نور الدين - رحِمه الله - واستضافها إلى البلاد الشامية - لم يَبْقَ لهم بالبيت المقدس والشام مقامٌ، وأنَّه يستأصلهم، وتصير بلادهم في وسط بلاده"(7).

ولا شكَّ أنَّ هذا يؤكِّد ما ذُكِرَ أثناء الحديث عن دوافع الحملة، من أهمية وضع مصر وخطورته على حركة الجهاد الإسلامي في تلك الحقبة، وهذا ما تنبَّه له ابن الأثير وأدركه.

ومع قُوَّة الجيش الصَّليبِيِّ الذي وصل إلى مصر - فإنَّه لم يَسْتَطِعِ القضاء على الحملة الزنكية التي تَحصَّنتْ في بِلْبِيس، وانتهى الحصار الذي دام ثلاثة أشهر بصلحٍ بين الجانبين، عاد على أَثَرِه أسد الدين بحملته إلى الشام.

ومِمَّا لا شكَّ فيه أن لجهود نور الدين أثرًا كبيرًا على عقد هذا الاتِّفاق؛ ذلك أنَّه ما إن علِمَ بِحصار جيشِه في بِلْبِيس حتَّى أخذ يُهاجِمُ المدن والقلاع الصليبية، فاستولَى على حارِم، وهاجم بانياس(8)، مِمَّا كان له عظيمُ الأثر في نفوس الصليبيين، وبِخاصَّةٍ حينما أرسل إليهم نور الدين بأعلامِ مَنْ هزمهم من الفرنج؛ فنُشرت على أسوار بِلْبِيس؛ فخشي الصليبيون على بلادهم وَسَعَوْا للصُّلح(9).

لقد تَمخَّضت هذه الحملة عن نتائجَ مُهِمَّة؛ أولها: إعادة شاوَر إلى منصب الوزارة، ولا شكَّ أنَّ عودته قد أدَّت إلى استمرار الحالة السيئة للبلاد المصرية، لما عُرِفَ عنه من سوء سيرةٍ واستغلالٍ للناس واستهانةٍ بهم(10) وهذا أدَّى بدوره إلى استمرار التدخُّل الخارجي في شؤون تلك البلاد.

ولا شك أنه بهذه الحملة تكوَّنت لدى أسد الدين صورةٌ واضحةٌ عن الوضع في مصر، نقلها بدوره إلى نور الدين، وهي صورةٌ سيئةٌ لخَّصها ابن شداد في قوله: "إنها بلادٌ بغير رجالٍ، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال"(11)، وهو يقصد بالتأكيد دولة الفاطميين، لا شعب مصر الذي أثبت دوره المهم في الجهاد الإسلامي بعد زوال هذه الدولة.

ولقد عاد أسد الدين إلى الشام وهو يدرك سهولة إسقاط الخلافة الفاطمية، وأهمية ضمِّ مصر للجبهة الإسلاميَّة؛ لذا ظلَّ يتحدَّث بقصدها، ولديه حرصٌ عظيمٌ لتحقيق ذلك(12)، ويُلِحُّ على نور الدين كلَّ وقتٍ لإعادتِه إليها؛ بل إنَّه قضى الفترة الواقعة بين الحملتين الأولى والثانية "بالشام مدبِّرًا لأمره، مفكِّرًا في كيفية رجوعه إلى البلاد المصرية، محدِّثًا بذلك نفسه، مقرِّرًا لقواعد ذلك مع الملك العادل نور الدين - رحمه الله -"(13).

وتذكر المصادر التاريخية أنَّ هذا الأمرَ نَما إلى سَمع شاوَر في مصر؛ فخاف على نفسه، وبِخاصَّةٍ أنَّه يعرف مقدار حنق شيركوه عليه لغدره به وعدم وفائه بما وعده به، وأصبح يتوقَّع الهجوم على مصر من قِبَل الزنكيِّين في كُلِّ لحظة، مِمَّا دَفَعَهُ إلى اللجوء للقُوَى الصليبيَّة في الشام يستنجِدُ بِهم ويطلب منهم المساعدة(13)، ولم يَكُنْ نور الدين أو أسد الدين ليَسْكُتا عن هذا الأمر؛ بل أعدَّا العُدَّة لحملة أخرى تتوجَّه إلى مصر لإنقاذها منَ الوُقوع في أيدي الصليبيين؛ حتَّى أنَّ الأمر أصبح في حقيقته سِباقًا بين الزنكيِّين والصليبيِّين على مصر، ولم يكن نور الدين متردِّدًا هذه المرة؛ لأنَّ أسد الدين "أخبره بالأحوال، وأعلمه بضعف ديار مصر، ورغَّبه فيها، وشوَّقه إلى مُلْكِها؛ فَرَغِبَ فيها نور الدين، وأمره بتجنيد الأجناد واستخدام الرجال"(14).

الحملة الثانية:
وفي ربيع الأول من عام 562 هـ سار أسد الدين شيركوه إلى مصر على رأس حملةٍ زنكيَّة، ومعه مَجموعةٌ من الأمراء وابن أخيه صلاح الدين يوسف، الذي ألزمه نور الدين بالسير مع كراهته ذلك(15)، وتوَافَق وصول الحملة الزنكية مع وصول الصليبيين بقيادة الملك عموري ملك بيت المقدس، وقدِ استقْبَلَهُم شاوَر وعسكر معهم في بِلْبِيس؛ استعدادًا لمُلاقاة أسد الدين، غير أنَّ أسد الدين عَرَفَ بِهذا؛ فسلك طريقًا آخر؛ حيث اتَّجه نحو الجنوب وأخذ يشنُّ الغارات ويستدرج الفرنج إلى صعيد مصر(16).

ولقد كان أسد الدين يقصد باتِّجاهه صوب الجنوب الحصول على مساعدة المصريين الناقمين على شاوَر؛ حيث تتركَّز المعارضة في جنوب مصر وشَمالها، وقد ذكرت المصادر انضمامَ كثيرٍ من هذه الفئات إليه، وإمدادَها له بالسلاح والأموال(17)، وفي هذه الظروف السَّيِّئة بالنسبة لمصر يسجِّل التاريخ موقفًا مشرِّفًا لأسد الدين؛ حيث يذكر ابْنُ أبي طيٍّ أنه أرسل لشاوَر رسولاً يدعوهُ فيه إلى الاتِّفاق والاتِّحاد ضدَّ الفرنج؛ للقضاء عليهم وتَخليص مصر من شرِّهم، وأوضح له أنَّ ذلك أيضًا سيُضعف موقِفَهُم في الشام ويمهِّد لإزالتهم منه، وفي مقابل هذا العرض يتعهَّد لشاوَر بترك أمور مصر بعد ذلك له، ويوضِّح له عدمَ طمعِه فيها، لكنَّ شاوَر آثَر التحالُفَ مع الصليبيِّين، وردَّ على أسد الدين قائلاً: "إن هؤلاء هم الفَرَج وليسوا الفرنج كما يقول"! وقتل الرَّسولَ، وأخبر الفرنج بفحوى هذه الرسالة، وتعاهد معهم على قتال أسد الدين(18)؛ فكان لابدَّ من الحرب، وبالبابين(19) في صعيد مصر حدثت معركةٌ غَيْرُ مُتكافِئةٍ بين عشراتِ الألوف من الفرنج وجند شاوَر، وبيْن ألْفَي فارس هم رجال الحملة الزنكية، ولجأ أسد الدين الذي اشتهر بالشجاعة والحِنْكَة العسكريَّة للحيلة، واستطاع تَحقيقَ نَصْرٍ عظيمٍ على هذا التحالُف، وأبلى ابْنُ أخيه يوسف بلاءً حسنًا في هذه المعركة، التي تعدُّ أوَّلَ تَجربةٍ عسكريةٍ له ضدَّ الصليبيِّين(20).

لقد أسفرتْ هذه المعركة عن نتائجَ مهمة بالنِّسبة لأسد الدين؛ فقدِ انفتح الطريق أمامه إلى الإسكندريَّة؛ حيث سار إليها يَجبي في طريقه الأموال ويستميل الرجال، وفتحت الإسكندرية أبوابَها لأسد الدين، واستناب عليها ابْنَ أخيه، ثُمَّ عاد إلى الصعيد حيثُ مَلَكَه وجبَى أمواله، وأقام به حتى رمضان من عام 562 هـ(21)، وقدِ استغلَّ الصليبيُّون انشغالَه في الصعيد؛ فهاجَموا الإسكندريَّة، وحاصروا صلاح الدين وضيَّقوا عليه الخناق؛ فاستنجد بعمِّه، ولمَّا علم الصليبيُّون بذلك عرضوا الصُّلح على أسد الدين؛ فرضي بذلك، وكان من بنود هذا الصُّلح(22):

1 – أن يدفع شاوَر لأسد الدين جميعَ ما خسِرَهُ في هذه الحملة، ومقدارُه خَمسون ألف دينارٍ، عدا ما جَبَاهُ هو من البلاد.
2 – ألاَّ يُقيمَ الفرنج في مصر، ولا يتملَّكوا بلدًا واحدًا.
3 – أن يعود أسدُ الدين ورجالُه، ويسلِّموا الإسكندريَّة للمصريين.
4 – أن يعطي ملك الفرنج لصلاح الدين مراكبَ يحمل عليها الضعفاء من أصحابه.
وعاد أسد الدين بعد ذلك للشَّام، حيث وصل دمشق في شهر ذي القعدة.

ولقد نقض شاوَر والصليبيون بعض بنود هذا الصلح؛ حيث تذكر المصادر الصليبيين طلبوا من شاوَر أن يكون لهم شحنة بالقاهرة، وتكون أبوابها بأيدي فرسانهم، وأن يُدفع لهم مائة ألف دينار كل سنة، وكان هدفهم ضمان عدم عودة أسد الدين على غفلةٍ منهم(23).

ولقد تَمخَّضت هذه الحملة عن نتائجَ مهمة بالنسبة لمصر وبالنسبة للأيوبيين؛ فلقد سَلِمَت مصر من الوقوع في يد الصليبيين، وإن كان الصليبيون قد حصلوا على بعض الامتيازات؛ إلاَّ أنَّها لم تكن في مستوى طموحات ملك القدس، ولا شكَّ أن وجود هذا المنافِس القوي لهم - والمتمثِّل في الزِّنْكيين - قد حال دون تحقيق رغبتهم تلك.

أما بالنسبة للأيوبيين؛ فقد كانت هذه الحملة رصيدًا عظيمًا لهم يُضاف إلى جهودهم في الكفاح ضد الصليبيين في الشام، كما أنَّ صلاح الدين قد برز كقائدٍ شجاع في معركة البابيين وفي حصار الإسكندرية، ونجح في هذه التجربة المبكِّرة نَجاحًا كبيرًا، وقدِ ازدادت معرفة بني أيوب بمصر وخبروا طرقها ومدنها، وتعرفوا على أهلها وجندها، وازدادت الرغبة لديهم في تملُّكها، وبخاصَّةٍ أسد الدين شيركوه الذي خرج منها "وفي قلبه الداء الدَّوِيُّ منها؛ لأنه شاهدها وشاهد مغلاَّتها؛ فوجدها أمرًا عظيمًا"(24).

الحملة الثالثة:
على الرغم من الجهود التي بذلَها نور الدين لإقْنَاعِ أسَدِ الدين بترك التفكير بمصر والسُلُوِّ عنها(25) - فإنَّه لم يستطع ثنيه عن العزم على ضمها لأملاك الدولة الزنكية، والقضاء على الوزير شاوَر؛ بل لقد أصبح أسد الدين - ورُبَّما آل أيوب جميعًا - هم المحرِّضون لنور الدين ضدَّ شاوَر والفاطميين، وأخذوا يتحيَّنون الفرصة للانقضاض على مصر مرةً أخرى، وقد أدرك شاوَر هذا الأمر؛ فنَجِدُه يُراسل نورَ الدين في ذلك، ويعِدُه بِحمل مُقرَّر كلِّ سنةٍ من أموال مِصْرَ إن هو صرف هِمَّة أسد الدين ومنعه من العودة إلى مصر، ويورد لنا ابن أبي طيٍّ كتابًا من شاوَر لنور الدين بِهذا الخصوص؛ يصانعه ويهادنه، ويحلف له بالولاء والطاعة، ويُرْفِقُ معه هديةً سنيَّةً(26).

على أنَّ الفرصة السانِحة قد أَتَتْ للأيوبيِّين سنة 564، وذلك حينما هاجم الصليبيُّون مصر بقيادة عموري ملك بيت المقدس، وذلك أنَّ الحامية الصليبيَّة في القاهرة قد هوَّنت أمر مصر، وأَغْرَتْ عموري بِمهاجمتها والاستيلاء عليها، كما أنَّ الطوائف الصليبية في الشام هي الأخرى مارست الضغط عليه لضمِّ مصر(27)، ونفَّذ عموري هذا المخطط، واستطاع الوصول للقاهرة والاستيلاء على ما في طريقِه، وأصبح الخليفة الفاطمي والوزير شاوَر محاصرَيْن في القاهرة، ولا تدلُّ الظروف المحيطة بِهما على أيِّ أملٍ في صدِّ هذه الهَجمة الصليبية، وبخاصَّةٍ بعد ما حصل من القتل والنهب والسلب من قِبَل الصليبيين ضدَّ المسلمين، وإزاء ذلك اتَّصل شاوَر بالخليفة العاضد، وشرح له الأوضاع، وأشار عليه بِطَلَبِ النَّجدة من نور الدين(28)، ولعلَّه لجأ إلى ذلك لأنَّه يدرك أنَّ نور الدين لم يعد يثق به ولا بوعوده بعد غدره برجال حملته الأولى والثانية، ولما كان الخطر جسيمًا؛ فلعلَّ نور الدين يستجيب لطلب الخليفة، واستجاب الخليفة لمشورة شاوَر، وأرْسَلَ يطلبُ النَّجدة من نور الدين، وقد أرْفَقَ بالكُتُبِ شُعُور نِسائه، وقال لنور الدين: "هذه شعور نسائي من قصري؛ يَسْتَغِثْنَ بكَ لتنقذهنَّ من الفرنج"(29).

وقد اهتمَّ نور الدين بِهذا الأمر، وشرع في تجهيز النَّجدة لمصر، والحقيقة أنه قد استجدَّ في هذه الحملة أمران مهمَّان:

فالأوَّل: هو اتِّصال الخليفة الفاطمي بأسد الدين مباشرةً، وطلبه منه السير؛ حيث يذكر ابن الأثير أنه قد وصلت كتبٌ لأسد الدين من المصريين، مما دفعه للاستعداد قبل وصول الأوامر له من نور الدين(30).
أما الأمر الثاني: فهو حصول اتفاقٍ بين نور الدين والخليفة العاضد نفسه؛ حيثُ إنَّ الخليفة وعد نور الدين بثلث خراج مصر، وأن يُقِيمَ شيركوه في مصر بعسكره، ويتحمَّل الخليفة إقطاعهم(31).

إنَّ هذا بلا شكٍّ يعني تطوُّرًا مهمًّا في العلاقة بين هذه الأطراف، فآل أيوب - وعلى رأسهم أسد الدين - أصبحوا هم المؤهلين في نظر الفاطميين لتولِّي مهمة حماية مصر وطَرْد الصليبيين، ولم يَعُدْ هذا هو رأي نور الدين فقط، كما أن عقد الاتفاق مع الخليفة نفسه يعطيه أهميةً عظيمةً، تجعل من الصعب على الوزير شاوَر التنصُّل منه والغدر بأسد الدين مرة أخرى؛ بحيث إنَّ هذه الظروف تشير إلى أنَّ هذه الحملة ستكون هي الحملة الحاسمة التي سيتقرَّر بها مصير الخليفة ووزيره، وهو ما حدث فعلاً بعد ذلك.

أمر نور الدين قائده أسد الدين بالمسير إلى مصر، وهيَّأ له من أسباب النصر الشيءَ الكثير؛ فقد أعطاه الحُرِّيَّة في اختيار رجال حَملَتِه من خيرة جُنْدِ نور الدين؛ فاختار من العسكر ألفي فارس، وضمَّ إليهم سِتَّة آلاف فارس من التُّركمان، كما استعان بِمَجموعة من أمراء نور الدين ومَماليكه، وجهَّزه بالأموال والأسلحة والدَّوابِّ، ومنح كلَّ رجلٍ من الحملة مبلغًا من المال(32)، مما يدلُّ على اهتمام نور الدين بِهذه الحملة، وتصميمه على إنقاذ مصر من الصليبيين، وضمِّها للجبهة الإسلامية، وقد حرص نور الدين على مشاركة صلاح الدين في هذه الحملة؛ لما علمه من أخباره في الحملات السابقة، وكان صلاح الدين يكره المشاركة والسير إلى مصر؛ فعزم عليه نور الدين وأكرهه على ذلك، ويعلِّقُ ابنُ الأثير على ذلك بقوله: "أَحَبَّ نور الدين مسيرَ صلاح الدين وفيه ذهاب بيته، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته ومُلْكه"(33).

أمَّا ابنُ شدَّاد فينقل عن صلاح الدين قوله: "كنتُ أَكْرهَ الناس للخروج في هذه الدفعة، وما خرجت مع عمي باختياري"، وهذا كما يقول ابن شداد معنى الآية الكريمة: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة:216)(34).

ويذكر ابن كثير "أن صلاح الدين لم يكن منشرحًا لخروجه هذا؛ بل كارهًا له، وقد قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} (آل عمران: 26)(35).

سار أسد الدين إلى مصر منتصف ربيع الأول عام 564 هـ، وعلم الفِرِنْج بِمَقْدمه، ورأى مَلِكُهم أنَّه لا قِبَل له بِمُواجهته، وبخاصَّةٍ أنَّ المصريين - وعلى رأْسِهم شاوَر والخليفة معه – ضدّهم، واتَّفق مع قادته على الانسحاب من مصر، مكتفِيًا بِما حصل عليه من الغنائم والأَسرى(36)، على أنَّ ابْنَ أبي طيٍّ يذكر أنَّ انسحابَهم كان بِمُوجب اتفاق بينهم وبين شاوَر الوزير الفاطمي، الذي نصحهم بالعودة لبلادهم(37)، كما أنَّ ابن تَغَرِي بَرَدِي يذكر أنه بموجب هذا الاتفاق فقد دفع شاوَر لملك الفرنج مائة ألف دينار(38).

ومهما يكن السبب؛ فإنَّ الطريق قدِ انفتح لأسد الدين الذي دخل القاهرة يوم الأربعاء السابع من ربيع الآخر سنة 564 هـ؛ فتلقَّاه الخليفة العاضد، وخلع عليه خلعًا كثيرة، وأعطاه هدايا عظيمة، وأُجريَتْ عليه وعلى عساكره الجِرايات الكثيرة والإقامات الوافرة(39)، وفي يوم الجمعة التاسع من ربيع الآخر حضر أسد الدين إلى الإيوان، وجلس إلى جانب العاضد، كما أنَّ الوزير شاوَر أظهَرَ له وُدًّا كثيرًا (40)؛ لما رأى من قوَّتِه ومَيْل العاضد نحوه، ويصوِّر لنا بَهاء الدين بن شدَّاد الوضع العام فيقول: "وأقام أسد الدين بها – أي: القاهرة – يتردَّد إليه شاوَر في الأحيان، وكان وَعَدَهم بِمالٍ في مُقابلة ما خسروه من النفقة؛ فلم يوصِل إليهم شيئًا، وعلقت مخاليب أسد الدين في البلاد، وعلِموا أنَّ الإفرنج متَى وجدوا فرصةً أخذوا البلاد، وأن تردَّدهم إليها في كل وقت لا يفيد، وأنَّ شاوَر يلعب بهم تارةً، وبالإفرنج تارةً أخرى، ومِلاكها كانوا على البدعة المشهورة عنهم، وعلِموا أنَّه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاوَر، فأجْمعوا أمرهم على قبضه إن خرج إليهم"(41)، ولقد أدرك الوزير شاوَر هذا الأمر، وأنَّ طموح أسد الدين لن يتوقَّف عند هذا الحدِّ؛ فاهتمامُه بِمِصر وتتابُع حملاته نحوها لا يدلُّ على أنه سيتركها في هذه المرة؛ ففكَّر في التخلُّص منه قبل أن يَفعلها هو، وأصبح الأمر سباقًا بين الاثنين؛ أيُّهما يقتل صاحبه أوَّلاً؛ سيفوز بوزارة مصر ومن ثمَّ يحكمها، ويصرِّح المؤرخ ابن الأثير بعزم شاوَر على قتل أسد الدين، ويذكر أنَّ ابنه الكامل قد ثناه على هذا العزم؛ خوفًا من الفرنج(42).

وفي المقابل فقد بدأ أمراء الحملة النورية التخطيط للقبض على شاوَر؛ لمماطلته وعدم دفعه ما اتَّفق عليه، وقد نفَّذ العملية صلاح الدين الأيوبي؛ حيث أقدم على شاوَر وقبض عليه وأحضره لعمِّه أسد الدين، فلمَّا علِم العاضد بذلك أصدَرَ أمرًا بقَتْلِه، ونُفِّذَ الأمر في السابع عشر من ربيع الآخر(43)، وبذلك تخلَّص أسد الدين من العقبة الكؤود الَّتِي حالتْ دون تحقيق حُلْمِه في ضمِّ مصر والتحكُّم في خلافتها، وتخلَّصت مصر من ذلك الوزير الذي سفك الدماء وأكثر القتل؛ حيث كانت الرقاب تُضرب بين يديه في دار الوزارة ثم تسحب خارج الدار!!(44)

ثانيا جهود صلاح الدين بعد توليه الوزارة الفاطمية:
أصدر الخليفة العاضد آخِرَ منشور للخلافة الفاطمية يولِّي صلاح الدين الوزارة في مصر(45)، وقرئ المنشور بين يدَيْ صلاح الدين يومَ جُلُوسه في دار الوزارة، ولقَّبه العاضد بالناصر(46)، وباستقراء نصوص هذا المنشور نَجِدُ أنَّ الخليفة العاضد قد فوَّض لصلاح الدين حكمَ الدولة الفاطمية؛ فهو قد قلَّده تدبير مملكته، والقيام بِخِدمته، والاضطلاع بشؤون الوزارة، كما جعله مقدَّمًا للجيوش ومسئولاً عن الجهاد، وحكَّمه في القضاء والدُّعاة، كما أسند إليه إدارة مالية الدولة وسياسة الرعية(47)؛ فأصبح بذلك هو الرجل الأول في الدولة، المتصرِّف في شؤونِها ورجالِها.

وقد سار صلاحُ الدين في الوزارة سيرةً حسنةً على الرغم من أنه كان يمثِّل جهتين متعارِضَتَيْنِ؛ فهو وزيرٌ للخليفة العاضد الشيعي، كما أنَّه نائبٌ لنور الدين السلطان السُّنِّي، ولكنَّه استطاع انتهاج سياسةٍ ترضي نور الدين ولا تغضب الخليفة العاضد(48)، واستمال صلاح الدين قلوبَ الناس، فبَذَلَ الأموال، وملك الرجال، وهانت الدنيا في عينيه؛ فتعلَّقت به الرعيَّة وأحبَّه الجميع، فكان الخليفة يَميلُ إليه كثيرًا، وحكَّمه في ماله وبلاده، كما أنَّ نور الدين كان يَحترمه ويلقِّبه في المُكاتبة بالأمير الأسفهلار(49)، ويُوصي أُمراءَهُ ورِجاله باحترامه وإجلاله(50).

وقد تحدَّث بعض المؤرخين عن موقف نور الدين من صلاح الدين بعد تولِّيه الوزارة؛ حيث يؤكِّدون على عدم رضاه عن صلاح الدين، وتغيُّره عليه، ومحاولته إعادته من مصر، والتَّضييق عليه بعدم إرسال أهله وإخوانه(51)، ولا شكَّ أنَّ هذا ممَّا نُسب إلى نور الدين ولم يصحَّ؛ حيث إنَّه راسل صلاح الدين واعتبر توليه منصب الوزارة نصرًا له ولدولته، وتعزيزًا لموقفه ضدَّ الصليبيين.

لذا نراه يقوم بعد توليه الوزارة بالقبض على أمراء الدولة، وإقامة أصحابِه عوضهم، وأَخَذَ يُغْدِقُ على أعوانه ويَمْنحهم الإقطاعات، ويضيِّق على حاشية الخلافة ويمنع عنهم، "فلم يزل أمرُه في ازديادٍ وأمرُ العاضد في نقصان"(52)، ومن الطبيعي أن يستاء رجال القصر الفاطمي من هذا التدبير، ويفكِّرُوا في التخلُّص من صلاح الدين بعد أن أصبح يمثِّل خطرًا عليهم وعلى دولتهم، وكان أبرز هؤلاء الرِّجال في ذلك الوقت جوهر، الملقَّب بمؤتمَن الخلافة(53)، الذي بدأ في تدبير حركةٍ ضدَّ صلاح الدين يستعين فيها بالصليبيين ليهاجِمُوا مصر من الخارج ويثور هو في الداخل، ولقد كانت هذه الحركة من العقبات الخطيرة التي كادت تودي بآل أيوب، لولا عنايةُ الله ثم فطنة صلاح الدين، الذي علم بِهذه الاتصالات حينما قبض رجاله على رسولٍ من مؤتمَن الخلافة يحمل رسالةً للصليبيين، ورغم ذلك فقد أبقى هذا الأمر سرًّا حتى ينفرد بجوهر ويقبِضَ عليه مُنفردًا؛ لعلمه بكثرة أعوانه من الجند السودان(54)، وقد كانت هذه سياسةً اتَّبعها صلاح الدين مع كل الخارجين عليه؛ يُمهِلُهم حتى تتكشَّف له أسرارهم، ويعلم كل المشتركين معهم، ثم ينفرد بهم وهم آمنون.

وقد قُبض بعد ذلك على مؤتمَن الخلافة في ذي القعدة سنة 564 هـ، وقُتل من حينه؛ فتخلَّص صلاح الدين بذلك من العقبة الأولى التي واجهته(55).

على أنَّ الخطر لم ينته بزوال جوهر، ذلك أنَّ أعوانه من السودان قد ثاروا لمقتله، وانضمَّ إليهم عددٌ كبيرٌ من العامَّة والأُمَراء؛ حتَّى زاد عددُهم على خمسين ألفًا، والتقى بِهم صلاح الدين في معركة غير متكافئة من ناحية العدد، وكادوا يفتكون به، لولا لجوؤُه إلى الخديعة، فأمر بإحراق محلَّتهم، وعلموا بذلك فانْهَزموا، وتتبَّعهم بجنده حتى أخرجوهم إلى الجيزة، ثم لحق بهم أخوه تورانشاه بن أيوب، فقتل منهم مَقْتَلَةً عظيمةً، ولم يبقَ منهم إلا أعدادٌ قليلة(56)، ولقد ساعد موقف الخليفة العاضد من هذه الثورة صلاحَ الدين؛ ذلك أنَّ الخليفة وقف في أوَّل الأمر مع السودان؛ ظانًّا أنَّهم سيَظْفَرُون بصلاح الدين، بل إن المصادر تذكر مشاركة رجاله في المعركة حيث كانوا يرمون عساكر صلاح الدين من القصر بالنِّشاب والحجارة، فلمَّا علم بذلك صلاح الدين أمر رجاله بإحراق المنظرة التي يُطل منها الخليفة؛ فأدرك العاضد قوَّة مركز صلاح الدين، فأمر أحد رجاله بالمناداة في جند صلاح الدين بقوله: "أمير المؤمنين يسلِّم على شمس الدولة – تورانشاه – ويقول: دونكم والعبيد الكلاب؛ أخرِجُوهُم من بلادكم"، ولقد أثَّر هذا على السودان وأدَّى إلى هزيمتِهم(57).

لقد سار صلاح الدين بانتصارِه هذا خطواتٍ إلى الأمام في الطريق نحو إسقاط الخلافة الفاطميَّة؛ فقد أضعفت هذه الواقعة الخليفة العاضد، وجعلتْهُ بلا جندٍ ولا أعوان، في حين قويَ أمرُ صلاح الدين، وولَّي أعوانه الوظائف المهمة في الخلافة، وجعل بهاء الدين قراقوش(58) مسئولاً عن القَصْرِ، فلا يجري صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا بأمره(59)، واستمرَّ في التخلُّص من بقية العناصر المناوئة له، فقضى على حرس الخليفة من الأرمن، حتى لا يَفْعَلُوا مثل ما فعل السودان(60).

على أنَّ الجزء الآخر من مؤامرة مؤتمَن الخلافة - والمتمثِّل في الخطر الصليبي - لم يَنتَهِ بِمقتله والقضاء على أعوانه، وذلك أنَّ الصليبيين قد راعَهُم سقوطُ مصر في يد صلاح الدين قائد الزنكيين، وأدركوا حجم الكارثة بالنسبة لهم؛ لِما تمثِّله مصر من مكانة إستراتيجية بموقعها ورجالها وأموالها، ولا شكَّ أنَّهم يشعرون بخطورة الوضع الجديد؛ حيثُ إنَّهم سيصبحون بين منطقتين إسلاميَّتين تخضعان لسلطةٍ واحدة، ولم يكن هذا الشعور مقصورًا على صليبيِّي الشام فقط؛ بل إنَّ النصارى في أوروبا شعروا أيضًا بهذا الخطر، وبخاصَّةٍ أنَّ صلاح الدين بدأ يهدِّد مصالِحَهُم في البحر الأبيض بسيطرته على موانئِ مصر الهامة، وقد أدرك المؤرخون المسلمون المعاصرون لصلاح الدين هذا الاتجاه الصليبي.

يقول ابن شداد : "ولَمَّا علِم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم، وما تمَّ للسلطان من استقامة الأمر في الديار المصرية - علِمُوا أنَّه يَملِكُ بلادهم، ويخرِّب ديارهم، ويقلع آثارهم؛ لما حدث له من القوة والمُلْك"(61)، وهكذا بدأ الملك عموري ملك بيت المقدس حلمه لتأليب ملوك أوروبا ضدَّ صلاح الدين ورجاله، فأرسل الرسل إلى ملوك ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وصقلية يستحثُّهم للقيام بِحملةٍ صليبيةٍ ينقذون بها إخوانهم صليبيِّي الشرق، وحيث إن الظروف الداخلية في أوروبا لم تسمح للقيام بِهذه الحملة - فقد اتَّجه عموري نحو بيزنطة، التي أظهرت استجابةً طيبةً تِجاه هذا المشروع(62)، والجدير ذكره: أنَّ هذه الاتصالات لم تَخْفَ على مؤرِّخينا في تلك الفترة؛ فهذا ابن الأثير يقول: "وكاتبوا – أي: إفرنج الشرق – الفرنج الذي بصقلية والأندلس وغيرِها، يستمدُّونَهم، ويعرِّفونَهم ما تجدَّد من مُلْك الأتراك في مصر، وأنهم خائفون على البيت المقدَّس منهم؛ فأرسلوا جماعةً من القسوس والرهبان يحرِّضونهم على الحركة"(63).

وهكذا خرج صلاح الدين منتصرًا على أعدائه في الداخل والخارج، وقد عمَّت سلطته، وعلا مركزه، وتفرَّغ للأعمال الأخرى الداخلية التي مهَّد بها للهدف النهائي، وهو إسقاط الخلافة الفاطمية.
أعمال صلاح الدين في الوزارة:
لعلَّ من أوَّل الأعمال التي قام بِها صلاح الدين: استدعاء أهله وأقربائه من الشام إلى مصر، وتعيينهم في المناصب المهمَّة في الدولة؛ ليكونوا عونًا وسندًا له ضدَّ الخلافة الفاطمية وما بقي من أعوانِها، وقد أرسل إلى نور الدين يطلب منه أن يُسيِّر إليه إخوته، وتردَّد نور الدين في أوَّل الأمر ولم يستجب لصلاح الدين، وكان مبعث ذلك خوفه أن يخالف أحدٌ منهم عليه فتضطرب أحوال مصر، ولهذا نراه يُوصي تورانشاه بن أيوب أخا صلاح الدين الأكبر قبل سفره لمصر بقوله: "إن كنتَ تسير إلى مصر، وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعدٌ - فلا تَسِر؛ فإنَّك تفسد البلاد، وأُحضرك حينئذٍ وأُعاقبك بما تستحقُّه، وإن كنت تنظر إليه أنَّه صاحب مصر وقائمٌ فيها مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني - فسِرْ إليه واشدُدْ أزره، وساعِدْهُ على ما هو بصدده! فقال: أفعلُ معه من الخدمة والطاعة ما يتَّصل بك خبره - إن شاء الله تعالى"، ويُعَلِّقُ ابن الأثير على ذلك فيقول: "فكان كما قال"(64).
ولا شكَّ أن هذه الحادثة تنبئ عن حسن العلاقة بين صلاح الدين ونور الدين، وحرص الأخير على سلامة صلاح الدين واستقرار أموره في مصر، وثقته في ولائه وولاء أسرته للزنكيين.
وقدِ استفاد صلاح الدين من أخيه تورانشاه؛ فكان بمثابة الساعد الأيمن له في إخماد الثورات الداخليَّة، وجهاد الفرنج، وتثبيت دعائم الدولة، وتوسيع رُقْعَتِها بفتح مناطق أخرى كما سنرى، وأقطعه قوص وأسوان وعيذاب(65).
وفي سنة 565 هـ أرسل صلاح الدين إلى نور الدين يطلب منه إرسال والده نجم الدين إلى مصر، فاستجاب لذلك وجهَّزه وأكرمه، ولَمَّا سار من دمشق خشيَ نور الدين عليه وعلى مَنْ معه من هجمات الفرنج؛ فسار معهم وحاصر الكرك، وأشغل الصليبيين حتى وصل نجم الدين القاهرة في رجب من سنة 565 هـ(66).
على أنَّ ابنَ أبي طيٍّ يذكر بأنَّ نور الدين هو الذي ألزم نجم الدين بالخروج إلى مصر لحثِّ ولده صلاح الدين على قطع الخطبة للفاطميين، وحمَّله رسالةً منه في هذا المعنى وهديةً لصلاح الدين(67)، والحقيقة التي اتَّفقتْ عليها المصادر المعاصرة أنَّ صلاح الدين هو الذي طلبه، وهذا يتَّفق أيضًا مع سياسته التي تَهدف إلى التقوِّي بأهله، وأنَّه يستدعيهم ليُقيموا في مصر، وهذا ما فعله والده الذي تولَّى الإشرافَ على أموال مصر(68)، ممَّا يدلُّ على أنَّه لم يأتِ مجرَّد رسول من نور الدين.
وهكذا توافَدَ الأيوبيُّون ومُناصِرُوهُم على مصر، وتسلَّموا الإقطاعاتِ الجزيلةَ، وأخذوا يَحلُّون مَحلَّ رجال الفاطميين في إدارة شؤون الدولة.
ولإدراك صلاح الدين خطورة المذهب الشيعي؛ فقد بدأ يُحارِبُه بكلِّ الوسائل الممكنة؛ فأبطل الكثير من مظاهره، ومنها: ما يُقال في الأذان؛ كـ (حيِّ على خير العمل)، وأنكر على مَنْ ينتمي لهذا المذهب(69)، كما غيَّر شِعار الإسماعيلية(70)، وفي المقابل؛ فقد عمل على تقوية المذهب السُّني وذلك بإنشاء المدارس السُّنِّيَّة على المذاهب الأربعة.
كان أوَّل هذه المدارس هي المدرسة الناصريَّة الشافعيَّة، التي أنشأها سنة 566 هـ؛ حيث استغلَّ دار المعونة التي كانتْ سجنًا للفاطميين فهدمها وحوَّلها إلى مدرسة(71)، وهي أوَّل مدرسة سُنِّيَّة تُقام في الدولة الفاطمية؛ فكان ذلك من أعظم ما نَزَلَ بالدولة(72)، أمَّا المدرسة الثانية فتُعرف بالمَدرسة القَمْحِيَّة، وكان موضعها مكانًا يُباع فيه الغزل؛ فهدمها الناصر صلاح الدين وبنى مدرسةً خصَّصها للمالكيَّة، وكان يتولَّى فيها التدريس أربعةٌ من علماء المالكيَّة خُصِّص لهم قمحٌ يُفرَّق عليهم؛ فعُرفت بالقمحية(73)، أما المدرسة الثالثة فهي المدرسة السُّيوفيَّة، وقد وَقَفَهَا صلاحُ الدِّين للمذْهَبِ الحَنَفِي، وجعل فيها مُدرِّسًا، وأوقف لَها أوقافًا جليلةً، وعُرِفَتْ بِهذا الاسم لكوْن سوق السُّيوفيين على بابها(74).
وقدِ اقتدى أبناءُ البيت الأيُّوبيِّ وأمراء الحملة الزِّنْكيَّة بِصلاح الدين؛ فأخذوا ينشؤون المدارس السُّنية في كُلِّ مُدُنِ مصر، وبخاصَّةٍ القاهرة والإسكندريَّة.
ففي شهر شعبان سنة 566 اشترى تقيُّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب - وهو ابنُ أخي صلاح الدين - منازلَ العزِّ بالقاهرة، وهي من دُور الخُلفاء الفاطميِّين، وحوَّلها إلى مدرسة خصَّصها للشافعيَّة(75)، كما أسَّس بالفيُّوم مدرستَيْنِ؛ واحدة للشافعيَّة وأخرى للمالكيَّة(76).
لقد كان من نتائج ذلك هو اختفاء مذاهب الشِّيعة من نفوس المصريين، وخاصَّةً بعد القضاءِ على مَجالس الدعوة التي كانت من أقوى الوسائل في نشر المذهب الشيعي بين الناس(77).
ومِنَ الأعمال الجليلة لِصلاح الدين إبَّان وزارته: عَزْل القضاة الشيعة، وتعيين قضاةٍ من المذهب السُّني في جَميع البلاد، وجعْل القاضي صدر الدين بن درباس الشافعي مسئولاً عن القضاء والحكم في مصر وأعمالها(78).
وهكذا لم يبقَ من الخلافة الفاطميَّة إلاَّ اسْمُها، وزالتْ كلُّ مظاهِرِ التَّشيُّع والدَّعوة، وأصبح إسقاط الخلافة أمرًا مُمْكِنًا وسَهلاً؛ بِحَيْثُ لم يبقَ من معالمها سوى ذكر اسم العاضد في الخطبة، والتي أصبح يُشارِكُه فيها نور الدين محمود الذي يذكر اسمه بعد اسم العاضد، ويبدو أنَّ الأمر المتبقِّي على إعلان السقوط ليس سوى تبديل اسم العاضد باسم الخليفة العباسي ببغداد، ولا شكَّ أنَّ لأعمال صلاح الدين المتأنِّية والمتدرِّجة أعظمَ الأثر في الوصول إلى هذا الهدف، وقد لخَّص ابنُ الأثير ذلك في بضع كلماتٍ حينَمَا وَصَفَ موقِفَ الخليفةِ العاضد عندما ولَّى صلاح الدين ووقف معه بأنَّه: "كالباحث عن حَتْفِه بظِلْفِه"(79).

سقوط الخلافة الفاطمية:
رأينا فيما مضى كيف كان صلاح الدين يركِّز جهوده كلَّها لإضعاف الخلافة الفاطمية تمهيدًا لإسقاطها، وقد أشارتْ بعضُ المصادر التاريخيَّة إلى ذلك؛ يقول المقريزي: "ثم إِنَّه دأب في إزالة الدولة الفاطمية وقطع دابرها ومحوِ آثارها؛ فأعانه الله على ذلك"(80).
أمَّا نور الدين البعيد عن مصر، والمنشغل بالجهاد، والمحتاج للمال والرجال - فقد كان متعجِّلاً لِهذا الأمر، يُريد الانتهاء منه بسرعة حتَّى يَستفيد من كل مقدَّرات مصر ويسخِّرها لقضيَّته الكبرى؛ وهي الجهاد، وهكذا فإنَّ هذين القائدين متَّفقان على الأهداف، وإن حصل خلافٌ حول الأسلوب والطريقة، ولكنه خلافٌ غيرُ ظاهرٍ، ولم يكن له أيُّ آثارٍ أو نتائجَ، ويؤكد ذلك ابن الأثير نفسه حينما يذكر عن صلاح الدين أنه عمل على إضعاف الخلافة منذ تولَّى الوزارة، حيث ثبَّت أقدامه بمصر، وأزال المخالِفين له، وأضعف الخليفة العاضد، حتى إنَّ قصره قد أصبح مَحكومًا من قِبَل صلاح الدين ونائبه قراقوش(81)، فلماذا كل هذه الأعمال إذا لم يكن عازمًا على إزالة الخلافة الفاطمية؟



ويؤكِّد ذلك ويؤيِّده ما يذكره العماد؛ حيث يقول: "كان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين، ويعمل له عمل القويِّ الأمين، ويرجع في جميع مصالحه إلى رأيه المتين"، فلما أمره في شوال سنة 566 هـ بقطع الخطبة للفاطميين نفَّذ ذلك بعد مُدَّة يسيرة"(82).
وهكذا بعدما أصبحت الظروف مواتيةً لإعلان سقوط الخلافة الفاطمية - شرع صلاح الدين في تنفيذ ذلك في أوَّل جُمعة في عام 567 هـ، وقد أشار ابن الأثير إلى أن الذي تولَّى ذلك رجلٌ أعجميٌّ يُعرف بالأمير العالم، حيث يُذكر أنَّه صعِد المنبر قبل الخطيب ودعا للخليفةِ المستضيء العبَّاسيِّ، وأنَّ الخليفة العاضد كان مريضًا فتُوفي يوم عاشوراء، ولم يعلم بقطع الخطبة له(83)، على أنَّ أبو شامة يذكر أنَّ الذي تولَّى ذلك هو أبو عبدالله محمد بن الحسن بن الحسين ابن أبي الضياء البعلبكي(84)، ويوافِقُه في ذلك ابن إياس ويضيف إلى ألقابه العلويَّ(85)، ولعل هذا هو اسم الأمير العالم الذي ذكره ابن الأثير.
ومهما يكن الأمر؛ فقد سقطت هذه الخلافة الشيعية سقوطًا صامتًا، بحيث لم يَنْتَطِحْ فيها عَنْزان على حد تعبير ابن الأثير(86)، مما يؤكد ويؤيد سياسة صلاح الدين ونجاح أسلوبه وطريقته التي انتهجها في هذا المجال.
لقد كان لسقوط الدولة الفاطمية نتائج مهمة وخطيرة على العالم الإسلامي بشكلٍ عام وعلى مصر والشام بشكلٍ خاصٍّ - فَقَدْ فرِح المسلمون لِسُقوط هذه الخلافة، وزُفَّتِ البُشرى تُقرأُ في كُلِّ مكانٍ تَمرُّ به في الطريق إلى بغداد، وفي بغداد كان الفرح عظيمًا، فخرج الناس وعلى رأْسِهم الخليفة لتلقِّي الرُّسل والبشارة، وكان يومًا مشهودًا، ونظم الشعراء القصائد، وألف العلماء الكتب تخليدًا لهذا الحدث(87).
ومن الناحية السياسية:
قضى صلاح الدين الأيوبي على الخلافة المنافسة للخلافة العباسية، التي ظلَّت عدَّة قرون تُنازِعُها زعامة العالم الإسلام، وعادت مصر من جديد تحت ظلال العباسيين، يُدعى لخلفائها على المنابر وتضرب أسماؤهم على السكَّة، ورفع شعار العباسيين في أرجاء مصر، حيثُ وصَلَتْ أعلامُهم وراياتُهم السود ففُرِّقت على المساجد والجوامع لتنصب على منابرها(88)، وكان زوال هذه الدولة إيذانًا بضعف المَذْهَبِ الإسماعيليِّ الشيعي في مصر وبقية المناطق الأخرى كالشام واليمن، ففي مصر استطال أهل السنة على الإسماعيلية وضيَّقوا عليهم، مِمَّا اضطروهم إلى مغادرة مصر، وفقد الإسماعيلية في الشام واليمن سندهم والقوة التي كانوا يعتمدون عليها ويتبعون لها، ممَّا مهَّد للقضاء عليهم أو إضعافهم وإزالة نفوذهم.
ومن الناحية الفكرية:
فقد كان للحركة العلمية الَّتي بذر بذورَها صلاح الدين وأعوانه بإنشاء المدارس السنية عظيم الأثر على تدعيم هذا المذهب وإضعاف ما سواه، وبعد سقوط الدولة تتبَّع رجال صلاح الدين كتب الإسماعيلية التي تحمل أفكارهم المضلِّلة، وحدُّوا من انتشارها بين الناس(89).

ولقد استطاع صلاح الدين بإسقاط الدولة الفاطمية أن يوحِّد مصر والشام سياسيًّا ومذهبيًّا تحت سلطة واحدة هي سلطة نور الدين محمود، وكان لذلك عظيم الأثر على الجهاد الإسلامي ضدَّ الصليبيين، وكان الصليبيُّون يدركون خطورة هذه الوحدة، ولذا رأينا جهودهم في السابق تنصبُّ على عرقلتها بِحملاتِهِم التي أشرنا إليها فيما مضى، وإذا كان نور الدين - رحمه الله - لم يقطف ثِمار هذه الوحدة بِسَبَبِ؛ وفاته فإنَّ صلاح الدين هو الذي قطفها بعدما أقام دولته في الشام ومصر، وسخَّر إمكانات هذين الإقليمين البشرية والمادية لخدمة الجهاد الإسلامي ضدَّ الصليبين، وظهر ذلك في شكل انتصاراتٍ باهرة توَّجها باستعادة القدس الشريف من أيديهم، والحقيقة أن ذلك لم يكن سهل التحقيق لو لم تتمَّ هذه الوحدة بين مصر والشام، وأشار صلاح الدين نفسه إلى ذلك حيث يقول: "لمَّا يسَّر الله لي فتح الديار المصرية، علمتُ أنه أراد فتح الساحل؛ لأنه أوقع ذلك في نفسي"(90).
وقد وجد المصريون في صلاح الدين مخلِّصًا لهم من ظلمٍ قد حاق بهم من قِبَل حكَّام الفاطميين وأعوانهم؛ فأبطل ما كان يُؤخَذ من المكوس وهي عديدةٌ جدًّا؛ بحيث لم يسلم منها غني ولا فقير(91)،
فهل يحزن الناس على هذه الحال الطيبة التي تحوَّلوا إليها؟!

التوسُّع الأيوبي خارج مصر:
بعد أن استقرَّت الأمور لصلاح الدين بدأ يفكِّر في تأمين هذا الكيان الذي أقامه في مصر، ومن الواضح أنَّه أخَذَ في العمل لتوحيد المنطقة الإسلامية لتقف صفًّا واحدًا تجاه التهديدات الصليبية في الشام فقد استطاع صلاح الدين مدَّ نفوذه إلى إقليمين مهمَّيْن من أقاليم العالم الإسلامي، أوَّلهما إقليم النوبة والثاني هو إقليم اليمن.

أ – التوسُّع في بلاد النوبة:
يذكُر ابْنُ الأثير أن سبب فتح الأيوبيين للنوبة هو خوفهم من نور الدين محمود؛ حيث أرادوا أن تكون ملجأً لهم إن هو هاجم مصر ولم يستطيعوا ردَّه (92)، وهذا الرأي يتَّفق مع نظرة ابن الأثير المتأثرة بعواطفه تجاه صلاح الدين نحو العلاقة مع نور الدين – وسنناقش ذلك في موضوع العلاقة – ولا شك أن ما ذكره ابن الأثير لا يتفق مع الحقيقة؛ فهو مجرد ظنٍّ بناه على رأيٍ خاطئ، كما أن الحقائق التي ذكرتها المصادر التاريخية لا تنبئ عن أي سوءٍ في العلاقة بين القائدين، ولا تشير إلى عزم نور الدين المسير لمصر؛ لأن لديه قضية أعظم وأكبر من الدخول في صراع مع الأيوبيين وهي قضية الجهاد، كما أن صلاح الدين لم يُظهر من الأعمال ما يستوجِب تخوُّفه من نور الدين، ولذا فإنَّ الباحث المنصِف لا يسعه إلا أن يترفَّع بهذه القائدين المسلمين عن المصالح الشخصية فيما يعملانه، وأن يُحسن الظنَّ بهما، ويجتهد في تفسير أسباب أعمالهما تفسيرًا يتفق مع أهدافهما.
ولذا فإن فتح الأيوبيين لبلاد النوبة لم يكن سوى حلقة في سلسلة الحلقات التي قام بها زعيمهم صلاح الدين في سبيل تقوية الجبهة الإسلامية، والقضاء على جميع أعداء الوحدة والأمَّة، وقد أشار ابن أبي طيٍّ إلى وجود خطرٍ يهدِّد صلاح الدين في الجنوب من مصر – أي في منطقة النوبة – حيث اجتمع السودان والعبيد في سنة 568 هـ في النوبة، وعزموا على ملك مصر، وقصدوا أسوان؛ فاستنجد كنز الدولة(93) بصلاح الدين؛ فأرسل حملة عسكرية بقيادة أخيه تورانشاه(94)، وهكذا يتَّضح أن صلاح الدين أراد صدَّ الخطر الذي يتهدَّده من ناحية الجنوب، ولم تكن أهدافه كما ذكر ابن الأثير.
لقد استطاع تورانشاه أن يقضي على هذا التهديد، وأن يفتح بعض المدن والقلاع، كما أن ملك النوبة أرسل إليه يطلب الصلح والمسالَمة(95)، وبذا أمَّن صلاح الدين حدوده الجنوبية، وأصبح في مقدوره الاتجاه نحو الشام إن هو أراد ذلك لجهاد الصليبيين.
ب – الفتح الأيوبي لليمن:
كان الميدان الآخَر للتوسُّع الأيوبي هو اليمن؛ حيث أرسل صلاح الدين سنة 569 هـ حملةً عسكريةً بقيادة أخيه تورانشاه، استطاعتْ أن تضمَّ اليمن لأملاك الأيوبيين، وقد تحدَّثت المصادر التاريخية عن أسباب هذه الحملة، واختلفت في ذلك كثيرًا:
فالعماد الأصفهاني يذكر لهذا الفتح سببين:
الأول: هو رغبة تورانشاه في زيادة إقطاعه، حيثُ إنَّ إقطاعه السابق في صعيد مصر لا يكفيه.
والثاني: هو إغراء الشاعر عمارة اليمني له بفتح اليمن؛ حيث كان يمدحه كثيرًا، ويعزم عليه لتحقيق هذا الهدف(96).
أما ابن شداد: فيذكر أن السبب هو استغلال صلاح الدين لقوَّة جيشه في القضاء على دولة عبد النَّبيِّ بن مهدي الذي يحكم اليمن ويعمل على توسيع دولته(97).
ويعزو ابن الأثير أسباب فتح اليمن إلى رغبة صلاح الدين في أن تكون ملجأً له ولأهله إن قصده نور الدين، وليقيم فيها ملكًا لها بعيدًا عن خطره(98).

الثورات الفاطمية، وقضاء صلاح الدين عليها:
لم يستسلم أبناء البيت الفاطمي ولا أعوانُهم؛ بل ظلُّوا يتحيَّنون الفرص للانقضاض على صلاح الدين والتخلُّص منه، ولا شكَّ أنَّ تسامح صلاح الدين وعدم بطشه بأبناء العاضد وأقاربه وأعوانه قد أتاح لهم التخطيط لعددٍ من الحركات ضدَّه، إلا أن صلاح الدين مع تسامحه وعدم ميله للقتل وسفك الدماء كان سياسيًّا بارعًا وإداريًّا متفتِّحًا، استطاع اكتشاف هذه الحركات وتتبُّعها والقضاء عليها، وكان أسلوبه في ذلك هو دسُّ أعوانه بين المتآمرين ومعرفتهم واستكشاف خططهم، ثم الانقضاض عليهم والتخلص منهم، وقد نجح هذا الأسلوب كثيرًا، وتمكَّن صلاح الدين من القضاء على كل أعدائه، وتخليص مصر من الفاطميين وأتباعهم.
كانت هذه الحركات تهدف إلى إعادة الخلافة الفاطمية إلى مصر مرةً أخرى، والقضاء على صلاح الدين وأعوانه، وقام بهذه الحركات وتزعَّمها أبناء العاضد ووزراؤه؛ ففي سنة 569هـ اجتمع قومٌ من الشيعة في القاهرة وبايعوا داود بن العاضد، لكن صلاح الدين عرف خبرهم؛ فقبض عليهم وقتلهم(99)، ولما أدرك أبناء العاضد استحالة الثورة في القاهرة نظرًا لقوة صلاح الدين؛ اتَّجهوا نحو الصعيد، فثار في نفس السنة سليمان بن داود بن العاضد، ولم يكن حظُّه بأحسن من والده؛ فقد قُبض عليه وأُودع السجن حتى مات(100).

أمَّا الحركة الخطيرة الأخرى التي كادت تودي بصلاح الدين وأعوانه؛ فقد خُطِّط لها في عام 569 هـ أيضًا، واتَّسمت هذه المؤامرة باشتراك عدَّة أطرافٍ فيها، اجتمعوا على هدفٍ واحدٍ، هو القضاء على الحكم الجديد وإرجاع الخلافة الفاطمية، كما أنَّ أطراف هذه المؤامرة قد اتَّصلوا بالقوى الصليبيَّة في الشام وصقليَّة، وبالحشيشيَّة في الشام؛ للتنسيق معهم، والتخطيط لهجومٍ خارجيٍّ على مصر تعقبه ثورة داخلية(101)، وقد أحكم هؤلاء مؤامرتهم ودبَّروا أمورهم؛ فعينوا الخليفة والوزراء، واتفقوا على أن يكون الخليفة من البيت الفاطمي، مما يدلُّ على عزمهم إعادة تلك الدولة الشيعية، وقدِ اكتشف صلاح الدين هذه المؤامرة مبكرًا عن طريق أحد عيونه المقيمين في مملكة بيت المقدس الصليبية، ذلك أن ملك بيت المقدس أخذ يرسل من قبله رسولاً لصلاح الدين ظاهرًا، ولكنه في الحقيقة ينسِّق لعملٍ مع المتآمرين في القاهرة عن طريق هذا الرسول، فلما علم صلاح الدين بذلك دسَّ أحد رجاله في صفوف المتآمرين، وظل يمدُّه بالمعلومات الدقيقة عن تحركاتهم لحظةً بلحظة، حتى إذا استوت المؤامرة ولم يبقَ إلا التنفيذ؛ قبض عليهم صلاح الدين جميعًا، وكان من أبرزهم:
1 – عمارة اليمني الشاعر والوزير، وقد ترأَّس هذه المؤامرة، ومهَّد لها بمشورته على تورانشاه بالتوجُّه لليمن.
2 – داعي الدُّعاة عبدالجبار بن إسماعيل بن عبدالقوي.
3 – القاضي المفضَّل ضياء الدين نصر الله بن كامل.
4 – القاضي الأعز سلامة العوريس متولِّي ديوان النَّظر(102).
وعرض صلاح الدين قضيَّتهم على القضاة فأفْتَوْا بقتلهم؛ فقتلوا من الثاني من رمضان سنة 569 هـ، وصُلبوا قبالةَ بيوتِهم.

ثالثا جهود صلاح الدين بعد موت نور الدين

أ – حالة الدولة بعد وفاة نور الدين:
خلف السلطان نور الدين في حكم الدولة ابنه الصغير إسماعيل الذي لم يبلغ الحلم؛ حيث حلف له الأمراء في الشام، وضربت السكَّة باسمه، وخُطِبَ له(103)، وقد كان موقف صلاح الدين - رحمه الله – واضحًا؛ حيث وصلت كتبه إلى دمشق يعزِّي الصالح إسماعيل في والده، ويعلن طاعته وولاءه له، وقد ضرب السكَّة باسمه، وخطب له، وأرسل له دنانيرَ مصرية دليلاً على ذلك(104).
ومن ناحيةٍ أخرى؛ فإن سيف الدين غازي صاحب الموصل ابن أخي نور الدين طمع في أملاك ابن عمه إسماعيل، واستولى على مدن الجزيرة التي كانت بيد نور الدين، ومنها نصيبين والخابور وحرَّان والرَّها والرَّقة وسروج، ولم يبق في البلاد الجَزَرِيَّة خارجًا عن حكمه سوى قلعة جُعْبر التي استعصت عليه(105)، ولم يستطع الأمراء القائمون بالأمر في الشام من الحدِّ من أطماعه، وتركوه يضمُّ هذه المناطق منشغلين بخلافاتهم، ومغلِّبين لمصالحهم الشخصية.
وهكذا بدا أن الدولة التي أسَّسها عماد الدين زنكي وحَماها ووسَّعها، وثبَّت أركانها من بعده ابنه نور الدين محمود قد آذنت بالسقوط، إن الأمر يتطلَّب تدخلاً عاجلاً، وعلى العكس من تفسيرات بعض المؤرخين؛ لقد كان تدخُّله واجبًا، يُمليه عليه دينه وانتماؤه، وهو لصالح الإسلام والمسلمين قبل أن يكون لمصلحةٍ شخصيةٍ له فقط.
والواقع أن بلاد الشام لم تَخْلُ من الرجال الحكماء العقلاء الذين أحسُّوا بالخطر الداهم، وأدركوا أن القائد المناسب لهذا الظرف الحرج هو صلاح الدين، وليس آل الدَّايَة أو آل المقدَّم أو سعد الدين كمشتكين، ولذا فقد أرسلوا إليه يطلبون نجدته وسرعة مجيئه لإنقاذ بلاد المسلمين(106)، وسيَّروا إليه رسلاً وصلته في مستهلِّ سنة 570هـ، يستحثُّونه ويطلبون منه الإسراع في المسير(107)، لم يكن صلاح الدين في حاجةٍ للتفكير طويلاً لإجابة هذا الطَّلب؛ فقد كان لديه قناعةٌ بأنه الرجل المناسب لهذه الظروف الحرجة، وإن كانت هذه الظروف لم تُعْطِه الفرصة إلا في هذا الوقت؛ يقول في رسالةٍ إلى أمراء الشام: "لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه مثل ثقته إليَّ؛ لسلَّم إليه مصر التي هي أعظم ممالِكه وولاياته، ولو لم يَعْجَل عليه الموت لم يعهد إلى أحدٍ بتربية ولده والقيام بخدمته غيري"، ثم يتوعَّدهم لتفرُّدهم بابن مولاه إذا هو أتى إلى الشام(108).

ب – مسير صلاح الدين للشام:
لم يستطع صلاح الدين الشخوص للشام سريعًا نتيجةً لأمرين اعترضاه، وهما:
أولاً: هجوم أسطول صقلية على الإسكندرية، في شهر صفر عام 570هـ، وذلك تنفيذًا للمؤامرة التي تمَّت مع عمارة اليمني وشيعته؛ حيث لم يعلم ملك صقلية بانفضاح أمرهم، وقد هاجم الإسكندرية بأسطول كبير يتكوَّن من ستمائة قطعة حربية وثلاثين ألف مقاتل، إلا أن سرعة صلاح الدين وإرساله المدَد لهذا الميناء قد أدخل الرعب في قلوبهم، وبخاصةٍ بعدما علموا بفشل المؤامرة؛ فعادوا خائبين بعد ثلاثة أيامٍ فقط(109).
أمَّا الأمر الثاني: فهو حركة كنز الدولة متوَّج في جنوب مصر؛ حيث جمع الجموع وهاجم بلاد الصعيد، وأصبح خطرًا على الدولة؛ فأرسل صلاح الدين له جيشًا بقيادة أخيه العادل، استطاع إخماد ثورته، وقتل الكثير من رجاله، وذلك في شهر صفر عام 570هـ(110).

وبعد أن اطمأنَّ صلاح الدين لأمور مصر سار إلى الشام في شهر ربيع الأول سنة 570هـ، واستناب بمصر أخاه العادل؛ فوصل دمشق في شهر ربيع الآخر من العام نفسه؛ فخرج العسكر للقائه، وأعلنوا طاعته، وسكن في بيت والده، ثم استولى على القلعة؛ فدانت له كلُّ البلد(111).
ويصف لنا ابن كثير حالة الشام حين دخلها وهدفه من ذلك؛ فيقول: "أُخيفَ سكانها، وتضعضعت أركانها، واختلف حكامها، وفسد نقضها وإبرامها، وقصده جمع شملها، والإحسان إلى أهلها، وأمْن سهلها وجبلها، ونصرة الإسلام، ودفع الطَّغام، وإظهار القرآن، وإخفاء سائر الأديان، وتكسير الصلبان في رضا الرحمن وإرغام الشيطان"(112).
ويوضِّح ابن أبي طيٍّ ما عمله بعد وصوله إلى دمشق بقوله: "نشر علم العدل والإحسان، وعضَّ آثار الظلم والعدوان، وأبطل ما كان الولاة استجدُّوه بعد موت نور الدين من القبائح والمنكرات والمؤن والضرائب المحرَّمات"(113).
وهكذا يتَّضح مدى التحالف الذي تمَّ بين الروافض وبين القائمين على أمر الصالح إسماعيل، وأن المعارضين لصلاح الدين كان أغلبهم من الشيعة، الذين يعدُّونه عدوهم اللدود الذي أسقط دولتهم وأضعف مذهبهم.
وبلغ الغدر ذِروته لدى أهل حلب حينما اتَّصلوا بملك طرابلس الصليبي ريموند الصنجيلي يطلبون منه المساعدة ومهاجمة حمص؛ لعل صلاح الدين يفكُّ الحصار عنهم، وقد نفذ ريموند هذه الخطة فهاجم حمص، مما اضطرَّ صلاح الدين إلى ترك حلب مؤقتًا والتوجُّه لإنقاذ حمص، فلمَّا علِمَ الصليبيُّون بقدومه تركوها، وربَّما كان ذلك بسبب سريةٍ أرسلها صلاح الدين إلى طرابلس، وقد أكمل صلاح الدين الاستيلاء على حمص، وذلك بأخذه قلعتها في شعبان سنة 570هـ، ثم سار إلى بلعبك فتسلَّمها في رمضان وبذلك خضع لصلاح الدين معظم الشام(114).
ولم يظلَّ صلاح الدين مكتوف الأيدي حتى يأتيه التقليد؛ بل أخذ يستعدُّ لملاقاة الحِلْف الزنكي الذي اجتمع في حلب، وقد راسلهم صلاح الدين في طلب الصُّلح، وعرض عليهم التنازل عن حمص وحماة مقابل إقرارهم له بدمشق نائبًا عن السلطان إسماعيل، وأن يعود إلى مصر، ولكنهم طمعوا فيه واشتطُّوا في شروطهم؛ فكان لابد من الحرب(115)، وسار بجيشه وعَسْكَر على قرون حماة مقابل الجيش الزنكي الذي يقوده عز الدين مسعود، واستطاع صلاح الدين أن يداريهم حتى وصلتْ له النجدة من مصر، وفي التاسع عشر من رمضان سنة 570هـ التقى الجمعان في معركةٍ انتصر فيها صلاح الدين على آل زنكي، ورغم مقدرته على القضاء عليهم؛ إلا أنه أمر جنده بأن لا يُوغِلُوا في طلبهم، ولا يقتلوا منهزمًا، ولا يُجهزوا على جريحٍ(116).
لقد كان من آثار هذه المعركة أن تعزَّز موقف صلاح الدين في الشام، وأصبح هو الرجل المؤهَّل لقيادة الجبهة الإسلامية، والبديل لنور الدين محمود في نظر المسلمين والخلافة الإسلامية، ولذا سارع الصالح إسماعيل يطلب منه المهادنة، واتَّفق الطرفان على عقد صلحٍ يتضمَّن ما يلي:
1 – أن يقرَّ الصالح إسماعيل لصلاح الدين بِما تحت يده من بلاد الشام؛ أي: دمشق وحمص وبعلبك وحماة وما بينها.
2 – أن يتعهَّد صلاح الدين بحماية الصالح إسماعيل بِجُيوشه إذا داهمه عدوُّه.
3 – أن يظلَّ صلاح الدين يدعو له ويضرب السكَّة باسمه(117).
وهكذا اعترف الزنكيون بصلاح الدين حاكمًا على معظم الشام، إضافةً إلى مصر، وبينما كان عائدًا إلى دمشق بعد هذا الصلح، وفي مدينة حماة - وصلت إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله تحمِلُ التَّشريفات السنيَّة والخلع العباسية والأعلام السود، والتوقيع من الديوان بالسلطنة على بلاد مصر والشام، كما أُفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأعوانه، وكان يوما مشهودًا(118).
لقد كان من آثار ذلك أن أصبح صلاح الدين الأيوبي حاكمًا شرعيًّا لمصر والشام، مُعتَرَفًا به من قِبَل الخلافة العباسية ومن قِبَل آل زنكي، وبذا قطع هذا القائد المسلم شوطًا بعيدًا في سبيل الهدف العظيم الذي شرع فيه نور الدين محمود بن زنكي، وهو توحيد الجبهة الإسلامية.
أعماله في مصر:
عاد صلاح الدين إلى عاصمته القاهرة، وتفرَّغ للأعمال الإصلاحية بقية عام 572هـ، وكانت هذه الأعمال تنصبُّ على تأمين هذه المدينة من الأخطار الخارجية؛ فقد استفاد صلاح الدين من التجارب السابقة، وأدرك أهمية مصر بشكل عام، والقاهرة بشكل خاص، بالنسبة للجهاد ضدَّ الصليبيين؛ حيث إن أنظار الصليبيين أصبحت تتَّجه نحوها، وكانت الحملات الزنكية التي شارك فيها قد أوضحت له مدى اهتمام الصليبيين بمصر، ثم كانت الهجمات الصليبية على دمياط والإسكندرية مؤكدةً لهذه الحقيقة، ولما كان صلاح الدين كثير الأسفار والبعد عن عاصمته؛ فقد أراد أن يحصِّنها ضدَّ الهجمات الخارجية؛ فقام بعملين مهمَّيْن خلَّدهما له التاريخ.
العمل الأول: هو بناء سور كبير يحمي كل القاهرة،
والعمل الثاني: هو بناء قلعة وسط العاصمة.
أما السور؛ فقد كان للقاهرة سورٌ ولمصر القديمة سورٌ، فوجد صلاح الدين أن ذلك يتطلب منه جهدًا وعددًا كبيرًا من الجند لحماية السورَيْن منفردَيْن؛ فأراد أن يجمعهما بسورٍ واحدٍ يبتدئ من النهر ويعود إليه، وأوكل العمل لبهاء الدين قراقوش الأسدي(119)؛ فاستعمل الحجارة في بنائه، وجعل طوله ثلاثة وثلاثين ألف ذراع، كما جعل له أحد عشر بابًا غير الأبواب الصغار، إلا أن صلاح الدين مات قبل إتمام العمل(120).



من اسوار القاهره

وبالنسبة للقلعة فقد أراد أن تكون مقرًّا له إذا أقام في مصر، وتكون محصَّنةً ضد أعدائه، وبخاصةٍ أتباع الفاطميين الذين يتربَّصون به؛ فاختار جبل المقطم لإقامتها عليه، وأوكل أمر بنائها إلى بهاء الدين أيضًا، فأحاطها بالأبراج، وبنى فيها مسجدًا، وحفر بها بئرًا، وكانت محكمة البناء، يحيط بها خندق لحمايتها، والعجيب أن صلاح الدين لم يسكن بها؛ لأنه انشغل بالجهاد، ومات قبل إتمام العمل بها(121).



ومن الأعمال الأخرى له في القاهرة: أنه أمر ببناء مدرسةٍ بجوار قبر الشافعي(122)، كما أمر باتخاذ أحد القصور بيمارستانًا للمرضى، ولم يكن بمصر قبل ذلك بيمارستان إلا الذي أنشأه أحمد بن طولون بالقطائع، وقد اندثر، وأوقف على البيمارستان والمدرسة أوقافًا جليلةً(123).

وبعد أن أتمَّ أعماله في القاهرة اتجَّه في شعبان سنة 572 هـ إلى الإسكندرية لتفقُّد أحوالها، فمر على دمياط واطمأنَّ على تحصيناتها، ثم وصل الإسكندرية فبنى عليها سورًا(124)، وكان من جليل أعماله أن أمر بإنشاء ديوان الأسطول، وجمع له الأخشاب، وعيَّن الصنَّاع، فعمل مراكب كثيرة شحنها بالمقاتلة والآلات، وأفرد له إيرادًا خاصًّا، وكتب إلى سائر البلاد يقول: "القول قول صاحب الأسطول، وأن لا يمنع من أخذ رجاله وما يحتاج إليه" (125)، وأصدر عدة أوامرٍ للنهوض بالأسطول وتقويته(126)، ممَّا كان له عظيم الأثر في الجهاد ضدَّ الصليبيين؛ حيث شارك هذا الأسطول في العمليات الحربية في البحر الأبيض المتوسط.

الخاتمة
وهكذا استطاع صلاح الدين أن يوحِّد الجبهة الإسلامية، وأن يقضي على أسباب الفرقة والنزاع، وأن يطهِّر المجتمع الإسلامي من تلك الأمراض الخُلُقيَّة التي تفشَّت فيه؛ فبنى بذلك جبهةً داخليةً قويةً يعتمد عليها في الجهاد ومحاربة الأعداء.
والملفت للنظر أن صلاح الدين لم ينعم بهذا الملك ولا بتلك الدولة؛ حيث قضى بقية عمره في جهادٍ مستمرٍّ على صهوة جواده، متنقِّلاً من مصر إلى الشام، ثم إلى الموصل، ثم يكرُّ راجعًا، وهكذا حِلٌّ وترحالٌ وتنقُّلٌ مستمرٌّ، وانشغالٌ تامٌّ بقضية المسلمين الأولى، ولقد تخلص من الأمور الدنيوية، وسخَّرها كلها للجهاد الذي ملك عليه شغاف قلبه، وأصبح هو همُّه الأول وشغله الشاغل، وبناء على هذا؛ فإن الباحث لا يسعه إلا أن يدافع عن صلاح الدين، ويوضِّح صدق نواياه، وتجرده من هوى نفسه، ومطالبه الشخصية، وأن ما قيل عنه ونسب إليه من أعمال أو أقوال لا تخدم هذا الهدف وتلك القضية؛ فهي أوهامٌ تخيَّلها قائلوها، أو فسَّروها حسب أهواء مائلة وأهداف مغرِضة.

فرحم الله صلاح الدين، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ لما قام به من أعمالٍ حوَّلت أوضاع المسلمين؛ فكانت كما وصفها العماد الكاتب: "الإسلام زاهرٌ زاهٍ، والكفر واهنٌ واهٍ، والنصر مضمونٌ، والعصر ميمونٌ، وسرُّ التوحيد سارٌّ، وقلب الشرك محزونٌ، وذخْر المال مبذولٌ، وكنز الحمد مذخورٌ ومخزونٌ، ونحن في اجتماعٍ واتساعٍ وارتفاعٍ واقتناعٍ، لا شيم كهامٍّ، ولا رنَّة شاكٍّ، ولا أنة باكٍ، ولا شكايةَ مظلومٍ، ولا حكايةَ محرومٍ، والأيام ظاهرة الأيام، باهرة المحاسن، وقد طابت للزمان وأهله أنفاسٌ ونفوسٌ، ودارت على الدنيا من ألطاف الله كؤوسٌ"(127).
قائمة المصادر:
1. البنداري: سنا البرق الشامي ص 19، ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 84 وذكر ابن شداد أن ذلك في سنة 558 هـ، (النوادر السلطانية ص 36) وقد حقق هذا الاختلاف ابن خلكان وذكر ما يرجح قول ابن الأثير والأصفهاني (وفيات الأعيان جـ 7 ص 146).
2. ابن شداد: النوادر السلطانية ص 36.
3. ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 246.
4. عمارة اليمني: النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية، ص 73، صححه هرتويغ درنبرغ، شالون 1897م، أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر جـ 3 ص 41، دار المعرفة للطباعة، بيروت، ابن كثير : البداية والنهاية جـ 12 ص 248.
5. بِلْبِيس: بكسر البائين وسكون اللام مدينة على طريق الشام تبعد عن الفسطاط عشرة فراسخ. (ياقوت: معجم البلدان جـ 1 ص 479).
6. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 5 ص 347.
7. الكامل: جـ 9 ص 85، والمقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 276.
8. مفرج الكروب جـ 1 ص 149.
9. أبو الفداء : المختصر جـ 3 ص 41، الذهبي: دول الإسلام جـ 2 ص 73 تحقيق فهيم شلتوت ومحمد مصطفى إبراهيم – 1974م القاهرة.
10. ابن أبي طي: السيرة الصلاحية، نقلا عن الروضتين جـ 1 ق 2 ص 422.
11. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 5 ص 348.
12. النوادر السلطانية ص 36.
13. ابن الأثير الكامل جـ 9 ص 95، الباهر ص 132.
14. ابن شداد : النوادر السلطانية ص 37.
15. ابن شداد : النوادر السلطانيية ص 37، ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 7 ص 147.
16. ابن أبي طي: السيرة الصلاحية، عن الروضتين جـ 1 ق 2 ص 424.
17. ابن شداد: النوادر السلطانية ص 37، ابن الأثير: الباهر ص 132، ويذكر ابن الأثير أن مسير أسد الدين كان في شهر ربيع الآخر.
18. يحيى بن أبي طي: السيرة الصلاحية، عن الروضتين جـ 1 ق 2 ص 425.
19. المصدر السابق ص 425، 426.
20. المصدر السابق ص 425.
21. لبابين: قرية كانت تقع جنوب مدينة المنيا (ابن شداد: النوادر السلطانية ص37 هامش 2).
22. ابن الأثير: الباهر ص 132، 133، ابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 150.
23. ابن الأثير: الكامل جـ 90 ص 98، 99، ابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 151.
24. ابن أبي طيٍّ: نفس المصدر ص 427، ابن الأثير الكامل جـ 9 ص 99، وابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 152.
25. المقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 287، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 5 ص 349.
26. ابن أبي طي: نفس المصدر ص 428.
27. الفتح البنداري: سنا البرق الشامي ص 24.
28. ابن أبي طي: نفس المصدر ص 429.
29. ابن الأثير : الباهر ص 137، سعيد عاشور: الحركة الصليبية جـ 2 ص 674.
30. ابن أبي طي: نفس المصدر ص 432.
31. ابن الأثير الباهر ص 138، أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق 2 ص 392.
32. [109] ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 100.
33. [110] ابن الأثير الباهر ص 138، 139، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 12 ص 255.
34. [111] ابن الأثير الكامل جـ 9 ص 100، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 12 ص 255 المقريزي: التعاظ الحنفا جـ 2 ص 294.
35. [112] الباهر ص 101.
36. [113] ابن شداد: النوادر السلطانية ص 39.
37. [114] البداية والنهاية جـ 15 ص 255، 256.
38. [115] ابن شداد: النوادر السلطانية ص 39، ابن الأثير: الباهر ص 139.
39. [116] السيرة الصلاحية ص 435 من كتاب الروضتين لأبي شامة.
40. [117] النجوم الزاهرة جـ 5 ص 350.
41. [118] ابن أبي طي: المصدر السابق ص 35، ابن الأثير: الباهر ص 139.
42. [119] ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 7 ص 150.
43. [120] النوادر السلطانية ص 39.
44. [121] الكامل جـ 9 ص 101، ابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 161.
45. [122] الفقيه عمارة اليمني: النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية ص 80، 81، ابن شداد: النوادر السلطانية ص 40، ابن الأثير: الباهر ص 140، ابن خلكان: جـ 2 ص 448.
46. [123] عمارة اليمني: النكت العصرية ص 87.
47. [137] أورد العماد الأصفهاني فقراتٍ من المنشور، ونقلها عنه أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق ص 409، والفتح البنداري: سنا البرق الشامي ص 43.
48. [138] ابن أبي طي: نفس المصدر ص 439.
49. [139] نص المنشور موجود في القلقشندي: صبح الأعشى جـ 10 ص 91 إلى 98.
50. [140] علي بيومي: قيام الدولة الأيوبية في مصر، ص 62.
51. [141] سبق التعريف بهذا اللقب.
52. [142] ابن الأثير: الباهر ص 142، 143، ابن شداد: النوادر السلطانية ص 40، ابن أبي طي: السيرة الصلاحية ص 440.
53. [143] ابن أبي طي: نفس المصدر ص 441، علي بيومي، قيام الدولة الأيوبية ص 156.
54. [147] المقريزي: المواعظ والاعتبار ج2 ص 2، وجـ 1 ص 258.
55. [148] عبدٌ خَصِيٌّ أسود، كان من الأستاذين المحنَّكين، له الأمر والنهي في قصر الخليفة العاضد؛ (المقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 307 هامش (3)).
56. [149] المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 2، ويذكر أن الرجل كان يحمل الرسالة وقد خُبِّئت في نعلَيْن جديدَيْن، بينما كان هو رثُّ الثياب؛ فاستراب منه أصحاب صلاح الدين وقبضوا عليه.
57. [150] ابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 176، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 12 ص 258، المقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 312.
58. [151] ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 103، 104.
59. [152] ابن الأثير: الكامل جـ 9، ص 103 أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق 2 ص 452، المقريزي: المواعظ والاعتبار ج، 2 ص 3.
60. [153] هو أبو سعيد قراقوش بن عبدالله الأسدي، خادم صلاح الدين، وخادم عمه شيركوه، له أعمالٌ جليلةٌ في مصر، ومواقف مشهورة في الجهاد ضد الصليبيين، توفِّي في رجب سنة 597 هـ؛ (ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 4 ص 91 ـ ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 6 ص 176).
61. [154] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر جـ 3 ص 48.
62. [155] المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 48.
63. [156] النوادر السلطانية: ص 41.
64. [157] سعيد عاشور: الحركة الصليبية جـ 2 ص 687، حسن حبشي، نور الدين والصليبيون ص 134.
65. [161] ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 284.
66. [162] ابن الأثير: الباهر ص 143، ابن واصل: مفرج الكروب جـ 4 ص 174.
67. [163] ابن أبي طي: السيرة الصلاحية، عن الروضتين جـ 1 ق ص 466.
68. [164] ابن واصل: مفرج الكروب جـ 1 ص 185، ابن خلدون جـ 5 ص 284.
69. [165] السيرة الصلاحية، الروضتين ج2 ق 1 ص 465 – 466.
70. [166] ابن شداد: ص 4.
71. [167] ابن أبي طي: نفس المصدر ص 498، ابن كثير : البداية والنهاية جـ 12 ص 263.
72. [168] ابن أبي طي: نفس المصدر ص 488.
73. [169] تاريخ الملك الأشرف: الفصل الخامس حوادث سنة 566 هـ، معهد المخطوطات العربية رقم 3150.
74. [170] المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 363، واتعاظ الحنفا جـ 3 ص 319.
75. [171] تاريخ الملك الأشرف: الفصل الخامس، حوادث سنة 566 هـ، المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 364.
76. [172] المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 365.
77. [173] تاريخ الملك الأشرف، الفصل الخامس، حوادث سنة 566 هـ، المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 364.
78. [174] ابن خلكان/ وفيات الأعيان جـ 3 ص 456 وفيه ترجمة وافيه له.
79. [175] علي بيومي: قيام الدولة الأيوبية ص 175، وقد تحدث المقريزي عن الدعوة ومراتبها وأصلها وأشهر الدعاة انظر: المواعظ والاعتبار جـ 1 ص 391 وما بعدها.
80. [176] ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 3 ص 242، وله فيه ترجمة موجزة، المقريزي، اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 319.
81. [177] الباهر، ص 143.
82. [178] السلوك جـ 1 ق 1 ص 64.
83. [179] الكامل جـ 9 ص 111.
84. [180] الكامل : جـ 9 ص 111، الباهر ص 156، والمقريزي: اتعاظ الحنفا جـ 3 ص 322.
85. [181] أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق 2 ص 503.
86. [182] الباهر: ص 156.
87. [183] الروضتين جـ 1 ق ص 492.
88. [184] بدائع الزهور: جـ 1 ق 1 ص 235.
89. [186] الكامل جـ 9 ص 111.
90. [187] الذهبي: دول الإسلام: جـ 2 ص 80، ابن كثير: البداية والنهاية: جـ 13 ص 264-265، وذكر ابن كثير أن ابن الجوزي صنَّف كتابًا سمَّاه النصر على مصر، ابن إياس: بدائع الزهور جـ 1 ق 1 ص 235.
91. [188] ابن الأثير: الباهر، ص 157، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 13 ص 266، القلقشندي: مآثر الأنافة في معالم الخلافة جـ 2 ص 51، ط الأولى.
92. [189] ابن إياس: بدائع الزهور جـ 1 ق 1 ص 237-238.
93. [190] ابن شداد: النوادر السلطانية ص 41.
94. [197] المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 1 ص 104 وما بعدها، وقد فصَّل المقريزي أنواع المكوس التي كانت تؤخذ من الناس.
95. [206] الكامل: جـ 9 ص 118.
96. [207] كنز الدولة: لقب يطلق على أمراء العرب جنوب مصر، وقد اشتهر هذا اللقب منذ أن قبض زعيم ربيعة، واسمه أبو المكارم هبة الله على أبي ركوة، الذي خرج على الحاكم بأمر الله الفاطمي سنة 397 هـ، فأكرمه الحاكم ولقبه بكنز الدولة، وظلت الإمارة فيها، وظلوا يلقَّبون بهذا اللقب؛ (المقريزي: البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب ص 44، تحقيق: عبدالمجيد عابدين 1971م).
97. [208] الروضتين جـ 1 ق 2 ص 531.
98. [209] أبو صالح الأرمني: تاريخ الشيخ أبي صالح ص 121-122، أكسفورد 1894 م، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 13 ص 270، المقريزي : السلوك جـ 1 ق 1 ص 72.
99. [210] الفتح البنداري: سنا البرق الشامي ص 24-25.
100. [211] النوادر السلطانية: ص 46.
101. [212] الكامل: جـ 9 ص 122.
102. ابن خلدون: العبر جـ 4 ص 82.
103. المصدر السابق جـ 4 ص 82.
104. الذهبي: دول الإسلام جـ 2 ص 84، ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 287-288، المقريزي: السلوك جـ 1 ق 1 ص 74 وما بعدها، وانظر: هامش 3 ص 77.
105. أرسل صلاح الدين خطابًا لنور الدين يخبره بهذه المؤامرة، وقد فصل فيه طريقة اكتشافهم والقضاء عليهم، انظر: أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق 2 ص 563، ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 123، المقريزي: السلوك جـ 1 ق 1 ص 74-75.
106. ابن الأثير: الباهر ص 162، ابن واصل: مفرج الكروب حـ2 ص .
107. العماد الأصفهاني: عن الروضتين جـ 1 ق ص 88، ابن الأثير: الباهر ص 62.
108. الفتح البنداري: سنا البرق الشامي ص 75، ابن الأثير الكامل: جـ ه ص 127.
109. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 6 ص 3.
110. البنداري: سنا البرق الشامي ص 1.
111. ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 127.
112. ابن شداد: النوادر السلطانية ص 48، المقريزي: السلوك جـ 1 ق ص 7 ويذكر أنها في ذي الحجة عام 569هـ، ابن واصل: مفرج الكروب جـ 2 ص 1، ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 88.
113. البنداري: سنا البرق الشامي ص 80، أبو الفداء: المختصر جـ 3 ص 6، ابن خلدون: العبر جـ 5 ص 288، 289.
114. ابن الأثير الكامل جـ 9 ص 31، البنداري: سنا البرق الشامي ص 1.
115. البداية والنهاية جـ 12 ص 288.
116. الروضتين جـ 1 ق ص 05
117. ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 132، ابن كثير البداية والنهاية جـ 12 ص 89.
118. البنداري: سنا البرق الشامي ص 6، ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 33.
119. ابن أبي طي: السيرة الصلاحية، عن الروضتين جـ 1 ق ص 38-639، ابن الأثير: الكامل جـ 9 ص 33.
120. البنداري: سنا البرق الشامي ص 87، 88 وقد كتب العماد بنفسه نسخة اليمين.
121. البنداري: سنا البرق الشامي ص 88، 89 ابن كثير: البداية والنهاية جـ 9 ص 91، المقريزي: السلوك جـ 1 ق ص 3.
122. سبق التعريف به.
123. المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 1 ص 79، 380، جـ 2 ص 02، ابن إياس: بدائع الزهور جـ 1 ص 42.
124. البنداري: سنا البرق الشامي ص 119، المقريزي: المواعظ والاعتبار جـ 2 ص 203.
125. المقريزي: السلوك جـ 1 ق ص 6، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 6 ص 9.
126. البنداري: سنا البرق الشامي ص 120، ابن إياس: بدائع الزهور: جـ 1 ص 43.
127. أبو شامة: الروضتين جـ 1 ق ص 89، أحمد مختار العبادي، السيد عبدالعزيز سالم: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 30، 1981 م.
128. ابن أبي طي: نفس المصدر جـ 1 ق ص 90.
129. العبادي وسالم: تاريخ البحرية الإسلامية ص 72 وما بعدها.


توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2014, 12:00 AM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
عضو مشارك
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

جزاك الله خيرا
الوفي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة الدولة الأيوبية عبدالمنعم عبده الكناني مجلس التاريخ الوسيط 1 07-03-2016 11:44 AM
دليل المزارع في تسميد الخضروات الشريف منتصر عبدالراضى منتدى الزراعة و البيئة 3 27-10-2014 12:14 AM
مقدسي الاصل او المولد او النشأة او الوفاة او الدفن د حازم زكي البكري مجلس قبائل فلسطين 11 11-03-2013 03:26 PM
صلاح الدين الأيوبي ابن خلدون موسوعة التراجم الكبرى 0 09-01-2013 09:17 PM
نوبيين ملتقى النهرين الازرق والابيض قبيلة الخزرج وراث مملكة علوة _ ملك العرب قردقة الصغير حفيد الملك معاوية على ابو القاسم الصالون الفكري العربي 4 16-12-2011 05:07 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:14 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه