مدن اسلاميه - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
تم فصل النملة
بقلم : ابراهيم العثماني
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: أولية شنقيط بين الحقيقة والتحريف." نصوص ناطقة" (آخر رد :إبن شنقيط)       :: أسباب هذه .. الحكايه (آخر رد :طالع عجلان)       :: تم فصل النملة (آخر رد :ابراهيم الجريِّد)       :: قرأة فى كتاب "علل وأدوية " .. فضيلة الشيخ محمد الغزالي,,, (آخر رد :حسن جبريل العباسي)       :: من القبائل المتسامية في إقليم عمان (آخر رد :بنت النجادات)       :: تصحيح لمعلومات عن ذوي وصيمع من ذوي عون (آخر رد :البراهيم)       :: لماذا تستغفر الحيتان في الماء والنملة في جحرها للعالم ؟ فائدة قيمة.. اللهم اجعلنا منهم (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: عبقرية المتنبي !!! (آخر رد :ابراهيم العثماني)       :: العبادلة من مطير من بني هاشم الأشراف (آخر رد :عبدالعزيز,)       :: البردقوش (آخر رد :ابراهيم العثماني)      



مجلس التاريخ الحديث يعنى بالتاريخ من فتح القسطنطينية الى اليوم

Like Tree39Likes
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By م مخلد بن زيد بن حمدان
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By م مخلد بن زيد بن حمدان
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By ابراهيم العثماني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 4 Post By د ايمن زغروت
  • 3 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By ابراهيم العثماني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By عبدالمنعم عبده الكناني
  • 2 Post By م مخلد بن زيد بن حمدان
  • 1 Post By عبدالرحمن احمد فؤاد

إضافة رد
قديم 01-09-2015, 11:59 AM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

1 (7) مدن اسلاميه

اسلامبول
القسطنطينية، ذلك الاسم الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ الحضاري للمدن الإمبراطورية، تلك المدينة التي مرت عليها دول وحضارات قامت واندثرت، علت واختفت، وقفت منها موقف الراصد الشامخ الذي لا يموت بمرور قرون وآلاف السنوات، وإن كان يقوى أحيانًا ويشيخ أحيانًا.

القسطنطينية قبل الفتح الإسلامي
أكثر من 1100 عام تفصل بين إعلان اسم مدينة الإمبراطور قسطنطين القسطنطينية كمركز من مراكز المسيحية في العالم، وتحولها إلى إسلامبول مدينة محمد الفاتح مركز من مراكز الإسلام في العالم.

بمرور هذه القرون الكثيرة لنا أن نتساءل كيف كان شكل مدينة قسطنطين عندما تسلمها الفاتح بعد معركة الفتح الخالدة ؟

عندما دخل السلطان محمد الفاتح القسطنطينية لم تكن إلا خرائب أو أحسن حالًا منها قليلًا. (برنارد لويس: إسطنبول وحضارة الخلافة الإسلامية)

بهذه الكلمات يصف المؤرخ الإنجليزي الشهير حال المدينة وقت استلام الفاتح لها، الحال الذي سيتغير بشكل كامل في عقود وقرون الحكم العثماني التالية، لتصبح واحدة من أجمل وأرقى مدن العالم كله، فنحاول إعطاء لمحات بسيطة عن هذا التطور لشكل المدينة في فترة قرنين من الزمان منذ منتصف القرن الخامس عشر وقت دخول المدينة وحتى ثلاثينات القرن السابع عشر.

محمد الفاتح وإعمار القسطنطينية
منذ أن وطئت قدم محمد الفاتح عاصمته الجديدة، عمل على تحويلها إلى مدينة عالمية، فقد أمر بفتح باب الهجرة لملئها بالسكان بسبب ضعف الأعداد التي تعيش فيها، فكل من كان يأتي للمدينة كان يحق له امتلاك منزل خاص به وبستان كعامل من عوامل جذب البشر لتعمير المدينة، كما عمل على جلب العائلات الغنية من البلقان وشبه جزيرة الأناضول لإسكانهم في العاصمة الجديدة، ولم يشترط أن تكون العائلات مسلمة، وقد تمكن هؤلاء القادمون إلى المدينة من إنشاء بيوت وكنائس خاصة بهم، وقد أعفتهم الدولة من بعض الضرائب ومقابل بعض الخدمات شرط ألا يغادروا المدينة.

اتبع الفاتح سياسات الإسلام في إطلاق حرية المعتقد والعبادة لكل من يسكن المدينة، فعين زعماء لطوائف غير المسلمين المختلفة، فقد اعترف بالروم الأرثوذكس وعين زعيم لهم مسئول عن كل طائفته في الدولة وهو البطريرك جناديوس الثاني، كما قام بتعيين زعيم روحي للأرمن، وهو البطريرك هوفاكيم الأول الذي استدعاه من مدينة بورصة إلى إسطنبول عام 1461م، وأسند إليه رئاسة وتمثيل جميع الأرمن الذين يعيشون بالدولة، كما عينه بطريركًا لكنيسة أعطاها له كهدية بمقاطعة صامتيا بالمدينة.

عملت الدولة العثمانية كذلك على تشجيع اليهود الفارين من البطش الأوروبي في أن يستقروا في المدينة خلال عهد الفاتح، وفي عام 1477م أصبحوا يحتلون المرتبة الثالثة في المدينة من حيث الكثافة السكانية بعد المسلمين.

قام السلطان كذلك بإقامة أول مسجد جامع كبير بالمدينة وهو جامع الفاتح، ومستشفى، ومجموعة من المدارس المعروفة باسم مدارس صحن الثمان (وهي ثمان كنائس حولها الفاتح إلى مدارس)، وكانت تُدرَّس فيها علوم العقائد والفقه والطب وغيرها، وبجانبها مبان أخرى لإقامة الطلاب.

أما بالنسبة لسياسات تعمير المدينة، فقد وفر إنشاء العمارة İmaret خدمات عامة وأسواقًا للمدينة، حيث لعبت دورًا هامًا في توسيع حجم المدينة وتطوير شكلها. والعمارة هي مؤسسة وقفية تضم عدة منشآت بجانب بعضها (جامع، مستشفى، استراحة للضيوف، أسبلة، جسور) أُسست بدافع من عمل الخير، ومنشآت أخرى تدر الدخل على هذه المؤسسات الخدمية مثل: (حمام، سوق، خان، مطحنة)، وكانت هذه العمارات تعطي الشكل المميز للمدينة العثمانية في كل أنحاء الدولة.

وفي عام 1459م جمع الفاتح رجال الدولة وطلب من كل واحد منهم أن يبني عمارة في المكان الذي يرغبه، وقد تنافس رجال الدولة في بناء العمارات البديعة حول الجوامع التي وفرت للسكان الخدمات التي يحتاجونها، مما جعلها تستقطب مجموعات جديدة من البشر من كل البقاع التي حولها، ليؤسسوا أعداد جديدة من المتاجر والمحلات، مما عمل على زيادة رقعة ومساحة المدينة بشكل كبير وضخم.



ويعتبر السوق المسقوف الكبير Grand Bazaar بإسطنبول أحد أعمال الفاتح التجارية الهامة التي ما زالت قائمة إلى الآن، والتي تدخل في سياسات تعمير المدينة التي انتهجها، فقد قام ببنائه بمعدل 800 متجر بداخله، وصلوا إلى 3000 متجر بداية القرن الـ 18م، وارتفعوا إلى 4000 بنهاية القرن الـ 19م. وقد أحتوى البازار على مسجد خاص به، أسبلة، حمام عام، مدرسة، مقاهي، ويستطيع الزائر التجول بداخل 61 حارة بداخله، والدخول إليها عبر 18 بوابة.

كلية السليمانية
الحديث عن نوع آخر من العمارة التي برزت في إسطنبول والدولة العثمانية يأتي بالحديث عن الكلية السليمانية. وهي نوع برز بشكل واضح في العهد العثماني، وكان يتكون من جامع يحيطه مدرسة، ومشفى، وتكية لإطعام الفقراء، كما كان يضاف إليه حمام.

وقد مثلت كلية السليمانية ثاني أكبر مشروع للمهندس الكبير سنان باشا والذي استغرق بناءها من 1550م حتى 1570م بالعاصمة إسطنبول قمة هذا النوع من العمارة التي يتوسطها جامع سليمان القانوني المعروف باسم جامع السليمانية ، فقد ضم بجانبه أنواع من المدارس منها مدرسة للحديث النبوي، ومدرسة للطب، كما ضم مشفى، ومطعم، وصيدلية، وأربعة مدارس أخرى.

في عصر السلطان مراد الرابع
وإذا انتقلنا من عصر الفاتح وعصر القانوني إلى عصر السلطان مراد الرابع في القرن السابع عشر، سنجد أن المدينة قد تطورت وزيدت مساحتها وكبرت بشكل ضخم وعظيم، ففي عام 1638م أصدر السلطان أوامره إلى الصدر الأعظم بيرم پاشا، وإلى المفتي يحيى أفندي، وإلى قضاة إسطنبول، اسكُدار، أيوب، و گلاطة بإعداد وصف شامل للمدينة يضم كل شيء فيها، فجاء وصفًا شاملًا كاملًا أُعد في ثلاثة أشهر، وشكَّل كتابًا جامعًا بعنوان وصف القسطنطينية قرأه المؤرخ العثماني الشهير صولاق زاده ليل نهار في حضرة السلطان وهو يهتف: "يا إلهي، أرع هذه المدينة إلى الأبد".

ضم هذا الكتاب أرقام كثيرة جدًا لأعداد كبيرة من المؤسسات والنقابات والمباني والأفراد في مئات الصفحات، نذكر منها مثلًا: عدد 670 محكمة في قضاء قسطنطينية، اسكُدار، أيوب، و گلاطة، وعدد 74 جامعًا كبيرًا من جوامع السلاطين، 1,985 جامع كبير للوزراء، 6,990 جامع في أرباع المدينة، 6,665 مسجد صغير وكبير، 19 مطعمًا لإطعام الفقراء، 9 مستشفيات، 1,993 مدرسة ابتدائية، 55 مدرسة لتحفيظ القرآن، 135 لدور الحديث النبوي، 557 زاوية وتكية، 91 دور لمرضى الغرباء، 997 كوانسراي "مبنى للمسافرين والقوافل على الطرقات البعيدة"، 565 فندق للتجار، 990 حي للمسلمين، 27 حي للأرمن، 657 حي لليهود، 14,536 حمام عام وخاص، 6,890 قصر للوزراء والأعيان، 200 مؤسسة لتوزيع المياه، 37 مطحنة كبرى، 55 صهريج، 600 فرن، 70 دور للصباغة، 4 سجون، 12 مدبغة للجلود، عدد 1 لكل من: معمل حرير، معمل شمع، معمل أسلاك ذهبية، مصنع للبارود، دار ضرب العملة، مصنع للبنادق، مخزن للرصاص، دار الموسيقى، دار الرسامين، دار لرجال المدفعية، دار لصانعي الزجاج، دار الفواكه الحمضية، دار الخيامين، دار السقائين.

هذه اللمحة الموجزة عن تطور هذه المدينة العريقة، لابد وأن يُذكرنا بهذا الفتح الخالد، والنصر العظيم الذي حمل لواءه مُحمد بن مراد المعروف باسم مُحمد الفاتح القائد العَلم المُجاهد، حفيد عُثمان مؤسس هذه الدولة الإسلامية العظيمة، وحفيد مُحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين، فرحِمهُ الله رَحمة واسعة.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-09-2015, 01:47 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
مشرف عام المجالس الاسلامية - عضو مجلس الادارة - رحمه الله رحمة واسعة
 
الصورة الرمزية م مخلد بن زيد بن حمدان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

أحسنت تعريف جميل وممتع
بارك الله بك وبيمينك وبقلمك الذي تخط به علما نافعا
رحمه الله إذ أدخل اليهود الى ديار ما حلموا بها..وبدأت خططهم للنيل ممن أحسن إليهم...فكان القضاء على الخلافة من تدبيرهم ومن هناك...
توقيع : م مخلد بن زيد بن حمدان
قـال عبـدالله بـن مسعـود – رضـي الله عنـه - : { إنـا نقتـدي ولا نبتـدي ، ونتبـع ولا نبتـدع ، ولـن نضـل مـا إن تمسكنـا بالأثـر }
م مخلد بن زيد بن حمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-09-2015, 05:49 PM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

القاهرة الحضارة والتاريخ

القاهرة هي عاصمة مصر، وواحدة من أهم مراكز الحياة الدينية والثقافية والسياسية للعالم الإسلام، وتعد منذ إنشائها قبل أكثر من ألف عام المركز الرئيسي للحضارة العربية الإسلامية، كما أنها تعد مدينة متفردة في العالم الإسلامي بتنوع ووفرة آثارها وقيمتها التاريخية، فنحن لا نجد في أي مكان آخر هذا الكم من الآثار الدينية والمدنية التي تتيح لنا طُرُزُها المعمارية دراسة تطور العمارة الإسلامية. ولا غرو، فإن القاهرة كما وصفها المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون: "إنها أوسع من كل ما يُتخيَّل فيها".

موقع القاهرة الجغرافي والتاريخي
يحتل موقع مدينة القاهرة منذ العصر الفرعوني مكانًا جغرافيًا فريدًا في وادي النيل عند التقاء الدلتا بالصعيد، هو خاصرة مصر ومجمع الوادى وفرعي النيل، وملتقى الصحراوين الغربية والشرقية، موقع حتمي خالد ظلت عواصم مصر تدور فيه لذا تحركت فيه العاصمة عبر العصور دون أن تخرج من مجاله المغناطيسي: فمن أون أو هليوبولس (مصر الجديدة وعين شمس الآن)، إلى منف الفرعونية (في منطقة البدرشين بالجيزة)، إلى بابليون (مصر القديمة) إلى الفسطاط العربية الإسلامية، ثم إلى العسكر العباسية والقطائع الطولونية إلى القاهرة الفاطمية، في حلقات متتابعة، في سلسلة جغرافية، وتسلسل إقليمي واحد [1].

الدولة العبيدية الفاطمية
في الوقت الذي سقطت فيه القطائع وتخربت سنة 292هـ / 905م كانت الفسطاط محتفظة بازدهارها، فكانت مدينة الشعب ومقر الحرف والصناعات والمهن والنشاط التجاري، ويقيم فيها الولاة والحكام. وفي الفترة الزمنية التي أعقبت سقوط القطائع كانت هناك قوة جديدة تنهض وتزدهر في المغرب العربي وهي دولة العبيديين الفاطميين التي استطاعت أن تقضى على دولة الأغالبة في القيروان في جمادي الثاني سنة 296هـ /909م.

ولا يزال أصل هذه الأسرة العبيدية الفاطمية يكتنفه بعض الغموض، وقد أرسل عبيد الله المهدي -أول خلفاء الفاطميين في شمال إفريقيا- حملتين لغزو مصر بقيادة ابنه أبو القاسم باءتا بالفشل، كانت الأولى سنة 302هـ / 914م، والثانية سنة 306هـ / 919م بفضل الإمدادات الحربية التي كانت ترسلها الخلافة العباسية في بغداد. توفى عبيد الله المهدي سنة 322هـ / 933م وتولى الخلافة من بعده ابنه محمد أبو القاسم الذي توفى سنة 334هـ / 949م، وتولى الخلافة من بعده ابنه المنصور إسماعيل وتوفى سنة 341هـ / 953م، وتولى الخلافة ابنه المعز لدين الله.

العبيديون الفاطميون في مصر
وفى سنة 357هـ مات كافور الإخشيدي فاضطربت الأحوال بمصر وتردت الحالة الاقتصادية بها، وحل الوباء والقحط بالبلاد من جراء انخفاض النيل، وعجزت الحكومة عن دفع رواتب الجند، مما حمل كثيرًا من أولي الرأي بمصر على الكتابة إلى المعز لدين الله يطلبون منه القدوم إلى مصر.

قدم الجيش الفاطمي من المغرب بقيادة القائد جوهر الصقلي موفدًا من قبل الخليفة المعز لدين الله، وكان مسيره من القيروان في 14 ربيع الأول عام 358هـ / فبراير 696م. وفي 11 شعبان 358هـ / يوليو 969م وصل جوهر إلى جيزة الفسطاط، فوقفت في وجهه حامية ضئيلة العدد. وفي اليوم التالي دخل جوهر الفسطاط وتربصفي شمالها ثمانية أيام حتى تكاملت حوله جنوده بعد عبورهم النيل من الجيزة إلى الفسطاط [2].

بناء القاهرة الفاطمية
وكان جوهر قد نزل مع جنده في المناخ الواقع شمال شرقي القطائع، وأخذ في وضع أساس القاعدة الفاطمية الجديدة -أي القاهرة- في نفس الليلة، وكان ذلك في يوم الثلاثاء 17 شعبان سنة 358هـ / 7 يوليو 969م، ويؤيد هذا ما ذكره المقريزي في خططه.

كما وضعت أسس القصر الفاطمي الكبير (الشرقي) في 18 شعبان 358هـ، وبدئ في بنيانه في رمضان في نفس العام وفي العام التالي 359هـ شرع في بناء الجامع الأزهر. وهكذا رأينا القائد جوهر في أيام معدودات بعد فوزه الحربي، يشيد قاعدة جديدة بأسوارها وأبوابها ودار ملكها وجامعها الأزهر، بل وحفر خندقًا من الجهة الشمالية ليمنع اقتحام القرامطة للقاهرة وكانوا يهددون مصر.

تخطيط مدينة القاهرة
كانت مساحة قاهرة جوهر 340 فدان تقريبًا، خصصمنها 70 سبعين فدانًا تقريبًا لبناء القصر الشرقي الكبير، كما خصصثلاثين فدانًا للبساتين، ومثلها للميادين، وقسم المساحة الباقية إلى عشرين حارة، أسكن في كل حارة فرقة عسكرية من جنده، وأسمى كل حارة باسم هذه الفرقة، فكانت هناك حارة زويلة التي بنى بجوارها باب زويلة، وحارة البرقية، وحارة العطوفية، وحارة الروم، وحارة كتامة، وحارة الجُدريّة وغيرها من الحارات، وتحولت هذه الحارات فيما بعد إلى شوارع وأحياء.

بناء الجامع الأزهر
وفي يوم السبت 22 جمادى الأولى 359هـ-أبريل 970 بدأ البناء في المسجد الجديد- الأزهر؛ وذلك ليكون خاصا بشعائر المذهب العبيدي الفاطمي، خشية إثارة المصريين إذا ظهرت هذه الشعائر في مساجدهم. ولما بلغ في البناء إلى المحراب كتب بدائرة القبة التي أقيمت عليه في الرواق الأول على يمنة المحراب والمنبر: "بسم الله الرحمن الرحيم، مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم من الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين على يد عبده جوهر الصقلي وذلك في سنة ستين وثلاثمائة". وقد تم بناء الأزهر في عامين وثلاثة أشهر.

وأقيمت الصلاة في الجامع الأزهر لأول مرة 6 رمضان 361ه / 21 يونيو 972م، وتحولت الدعوة على المنابر إلى الخليفة المعز، وضرب السكة باسم الخليفة العبيدي الشيعي (الفاطمي) بدلًا من اسم الخليفة العباسي، كذلك منع جوهر الناس من لبس السواد شعار العباسيين، وزيد في الخطبة على عادة الشيعة "اللهم صل على محمد النبي المصطفى، وعلى على المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرًا، اللهم صل على الأئمة الراشدين، آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين".

واعتبر تأسيس الأزهر حادثًا جليلًا في تاريخ الحضارة الإسلامية، ومنذ ذلك الحين عاشت القاهرة أحداث ألف عام ونيف، ومرت بها دول وحضارات جعلت منها عاصمة العالم الإسلامي ومركزا للإشعاع الفكري، كما أن موقع القاهرة الوسيط جعلها بؤرة تلتقي فيما خيوط السياسة والاقتصاد الإسلامي.

وقد أدت رعاية القاهرة للأماكن المقدسة، كمكة والمدينة، ونشاط علماء الأزهر وشتى المعاهد الدينية بها، أن صارت تتمتع بأهمية روحية وعلمية في العالم الإسلامي، كما أن معظم طرق التجارة بين أوروبا وآسيا وشرق أفريقيا وقلبها كانت تمر بالقاهرة جعلت منها سوقا كبرى لنفيس السلع والمواد، كالتوابل والمنسوجات والرقيق والأحجار الكريمة!

قدوم المعز لدين الله إلى القاهرة
ولما أرسل جوهر القائد إلى سيده المعز لدين الله بتمام بناء القصر الجامع عزم المعز أن ينقل مركز الخلافة الفاطمية إلى مصر فخرج بأهله وأمواله وحاشيته وجيوشه وبطانته من مقر ملكه بمدينة المنصورية في 22 شوال سنة 361هـ / يوليو 971م. واستقر بعض الوقت في مدينة سردانية بجوار القيروان لتجتمع إليه القبائل والجيوش ثم رحل عنها في الخامس من صفر سنة 362هـ، وسار إلى مصر عن طريق برقة ووصل إلى الاسكندرية يوم السبت 24 شعبان.

وبعد أن أقام بها أياما سار إلى القاهرة ودخلها يوم الثلاثاء السابع من رمضان سنة 362هـ / يونيو 972م ونزل بالقصر الفاطمي الكبير الذي أعد لنزوله، ولما دخله خر ساجدًا لله تعالى ثم صلى ركعتين، وفي آخر شهر رمضان أقام الصلاة بنفسه بالأزهر وخطب خطبة العيد. ولم يقصد جوهر في بادئ الأمر من إنشاء القاهرة، أن تكون قاعدة أو دار خلافة، بل اختطها لتكون مقرًا لسكن المعز وحرمه وخواصه ومعقلًا لرجاله يتحصن به ويلتجئون إليه [3].



التطور العمراني لمدينة القاهرة
وهكذا نشأت القاهرة مدينة متواضعة، واستمرت حينًا بعد قيامها مدينة ملكية عسكرية، تشتمل على قصور الخلفاء ومساكن الأمراء ودواوين الحكومة وخزائن المال والسلاح، ثم أصبحت بعد إنشائها بأربعة أعوام عاصمة الخلافة الفاطمية بعد انتقال أسرة المعز إليها واتخاذه مصر موطنًا له، ولم يكن لسكان مصر (الفسطاط والعسكر والقطائع) أن يدخلوا "المدينة الملكية" إلا بإذن يسمح لصاحبه بدخول إحدى بوابات القاهرة.

وكانت أسوار القاهرة العالية وأبوابها تحجب الخليفة عن أنظار الشعب، وظلت القاهرة طوال العصر الفاطمي الأول مدينة خاصة لا يسمح بدخولها لأفراد الشعب الذين كانوا يقيمون في مصر الفسطاط، العاصمة التجارية والصناعية للبلاد، إلا بإذن خاصوبغرض خدمة أهل الحصن الفاطمي الذين كانوا من خواصالخليفة ورجال الدولة وفرق الجيش. ورغم أن القاهرة لم تنشأ في الأساس لتكون مدينة سكنية بمعنى الكلمة، فقد أخذت مناطق سكنية في الانتشار خارج أسوارها بشكل غير محسوس وبطريقة غير مستقرة، مما جعلها تنهار سريعًا أمام أول أزمة اقتصادية أو سياسية تتعرض لها المدينة، وهي ما تعرف بالشدة المستنصرية في عهد المستنصر بالله العبيدي.

ولما انزاحت الغمة وتغلبت الدولة العبيدية على الأزمة الاقتصادية أباح أمير الجيوش بدر الجمالي سكن القاهرة لغير الخاصة مثل العسكرية والملحية والأرمن وكل من وصلت قدرته إلى عمارة، ولما استولى صلاح الدين الأيوبي على مقاليد الأمور في مصر بعد ذلك بنحو قرن من الزمان، نقل القاهرة عما كانت عليه من الصيانة وجعلها مبتذلة لسكن العامة والجمهور، وحط من مقدار قصور الخلافة وأسكن ذويه وأمراءه في بعضها، وتهدم بعضها الآخر وأزيلت معالمه وتغيرت معاهده، فصارت خططًا وحارات وشوارع ومسالك وأزقة، على حد قول المقريزي.

ولم يكتف صلاح الدين فقط بذلك، بل استولى على ما في القصور من خزائن ودواوين وأموال ونفائس، وأباح بيع كل ما وجد في القصور، حتى أن بيع كل ما خرج منها استمر عشر سنين، كما أقطع أمراءه وخواصه ما كان للفاطميين من دور ورباع.

وهكذا فقدت القاهرة مكانتها كمركز للحكم وأخذت الأنشطة التجارية والحرفية تتسرب إليها وتنتشر في موضع القصور الفاطمية حول الشارع الأعظم أو قصبة القاهرة. وتحول مركز المدينة القريب من الجامع الأزهر إلى منطقة تجارية. وأدت التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها القاهرة في عهد الدولة الأيوبية على إعادة تشكيل النسيج العمراني للمدينة، فشهدت هذه المنطقة مولد العديد من المدارس السنية التي بدأت في العصر الأيوبي (السيوفية والكاملية والصالحية) وازدهرت في عصر المماليك، والعديد من الأسواق النوعية حتى أصبح موضع بين القصرين "سوقًا مبتذلًا بعد ما كان ملاذًا مبجلًا" كما يقول المقريزي [4].

حدود مدينة القاهرة الفاطمية
حدد لنا المقريزي حدود مدينة القاهرة وامتداداتها حتى منتصف القرن 9هـ/ 15م، كما رآها في ذلك الوقت كما يلي: "وأما حد القاهرة فإن طولها من قناطر السباع إلى الريدانية، وعرضها من شاطئ النيل ببولاق إلى الجبل الأحمر"، أي أن حدود القاهرة وظواهرها كانت من ميدان السيدة زينب (قناطر السباع) في الجنوب، وتمتد جهة الشمال حتى العباسية (الريدانية)، ومن الغرب حيث كان نهر النيل، وتمتد شرقًا حتى الجبل الأحمر، أي أن الحد الفاصل بين مصر والقاهرة كان الخط الممتد من القلعة إلى جامع أحمد بن طولون، وقد ظل هذا التحديد معمولًا به حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي [5].

توسعات بدر الجمالي للقاهرة
حدثت توسعات بدر الجمالي للقاهرة في (480- 485هـ / 1087م - 1092م)، فبعد مضي حوالي مائة وعشرون سنة من تأسيس القاهرة رأى أمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر (1036-1094م) أن سكان القاهرة بنوا بيوتًا لهم خارج أسوار المدينة التي كان معظمها قد تهدم.

كانت القاهرة قد ازدحمت بسكانها وبالتالي اتسع عمرانها لا سيما جهة الشمال وجهة الجنوب، فأمر بدر الجمالي أن تحاط جميع المباني الجديدة التي بنيت خارج السور القديم سور جوهر بسور جديد من الطوب اللبن، ما عدا الجزء من السور الواقع بين باب النصر وباب الفتوح شمال المدينة، فقد بنى هذا الجزء من الحجر وهو الذي ما زال قائما إلى اليوم، كما أنه بنى باب النصر والفتوح من الحجر.

وفي الضلع الجنوبي للسور هدم بدر الجمالي بابي زويلة الأصليين، اللذان بناهما القائد جوهر بالطوب اللبن، وبنى بدلهما بابا واحدا بالحجر هو باب زويلة القائم حاليا. وقد اتسعت مدينة القاهرة من 340 فدانا عند إنشائها سنة 358هـ / 969م على يد جوهر القائد إلى حوالي 400 فدان في عهد الخليفة المستنصر بعد التوسعات التي أجراها الوزير بدر الجمالي [6].

توسعات صلاح الدين لمدينة القاهرة
زاد عمران مدينة القاهرة في آخر العصر الفاطمي، واتسعت حدود المدينة وضواحيها عندما قام صلاح الدين الأيوبي سنة 565هـ / 1170م وكان وقتها -وزيرًا للخليفة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية- ببناء سور جديد من الحجر بدلا من أسوار بدر الجمالي المبنية بالطوب اللبن، وأدخل في الأسوار الجديدة جميع ما زاد على المدينة من عمران في اتجاه الغرب ناحية النيل، وفي اتجاه الجنوب حتى مصر القديمة والفسطاط، وأبقى صلاح الدين على أبواب بدر الجمالي الثلاثة المبنية بالحجر وهي أبواب النصر والفتوح وزويلة.

قلعة صلاح الدين الأيوبي
فكر صلاح الدين في بناء قلعة حصينة كما هي العادة في بلاد الشام ليستطيع من خلالها الإشراف على القاهرة والفسطاط معًا، ووقع اختياره على الهضبة المتقدمة من جبل المقطم لتبنى عليها قلعة القاهرة التي أصبحت فيما بعد المقر الحصين لسلاطين المماليك وباشوات العثمانيين.

عهد صلاح الدين ببناء القلعة والسور الحجري الذي يربط القاهرة والقلعة والفسطاط إلى بهاء الدين قراقوش الذي استطاع الانتهاء من القسم الأكبر منها سنة 579هـ / 1183م بعد أن هدم العديد من الأهرامات الصغيرة التي كانت منتشرة بالجيزة لاستخدام أحجارها المنحوتة في البناء.

ولم يسر صلاح الدين على مثل ما سار عليه من سبقوه من الحكام ببناء عاصمة أو ضاحية ملكية جديدة، بل أقام في دار الوزارة حتى تم بناء القلعة فكان يتردد عليها، وجعلها قلعة للدفاع عن العاصمة وحمايتها، وقد توفى سنة 589هـ / 1193م قبل إتمام بناء القلعة [7].

أبواب القاهرة وأهم معالمها
كان للقاهرة ثمانية أبواب لكل جنب من أجنابها الأربعة بابان، ففي الجنوب: باب زويلة وباب الفرج، وفي الجهة البحرية: باب النصر وباب الفتوح، وفي الجهة الشرقية: باب القراطين (المحروق) وباب البرقية، أما في الجهة الغربية وهي المطلة على الخليج فكان فيها: باب سعادة وباب القنطرة.

وكان من أهم حارت القاهرة الفاطمية حارة الروم، حارة الأمراء، حارة الديلم، حارة الباطلية، حارة الكافوري، حارة قائد القواد، حارة العطوف، حارة الوزيرية، حارة المحمودية أو المصامدة. ولقد زاد عدد هذه الحارات وتطورت على أيام الأيوبيين والمماليك. وإلى جانب القصور الزاهرة التي شيدوها في القاهرة، فقد بنوا المساجد الكبيرة في أعقاب تأسيس الأزهر، ومنها جامع الحاكم بأمر الله (380هـ / 900م) وجامع الأقمر فيما بين القصرين، ومسجد الصالح طلائع خارج باب زويلة.

ومما يذكر عن صلاح الدين وخلفائه من رجال أسرته عنايتهم ببناء المدارس، فأكثروا منها، وعلى سبيل المثال: المدرسة الشافعية بالقرب من المشهد الحسيني، والمدرسة القمحية، ودار الحديث الكاملية، والمدرسة الصالحية .. إلخ.

كما ازدهرت القاهرة تحت حكم المماليك (648هـ - 923هـ / 1250م - 1517م) الذين أضفوا عليها كثيرًا من العمائر، ولا سيما في أيام المنصور قلاوون وابنه الناصر محمد والسلطان قايتباي، ومن أشهر المساجد التي بناها هؤلاء السلاطين أو أمراؤهم: جامع السلطان الظاهر بيبرس، ومدرسة وقبة وبيمارستان السلطان قلاوون، والمدرسة الناصرية، ومسجد سلار وسنجار الجاولي، وجامع الناصر محمد بالقلعة، وجامع المارداني، وجامع آق سنقر بالتبانة، وجامع ومدرسة السلطان حسن، ومسجد السلطان الظاهر برقوق، وجامع المؤيد، ومسجد أشرف برسباي، ومسجد قجماس الاسحاقي، ومسجد غاني باي السيفي، ومسجد ومدرسة الغوري وقبته .. إلخ.

وفي عهد الدولة العثمانية أنشئت في القاهرة المساجد والتكايا والأسبلة، ونذكر من آثار العهد العثماني: مساجد المحمودية بالمنشية، ومسجد الملكة صفية، والبرديني بالداودية، ومسجد سنان باشا ببولاق، ومسجد محمد أبي الذهب، وغيرها من بعض بقايا الدور، كنزل جمال الدين الذهبي وبيت السحيمي وبيت الكريتلية.

ثم أصاب القاهرة في أيام الحملة الفرنسية أشنع الدمار وأفظع الخراب، وكان أول ما عني به في القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي الوالي محمد علي، الذي عمل على إزالة كيمان الأنقاض وتلال الأتربة التي خلفتها حوادث الحملة الفرنسية ضد شعب القاهرة، وأمر بإزالة الخرائب ونقل أنقاضها خارج المدينة أو إلقائها في المستنقعات والبرك.

ثم اختطت الشوارع الجديدة الفسيحة وأنشئت الأحياء الحديثة، ففتح شارع السكة الجديدة والموسكي وشق شارعان كبيران هما شارعا الفجالة وشبرا. أضيف عليهما شارع محمد علي (القلعة اليوم) الذي أزيلت من أجله عدة مساجد ومقابر وبيوت مثقلة بالقدم.

وأقيمت على ضفاف هذه الشوارع بيوت عالية وقصور منيفة، لا تزال بعض بقاياها إلى اليوم، وعاد العمران إلى جزيرة الروضة، فبنى أعيان الدولة فيها دورهم وقصورهم تحيط بها البساتين العامرة بالأشجار، وعلى قمة المقطم شيد محمد علي مسجده الكبير وجعل فيه مدفنه، هذا بالإضافة إلى بناء مجموعة كبيرة من القصور ودور الحكومة في داخل قلعة الجبل [8].
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-09-2015, 06:44 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مشرف عام المجالس الاسلامية - عضو مجلس الادارة - رحمه الله رحمة واسعة
 
الصورة الرمزية م مخلد بن زيد بن حمدان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

أحسنت أخي أكياد..جهد طيب..تؤجر عليه
ما شاء تسلسل واضح وإستفساراتكم وإجاباتكم عليها في نفس الوقت مفيد ولا يبتعد بالقارئ بل يجعله منسجما ومتابعا مركزا على سرد تاريخي..حيث في العادة يضيع القارئ..لكنّك أجدت في إزاحة هذه المعضلة من السرد التأريخي..
بوركت
أخوكم/ م. مخلد بن زيد
توقيع : م مخلد بن زيد بن حمدان
قـال عبـدالله بـن مسعـود – رضـي الله عنـه - : { إنـا نقتـدي ولا نبتـدي ، ونتبـع ولا نبتـدع ، ولـن نضـل مـا إن تمسكنـا بالأثـر }
م مخلد بن زيد بن حمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2015, 12:39 AM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

جزاكم الله خيرا
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2015, 05:41 PM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

خراسان

بلاد خراسان
كلمة مركبة من (خور) أي: شمس، و(أسان)، أي: مشرق، كانت مقاطعة كبيرة من الدولة الإسلامية، حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها، مما يلي الهند، ومن أطراف حدودها طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، ومن أهم مدنها: نيسابور وهراة، ومرو وبلخ وطالقان ونسا، وأبيورد وسرخس، تتقاسمها اليوم إيران الشرقية (نيسابور)، وأفغانستان الشمالية (هراة وبلخ)، ومقاطعة تركمانستان (مرو).

فتح خراسان
يعد فتح خراسان من كبرى فتوحات الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بلاد فارس، فبعد معركة نهاوند عام 21هـ / 643م والتي كانت معركة حاسمة انتصر فيها المسلمون على الفرس انتصارا مؤزرا، حيث أطلق المسلمون عليها فتح الفتوح قرر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدها -حسب رأي الأحنف بن قيس رضي الله عنه- الانسياح في بلاد فارس، ودفع قوات المسلمين إلى أنحاء تلك المملكة كلها، فعقد سبعة ألوية لسبعة من القادة عهد إليهم فتح أرض فارس كلها.

والملفت أن كافة عمليات الفتح كانت عبارة عن معارك صغيرة بالمقارنة مع معارك البويب، والقادسية وجلولاء ونهاوند، وذلك بفعل قضاء المسلمين في تلك المعارك على القوة الميدانية للإمبراطورية الفارسية المنهارة.

فتم فتح كرمان على يد سهيل بن عدي الأنصاري الخزرجي، وسجستان على يد عمرو بن عاصم التميمي، وفتحت مكران (في باكستان اليوم) على يد الحكم بن عمرو التغلبي، وفتحت خراسان بقيادة الأحنف بن قيس رضي الله عنه في حدود سنة 22هـ و 23هـ، واستكمل فتحها نهائيا في عهد عثمان بن عفان رضي الله عه سنة 31هـ بمقتل يزدجرد الثالث كسرى فارس[*].

الحركة العلمية في خراسان [**]
شهد فتوحات بلاد خراسان الكثير من الصحابة والتابعين، وحبذ بعضهم الاستقرار فيها حتى وفاته. قال الحاكم: "نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بريدة بن حصيب الأسلمي، مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن خازم الأسلمي المدفون بنيسابور، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند" [1].

ويعني نزول أحد الصحابة، أو أحد كبار التابعين في بلد من هذه البلاد انتشار العلم فيها، وتبليغ سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبمرور الزمن نشطت الحياة الفكرية في هذه المدن، وأصبحت مراكز علمية تقصد من قبل طلاب الحديث، ويرحل إليها. ومن أهم هذه المراكز:

1- الدينور:
مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين، وتقع أطلال مدينة الدينور على نحو خمسة وعشرين ميلاً (الميل= 1,6 كيلو) من غربي كنكوار (مدينة إيرانية) وعلى نحو ستين ميلاً جنوب مدينة سحنة، وهي القاعدة الحديثة لإقليم كردستان الفارسي أي الجهة الغربية الشمالية من إيران الحديثة. ينسب إليها خلق كثير من أهل الأدب والحديث والعلوم، مثل: محمد بن عبد العزيز، وأبو محمد بن قتيبة الدينوري، وعبد الله بن وهب أبو محمد الدينوري الحافظ، وأبو حنيفة الدينوري عالم النبات والمؤرخ[2].

2- همذان:
بالتحريك، والذال معجمة، وآخره نون همذان بينها وبين الري ستون فرسخاً (الفرسخ= 6 كيلو متر). وهي دار السنة، صار بها علماء من سنة 200 هـ، وهلم جراً [3].

3- قزوين:
بالفتح ثم السكون، وكسر الواو، وياء مثناة من تحت ساكنة ونون، مدينة مشهورة، بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخا. وتقع قزوين في الوقت الحاضر على نحو مائة ميل شمال غربي طهران، وهي في أسفل الجبال العظيمة، وينسب إليها خلق لا يحصون، ومنها محمد بن سعد ابن سابق الرازي القزويني، والطنافسي، وعمرو بن رافع، وابن ماجه، وخلق غيرهم [4].

4- جرجان:
بالضم، وآخره نون، مدينة عظيمة مشهورة بين طبرستان وخراسان، وتسمى جرجان في الوقت الحاضر (كركان)، وتمتد هذه المدينة في جنوب شرقي بحر قزوين في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران. وقد خرج منها خلق من الأدباء، والعلماء، والفقهاء، والمحدثين [5].

5- نيسابور:
فتح أوله، مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء ومنبع العلماء، وتسمى في الوقت الحاضر نيشابور وتقع إلى الجنوب من (مشهد) وعلى بعد 125 كم منها. وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يحصى، وتسمى دار السنة والعوالي، صارت بإبراهيم بن طهمان، وحفص بن عبد الله، ثم يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه [6].

6- طوس:
مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ، وطوس في الوقت الحاضر قرية صغيرة عامرة تقع إلى الشمال الغربي من (مشهد) وعلى بعد 20 كم منها على ضفة نهر هراة، ومشهد مدينة إيرانية مشهورة دفن بها الإمام الثامن عند الشيعة علي الرضا (ت:202هـ) بجانب قبر الخليفة هارون الرشيد (ت: 193هـ) رحمهما الله. وقد خرج منها من أئمة أهل العلم، والفقه ما لا يحصى كمحمد بن أسلم الطوسي، وأصحابه [7].

7- هراة:
بالفتح مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان، وهي في الوقت الحاضر من المدن الأفغانية المشهورة تقع على مجرى نهر هاري، ومن أئمتها عبد الله بن واقد، والفضل بن عبد الله الهروي [8].

8- مرو:
وتسمى مرو الشاهجان: وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً، وتقع مرو اليوم ضمن بلاد التركمان (تركمانستان). وقد خرَّجت من الأعيان، وعلماء الدين، والأركان ما لم تخرِّج مدينة مثلهم، وكان بها بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطائفة من الصحابة، ثم عبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر، وعدة من التابعين ثم ابن المبارك، وسفيان، والإمام أحمد وغيرهم [9].

9- بلخ:
مدينة مشهورة بخراسان وهي من أجل مدن خراسان، وأذكرها، وأكثرها خيراً، وأوسعها غلة وتقع على نهر يعرف باسمها. وهي إلى الغرب من مدينة مزار شريف- حيث دفن فيه على ما يقال الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو كذب صريح - على مسافة مائة كيلومتر تقريباً.

وينسب إليها خلق كثير منهم :محمد بن علي بن طرخان بن عبد الله أبو بكر البلخي البيكندي، وكان حافظاً للحديث حسن التصنيف توفي سنة 278هـ، والحسن بن شجاع الحافظ وغيرهما [10]. وهي من المدن الأفغانية المهمة في الوقت الحاضر.

10- بخارى:
بخارى بالضم، من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها، وينسب إليها خلق كثير من أئمة المسلمين في فنون شتى، منهم المسندي، والبخاري [11]. وتقع الآن في جمهورية أوزبكستان.

11- سمرقند:
بفتح أوله وثانيه، بلد معروف مشهور، قامت منذ عام 1871 مدينة روسية جديدة إلى الغرب من مدينة سمرقند ربطت بالسكة الحديدية مع الخط الحديدي الخاص ببلاد ما وراء بحر قزوين. وينسب إليها جماعة كثيرة كأبي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد ابن نصر المروزي [12].

12- الشاش:
بالشين المعجمة، نسب إليها خلق من الرواة والفصحاء، وهي بما وراء النهر، وهي آخر بلاد الإسلام التي بها الحديث، وتسمى في الوقت الحاضر (تاشكند) أو (طشقند) وهي عاصمة أوزبكستان، منها الحسن بن الحاجب، والهيثم بن كليب [13].

13- فرياب:
بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت، وآخره باء موحدة بلد من نواحي بلخ، إن خرائب مدينة فرياب (فارياب) قد تطابق ما يعرف اليوم بـ (خيراباد) حيث توجد قلعة قديمة تحيط بها تلول من الآجر وكانت من أجل مدن الجوزجان في العصور الوسطى، والجوزجان مدينة مشهورة في أفغانستان الحديثة. خرج منها جماعة من العلماء أقدمهم محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري، ومنهم القاضي جعفر بن محمد الفريابي صاحب التصانيف سمع بفرياب في سنة 226هـ [14].

14- خوارزم:
أوله بين الضمة والفتحة، والألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة هكذا يتلفظون به، بلد كبير، وخوارزم في الوقت الحاضر في بلاد جمهورية أوزبكستان قريبة من بحيرة خوارزم التي تعرف الآن باسم بحر آرال. والذين ينسبون إليه من الأعلام والعلماء لا يحصون، منهم داود بن رشيد، أبو الفضل الخوارزمي توفي سنة 239هـ [15].

15- شيراز:
بالكسر، وآخره زاي، بلد عظيم مشهور معروف مذكور وهو قصبة بلاد فارس. وتقع الآن جنوبي أصبهان، وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن، ومن محدثيها: الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان القاضي الشيرازي، توفي سنة 272هـ[16].

16- أصبهان:
منهم من يفتح الهمزة وهم الأكثر، وكسرها آخرون، مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وهي الآن من أشهر المدن الإيرانية. وقد خرج منها من العلماء والأئمة في كل فن ما لم يخرج من مدينة من المدن وعلى الخصوص علو الإسناد؛ فإن أعمار أهلها تطول، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، وبها من الحفاظ خلق لا يحصون [17].
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2015, 09:37 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس الادب و التاريخ - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

شهادتي فيك مجروحة سلمت أخي الكريم اكياد
وسلمت اناملك علی جميل ما طرحت ونقلت
مبدع بارك الله فيك احسنت
توقيع : ابراهيم العثماني
العاقـــــــــل
خــــــــــــصيم
نفـــــــــــسه
ابراهيم العثماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2015, 04:24 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

الزاهرة مدينه المنصور بن ابي عامر
مدينة الزاهرة إحدى بقايا حضارة الأندلس المندثرة، وبعضٌ من مآثر الحاجب المنصور بن أبي عامر الخالدة، والتي كانت شاهدة على ما وصلت إليه الأندلس من عهد زاهر وحضارة سامقة.

موقع مدينة الزاهرة
عن الزاهرة يقول الحميري في صفة جزيرة الأندلس: "مدينة متصلة بقرطبة من البلاد الأندلسية، بناها المنصور بن أبي عامر لما استولى على دولة خليفته هشام". وأما عن الموقع الذي كانت تحتله الزاهرة على وجه التحديد فقد اختُلف فيه؛ لأن البحوث الأثرية الحديثة لم تكشف شيئًا من معالمها، مثلما فعلت بالنسبة لمدينة الزهراء. ويقول البعض إنها كانت تحتل بسيطًا يقع جنوب شرقي قرطبة في منحنى نهر الوادي الكبير، وعلى قيد أميال قليلة منها. ويقول البعض الآخر إنها كانت تحتل بقعة على مقربة من شرقي قرطبة على الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير [1].

تاريخ إنشاء مدينة الزاهرة
اقتفى المنصور بن أبي عامر أثر الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما شرع في بناء مدينة خاصة به سنة 368 هـ/978 م اتخذت اسم الزاهرة،

يقول الفتح بن خاقان الإشبيلي (528هـ / 1134م): " وفي سنة 368هـ، أمر المنصور بن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة ..، وبنى معظمها في عامين ..، وفي سنة 370هـ، انتقل المنصور بن أبي عامر إليها، ونزلها بخاصته وعامته؛ فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته، وأتخذ فيها الدواوين والأعمال، وقد تم بناء الزاهرة في سنة 370 هـ/979م وانتقل إليها المنصور بحاشيته وخاصة من الحرس، وشحنها بأنواع الأسلحة" [2].

أسباب إنشاء المنصور مدينة الزاهرة
والدوافع إلى بناء المنصور ابن أبي عامر مدينة الزاهرة لا تختلف كثيرًا عن الدوافع التي حدت بالخليفة الناصر إلى تأسيس مدينة الزهراء، وهي تمجيد عصورهم بمنشآت مميزة، دلالة على العزة والسلطان الواسع.

فقد أضحى محمد بن أبي عامر، بعد أن قضى على كل خصومه ومنافسيه، وحده، سيد الميدان، وأضحى بعد أن وضع يده على الجيش، صاحب السلطة العليا دون منازع ولا مدافع، ولم يكن الخليفة هشام المؤيد، بعد ذلك، سوى أداة لينة في يد المتغلب القوي، يوجهها كيف يشاء، على أن ابن أبي عامر لم يقنع بما حققه لنفسه من الاستئثار بالسلطة الفعلية.

وعلى الرغم من أنه لم يفكر يومئذ في الافتئات على شيء من رسوم الخلافة الشرعية، فإنه اتجه إلى أن يتشح بحلل الملك في صورة من صوره، فتكون له ثوبًا خلابًا، يتوج سلطانه الفعلي، بمظاهر العظمة والأبهة الملوكية. ولم يكن اتجاه ابن أبي عامر يقف عند تحقيق المظهر دون غيره، ولكن كانت لديه أسباب عملية قوية، تدعو إلى التحوط من أخطار التآمر والغيلة، وقد أصبح يخشى على نفسه من الوجود في قصر الزهراء، ومما قد يضمره بعض الحاقدين المتربصين، ورأى أن يتخذ له مركزًا مستقلا للإدارة والحكم، يجمع بين السلامة ومظاهر السلطان والعظمة، فوضع أسس مدينة ملوكية جديدة أسماها الزاهرة (368هـ - 978م).

وهذا ما ذكره الفتح بن خاقان، بقوله: "أمر المنصور بن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة، وذلك عندما استفحل أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حساده، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان.

فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه؛ ورفع الاستناد إليه؛ وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ويتمم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه. فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم" [3].

وعلى ذلك فكان إنشاء مدينة الزاهرة يُحَقِّق هدفين مهمين؛ الأول: هو الابتعاد عن مناطق الخطر والمؤامرات حيث مواطن الأمويين، وحيث قصر الخليفة وأمه، ومن غير المأمون أن تُدَبَّر عليه مؤامرة بيد الأمويين أو مواليهم أو بعض فتيان القصر. والثاني: هو ترسيخ وتثبيت شأنه في الدولة، وخطوة على طريق الانفراد بشئون الدولة وإدارتها.

وصف مدينة الزاهرة
أنشأ المنصور بن أبي عامر بالزاهرة قصرًا ملوكيًا فخمًا، ومسجدًا، ودواوين للإدارة والحكم، ومساكن للبطانة والحرس، وأقام حولها سورًا ضخمًا، ونقل إليها خزائن المال والسلاح، وإدارات الحكم، وأقطع ما حولها للوزراء والقادة، وأكابر رجال الدولة، فابتنوا الدور العظيمة، وأنشئت الشوارع والأسواق الفسيحة، واتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وأضحت تنافس المدينة الخليفية في الضخامة والرونق، واتخذ له حرسًا خاصمًا من الصقالبة والبربر، وأحاط قصره الجديد بالحراس والحاشية، يرقبون كل حركة وسكنة في الداخل والخارج.

يقول الفتح بن خاقان: "ونسق فيها (المنصور)كل اقتدار معجز ونظم ..، وحشد إليها الصناع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها بهاء يرد العيون كليلة؛ وتوسع في اختطافها، وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها ..، وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته، وأتخذ فيها الدواوين والأعمال.

وقامت بها الأسواق، وكثرت فيها الأرفاق؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنو من صاحب الدولة، وتناهى الغلو في البناء حوله، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها الإمارة. وأفرد الخليفة من كل شيءإلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي. ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطة بخطته، ونصب على بابها كرسي شرطته، وأجلس عليه واليا على رسم كرسي الخليفة، وفي صفة تلك الرتبة المنيفة.

وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تحمل إلى مدينته تلك الأموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، وحذر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج. فاقتضيت لديها اللبانات والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار.

واشتد ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها، حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الجمال، نقاوة بناء، وسعة فناء، واعتدال هواء رق أديمه، وصقالة جو اعتل نسيمه، ونضرة بستان، وبجة للنفوس فيها افتنان. وفيها يقول صاعد اللغوي:

يَا أيُّها المَلِكُ المَنصُورُ من يَــمَنٍ *** والمُبتَنِى نَسَبًا غَيرَ الذي انتَسَبَا
أما تَرَى العَينَ تَجرِي فَوقَ مَرمَرِها *** زَهوا فَتُجرِي على أحسائها الطَّرَبَا
أجرَيتَها فَطَمَا الزاهِي بجِريتَـــــها *** كَمَا طَمَوتَ فَسُدتَّ العُجمَ والعَرَبَا
تَحُفُّها من فُنُونِ الأيـــــكِ زَاهِرةٌ *** قد أورقت فِضِّةً إذ أثَمَرَت ذَهَبَا
بَديِعةُ المُلكِ ما يَنــفَكُّ ناظِــرُهـــــــا *** يَتلُـــو على السَّمْعِ مِنها آيةً عَجَبَا
لا يُحسِنُ الدَّهرُ أن يُنشِي لَهَا مَثَلًا *** وَلضوْ تَعَـــــنَّتَ فيـــها نَفسَهُ طَلَبَا

كما بنى المنصور بن أبي عامر بجانب مدينة الزهراء منية جميلة ذات قصر وحدائق رائعة، يرتادها للاستجمام والتنزه والراحة، وسماها العامرية. وقد كان جمال هاتين الضاحيتين العامريتين، مستقى للأوصاف الشعرية والنثرية الرائعة. ومما قيل في العامرية أبيات لعمرو بن أبي الحباب أنشدها، وقد دخل يومًا على المنصور بقصر المنية، والروض قد تفتحت أزهاره، مطلعها:

لا يَومَ كاليومِ في أيَّامِك الأوَلِ *** بالعامِريَّةِ ذَاتِ الماء والطّلَل [4].

خراب الزاهرة واندثار معالمها
يقول الفتح بن خاقان: "وما زالت هذه المدينة رائقة، والسعود بلَّبتها متناسقة، تراوحها الفتوح وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، ولا تزحف منها راية إلا إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلاَّ إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقبض لها من المكروه أوفر نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كلَّ عقيدة".

إذ لم تعمر مدينة الزاهرة طويلًا فقد كان عمرها رهينًا بعمر الدولة العامرية، فما أن قتل عبد الرحمن الملقب شنجول حتى عم الخراب عمائر هذه المدينة ونهبت قصورها وانتهت رسومها في الفوضى التي عمت البلاد سنة 399هـ.

ففي 16 جمادى الآخرة سنة 399 هـ/ 1009م سيطر محمد بن هشام حفيد عبد الرحمن الناصر المقلب بالمهدي على قصر الخليفة هشام المؤيد، الذي أعلن تنازله عن الخلافة ليتولاها محمد بن هشام مكانه، الذي أتم السيطرة على مدينة الزاهرة فاستبيحت ونهبت خزائنها وأحرقت حتى لم يبق المهاجمون على أثر يذكر لعمائر وذخائر الزاهرة والعامرية.

واندثرت بهذا التخريب مدينة الزاهرة اندثارًا يختلف عن ذلك الذي حل بالزهراء إذ عثر على الكثير من قطع المدينة الأخيرة مبعثرة في بلدان أخرى، وتم التعرف عليها بفضل ما عليها من كتابات، بينما لم يبق شيء من مآثر الزاهرة، سوى حوض من المرمر، مكسور وغير كامل، وصل إلى إشبيلية ويحفظ الآن في المتحف الوطني بمدريد، كما أنه لم يبق من الزاهرة فيما بعد أي صدى في التقاليد المحلية، لذا اختلف في تحديد مكانها [5].
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2015, 06:03 PM   رقم المشاركة :[9]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي


موضوع بديع اخي الكريم الاستاذ محمد عبده ( اكياد ) و هذا ما عهدناه منك بارك الله فيك ...
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2015, 07:33 PM   رقم المشاركة :[10]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

جميل ... بل جميلٌ جداً !!!
نهج طيب كما عودتنا .. وقد يغني عن السياحة المُكلفة !!!
ففي قليل من الخيال يمكن المتابع أن يرى شيئاً من الحقيقة التي وصفت وسجلت وأرّخت ...
زادك الله عاماً
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2015, 08:11 PM   رقم المشاركة :[11]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

جزاكم الله خيرا جميعا على مروركم العطر وعلي تعليقاتكم الجميله
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2015, 08:18 PM   رقم المشاركة :[12]
معلومات العضو
مشرف عام المجالس الاسلامية - عضو مجلس الادارة - رحمه الله رحمة واسعة
 
الصورة الرمزية م مخلد بن زيد بن حمدان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

ننتظر منك المزيد اخي اكياد
توقيع : م مخلد بن زيد بن حمدان
قـال عبـدالله بـن مسعـود – رضـي الله عنـه - : { إنـا نقتـدي ولا نبتـدي ، ونتبـع ولا نبتـدع ، ولـن نضـل مـا إن تمسكنـا بالأثـر }
م مخلد بن زيد بن حمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-09-2015, 12:03 PM   رقم المشاركة :[13]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مدينة الزهراء اعجوبة الاندلس
تعد المنشآت المعمارية مظهرًا متقدمًا من مظاهر الحضارة، ومن ثم فهي تعد دلالة على الرخاء الاقتصادي، ولقد امتلكت الأندلس في عهد الخلافة الأموية كل المقومات المؤهلة لأن تكون بحق وليدة عصر الخليفة عبد الرحمن الناصر، وأن تصبح العاصمة قرطبة صورة حقيقية لمظاهر ازدهار وبذخ ذلك العصر، فقد كانت من أكبر وأجمل عواصم العالم آنذاك.

ولعل من أهم آثار عبد الرحمن الناصر المعمارية، مدينة الزهراء التي تعد مأثرة مهمة من مآثره، بنيت على مسافة 8 كم شمال غربي العاصمة قرطبة على سفح جبل العروس[*].

قصة بناء مدينة الزهراء
يذكر المؤرخون رواية قصصية مفادها أن الخليفة الناصر لدين الله ماتت له سريَّة، وتركت مالًا كثيرًا، فأمر أن يفك بذلك المال أسرى المسلمين، وطلب في بلاد الإفرنج أسيرًا فلم يوجد، فشكر الله تعالى على ذلك، فقالت له جاريته الزهراء -وكان يحبُّها حبًّا شديدا: اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصة لي.

فبناها تحت جبل العروس من قبلة الجبل وشمال قرطبة ..، وأتقن بناءها، وأحكم الصنعة فيها، وجعلها مستنزها ومسكنًا للزهراء وحاشية أرباب دولته، ونقش صورتها على الباب، فلمَّا قعدت الزهراء في مجلسها نظرت إلى بياض المدينة وحسنها في حجر الجبل الأسود، فقالت: يا سيِّدي، ألا ترى إلى حسنهـذه الجارية الحسناء في حجر ذلك الزنجي؟ فأمر بزوال ذلك الجبل، فقال بعض جلسائه: أعيذ أمير المؤمنين أن يخطر له ما يشين العقل سماعه، لو اجتمع الخلق ما أزالوه حفرًا ولا قطعًا، ولا يزيله إلاّ من خلقه، فأمر بقطع شجره وغرسه تينًا ولوزًا، ولم يكن منظر أحسن منها، ولا سيِّما في زمان الإزهار وتفتُّح الأشجار" [1].

وأسباب بناء مدينة الزهراء تتحدد بالدوافع الآتية:
1- أريد لهذه المدينة أن تكون مقرًا للخلافة الجديدة.
2- الابتعاد عن صخب العاصمة قرطبة بعد أن ضاقت مرافقها نتيجة الزخم السكاني الذي كان يزداد سنويًا.
3- بناء المدن صفة وصف بها الخلفاء والسلاطين العظماء تخليدًا لعصورهم المجيدة.
4- عرف عن الناصر كلفه ببناء القصور والاعتناء بتنميقها وتزيينها وصرفه الأموال الكثيرة في هـذا المجال [2].

بناء مدينة الزهراء
وبدأ ببناء الزهراء في محرم سنة 325هـ/ نوفمبر سنة 936م، وخوَّل الناصر ولي العهد الحكم المستنصر بمهمة الإشراف على بنائها، وقد عمل في بناء الزهراء جيش من العمال والمهرة، أشرف عليهم خيرة المهندسين والمعماريين في ذلك الوقت، ولا سيما من بغداد والقسطنطينية.

يذكر المؤرخون أنه كان يتصرف في عمارة الزهراء كل يوم من الخدم عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة، وكان من الرجال من له درهم ونصف ومن الدرهمان والثلاثة، وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنحوت المعدل ستة آلاف صخرة سوى الأجر والصخر غير المعدل [3].

وقامت مدينة الزهراء على مسطح من الأرض طوله من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع [4]. وقدرت النفقة على بنائها بثلاثمائة ألف دينار كل عام طوال عهد الناصر، هذا عدا ما أنفق عليها في عهد ولده الحكم، وانتقل إليها الناصر بحاشيته وخواصه وخدمه في سنة 336هــ [5].

وصف مدينة الزهراء
وصف ابن خلكان مدينة الزهراء، بقوله: "والزهراء من عجائب أبنية الدنيا، أنشأها أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب الناصر أحد ملوك بني أمية بالأندلس، بالقرب من قرطبة، في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب.

وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثًا، فثلث للجند وثلث مدخر وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت جباية الأندلس يومئذ خمسة آلاف دينار (أربعمائة ألف وثمانين ألف دينار)، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار، وهي من أهول ما بناه الإنس وأجله خطرًا وأعظمه شأنًا" [6].

فقد اشتملت مباني مدينة الزهراء على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة، جلب بعضها من روما والبعض الآخر من القسطنطينية، ومصاريع أبوابها كانت تزيد على خمسة عشر ألف باب، ملبسة بالحديد والنحاس المموَّه.

وجلب الرخام المستخدم في بنائها من مدن اشتهرت بهذه المادة، فمنه ما جلب من مدينة المرية ورية وأصناف منه جلبت من المغرب العربي ومن مدينتي صفاقس وقرطاجنة، واجتهد الناصر باختيار التحف النادرة من الشام والقسطنطينية.

وأنشئت بالزهراء مجالات فسيحة للوحوش فسيحة الفناء، متباعدة السياح، ومسارح للطير مظللة بالشباك، واتخذ فيها دارا لصناعة آلات من آلات السلاح للحرب والحلي للزينة وغير ذلك من المهن، وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع وقاية للناس من حر الشمس[7].

قصر الزهراء الذي لم يبن مثله
وابتنى عبد الرحمن الناصر في حاضرته الجديدة الزهراء قصرًا منيف الذرى، لم يدخر وسعًا في تنميقه وزخرفته، حتى غدا تحفة رائعة من الفخامة والجلال، تحف به رياض وجنان ساحرة، وأنشأ فيه مجلسًا ملوكيًا جليلا سمي بـقصر الخلافة.

صنعت جدرانه من الرخام المزين بالذهب، وفي كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب، قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب والجوهر، وزينت جوانبه بالتماثيل والصور البديعة، وفي وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكانت الشمس إذا أشرقت على ذلك المجلس سطعت جوانبه بأضواء ساحرة.

وزود الناصر مقامه في قصر الزهراء، وهو الجناح الشرقي المعروف بالمؤنس بأنفس التحف والذخائر، ونصب فيه الحوض الشهير المنقوش بالذهب، الذي أهدي إليه من قيصر القسطنطينية، والذي جلبه من هنالك إلى قرطبة ربيع الأسقف، وجلب إليه الوزير أحمد بن حزم من الشام حوضًا ثانيًا رائعًا، يقوم عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر المرصع بالجواهر، وهي تمثل بعض الطيور والحيوانات وتقذف الماء من أفواهها إلى الحوض.

وقد دون هذه الروايات والأوصاف العجيبة، التي تشبه أوصاف قصور ألف ليلة وليلة المسحورة، عن قصر الزهراء، أكثر من مؤرخ معاصر وشاهد عيان، وأجمعت الروايات على أنه لم يبن في أمم الإسلام مثله في الروعة والأناقة والبهاء.

وذُكر أن عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألفًا وسبعمائة وخمسين فتى، وعدد النساء والحشم بالقصر ستة آلاف وثلاثمائة، يصرف لهم في اليوم ثلاثة عشر ألف رطل من اللحم، سوى الدجاج والحجل وغيرها [8].

مسجد الزهراء
وفضلًا عن القصر فقد بنى في الزهراء مسجدًا، طوله من القبلة إلى الجوف -عدا المقصورة- ثلاثون ذراعًا، وعرض البهو الأوسط من الشرق إلى الغرب ثلاثة عشر ذراعًا، وزوده بعمد وقباب فخمة، ومنبر رائع الصنع والزخرف، فجاء آية في الفخامة والجمال، تم بناؤه وإتقانه في مدة ثمانية وأربعين يومًا، وكان يعمل به أكثر من ألف عامل منهم ثلاثمائة بناء، ومائتا نجار والبقية من الأجراء وبقية العمال المهرة [9].

واستمر العمل في منشآت الزهراء طوال عهد الناصر، أي حتى وفاته في سنة 350هـ، واستمر معظم عهد ابنه الحكم المستنصر، واستغرق بذلك من عهد الخليفتين زهاء أربعين سنة [10]؛ ولكنها غدت منزل الملك والخلافة مذ تم بناء القصر والمسجد في سنة 329هـ، وبذا كانت -إلى جانب قرطبة- أول منزل للخلافة الإسلامية بالأندلس.

والخلاصة أن الناصر أراد أن يجعل من الزهراء قاعدة ملوكية حقة، تجمع بن فخامة الملك الباذخ، وصولة السلطان المؤثل، وعناصر الإدارة القوية المدنية والعسكرية.

الزهراء .. من العمران إلى الخراب
ولم تعمر مدينة الزهراء طويلًا، فقد ظلت مقرًا للخلافة في عهد الناصر وولده الحكم المستنصر ثم فقدت أهميتها وبريقها السياسي عندما سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على مقاليد الأمور وبنى مدينته المعروفة بالزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة ودور الحكومة. وهكذا فقدت الزهراء صفتها كقاعدة رسمية، وشاءت الأقدار ألا تكون منزل الملك والخلافة إلا في عهد مؤسسها، وعهد خلفه الذي أكمل بناءها.

كما فقدت الزهراء رسومها عندما اجتاحت الأندلس وقرطبة خاصة عوامل الفتنة والفوضى جراء النزاع على السلطة في بداية القرن الخامس الهجري، وتعرضت هـذه المدينة إلى الدمار والحرق ونهب ما حوته من نفيس التحف.

ويرثى الفتح بن خاقان معاهد الزهراء خلال رواية نقلها عن جولة لبعض الكبراء في تلك الأطلال: "وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالي ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهى بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها، وتفيأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها، ونبهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤى وأحجار، وقد هوت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد .." [11].

الزهراء في العصر الحديث
ما زالت سيرة مدينة الزهراء وذكريات فخامتها الذاهبة، تحتل المقام الأول في تاريخ إسبانيا المسلمة الأثري والفني، لذا اهتم الإسبان في العصر الحديث بالكشف عن آثار مدينة الزهراء، فمنذ بداية سنة 1910م.

بدأت الحفريات في منطقة تمتد حوالي 1518 مترًا من الشرق إلى الغرب و 745 مترًا من الشمال إلى الجنوب، وعلى الرغم من أنهـذه المنطقة لم تكشف كلها فإن المكتشف من الآثار يكفي لتكوين صورة واضحة عن هـندسة المدينة وفخامتها.

"وتنقسم أطلال الزهراء بصفة عامة إلى مجموعات ثلاث، مدرجة من أعلى إلى أسفل، وتشمل المجموعة الأولى مواقع القصر الخليفي والمقام الخاص، وتشمل الثانية فيما يبدو مساكن الحاشية والحرس، وتشمل المجموعة الثالثة وهي الواقعة أسفل الربوة في بسيط معتدل من الأرض، أربعة أفنية كبيرة عالية، هـي التي يجري اليوم ضمها وإعادة تشكيلها، وفيما يظن أنها البهو العظيم الذي كان مخصصًا لاستقبال الملوك وأكابر السفراء.

وقد تم اكتشاف هـذا البهو الذي يعد أعظم ما كشف حتى اليوم من آثار الزهراء في سنة 1944م، ووجد سائر حطامه وزخارفه مدفونًا تحت الأنقاض، ويعكف الأثريون والإسبان منذ أعوام على إقامة الصرح وتنسيقه، مما وجد من أنقاضه وأعمدته وزخارفه.

وقد أقيم حتى اليوم في وسطه ما اصطلح على تسميته (بهو السفراء) أو باسمه التاريخي (المجلس المؤنس)، وهو يتكون من أربعة أفنية متلاصقة تبلغ واجهتها نحو أربعين مترًا، وقد قسمت من الداخل إلى ثلاث أروقة مستطيلة، يتوسطها رواق رابع ذو عقود من الجانبين، ويقوم كل فناء منها على خمسة عقود، وقد ركب علىهـذه العقود ما وجد بين الأطلال من رؤوس وقواعد رخامية مزخرفة، وفي وسط الرواق الثالث عقد جميل عال يفضي إلى بهو داخلي، زين جانباه بالزخارف الرخامية.

ويبلغ طول كل رواق من الأروقة المذكورة نحوًا من عشرين مترًا، وعرضه نحو ثمانية أمتار، وقد صنعت العقود كلها على نمط واحد وزينت من أعلاها بما أمكن جمعه من قطع الزخارف الرخامية التي وجدت، وقد شيدت هـذه الأروقة على ارتفاع يبلغ نحو عشرة أمتار" [12].

ومع استمرار أعمال الحفريات في مدينة الزهراء، فقد تم اكتشاف الكثير من معالم المدينة، ومنها: اكتشاف دار الجند سنة 1912م وتم تجديده سنة 1944م، واكتشاف الجناح الشرقي سنة 1954م، والبحيرات سنة 1945م وبدأ العمل بها سنة 1954م، ودار الرخام الذي بدأ التنقيب به سنة 1964م، ثم ممر الجند الشرقي والساباط سنة 1964م أيضًا [13].

ولعل أعمال الحفريات المستقبلية تكشف لنا عن معالم أخرى لهذه المدينة، التي هـي من دون شك إحدى الصور التي تحكي قصة الحضارة العربية في بلاد الأندلس، وما وصلت إليه من الرقي والتقدم، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في مجاهل التخلف.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2015, 11:38 AM   رقم المشاركة :[14]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

عمان .. موقعها الجغرافي وأهم مدنها
عمان قاعدة الخليج العربي، وتقع على مداخله من الجهة الجنوبية على الشاطئ الغربي، كما تطل على المحيط الهندي.

ويذكر المقدسي عدداً من مدن عمان، منها: صحار، وهي قصبة عمان، ونزوة والسر وحفيت وديا وسلوت والقلعة وضنكان ومسقط وتؤام وسمد وجلفار وغيرها، وعمان مدينة جليلة بها مرسى السفن من الصين والهند والزنج وليس على بحر الخليج مدينة أجل منها، وهي ديار الأزد [1]، المشهورين بالملاحة.

عمان .. مميزاتها الجغرافية
كان لموقع عمان أثر في ازدهارها، فهي مواجهة لكل من الخليج العربي والبحر الأحمر، وهي أيضاً قريبة من الهند؛ كما أن مياهها عميقة، ومعظم شواطئها محاطة بجبال تحميها من الرياح القوية فتساعد على نشوء الموانئ.

فضلاً عن أنها تقع على الطريق الرئيس للتجارة الرائجة الممتدة من الصين، إلى المدن الواقعة على جانبي الخليج، كل ذلك جعلها المركز الرئيس للساحل الغربي من الخليج العربي، وكان لهذا أثر في تطور الملاحة والتجارة البحرية [2].

عمان والنشاط الملاحي
ويبدو أن سكان عمان كانوا يشتغلون بالملاحة فترة طويلة قبل الإسلام، فيذكر أبو عبيدة أن "أردشير بن بابك جعل الأزد ملاحين بشحر عمان قبل الإسلام بستمائة سنة".

وبعد ظهور الإسلام، كثرت الإشارات إلى اشتغال العمانيين بالملاحة وإلى مهارتهم فيها، فيروي الجاحظ قصة تصف أزد عمان بأنهم ملاحون [3].

وكان للعمانيين نشاطٌ ملاحيٌّ بعدة جهات، فيذكر المسعودي أن المحيط الهندي "له خليج متصل بأرض الحبشة، ويسمى الخليج البربري، وأهل المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج، وهؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عمان عرب من الأزد".



وقال بخصوص سفالة: "وهي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العمانيين ..، وهي غاية مقاصدهم" [4].

وقد توضح من خلال هذه النصوص أنه كانت هناك ملاحة مباشرة نشطة واسعة بين عمان وسواحل شرق إفريقيا، وأن عمان كانت مركزاً لهذه الملاحة، وكان لعمان اتصال مع الشرق الأقصى وخاصة الصين.

فكانت الملاحة العربية نشطة ومباشرة، خاصة في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وهي تصل خانقو، أي كانتون الحالية، وكان يقوم بمعظم هذه الملاحة أهل عمان، وكانت مراكب الصين بالمقابل تصل إلى المراكز العربية على الخليج العربي: "مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف" [5].

وكان العمانيون يتاجرون مع المحطات الملاحية والتجارية التي تقع على طريق الصين، وأهمها "كله" وهي "فرضة بالهند".

وخلاصة القول: كانت مراكب العمانيين تؤم معظم موانئ المحيط الهندي وتتاجر معها؛ فوصلت مراكبهم إلى الصنف وفنصور وسرنديب وصندايور وسندان والديبل وغيرها.

صحار أهم مدن عمان
ولابد من أن نشير إلى صحار أهم مدن عمان، حيث وصفها المقدسي بأنها "بلدة طريفة ممتدة على البحر ..، لهم آبار عذبة وقناة حلوة، وهم في سعة من العيش، ودهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومئونة اليمن، وهي أعمر مدن عمان وأكثرها مالاً، وهي قصبتها".

ومما زاد أهمية صحار أنها أقرب الموانئ العربية لرسو السفن الآتية من الهند، الأمر الذي ساعدها على أن تصبح -فوق كونها ميناء- مركزاً للتجارة مع الهند وإفريقيا [6].

ولابد من أن نشير إلى أن نشاط أهل عمان شمل مختلف جوانب النشاط التجاري والبحري، فكان بعضهم يمارس الملاحة وآخر يدير السفن ويبحر فيها، وبعضهم يمتلك السفن ويستخدمها لنفسه أو لمن يؤجره، وبعضهم يقوم بالتجارة أيضاً، وهذا مكنهم من القيام بنقل سلع إفريقيا والهند والشرق الأقصى مباشرة دون الاعتماد على العناصر الأخرى [7].
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2015, 12:17 PM   رقم المشاركة :[15]
معلومات العضو
عضو موقوف
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

نقل جميل.. يحتاج لوقت طويل للقراءة والتأمل .. والتحسّر !
احمد عبدالنبي فرغل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2015, 10:51 AM   رقم المشاركة :[16]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

الأبلة تاريخها وحضارتها

لعبت الأبلة دورا مهما في تاريخها منذ الفتح الإسلامي، وتمتعت الأبلة بدور الوسيط في التجارة البحرية مع الشرق، ويعد ميناؤها من أهم مراكز البحرية الإسلامية والملاحة البحرية العربية.

الأبلة .. الاسم وسبب التسمية
قال ياقوت الحموي: "الأُبُلَّة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها"، وحكي عن الأصمعي في قولهم الأُبُلَّة: "كانت به امرأة خمَّارة تعرف بهوب في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: هوب لاكا، بتشديد اللام، أي ليست هوب ههنا، فجاءت الفرس فغلَّظت، فقالت: هو بلَّت، فعرَّبتها العرب فقالت: الأُبُلَّة".

ومدينة الأبلة كانت تعرف قبل الإسلام باسم مدينة "أبولوكس" "Apologus"، و"Uubulum" في الكتابات الأكادية [1].

الأبلة .. الموقع الجغرافي والأهمية
تتمتع الأبلة بموقع جغرافي مهم، فهي تقع على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، لأن البصرة مصِّرت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت الأبلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى".

فهي تقع في نهاية الرأس الجنوبي لنهري دجلة والفرات، الصالحين للملاحة وعلى زاوية الخليج الذي يدخل بقناة اصطناعية إلى مدينة البصرة.

ويرجع تاريخ الأبلة الملاحي إلى عهد الإسكندر الأكبر، ووصفها البحار تيارجس في المائة الرابعة قبل الميلاد بأنها مستودع تجارات الخليج [2].

الفتح الإسلامي لمدينة الأبلة
كانت الأبلة من أهم المواضع المهمة في نظر الساسانيين من الوجهة الحربية، وكانت تعد عندهم "فرج أهل السند والهند"، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنًا، وصاحبه يحارب العرب في البر، والهند في البحر, وقد وضعوا هذا الفرج تحت إمرة قواد عسكريين.

ونظراً لأهمية الأبلة توجهت إليها أنظار العرب المسلمين منذ عهد مبكر، فالخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد أن فرغ من حرب اليمامة سنة 12هـ/ 633م: " أن سِر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأبلة".

إلاَّ أن الأبلة لم تفتح بصورة كاملة إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 14هـ/ 635م، وعلى يد عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وذلك بعد أن مصَّر البصرة، فأقام عتبة بالبصرة شهرا، ثم خرج إليه أهل الأبلة، فقاتلهم عتبة بن غزوان وفتح الأبلة عنوة، قال الطبري: "وَجَعَلَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ وَقَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيُّ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، وَقَالَ لَهُمَا: كُونَا فِي ظَهْرِنَا، فَتَرُدَّا الْمُنْهَزِمَ، وَتَمْنَعَا مَنْ أَرَادَنَا مِنْ وَرَائِنَا ثُمَّ الْتَقَوْا فَمَا اقْتَتَلُوا مِقْدَارَ جَزْرِ جَزُورٍ وَقَسْمِهَا، حَتَّى مَنَحَهُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَمَلُوا مَا خَفَّ لَهُمْ، وَعَبَرُوا إِلَى الْفُرَاتِ، وَخَلُّوا الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلاحًا وَسَبْيًا وَعينًا، فَاقْتَسَمُوا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وَوَلَّى عُتْبَةُ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ أَقْبَاضَ الأُبُلَّةِ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ".

وأصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائه دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَفَرَضَ عُمَرُ لأَصْحَابِ الدِّرْهَمَيْنِ مِمَّنْ أَخَذَهُمَا مِنْ فَتْحِ الأُبُلَّةِ في ألفين من العطاء، وكانوا ثلاثمائة رَجُلٍ، وَكَانَ فَتْحُ الأُبُلَّةِ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِي شَعْبَانَ مِنْ سنة 14هـ.

وكتب عتبة إلى عمر يعلمه ذلك، يقول: "أما بعد، فإن الله، وله الحمد، فتح علينا الأبلة، وهي مرقى سفن البحر من عمان، والبحرين، وفارس، والهند، والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله"، وأنفذ الكتاب مع نافع بن الحارث الثقفي [3].

الأهمية الاقتصادية لمدينة الأبلة[*]
وكان من ضرورات فتح الأبلة هو إحكام الطوق الاقتصادي على الفرس والسيطرة على طريق الملاحة التجارية مع الهند والصين والعالم، وكانت الأبلة ميناء صالح لرسو السفن البحرية، فكانت السفن المتوسطة تستطيع الوصول إلى الأبلة.

وكان لانتقال الخلافة العباسية إلى بغداد دور في زيادة الاهتمام بالأبلة، وبالتالي أثر في ازدهارها، فكان تجارها يربحون ربحًا عظيمًا، قال خالد بن صفوان: "ما رأينا أرضًا مثل الأبلة، أقرب مسافة، ولا أطيب نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أخفى لعابد".

لذا زادت ملاحة الأبلة حتى وصفت بأنها "مرفأ سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين". وكان الاتصال المائي وقرب المسافة بين بغداد العاصمة وميناء الأبلة، فضلاً عن قابلية الميناء لاستيعاب السفن البحرية، ممَّا ساعد على وجود حلقات اتصال بحريّ بين الأبلة ومختلف المناطق. فكانت تسمى أرض الهند أو فرج الهند والسند [4].

وكانت الأبلة تؤمن حاجات الدولة العربية الإسلامية المطلوبة من الهند مثل السيوف والساج والعطور وغيرها من الكماليات التي تطلبها الدولة، خاصة بغداد، وكانت تستورد من الهند مختلف المواد، خاصة الكمالية منها. أما عن اتجار الأبلة مع الصين، فكانت هي أيضاً مزدهرة ومتنوعة؛ "كانت مرفأ السفن من الصين" [5].

وتوجد تجارة منتظمة بين الصين والعراق ترد إلى ميناء الأبلة مباشرة، حيث كانت تستورد مختلف السلع التي تحتاجها الدولة وتصدر السلع الفائضة إلى الصين. وكان للعراق نشاطٌ ملحوظٌ مع سواحل شرق إفريقيا.

وتعد تجارة جلب العبيد رائجة في البصرة؛ كما تُعَدُّ تجارة الذهب من منطقة سفالة بأرض الزنج أهم الصادرات من شرق إفريقيا إلى العراق عن طريق الأبلة.

وفضلاً عن ذلك، كانت للأبلة أهمية في التجارة الداخلية، فكانت تصدر إلى العراق وأنحاء الجزيرة العربية وكذلك اليمن، ما تحتاجه من السلع والبضائع الوافدة لها من الخارج [6].

[1] ياقوت الحموي: معجم البلدان، بيروت، دار صادر- دار بيروت، ط2، 1995م، ج 1، ص76- 77.
- جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الناشر: دار الساقي، طبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م، 13/ 275.
[2] ياقوت: المرجع السابق، ج 1، ص97. العاني: المرجع السابق، ص193. العلي: المرجع السابق، ص232.
- عادل محيي الدين الآلوسي: تجارة العراق البحرية مع أندونيسيا حتى أواخر القرن السابع الهجري/ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، دار الشؤون الثقافية والنشر، بغداد، 1984م، ص61.
[3] البلاذري: فتوح البلدان، الناشر: دار ومكتبة الهلال- بيروت، عام النشر: 1988م، 1/ 333.
- أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر: دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه / القاهرة، الطبعة: الأولى، 1960م، 1/ 117.
- الطبري: تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 3، بيروت، 1967م، ج 3، ص343، 350، 594- 595.
- جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 4/ 300.[*]خالد إسماعيل الحمداني: البحرية الإسلامية في الخليج العربي والمحيط الهندي خلال العصور الإسلامية، مجلة التاريخ العربي.
[4] الجاحظ: البيان والتبيين، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: 1423هـ، ج 2، ص203.
- أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، القاهرة، 1960م، ص117.
- الطبري: المرجع السابق، ج 3، ص347.
- أمل عبد الحسين عباس السعدي: الأبلة في العصر الإسلامي، رسالة ماجستير، كلية الآداب، 1976م، ص232.
[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت، 1965م، ج 2، ص239. العلي: المرجع السابق، ص232.
[6] أمل عبد الحسين عباس السعدي: الأبلة في العصر الإسلامي، ص243- 250.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2015, 07:54 PM   رقم المشاركة :[17]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

البصرة .. تاريخها وحضارتها

البصرة أشهر مدن العراق، وأول مدينة إسلامية بنيت خارج الجزيرة العربية زمن الفتوحات الإسلامية، كانت تدعى: قبة الإسلام ومقر أهله بالعراق، بناها عتبة بن غزوان سنة 14هـ، وصارت مصر الإسلام ومحل الصحابة والتابعين والمجاهدين.

البصرة قبل الإسلام
كانت البصرة في الجاهلية من ثغور العراق، فيها خليط من أمم شتى؛ فرس ويونان أحلهم فيها الإسكندر، وهنود انتشروا في بطائحها، وقد نزلها العرب منذ القديم، كما فيها أنباط غير قليلين. وكانت هي والأبلة مركزين للتجارة الداخلية والخارجية، وكان يرتادها تجار العرب، وتردد عليها أبو بكر الصديق في الجاهلية مرات.

بناء مدينة البصرة
البصرة في كلام العرب: الأرض الغليظة التي فيها حجارة صلبة بيضاء. ومدينة البصرة مدينة عراقية عظيمة، كان العرب يسمونها (أرض الهند)، تقع على الضفة الغربية (اليمنى) لنهر شط العرب، الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات، ويصب في الخليج العربي. ولم تكن البصرة في أيام الفرس، وإنما مصرها العرب أنفسهم، فكانت أول مدينة عربية أُنشئت في العصر الإسلامي، وقد مصرت قبل الكوفة.

وأول إنشائها كان في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بناها الصحابي القائد عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وهناك اتفاق بين المؤرخين أن أول من بناها عتبة بن غزوان رضي الله عنه، غير أنهم يختلفون في زمن بنائها، بين سنة 14هـ/635م، أو 15ه، أو 16ه، أو 17هـ، ومراد ذلك اختلافهم هل كان بناؤها قبل فتح المدائن 16هـ أو بعدها.

وخلاصة أمرها أن خالد بن الوليد لما تقدم لفتح العراق عام 12هـ سار إليه والبحر، ونزل في موضع يسمى (الأبلة) وكان بلدا عظيما في زاوية الخليج الفارسي يتخذه الفرس مسالح لهم، فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة، وتقدم المسلمون في بلاد العراق، ولى عتبة بن غزوان تلك الأطراف.

قال الطبري نقلًا عن المدائني: "وفي هذه السنة -14هـ- وجه عمر بن الخطاب عتبة ابن غزوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمن معه، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم". ويتفق هذا مع رواية الشعبي أنه لما قُتل مهران قائد الفرس صفر 14هـ بعث عمر إلى عتبة: "قَدْ فَتَحَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى إِخْوَانِكُمُ الْحِيرَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَقُتِلَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهَا، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَمُدَّهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَكَ إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، لِتَمْنَعَ أَهْلَ تِلْكَ الْجِيزَةِ مِنْ إِمْدَادِ إِخْوَانِهِمْ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، وَتُقَاتِلَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْكُمْ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّه". وزاد أبو حنيفة الدينوري: "وقاتلهم مما يلي الأبلة". فتقدم إليها عتبة في خمسمائة وقيل ثمانمائة مقاتل، فنزلها في ربيع الأول –أو الآخر- 14هـ.

وعند البلاذري: "لما نزل عتبة بْن غزوان الخريبة (مسالح الفرس قريبة من الأبلة)كتب إِلَى عُمَر بْن الخطاب يعلمه نزوله إياها وأنه لا بد للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا، ويكنسون فيه إذا انصرفوا من غزوهم، فكتب إليه اجمع أصحابك في موضع واحد وليكن قريبا منَ الماء والرعي واكتب إِلىَّ بصفته، فكتب: إليه إني وجدت أرضا كثيرة القصبة في طرف البر إِلَى الريف ودونها مناقع ماء فيها قصباء، فلما قرأ الكتاب، قَالَ: هَذِهِ أرض نضرة قريبة منَ المشارب والمراعي والمختطب، وكتب إليه أن أنزلها الناس، فأنزلهم إياها ..، وذلك في سنة 14هـ".

وفي رواية أن عمر بعث لعتبة يقول: "انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ، فَأَقِيمُوا". فنزلوا موضع البصرة. فأقام عتبة شهرا، ثم خرج إليه أهل الأبلة، فناهضهم عتبة، فمنحه الله أكتافهم وانهزموا.

وفي رواية سيف بن عمر أن البصرة مصرت في ربيع سنة 16هـ، وأن عتبة بْن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من جلولاء وتكريت والحصنين، وجهه إليها سعد بأمر عمر.

وذكر اليعقوبي في البلدان وغيره أن عتبة بن غزوان مصَّر البصرة سنة 17هـ، وقال ياقوت: "قال الأصمعي: لما نزل عتبة بن غزوان الخريبة، ولد بها عبد الرحمن بن أبي بكرة، وهو أول مولود ولد بالبصرة، فنحر أبوه جزورا أشبع منها أهل البصرة، وكان تمصير البصرة في سنة أربع عشرة قبل الكوفة بستّة أشهر، وكان أبو بكرة أول من غرس النخل بالبصرة وقال: هذه أرض نخل، ثم غرس الناس بعده، وقال أبو المنذر: أول دار بنيت بالبصرة دار نافع بن الحارث ثم دار معقل بن يسار المزني".

ولما نزل المسلمون البصرة، كان أول ما شيده عتبة بن غزوان في هذه البقعة مسجدا من قصب مع دار إمارة ثم صار المسلمون ينشئون المنازل من القصب أيضاً حتى إذا غزوا محلا نزعوا القصب وحزموه حالا فإذا عادوا من الغزو سالمين آمنين أعادوا المنازل إلى ما كانت عليه.

والمؤذنون في مسجد عتبة بالبصرة من ولد المنذر بن حسان العبدي، وكان مؤذن عبيد الله ابن زياد، فبقي ولده يؤذنون في المسجد، وفيها ثمانية آلاف نهر، منها: نهر معقل منسوب إلى معقل بن يسار من الصحابة، ونهر ابن عمر رضي الله عنهما، وجه عمر بن الخطاب ابنه عبد الله رضي الله عنهما لحفره فنسب إليه، ونهر حسان وهو حسان النبطي صاحب خراج العراق [1].

أحوال البصرة بعد بنائها
ولم تكن على عهد الراشدين بالمدينة الكبيرة؛ لحداثة نشأتها العربية، وكانت مستوخمة رديئة الهواء والماء، ليست بالخصبة ولا الغنية، حتى اضطر عمر إلى أن ينظر إلى أهلها نظر رحمة، حينما شكوا إليه أمرهم، فقد ذكر البلاذري في فتوح البلدان:

"قدم الأحنف بن قيس على عمر في أهل البصرة, فجعل يسألهم رجلا رجلا والأحنف في ناحية البيت" في بتٍ لا يتكلم, فقال له عمر: "أما لك حاجة؟ " قال:

"بلى يا أمير المؤمنين. إن مفاتح الخير بيد الله، إن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان الملتفّة، وإنا نزلنا سبخة بشاشة لا يجف نداها ولا ينبت مرعاها، ناحيتها من قبل المشرق البحر الأجاج، ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، يأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين, وتخرج المرأة لذلك فتربق ولدها كما تربق العنز يخاف بادرة العدو وأكل السبع، فإلا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا". فألحق عمر ذراري أهل البصرة في العطاء, وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحتفر لهم نهرا [2].

هذه بداية أمر البصرة وقد ظلت على حالها، لم تترقّ منها إلى خير منها، حتى صدرا من أيام الأمويين، ومضت خلافة معاوية ولم ينفرج ضيق أهلها تمام الانفراج, فقد قدم الأحنف أيضا على معاوية وافدا لأهل البصرة يستعطفه لهم، وكان فيما وصف به أهلها قوله: "أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير مع تتابع من المحول واتصال من الذحول، فالمكثر فيها قد أطرق، والمقل قد أملق، وبلغ منه المخنق".

أما الهواء فيها فرديء, وكذلك الماء فهو غير عذب، حتى إنهم كانوا ليجلبونه من المسافات البعيدة [3].

بداية عهد ازدهار البصرة
وبانقضاء عهد الفتن فيها واستقرار الأمر بمثل زياد وابنه والحجاج، انصرف أهلها لشئونهم فعكفوا على الزراعة والتجارة, وانتعشوا واستفاض لهم زرع ونخيل وتجارات، فمن ثم عدت البصرة من أكبر ثغور الإسلام قاطبة.

وقد حفرت فيها أقنية وجداول كثيرة تتشعب عن النهر الأعظم، ووصف الأقدمون كثرتها وصفا نكاد لا نصدقه. جاء في مسالك الممالك للإصطخري:

"البصرة مدينة عظيمة لم تكن في أيام العجم، وإنما اختطّها المسلمون أيام عمر، ومصّرها عتبة بن غزوان وهي خطط وقبائل كلها. ويحيط بغربيّها البادية، وليس فيها إلا أنهار. وذكر بعض أهل الأخبار أن أنهار البصرة عدت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على "120000" نهر تجري فيها الزوارق. وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه الأنهار في أيام بلال, حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددا من الأنهار صغارا تجري في كلها زواريق صغار، ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها وأشباه ذلك من الأسامي، فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها. وأكثر أبنيتها بالآجر" [4].

البصرة .. قبة الإسلام
ازدادت أهمية البصرة التي صارت مركزاً إدارياً وعسكرياً مهماً في العراق، مما شجع هجرة الكثير من السكان إلى البصرة. وازداد عدد سكان المدينة من 800 نسمة في بداية نشأتها إلى 230 ألف نسمة في نهاية الحقبة الأولى من العصر الإسلامي.

وفي العصر الأموي ازدادت أهمية البصرة كثيراً، إذ غدت العاصمة الإقليمية للدولة الأموية في العراق، وتوسعت المنطقة المعمورة للمدينة لتشغل مساحة مقدارها 57كم2.

وفي العصر العباسي، وصلت البصرة إلى قمة ازدهارها، فصارت مدينة كبيرة فيها أسواق واسعة ومناطق سكنية كثيرة، مشهورة بجوامعها ومكتباتها العامة ودور النسخ والحدائق الجميلة، وكانت ثاني مدينة في العراق بعد بغداد التي أصبحت عاصمة الدولة العباسية.

يومًا بعد يومٍ غدت البصرة من الحواضر المهمة التي قل أن تماثلها بلدة بحسن عمارتها وعظمة بنائها وبهائها، من أشهر المدن وأكثرها أدبا وعلما وتجارة وعزا وأجلها شأنا وأبهجها مركزا ولا سيما في أيام العباسيين الذين زادوا في عمارتها وشادوا فيها الأبنية الجميلة من صروح ومقاصير ومساجد. وكانت بعد بغداد في الأهمية والذكر، وكانت مركز التجارة بين العراق والبلاد الأخرى.

قال الحميري: ""فالبصرة والكوفة مصرا الإسلام وقرارة الدين ومحال الصحابة والتابعين والعلماء الصالحين وجيوش المسلمين والمجاهدين، ثم نشأت بين أهل المصرين مفاخرة ومفاضلة، فقال من فضل البصرة: كان يقال الدنيا والبصرة".

وفي موضع آخر: "ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدعيها ولا يشركهم فيها، وهي: النخل والشاء والحَمَام الهدي، أما النخل: فهم أعلم قوم بها وأحذقهم بغراستها وتربيتها وإصلاحها وإصلاح عللها وأدوائها وأعرفهم بأحوالها من حين تغرس إلى حين تكمل وتستوي وأبصرهم بالتمر وخرصه وتمييزه وحزره وخزنه، وهي تجارتهم العظمى وعدتهم الكبرى، وفي البصرة من أصناف النخيل ما ليس في بلد من بلاد الدنيا. وأما الشاء فانهم اصطفوا منها العبدية المنسوبة إلى عبد القيس ..، وأما الحمام فالأمر بالبصرة جل فيه وتجاوز الحد وبلغت الحمام عندهم في الهدي أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وتنافسوا في اقتنائها ولهجوا بها حتى بلغ ثمن الطائر منها سبعمائة دينار".

كما عرفت البصرة أيضا بدورها الكبير الذي أدته في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فقد كانت مساجدها ومدارسها تعج بحركة العلماء والفقهاء والأدباء. وخرج منها فطاحل علماء المسلمين وكبار فقهائهم. واشتهرت بأئمة المعتزلة. وظهرت فيها في القرن الرابع للهجرة مدرسة شهيرة ذاع صيتها في الآفاق، وعرف أصحاب هذه المدرسة بإخوان الصفا.

ودعيت البصرة قبة الإسلام، وكانت البصرة تناظر الكوفة في المذاهب العربية وهو أمر مشهور في كتب النحاة. ولذلك كانتا أشهر من أن تذكرا في صحة العربية وثقتها. وقال بعضهم حيثما وجد اختلاف بين البصريين والكوفيين، فمذهب البصريين أصح من جهة اللفظ ومذهب الكوفيين أصح من جهة المعنى.

وتحتوي مدينة البصرة على كثير من مشاهد وقبور بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فمن المشاهد مشهد طلحة بن عبيد الله، ومشهد الزبير بن العوام، وفي البصرة قبر حليمة السعدية مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها قبر أنس بن مالك وفيها كذلك قبر الحسن البصري، ومحمد بن سيرين ومالك بن دينار وغيرهم من مشاهير هذه الأمة، وفي البصرة أيضا قبور الصحابة الذين استشهدوا في وقعة الجمل [5].

[1]انظر تفصيل ذلك في:
- ابن قتيبة: المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة: الثانية، 1992م، 1/ 563.
- البلاذري: فتوح البلدان، 1/ 337.
- أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر: دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه / القاهرة، الطبعة: الأولى، 1960م، 1/ 116- 117.
- الطبري: تاريخ الرسل والملوك، الناشر: دار التراث – بيروت، الطبعة: الثانية - 1387هـ، 3/ 590- 591.
- اليعقوبي: البلدان، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1422هـ، 1/ 17.
[2] البت: طيلسان من خز.
- ربقه: ربطه بالربق, وهو حبل فيه عدة عرا.
انظر: البلاذري: فتوح البلدان، الناشر: دار ومكتبة الهلال- بيروت، عام النشر: 1988م، 1/ 346- 347.
[3] المحول: جمع محل وهو القحط. والذحول: جمع ذحل وهو الثأر؛ يعني: أنهم تفانوا لكثرة الحروب والفتن بينهم. وأطرق: غض بصره حياء؛ لأنه لا يجد ما يعطي. وأملق: افتقر.
انظر: سعيد الأفغاني: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، ص397- 398.
[4] الأصطخري: المساك والممالك، الناشر: دار صادر، بيروت، عام النشر: 2004م، ص80.
[5] الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج، الطبعة: الثانية، 1980م، 1/ 106- 107.
- لواء البصرة: مجلة لغة العرب العراقية - مجلة شهرية أدبية علمية تاريخية، صاحب امتيازها: أَنِسْتاس ماري الألياوي الكَرْمِلي، بطرس بن جبرائيل يوسف عوّاد (المتوفى: 1366هـ)، المدير المسؤول: كاظم الدجيلي، الناشر: وزارة الأعلام، الجمهورية العراقية
- مديرية الثقافة العامة، تم طبعها: بـ مطبعة الآداب، بغداد، العدد 79، بتاريخ: 1/ 4/ 1930م، 8/ 251- 252.
- البصرة: مجلة البحوث الإسلامية - مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الأمكنة، ص125- 126.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 08:56 AM   رقم المشاركة :[18]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس الادب و التاريخ - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

شكراً لك أخي الكريم اكياد سلمت وسلمت اناملك
موضوع جد جميل ويستحق التثبيت ولك ذلك احسنت
توقيع : ابراهيم العثماني
العاقـــــــــل
خــــــــــــصيم
نفـــــــــــسه
ابراهيم العثماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 11:11 AM   رقم المشاركة :[19]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

جزاكم الله خيرا جميعاً علي مروركم العطر ومشاركاتكم الجميلة
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 11:14 AM   رقم المشاركة :[20]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

جزاك الله خيرا اخي وحبيبي إبراهيم العثماني علي الإهتمام وتثبيت موضوع مدن اسلاميه
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 11:19 AM   رقم المشاركة :[21]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

أشهر المدن الأندلسية

أشهر المدن الأندلسية التي يتردد ذكرها في معارك المسلمين والأسبان وفي كتابات المؤرخين والجغرافيين الذين تناولوا جغرافيا الأندلس وتاريخ المسلمين في الأندلس، ومنها:

1- جزيرة طَرِيْف Tarifa
جزيرة صغيرة في بحر الزقاق (مضيق جبل طارق)، وهي جزيرة صغيرة محصَّنة، يربطها بشبه جزيرة الأندلس حالياً جسر بحريّ. ومدينة طريف، ميناء أندلسي، يقع في منطقة قادس، عند النقطة الجنوبيّة القصوى من شبه الجزيرة، تبعد عن جبل طارق (21) ميلاً. وأطلق اسم القائد الفاتح طريف بن مالك على الجزيرة والمدينة [1].

2 - الجزيرة الخضراء Algeciras
مدينة أمام سَبْتَة من برّ الأندلس الجنوبيّ، تقع في منطقة قادس، على بُعْد ستة أميال إلى الغرب من جبل طارق، وقد أعاد المسلمون تأسيسها سنة (95 هـ = 713م)، وظلّت الجزيرة الخضراء مدينة عربية حتى استولى عليها الفونس السادس حاكم قشتالة ستة (1344م) بعد حصار دام عشرين شهراً، وشاركت في هذا الحصار جماعات صليبيّة جاءت من مختلف أنحاء أوروبا. وقد استخدم العرب البارود في هذا الحصار لأول مرّة في تاريخ الحروب الأوروبيّة. وهي مدينة طيّبة نزهة، توسّطت مدن الساحل، وأشرفت بسورها على البحر، ومرساها أحسن المراسي للجواز، وأرضها أرض زرع وضرع، وبخارجها المياه الجارية والبساتين النّضيرة، ونهرها يعرف بوادي العسل، وهي من أجمع المدن لخير البر والبحر [2].

3 - طليطلة Toledo
تلفظ (طُلَيْطِلة) وتلفظ أيضاً: (طُلَيْطُلَة)، وهي عاصمة الأندلس، تقع في شرقي مدينة وليد، على جبل عالٍ، وطليطلة من أمنع البلاد وأحصنها، ولها نهر يمرّ بأكثرها، وهي مدينة قديمة جداَّ، ومنها إلى نهاية الأندلس شرقاً نحو نصف شهر، وكذلك إلى البحر المحيط بناحية شلب وهو نهاية الأندلس الغربية، وتحدق الأشجار بطليطلة من كلّ جهة، وفيها أشجار أنواع من الثمر، ونهر طليطلة ينحدر إليها من عند حصن هناك، يقال له: باجة، ويعرف نهر طليطلة به فيقال: نهر باجة [3].

4 - بَنْبُلُونَة Pamplona
مدينة أندلسيّة في شرقيّ الأندلس، خلف جبل الشارة، وتعتبر من مدن الجزء الثالث من أجزاء الأندلس، كما تعتبر عاصمة بلاد نافار ( Navarre)، وتقع نافار شرقي مملكة ليون، محاذية لجبال البُرْت التي تفصل بين أسبانيا وفرنسا، وسكانها من البشكنس ( Basqiues) [4].

5 - قُرْطُبَة Cordova
تقع غربيّ النهر الكبير الذي عليه إشْبِيْلِيَّة، وقرطبة شرقي إشبيلية، وهي في جنوبيّ طُلَيْطِلَة، وطليطلة عن قرطبة فَي الشمال والشرق على سبعة أيام، ودور قرطبة ثلاثون ألف ذراع، وهي أعظم مدائن الأندلس. وهي مدينة حصينة بسور ضخم من الحجر، ولها سبعة أبواب، ومن مشاهير أعمال قرطبة كورة القصير وهو حصن في شرقي قرطبة على النهر، وكذلك من أشهر أعمال قرطبة حصن المدوّر، وهو المعقل العظيم المشهور، وكذلك حصن مراد، وهو في غربيّ قرطبة، ومن أعمال قرطبة كورة غافق وكورة إسْتِجّة. والقنطرة التي عند قرطبة وعلى نهرها، من أعظم آثار الأندلس وأعجبها [5].

6 - شَذُوْنَة Sidonia
مدينة بالأندلس، تتصل نواحيها بنواحي موزور من أعمال الأندلس، وهي منحرفة عن موزور إلى الغرب مائلة إلى القبلة، تشتهر بأطيب العنبر العربي الوردي [6].

7 - مُرْسِيَة Murcia
مدينة محدثة إسلاميّة، بُنيت في أيام الأمويين الأندلسيين، ومرسية في شرقي الأندلس تشبه إشبيلية التي في غربي الأندلس، بكثرة المنازه والبساتين، وهي على الذراع الشّرقيّ الخارج من عين نهر إشبيلية، ومرسية من قواعد شرقيّ الأندلس، ولها عدة منتزهات منها: الرَّشَاقة، والزَّتقات، وجبل إيل، وهو جبل تحته البساتين وبسط تسرح فيه العيون. ومن أعمال مرسية: مُوْلة وهي في غربي مرسية، ومن أعمال مرسية مدينة أُوْرْيُولة، ومن أعمالها قرية الحِرِلَّة وهي حسنة المنظر [7].

8 - المَدُوْر، Almodovar
اسم حصن حصين مشهور بالأندلس، يقع بالقرب من قُرطبة، لهم فيه عدّة وقائع مشهورة [8].

9 - إِشْبِيْلِيَة Sevilla , Seville
مدينة تقع على غربي نهرها الأعظم وجنوبيه، وهي في غربيّ قرطبة، ومن قواعد المسلمين في الأندلس، ولها خمسة عشر باباً، وهي من غربيّ الأندلس وجنوبيّه، وبين إشبيلية وقرطبة أربعة أيام. وطول منطقة إشبيلية من الغرب عند مصب نهرها في البحر المحيط إلى الشرق إلى أعلى النهر حتى حدود منطقة قرطبة نحو خمسة مراحل، وعرضها من الجزيرة الخضراء وهي على ساحل الأندلس الجنوبي إلى منطقة بطليوس في الشمال نحو خمسة أيام، وهي مدينة قديمة، ومعنى اسمها: المدينة المنبسطة. وهي مدينة عظيمة كبيرة، قريبة من البحر، يطلّ عليها جبل الشرف، وهو جبل كثير الزيتون والفواكه، ويزرع في هذه المدينة القطن [9].

10 - مَالَقَة Malaga
مدينة أندلسية عامرة من أعمال ريّة، سورها على البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية، وتقع جنوبي قرطبة، وبينهما خمسة أيام، وتقع على بحر الزقاق جنوبيّ الأندلس، وهي كثيرة الفواكه وأهمها التين واللوز [10].

11 - إِلْبِيْرَة Elvira
اسم كورة كبيرة بالأندلس، واسم مدينة أيضاً، سمِّيت الكورة باسمها، متَّصلة بأراضي كورة قَبْرَة بين القبلة والشرق من قرطبة، بينها وبين قرطبة تسعون ميلاً، وأرضها كثيرة الأنهار والأشجار، وفيها عدّة مدن، منها: قَسْطَلَّة وغَرْنَاطَة وغيرهما. وفي أرضها معادن ذهب وفضّة وحديد ونحاس ومعدن حجر التوتيا، في حصن يقال له: شلوبينية، وفي جميع نواحيها يُعمل الكتان والحرير الفائق [11].

12 - غَرْنَاطة Granada
مدينة في نهاية من الحصانة، ومملكتها إلى الجنوب والشرق من قرطبة، وبين غرناطة وبين قرطبة نحو خمسة أيام، وهي في نهاية النزاهة، وتشبه دمشق وتفضّل عليها بأنّ مدينتها مشرفة على غوطتها، وهي مكشوفة من الشمال، وينصب أنهارها من جبل الثلج الذي هو من جنوبيها، وتنخرق فيها الأنهر، وعليها الأرحى داخل المدينة، ولها قلعة عالية شديدة الامتناع، ولها أشجار وثمار ومياه مسيرة يومين تقع تحت مرأى العين لا يحجبها شيء، واسم نهرها: نهر قَلُوْم، ويعرف الآن بنهر حدارة [12].

13 - جَيَّان Jaen
مدينة لها كورة واسعة بالأندلس، تتّصل بكورة إلْبِيْرَة مائلة عن البيرة إلى ناحية الجوف في شرقيّ قُرطبة، بينها وبين قرطبة سبعة عشر فرسخاً، وهي كورة كبيرة تجمع قُرى كثيرة وبلداناً، وكورتها متّصلة بكورة تدمير وكورة طليطلة، وهي في نهاية المنعة [13].

14 - جِلِّيْقِيَّة Galicia
بلدة قرب ساحل البحر المحيط من ناحية شمالي الأندلس في أقصاه من جهة الغرب، ومصب نهرها في المحيط [14].

15 - بَاجَة Beja
مدينة من أعمال الأندلس، تتّصل بنواحي ماردة، وهي ضمن اثنتي عشرة مدينة، قاعدتها ماردة [15].

16 - مَارِدَة Merida
كورة واسعة من نواحي الأندلس، متّصلة بحوز فِرّيش بين الغرب والجوف، من أعمال قرطبة، إحدى القواعد التي تخيّرتها الملوك للسكنى من القياصرة والرُّوم، وهي مدينة رائقة كثيرة الرخام، عالية البنيان، فيها آثار قديمة حسنة، تُقصد للفرجة والتّعجب، بينها وبين قرطبة ستة أيام، ولها حصون وقرى، وماردة قاعدة لاثنتي عشرة مدينة أندلسيّة [16].

17 - قَشْتَالَة Castile - Castilla
إقليم عظيم بالأندلس، قصبته طليطلة [17].

18 - سَرَقُسْطَة Zaragoza
مدينة أندلسية، واسمها تعريب للاسم الرومانيّ: قيصر أجستا ( Seasar- Augusta) لأنّ أغسطس قيصر هو الذي أسّسها سنة (23 ق. م) على أطلال المدينة الإيبيرية القديمة التي كانت تعرف عن الأيبيريين باسم: سلدوبا ( Salduba)، وهي أطيب البلاد، تقع على نهر: (إبْرُهْ) الذي ينصبّ في البحر الأبيض المتوسط بساحل طُرطوشة [18].

19 - لارِدَة Larida
مدينة مشهورة بالأندلس من الثغور، وفي شرقيها جبل البرت الفاصل بين الأندلس وفرنسا، وهي من المدن القديمة [19].

20 - بَرْشَلُوْنَة Barcelona
مدينة أندلسية مشهورة وتسمى أيضاً برشنونة، وهي مدينة مصاقبة للأندلس وقريبة من طرطوشة، تقع في شمال شرقي الأندلس، على البحر الأبيض المتوسط، ويعتبرها بعض جغرافيّ العرب، أنها ليست من الأندلس، ويراها بعضهم أنها من الأندلس، والثاني هو الصواب، فهي من الأندلس. وتُكْسَر الشين في برشِلونة، عند بعض الجغرافيين العرب [20].

21 - أماية Amaya
إحدى مدن الأندلس، وهي إحدى مدن الجزء الثالث، التي من مدنها برشلونة وبَنْبُلُوْنَة [21]، في منطقة بلاد البرتغال حالياً.

22 - لِيُوْن Leon
مدينة بالأندلس في شمالي سَمُوْرَة بانحراف إلى الشرق، وهي على نهر يصبّ في نهر سَمورة، وهي أجلّ مدن الجلالقة، ومن ليون إلى ساحل بحر الظلمات (المحيط) أربع مراحل غرباً، وهي من جِلِّيقِيَّة [22].

23 - بَلَنْسِيَة Valencia
مدينة تقع على بحيرة، يصبّ فيها نهر يمرّ على شمالي بلنسية، وهي في شرقي الأندلس، وتقع في أحسن مكان، وقد حُفّت بالأنهار والجنان، فلا ترى إلاّ مياهاً تتفرّع، ولا تسمع إلا أطياراً تسجع، وهي على القرب من بحر الزقاق، وتقع شرقي مرسية وغربي طرطوشة. ومن مشاهير منازهها الرصافة، ومنية ابن عامر، ومن أعمالها مدينة شاطبة، وهي حصينة، وجوّها صقيل لا يُرى فيه ما يكدِّره، وبلنسية اسم كورة أيضاً [23].

24 - أُرْبُوْنَة Narbonne
مدينة في شمال شرقي قرقشونة، تقع على الساحل الفرنسي الجنوبيّ [24].

25 - يَابُرَة Evora
بلد أندلسيّ، يقع في غربي الأندلس، في منطقة البرتغال الحالية [25].

26 - شَنْتَرِيْن Santarein - Santaren
مدينة متصلة الأعمال بأعمال باجة، في غربيّ الأندلس، ثم في غربيّ قرطبة، على نهر تاجة، قريب من الضبابة في البحر المحيط، وهي حصينة، بينها وبين قرطبة خمسة عشر يوماً، وبينها وبين باجة أربعة أيام [26].

27 - قُلُمْرِيَّة Coimira
مدينة في الأندلس [27]، تقع في غربيّ الأندلس، في البرتغال الحالية.

28 - أَشْتُورِش Austurias
هي المنطقة الواقعة إلى أقصى الشمال الغربي لشبه الجزيرة الأندلسية، وهي القسم الثاني من أقسام جِلِّيقيّة الأربعة، سميت بهذا الاسم، وهو اسم وادٍ لأهلها يقال له: آشترو، منه شرب جميع بلادهم [28].

29 - لشبونة Lisbon
مدينة أندلسية، قاعدة مملكة على البحر المحيط، في غربي إشبيلية وشماليها، وهي مدينة قديمة تقع في غربيّ باجة، ومن أشبونة إلى البحر ثلاثون ميلاً، وهي كثيرة البساتين والفواكه والثمار [29]. وهي عاصمة البرتغال في الوقت الحاضر.

30 - بَطَلْيُوْس Badjoz
مدينة كبيرة بالأندلس، من أعمال مارِدة على نهر آنة، غربيّ قرطبة، بينها وبين قُرطبة ستة أيام، وهي مدينة إسلامية محدثة، ومن أعمالها المشهورة مدينة يابرة [30].

31 - مدينة وَلِيْد Valladolid
هي من أحسن مدن الأندلس، ولها أكثر من ثلاثة أنهر، وهي في جنوبي جبل الشارة الذي يقسم الأندلس بنصفين، وتقع غربيّ طليطلة [31].

32 - المَرِيَّة Almeria
مدينة كبيرة من كورة إلبيرة من أعمال الأندلس، وكانت هي وبَجَّانة بابي الشرق، منها يركب التجار، وفيها تحمل مراكب التجار، وفيها مرفأ ومرسى للسّفن والمراكب، يضرب ماء البحر سورها، ويُعمل فيها الوشي والديباج فيجاد عمله. وهي مسوّرة على حافة بحر الزقاق، وأسوارها عالية، وقلعتها منيعة شامخة، وهواؤها معتدل [32].

33 - وادي الحجارة - مدينة الفَرَج Guadalajara
مدينة بالقرب من مدينة سالم، وهي في شرقي طليطلة، وفي شرقيها مدينة سالم، ويقال لنهرها: وادي الحجارة، ولها مدن بينها وبين طليطلة، وهي بين الجوف والشرق من قرطبة [33].

34 - مدينة سالم Medinaceli
مدينة بالأندلس، تتصل بأعمال بارُوْشَة، وهي قاعدة الثّغر الأوسط من شرقيّ الأندلس، وكانت من أعظم المدن وأشرفها، وأكثرها شجراً وماء، وكان طارق بن زياد لما افتتح الأندلس ألفاها خراباً، فعمرت بالإسلام، وهي مدينة جليلة [34].

35 - دَانِيَة Dania
مدينة بالأندلس، من أعمال بلنسية، في غربيّ بلنسية، على البحر، وهي مدينة عظيمة القدر، كثيرة الخيرات، ومن أعمالها: يُكَتْران، وحصن بَيْران، ولها رساتيق واسعة، كثيرة التين والّلوز والعنب [35].

36 - تُطِيْلَة Tadela
مدينة في الأندلس، في شرقي قرطبة، تتّصل بأعمال أشِقَة، تقع في جنوبي جبل الشَّارة، وهي من الثغور المقاربة لمدينة سالم ولسرقسطة، وأرضها طيبة للزرع، وهي محدثة، اختطت في أيام الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، فهي قد بنيت في أيام بني مروان على الأندلس، وهي من المدن الجليلة بثغر الأندلس الشّرقيّ [36].

37 - طَرْطُوْشَة Tortosa:
مدينة بالأندلس، تتصل بكورة بلنسية، وهي شرقي بلنسية وقرطبة، قريبة من البحر، وتقع شرقي النهر الكبير الذي يمرّ على سرقسطة ويصب في بحر الزقاق، على عشرين ميلاً من طرطوشة [37].

38 - شَنْت يَاقُب Santiago
قلعة حصينة في الأندلس، في الشمال والغرب من مدينة ليون، وهي على البحر، وحولها أنهار تنزل من جبل في شرقيها، وهي من قلاع الجلالقة، وأصبحت مدينة جليلة [38].

39 - بَيَّاسَة Baeza
مدينة كبيرة بالأندلس، معدودة في كورة جيَّان، بينها وبين أُبَّدَة فرسخان، وزعفرانها هو المشهور في بلاد الغرب [39].

40 - بَرْبُشْتَر Berbastro
مدينة عظيمة في شرقي الأندلس، من أعمال بَرْبطانية، ولها حصون كثيرة، منها: حصن القصر، وحصن الباكة، وحصن قصر مينوقش، وغير ذلك [40].

41 - قلعة رَباح Calatrava
مدينة بالأندلس، من أعمال طليطلة، تقع في غربي طليطلة، ولها عدة قرى ونواحٍ، ويسمونها: الأجزاء، أي الأقاليم، والجزء هو الإقليم في المصطلحات الإدارية الأندلسيّة [41].

42 - جبل طارق Gibraltar
ويُطلق عليه أيضاً اسم: جبل الفتح، ولجبل طارق قصب السّبق بنسبته إلى طارق بن زياد، إذ كان أوّل ما حلّ به مع المسلمين من بلاد الأندلس عند الفتح، وهو مقابل الجزيرة الخضراء، وقد تجوّن البحر هناك مستديراً حتى صار مكان هذا الجبل كالناظر للجزيرة الخضراء [42].

43 - مَجْرِيْط (مدريد الآن) Magerit
بلدة بالأندلس، تقع تقريباً في وسط إسبانيا، وفي شمالها بالضبط سلسلة جبال وادي الرملة المتدثِّرة بالثلوج، وهي مدينة صغيرة وقلعة منيعة معمورة وكان لها في زمن الإسلام مسجد جامع وخطبة قائمة، وحصن مجريط من الحصون الجليلة، وهو من بناء الأمير محمد ابن عبد الرحمن [43].

44 - طُولوز Toulouse
ويسميها قسم من المؤلفين العرب: تولوز، وتولوشة، وطولوشة، وهي مدينة تولوز في جنوبي فرنسا. وتسميها قسم من المراجع العربية طَرَسُوْنَة؛ وطرسونة هذه من مدن تطيلة، ولا علاقة لها بطولوز [44].

45 - شَاطِبَة Xativa - Jativa
مدينة في شرقي الأندلس، وشرقيّ قرطبة، وهي مدينة كبيرة قديمة، ويُعمل فيها الورق الجيّد، ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس [45].

46 - المنارة: برج هِرَقْل Torre de Hercules
والمنارة هي برج هِرَقْل الذي لا يزال قائماً حتى اليوم في مدينة لاكرونيا La Coruna الواقعة على المحيط الأطلسي [46].

47 - بَرْبَشْتَر Berbastro
بربشتر من بلاد بَرْبطانِيَة الأندلسيّة، وحصن بربشتر على نهر إبْرُه، وبربشتر من أمّهات مدن الثَغر الفائقة في الحصانة البائنة في الامتناع، ولها حصون [47].

48 - ليون Leon
من المدن الشهيرة في الأندلس، ولها مقاطعة يقال لها: مقاطعة ليون. وهي من المدن القديمة، وكنيستها الجامعة من أبدع محدثات الأسلوب القوطي في البناء، وفيها آثار تدلّ على عظمتها السالفة [48].

49 - أراغون Aragon
مملكة إسبانية في شمالي الأندلس، على نهر إبْرُهْ، وهي مقاطعة سرقسطة، ومساحتها (17424) كيلوا متراَّ مربعاً، ومقاطعة وشقة ومساحتها (15149) كيلو متراً مربعاً ومقاطعة تَرول [49].

50 - نبارة (نافار) Navarre
مملكة إسبانية في شماليّ الأندلس، على نهر إبْرُهْ، مجاورة لمملكة أراغون. وهذه المملكة القديمة، أصبحت مقاطعة إسبانية تحمل هذا الاسم في الوقت الحاضر، مساحتها (10500) كيلو متر مربع [50].

وهذه المدن الأندلسية التي ذكرتها، هي التي يتردَّد ذكرها في الفتوح، وفي المعارك التي جرت بين المسلمين والإسبانيين بعد ذلك، شرحتها بإيجاز، وأشرت إلى المصادر التي اقتبست منها تلك الشروح المبسّطة، التي تفيد المؤرَّخ في تتبّع حوادث الفتوح والمعارك. وقد تعمّدت أن تكون الشروح مختصرة مبسّطة، حتى أبتعد عن الإطالة، دون أن أحرم المؤرخ من تهيئة المعلومات الضرورية له، لفهم حوادث الفتوح والمعارك.

ومع ذلك فالمصادر البلدانية العربية وغير العربية، متيسِّرة جداً، لمن أراد التوسّع. وقد أغفلت ذكر قسم من المدن الأندلسية، لأن ذكرها لا يرد في الفتوح والمعارك، فيما اطّلعت عليه، فإذا اطّلع غيري على أسماء مدن وردت في مصادر ومراجع قديمة أو حديثة لم أطّلع عليها، فبإمكانه استشارة مصادر البلدانيين العرب والمسلمين، حيث سيجد فيها ضالّته بإذن الله.

[1] انظر تقويم البلدان (169 و 188)، وانظر دائرة المعارف البريطانية.
[2] تقويم البلدان (172 - 173) ومعجم البلدان (3/ 99)، وانظر دائرة المعارف البريطانية.
[3] تقويم البلدان (176 - 177) ومعجم البلدان (6/ 56 - 57) وجغرافية الأندلس وأوروبا (86 - 88) والحلل السندسية (1/ 363 - 471).
[4] تقويم البلدان (180 - 181) وجغرافية الأندلس وأوروبا (62 و 79).
[5] تقويم البلدان (174 - 175) وآثار البلاد وأخبار العباد (552) ومعجم البلدان (7/ 53 - 54) وجغرافية الأندلس وأوروبا (100 - 106) ونفح الطيب (1/ 455 - 523) والمسالك والممالك للاصطخري (35).
[6] معجم البلدان (5/ 244) وجغرافية الأندلس وأوروبا (125 و 127).
[7] تقويم البلدان (178 - 179) ومعجم البلدان (8/ 54 - 25).
[8] معجم البلدان (7/ 417).
[9] تقويم البلدان (174 - 175) ومعجم البلدان (1/ 254) وجغرافية الأندلس وأوروبا (107 - 116).
[10] معجم البلدان (7/ 367) وتقويم البلدان (174 - 175) والروض المعطار (177) وجغرافية الأندلس وأوروبا (128).
[11] انظر معجم البلدان (1/ 322) و (2/ 330) و (7/ 88).
[12] معجم البلدان (2/ 371 - 372).
[13] تقويم البلدان (174 - 175) ومعجم البلدان (3/ 185 - 186) وجغرافية الأندلس وأوروبا (64).
[14] معجم البلدان (3/ 131) وتقويم البلدان (184 - 185) وجغرافية الأندلس وأوروبا (71 - 73) و (74 - 79) و (80 - 81).
[15] معجم البلدان (2/ 25 - 27) والمشترك وضعاً والمفترق صقعاً (33) وجغرافية الأندلس وأوروبا (63).
[16] معجم البلدان (7/ 360) وجغرافية الأندلس وأوروبا (63).
[17] معجم البلدان (7/ 93).
[18] معجم البلدان (5/ 71) ونصوص عن الأندلس لابن الدلائي (21 - 23).
[19] معجم البلدان (7/ 313) وتقويم البلدان (180 - 181).
[20] تقويم البلدان (182 - 183) وجغرافية الأندلس وأوروبا (96 - 99).
[21] جغرافية الأندلس وأوروبا (62).
[22] تقويم البلدان (184 - 185) وجغرافية الأندلس وأوروبا (75).
[23] معجم البلدان (2/ 279) وتقويم البلدان (178 - 179) وجغرافية الأندلس وأوروبا (62 و 122).
[24] تقويم البلدان (182 - 183).
[25] معجم البلدان (8/ 849) وجغرافية الأندلس وأوروبا (63).
[26] معجم البلدان (5/ 300) وتقويم البلدان (172 - 173).
[27] معجم البلدان (7/ 151).
[28] جغرافية الأندلس وأوروبا (71 - 72).
[29] معجم البلدان (1/ 253) وتقويم البلدان (173 - 174).
[30] معجم البلدان (1/ 217) وتقويم البلدان (173 - 174).
[31] تقويم البلدان (174 - 175).
[32] معجم البلدان (8/ 42) وتقويم البلدان (174 - 175).
[33] معجم البلدان (7/ 355) وتقويم البلدان (178 - 179).
[34] معجم البلدان (5/ 11) وتقويم البلدان (178 - 179).
[35] معجم البلدان (4/ 28) وتقويم البلدان (178 - 179).
[36] معجم البلدان (2/ 392) وتقويم البلدان (180 - 181).
[37] معجم البلدان (6/ 42) وتقويم البلدان (180 - 181).
[38] معجم البلدان (5/ 301) وتقويم البلدان (182 - 183).
[39] معجم البلدان (2/ 318).
[40] معجم البلدان (2/ 107).
[41] معجم البلدان (2/ 220) و (7/ 150).
[42] نفح الطيب (1/ 159 - 160).
[43] معجم البلدان (7/ 388).
[44] معجم البلدان (6/ 41) والروض المعطار (123) والحلل السندسية (2/ 172) وجغرافية الأندلس وأوروبا (11) تاريخ غزوات العرب للأمير شكيب أرسلان (13).
[45] معجم البلدان (5/ 214).
[46] جغرافية الأندلس وأوروبا (67).
[47] جغرافية الأندلس وأوروبا (92 - 95).
[48] الحلل السندسية (2/ 51).
[49] الحلل السندسية (2/ 68) وجغرافية الأندلس وأوروبا (57).
[50] الحلل السندسية (2/ 68 - 69).
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 06:10 PM   رقم المشاركة :[22]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مدينة القيروان

في سنة 50هـ بدأت إفريقية الإسلامية عهدًا جديدًا مع عقبة بن نافع، المتمرس بشئون إفريقية منذ حداثة سنِّه، فقد لاحظ كثرة ارتداد البربر، ونقضهم العهود، وعلم أن السبيل الوحيد للمحافظة على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط رحال المسلمين، ومنها تنطلق جيوشهم فأسس مدينة القيروان وبنى جامعها، وقد مهد عقبة قبل بناء المدينة لجنوده بقوله: إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزًا للإسلام إلى آخر الدهر.

فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين، وقالوا: نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط، فقال عقبة إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها؛ ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون، ولم يعجبه موضع القيروان الذي كان بناه معاوية بن حديج قبله، فسار والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان موضع غيضة لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها.

وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء الله، فظعنوا، ثلاث مرات فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطنا بطن الوادي: ثم قال للناس: انزلوا بسم الله، وكان عقبة بن نافع مجاب الدعوة، وقد رأى قبيل من البربر كيف أن الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فأسلموا ثم شرع الناس في قطع الأشجار وأمر عقبة ببناء المدينة فبنيت وبني المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم وتم أمرها سنة 55هـ وسكنها الناس، وكان في الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، فتغير وتنهب ودخل كثيرًا من البربر الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.

وتم تخطيط مدينة القيروان على النمط الإسلامي، فالمسجد الجامع ودار الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما دائمًا إلى جوار بعضهما، ويكونان دائمًا في قلب المدينة التي يخطتها المسلمون ويرتكزان في وسطها، وبينهما يبدأ الشارع الرئيسي للقيروان، الذي سيسمى باسم السماط الأعظم، ثم ترك عقبة فراغًا حول المسجد ودار الإمارة في هيئة دائرة واسعة، ثم قسمت الأرض خارج الدائرة إلى خطط القبائل، ليكون استمرارًا للشارع الرئيسي في الاتجاهين إلى نهاية المدينة، وانجفل البربر من نواحي إفريقية إلى القيروان، وسكنوا حولها وكان الكثير منهم دخل في الإسلام، وشرعوا في تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم وأمور دينهم وهكذا نشاهد فيما بين سنتي 50 و55هـ حركة قوية بدأت في تعريب الشمال الأفريقي.

1- الخصائص المتوفرة في موضع القيروان:
كانت الدوافع السياسية والعسكرية والإدارية والدعوية دوافع قوية في قرار عقبة في اتخاذ موقع القيروان، فقد تميز موقع القيروان بالآتي:

أ- بأنه لا يفصله عن مركز القيادة العسكرية في الفسطاط إي بحر أو نهر، فهو يقع على الطريق البري الذي يربط بين الفسطاط (بمصر) وبين المغرب، ويبدو أن عقبة رحمه الله أخذ بنظرية عمر بن الخطاب في بناء الأمصار والمعسكرات بألا يفصلها فاصل من نهر أو بحر أو جسر عن المدينة أو مركز القيادة، وأن تكون على طرف البر أو أقرب إلى البر والصحراء.

ب- موافقة الموضع لذهنية العرب ومتطلباتهم الضرورية. وتتجلى هذه الخصوصية من خلال قراءة توصية عقبة بن نافع في أن يكون الموضع قريبًا من السبخة: فإن أكثر دوابكم الإبل تكون أبلكم على بابها في مراعيها... وكذلك في الكلمات التي عبر عنها أصحاب عقبة عندما استجمع رأيهم في الموضع المنتخب، إذ قالوا: نحن أصحاب أبل ولا حاجة لنا بمجاورة البحر.

جـ- بأنه يتمتع ببعض الإنتاجات والموارد الذاتية، فالمنطقة التي كان فيها موضع القيروان عبارة غيضة، كما أورد الجغرافيون، وكان مواجهًا لجبال أوراس، معقل قبائل البربر، إذن، فإنه كان في بقعة زراعية تتضمن بعض المحاصيل التي تكفل للمجاهدين المسلمين موردًا غذائيًّا مهمًّا.

د- صحيح أن المشكلة الرئيسية التي جابهتها القيروان بعد اتخاذها كانت متمثِّلة بالموارد المائية، كما هي الحال في مدينة البصرة، مع وجود فارق بين المصرين، فإن مياه البصرة كانت مع الأنهار غير أنها مالحة. أما مياه القيروان الصالحة للشرب فكانت تعتمد على مصدرين، الأول منهما الأمطار حيث كانت تخزن في صهاريج يطلق عليها اسم (المواجل)، وثانيها مياه وادي السراويل في قبلة المدينة؛ لكنه كان مالحًا؛ لذلك فإن بعض المؤرخين حدد مصدر مياه القيروان قائلاً: وشربهم من ماء المطر. إذا كان الشتاء ووقعت الأمطار والسيول دخل ماء المطر من الأودية إلى برك عظام يقال لها (المؤجل).. ولهم وادٍ يسمى وادي السراويل في قبلة المدينة يأتي فيه ماء مالح.. يستعملونه فيما يحتاجونه، ومع ذلك، فإن هذه المشكلة المعقدة يبدو أنها أخذت تتضاءل تدريجيًّا إلى حد ما.

2- القيروان مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب وعاصمتها العلمية:
لم تبدأ الحياة العلمية المركزة إلا بعد تأسيس القيروان سنة 50هـ، فسرعان ما أصبحت القيروان مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب وعاصمته العلمية، منها انطلق الدعاة وإليها رحل طلاب العلم من الآفاق ومما رشح القيروان في هذه المكانة ما يلي:

أ- إن إنشاء مدينة القيروان يعني أن إفريقية أصبحت ولاية إسلامية جديدة وجزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي الكبير، وبالتالي سيعيش المسلمون فيها حياتهم العادية، على رأسها التعليم وبث الثقافة الإسلامية، فإن القيروان مدينة رسالة وعلى أهلها تلقى مسئولية نشر الإسلام في المغرب، فكما كانت منطلق الجيوش الفاتحة، كانت كذلك منطلق الدعاة إلى الأنحاء لنشر الإسلام، وقد شعر الصحابة بهذه المكانة للقيروان منذ تأسيسها.

ب- لقد تم بناء الجامع وهو المدرسة الأولى في الإسلام، ولا شك أن الصحابة الذين كانوا في جيش عقبة قد جلسوا للتدريس فيه على النمط الموجود في مدن المشرق آنذاك، فقد كان مع عقبة أثناء تأسيس القيروان ثمانية عشر صحابيًّا، وقد مكثوا فيها خمس سنوات كاملة كان عملهم فيها، ولا شك، نشر اللغة العربية، وتعليم القرآن والسنة في جامع القيروان؛ وذلك أثناء بناء مدينة القيروان، حيث لم تكن هناك غزوات كبيرة تتطلب غيابًا طويلاً عن القيروان، أما في غزوة عقبة الثانية فقد كان معه خمسة وعشرون صحابيًّا، وسائر جيشه من التابعين، وقد انتشرت رواية الحديث النبوي الشريف في هذه الفترة مما دعا عقبة أن يوصي أولاده من ورائهم جميع المسلمين بتحري حديث الثقات وعدم كتابة ما يشغلهم عن القرآن.

ت- لقد استقطبت القيروان أعدادًا هائلة من البربر المسلمين الذين جاءوا لتعلم الدين الجديد، قال ابن خلدون عند حديثه عن عقبة: فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبر جمعه ودخل أكثر البربر في الإسلام ورسخ الدين، ولا شك أن الفاتحين قد خصصوا لهم من يقوم بهذه المهمة. ومن القيروان انتشر الإسلام في سائر بلاد المغرب، فقد بنى عقبة بالمغربين الأقصى والأوسط عدة مساجد لنشر الإسلام بين البربر، كما ترك صاحبه شاكرًا في بعض مدن المغرب الأوسط لتعليم البربر الإسلام، ولما جاء أبو المهاجر دينار لولاية إفريقية تألف كُسيلة وقومه وأحسن إلى البربر، فدخلوا في دين الله أفواجًا ودعّم حسان بن النعمان - فيما بعد جهود عقبة في نشر الإسلام بين البرير حيث خصّص ثلاثة عشر فقيهًا من التابعين لتعليم البربر العربية والفقه ومبادئ الإسلام، وواصل موسى بن نُصير هذه المهمة حيث: أمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم في الدِّين، وترك في المغرب الأقصى سبعة وعشرين فقيهًا لتعليم أهله.

جـ- كان كثير من أفراد الجيش قد صحبوا معهم زوجاتهم، ومنهم من اتخذ بإفريقية السراري وأمهات الأولاد، قال أبو العرب: روى بعض المحدثين أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لما غزا مع معاوية بن حديج كانت معه أم ولد له، فولدت له صبية من أم الولد وماتت، فدفنها في مقبرة قريش بباب سلم، فاتخذتها قريش مقبرة يدفنون فيها لمكان تلك الصبية. ومن هنا كان لا بُدَّ من الاهتمام بتعليم النشء المسلم مبادئ الإسلام واللغة العربية ولذلك فقد نشأت الكتاتيب بالقيروان في وقت مبكر جدًّا، فقد روي عن غياث بن شبيب أنه قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان فيسلم علينا ونحن في الكُتّاب وعليه عمامة قد أرخاها من خلفه، وكان سفيان بن وهب قد دخل القيروان مرتين أولاهما سنة 60هـ أي بعد الانتهاء من تأسيس القيروان بخمس سنوات، والثانية سنة 78هـ.

س- إن الموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء الحياة العلمية وإنعاشها، فقد كانت في موقع متوسط بين الشرق والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها، وكثير منهم يصبح أهلاً للعطاء عند عودته فيسمع منه أهلها، كما كان يدخلها من يقصد المغرب أو الأندلس من أهل المشرق.

ش- لقد كانت التجارة في القيروان رابحة والسلع فيها نافقة ولذلك أمّها كبار التجار من المشرق والمغرب وكثير منهم من المحدّثين والفقهاء، فكان ذلك عاملاً مهمًّا في ازدهار الحياة العلمية بالقيروان.

ص- وممّا أسهم في شراء الحياة العلمية كون القيروان آنذاك هي العاصمة السياسية، ذلك أنّه كلما جاء أمير جديد اصطحب معه مجموعة من العلماء والأدباء، كما أن كثيرًا من المحدثين والفقهاء يفدون إلى العاصمة الإفريقية ضمن الجيوش القادمة من المشرق، التي استمر مجيئها إلى بعض منتصف القرن الثاني، هذا بالإضافة إلى من كان يقصد الأمراء للمدح والتسلية من أهل الشعر والأدب.

ل- كما أن القيروان اكتسبت نوعًا من الاحترام والتعظيم باعتبارها البلد الذي أسسه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهر بها على أيديهم كثير من الكرامات، واستقر بها بعضهم مدة من الزمن، وهي آخر ما دخله الصحابة من بلاد المغرب، كل هذه الأمور هيأت القيروان لدور الريادة العلمية في إفريقية والمغرب حتى وصفها أبو إسحاق الجبنياني قوله: القيروان رأس وما سواها جسد، وما قام برد الشبه والبدع إلا أهلها ولا قاتل ولا قتل على أحياء السنة إلا أئمتها، وقد لهج المؤلفون القدامى بفضل القيروان على سائر بلاد المغرب في المجال العلمي من ذلك ما وصفها به ما قد يشي بأنها: منبع الولاية والعلوم، فهي لأهل المغرب أصل كل خير، والبلاد كلها عيال عليها، فما من غصن من البلاد المغربية إلا منها علا، ولا فرع في جميع نواحيها إلا عليها ابتنى، كيف لا ومنها خرجت علوم المذهب وإلى أئمتها كل علم ينسب ولا ينكر هذا خاص ولا عام، ولا يزاحمها في هذا الفضل أحد على طول الأمد والأيام، وهكذا أصبحت القيروان دار العلم الإفريقية وبرز فيها كبار المحدثين والفقهاء والقراء ورحل إليها أهل المغرب والأندلس لطلب العلم، وقد نافح أهلها عن مذاهب السلف فصارت دار السنة والجماعة بالمغرب، لقد قامت القيروان بدور كبير في فتح شمال إفريقية كله والأندلس ونشر الإسلام في المغرب وأصبحت من أهم مراكز الحضارة الإسلامية.

المصدر: د. علي الصلابي: الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2015, 07:55 PM   رقم المشاركة :[23]
معلومات العضو
مشرف عام المجالس الاسلامية - عضو مجلس الادارة - رحمه الله رحمة واسعة
 
الصورة الرمزية م مخلد بن زيد بن حمدان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

بوركت وسلمت يمينك أخي أكياد
أخي القارئ مثلي..قارن وفكّر للحظات...العهد الإسلامي في أي مكان يفتحه..ماذا يحصل:
نهب لخيراته
تدمير بكافّة أشكاله
قتل وتهجير لأهله
...الخ
قارن مع الفاتحين..لا بل المحتللين..لا بل ما يسمّون أنفسهم..بالمستعمرين..لا بل بالمحرِّرين لبلدان العالم الثالث والرابع والخ...
ماذا ترى بالله عليك؟!
لا تجبني ولا تخبرني بل أخبر نفسك..علّها ترشُد فترفسهم ولا تتباهى بهم..وتتمنّى أن تكون مثلهم..بل واحدا منهم!!
بوركتم..
توقيع : م مخلد بن زيد بن حمدان
قـال عبـدالله بـن مسعـود – رضـي الله عنـه - : { إنـا نقتـدي ولا نبتـدي ، ونتبـع ولا نبتـدع ، ولـن نضـل مـا إن تمسكنـا بالأثـر }
م مخلد بن زيد بن حمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2015, 07:12 PM   رقم المشاركة :[24]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

خوارزم .. تاريخ وحضارة
أين تقع خوارزم ؟
خوارزم منطقة في آسيا الوسطى، تقع عند المجرى الأدنى لنهر جيحون. تحدها من الشرق صحراء "قزيل كوم"، التي تفصلها عن "ما وراء النهر". وتفصلها من الغرب صحراء قراقوم عن خراسان. وتتلاقى في جنوبها الصحراوان حيث ينفذ نهر جيحون. وتقف حدودها الشمالية عند شواطئ بحر خوارزم (آرال). وتقع اليوم في غرب أوزبكستان.

أهم مدن خوارزم
وتعد مدينتا "كاث" التي تقع على الجانب الشرقي (التركي) من نهر جيحون، والجرجانية التي تقع على الجانب الغربي (الفارسي) من النهر، من أهم مدن خوارزم ذات الحضارة.

فمدينة الجرجانية أو "كركانج أو أركنج أو أوركنج"، سماها العرب الجرجانية، وكانت تعد درة إقليم خوارزم الثانية، وكانت تعرف بوجه عام بمدينة خوارزم. وقد زار ياقوت الحموي (الرحالة والأديب العربي) الجرجانية في 616 هـ/ 1219م، أو "أوركاكانج" على ما سماها به قبيل الغزو المغولي للمدينة، وقال الحموي عنها: "لا أعلم أني رأيت أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالاً، وأحسن أحوالاً". ومنذ القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، أصبحت خوارزم "كركانج" من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى.

خوارزم .. تاريخ منذ القدم
تلقت خوارزم وما وراء النهر تأثيراً حضارياً في العصر الحجري القديم، من بلاد البحر المتوسط عبر إيران. وقد اكتشفت في المنطقة بقايا حضارة يرجع تاريخها إلى ما بين 5000-4000ق.م. ومنذ منتصف الألف الثانية ق.م يظهر في المنطقة أثر اللغات الهندية الأوربية. وكان أقدم ما عرف من عناصر السكان العناصر الفارسية التي دعاها بارتولد بـ "العناصر الإيرانية الأولى" Preo Iranians. التي كان من أبرزها شعب "الساكا" Caka الذي يعزى إليه إقامة أول تنظيم حكومي.

وخضعت خوارزم بين القرنين السادس والرابع ق.م، لحكم الإمبراطورية الأخمينية الفارسية. وكانت تقوم فيها مملكة مستقلة في عصر الإسكندر المقدوني أطلق عليها اليونانيون تسمية تشوراسمي Chorasmia. والغالب أن هذه التسمية هي أصل تسمية خوارزم التي شاعت فيما بعد إبان الفتح العربي الإسلامي لهذه البلاد.

دخول الإسلام في خوارزم
ولا ينجلي الغموض الذي دخل به تاريخ خوارزم بعد ذلك إلا عند وصول جيوش الفتح العربي الإسلامي إليها (93هـ/712م) في العصر الأموي.

فقد وصل الإسلام إلى خوارزم منذ القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي فقد فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 88هـ/ 706م من ضمن ما فتحه من أقاليم ما وراء النهر مثل: بيكند وبخارى وسمرقند ونسف والشاش وفرغانة والصغد وأسروشنة. وطفق قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح خوارزم يرسل إليها الولاة العرب من مركز عمله في مرو في خراسان. وظلت خوارزم تحت إشراف ولاة خراسان الذين كان يعينهم والي العراق ما تبقى من العصر الأموي. وانصرف اهتمام الولاة إلى توطيد السيادة العربية وجباية الضرائب.

خوارزم في العصر العباسي
وظلت خوارزم تحكم من قبل الولاة الذين كان معظمهم من العرب في مطلع العصر العباسي. ثم خضعت خوارزم لحكم الطاهريين مدة نصف القرن ودخل الخوارزميون جنداً في جيوشها. ولما أفل نجم الطاهريين لم يتمكن الصفاريون الذين خلفوهم في السيطرة على خراسان من مد سلطتهم إلى خوارزم وما وراء النهر. ولما ورث السامانيون حكم ما وراء النهر شهدت خوارزم عهد ازدهار في ظلهم. ظهرت آثاره في الزراعة والصناعة والتجارة . كما كانت أرض خوارزم منطلق جيوش السامانيين للتوغل في بلاد الترك، لمد سلطة الدولة إليها ونشر الإسلام بين سكانها.

السلالات الحاكمة في خوارزم
ومع تطور تاريخ هذه المنطقة مع حركة التاريخ الإسلامي، بدأت بعض المدن الصغيرة في الإقليم تتطور إلى مدن ذات هيكل إسلامي. وتعاقب على حكم خوارزم ملوك كثيرون، منهم حكام إمارة كاث وحملوا لقب "خوارزمشاه"، وكان لهم في كاث قصر يقوم إلى جواره مسجد. ومنهم حكام إمارة "كركانج" المأمون بن محمد والي وأولاده، منذ سنة 386هـ/997م/ 389هـ/999م.

كما نجح محمود بن سبكتكين الغزنوي في بسط نفوذه إليها، وعين محمود حاجبه التركي "التونتاش" شاهاً جديداً على خوارزم. أقام التونتاش في الجرجانية تابعاً لمحمود الغزنوي. وانضم مع قواته إلى قوات محمود (416هـ/1025م) عندما قدم إلى ما وراء النهر لقتال الإيلكخانية. ولم يبخل بنصح مسعود ابن محمود الغزنوي، بأن يسير على سياسة أبيه مع هؤلاء. ولكنه قضى إثر إصابته بجراح عند غـارتـه على بخارى لانتزاعـها من الإيلكخانية (423هـ/1032م)، لحساب مسعود. وكان قد نجح في صد غارات القبائل الرحل المجاورة لخوارزم. وعمل في الوقت نفسه على إغراء جماعات من هذه القبائل على الخدمة في جيوشه.

الدولة الخوارزمية .. شاهات خوارزم .. الخوارزمشاهات
ولما حل السلاجقة محل الغزنويين في حكم خراسان سنة433هـ/1040م، وجهوا قوة طردت حاكم مدينة جند من خوارزم (436هـ/1043م). وحكمها باسم السلاطين السلاجقة، حكام حملوا لقب خوارزمشاه أيضاً. وكان يضطلع فيها بوظيفة "الشِحْنه" (قـائـد الشرطة) عام 490هـ/1097م أحد أتباعهم ويدعى "أنوشتكين"، وهو في الأصل عبد تركي كان يتولى فيما سبق مهمة الساقي (الطشتدار) في البلاط السـلجـوقـي. ولمس السلطان بركيارق (487-498هـ/1094-1104م) من محمد بن أنوشتكين الذي كان يتدرب على أصول الإدارة في البلاط في مرو، علائم النجابة والإخلاص فأرسله إلى حكم خوارزم بلقب خوارزم شــاه (491هـ/1098م)، وكان ذلك مبدأ حكم الخوارزميين في تلك البلاد.

وقد حكمت الدولة الخوارزمية خوارزم مدة أطول مما سبقها، وتعاقب على الحكم فيها ستة حكام كان من أشهرهم، تكش علاء الدين (589-596هـ/1193-1199م) الذي زاد من أملاك دولة شاهات خوارزم، وسار شوطاً في مضمار عظمة الدولة تاركاً بقية الشوط لابنه علاء الدين محمد حتى إذا هلك هذا طريداً ملاحقاً من المغول، آلَ الحكم إلى ابنه جلال الدين منكبرتي (618-628هـ/1221-1239م) الذي مات في أوضاع مجهولة عندما فرَّ إلى جبال كردستان بعد أن داهمه المغول عند آمد في أعالي نهر دجلة وقتلوا كثيراً من قواته، وبموته انتهت دولة شاهات خوارزم.

خوارزم تحت حكم المغول
اكتسحت جيوش المغول خوارزم وهدمت العاصمة الجرجانية (618هـ/1221م). ولما قسم جنكيرخان أملاكه بين أولاده. كانت خوارزم من حصة جوجي الابن الأكبر. مؤسس دولة مغول القبيلة الذهبية. وبما أن الحدود بين أملاك أبناء جنكنرخان لم تكن واضحة تماماً. فقد كانت خوارزم التي تقع بين أراضي دولتي القبيلة الذهبية ومغول جغتاي مجال تنافس للسيطرة عليها بينهما، ولكنها غالباً كانت تحت حكم خانات القبيلة الذهبية. وقد أعيد بناء الجرجانية، وصارت تدعى أوركنج Urgench.

زارها ابن بطوطة سنة735هـ/1333م، ووصفها بأنها من كبريات مدن الترك وأجملها وأفخمها. ولعلها كانت أهم مدينة على الطريق التجاري - طريق الحرير - بين شرقي آسيا وشرقي أوربة. وقد وصلت إلى الحكم فيها منذ (762هـ/1360م) أسرة آل صدفي، التي تعود في أصولها إلى قبيلة كونغرات Congrat المغولية المتتركة. وكانت تمثلت الحضارة الإسلامية بدرجة أكبر مما كانت عليه حال تيمورلنك، الذي ظهرت مطامعه في ذلك الوقت في خوارزم لضرورتها لاستقرار حكمه في ما وراء النهر.

ومن أجل الانطلاق لحروبه في إيران تذرع تيمور لنك للإغارة على خوارزم بحجة أنها تعود لحصة جغتاي ابن جنكيزخان عند تقسيم أملاك امبراطورية المغول. ونجح بالاستيلاء عليها بعد أربع حملات متتالية بين 773و780هـ/1372و1378م. كان يعمل فيها على مد نفوذه إليها بالتدريج.

وخضعت خوارزم لأبناء وحفدة تيمورلنك إلى أن انتزعها منهم الخان الأوزبكي شيبان (905-916هـ/1500-1510م) الذي قتله إسماعيل الصفوي في معركة مرو عند غارة شيبان على خراسان. وأرسل الصفوي ولاته لحكم خوارزم، ولكن أحد أفراد أسرة صوفي لم يلبث أن طردهم منها، لتلحق بخانية بخارى الأوزبكية التي تكونت حديثاً.

ولما كان أغلب سكان خوارزم قد أضحوا يختلفون عن الأوزبك، فقد أدى ذلك إلى انفصالها عن الخانية الأوزبكية بعد مدة وجيزة. وبرزت مدينة "خيْوَه" مدينة رئيسية في خوارزم (جنوب الجرجانية على الضفة اليسرى لنهر جيحون).

وقد ساعد على تركز السلطة في خيوه تضاؤل شأن أوركنج بسبب تحول فرع جيحون الذي يرويها عنها. واختفى منذ ذلك الوقت اسم خوارزم ليحل محله اسم خيوه التي صارت عاصمة خانية تحمل اسمها منذ عام 921هـ/1515م. وكانت تلحق بين وقت وآخر بخانية بخارى في أثناء القرن السادس عشـر.

خوارزم في التاريخ الحديث
في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ساءت أحوال الخانية (خوارزم) وانتشرت فيها السرقة والجهل. وغزاها نادر شاه من إيران 1153هـ/1740م رداً على غاراتها على خراسان. تحسنت أحوال خانية خيوه (خوازرم) عند وصول سلالة جديدة إلى الحكم فيها(1177هـ/1763م) دعت نفسها سلالة كونغرات، وعمدت الحكومة الجديدة إلى انتهاج سياسة إصلاحية في المجالين السياسي والاقتصادي.

وعملت على التوسع على حساب جيرانها، وبلغت الخانية أقصى اتساع لها في عهد الخان عبد الله قُلي (1241-1258هـ/1825-1842م) ؛ إذ امتدت سلطته من مصب نهر سيحون شمالاً إلى نهر المرغاب في خراسان جنوباً. إلا أن الحروب التي نشبت بينها وبين جيرانها أضعفت الجميع أمام التوسع الاستعماري الروسي. وعلى الرغم من أن خانية خيوه صدت هجومين روسيين في 1717م و1839م إلا أن الروس تمكنوا من إقامة قلاع عند مصب سيحون للمراقبة، وعملوا على مد نفوذهم بالتدريج على خوارزم، وإلحاق أجزاء منها بالسلطة الروسية. وانتهى الأمر إلى احتلال خيوه، التي صـارت محمية روسـية منذ 1873م.

وألغي نظـام الخانية عـام 1919م، وقامت في البلاد جمهورية دعيت بجمهورية خوارزم. وتحولت الجمهورية إلى جمهورية شعبية في العام التالي على يد البلاشفة، ثم ألحقت عام 1924م بأراضي الاتحاد السوڤييتي. وقسمت أراضيها بين جمهوريتي أوزبكستان وتركمانستان، وجمهورية قراقلبق ذات الحكم الذاتي.

أهم آثار خوارزم ومعالمها

- مئذنة كونلغ تيمور: وهي أعلى مئذنة في منطقة وسط آسيا، وتمثل أقدم الآثار التي تعود إلى أيام المغول.

- جامع خيوة الرئيس: ويرجع تاريخ تأسيس هذا الجامع إلى آخر القرن الثامن عشر الميلادي.

- مدرسة إسلام خوجة: ويعود تاريخها إلى ما بين سنتي (1908م) و(1910م)، وتشتهر المدرسة بمئذنتها ذات الزخرفة الدقيقة.

أهم أعلام خوارزم
والذين ينسبون إليها من الأعلام والعلماء لا يحصون، منهم: داود بن رشيد أبو الفضل الخوارزمي، روى عنه مسلم بن الحجاج وأبو زرعة والبخاري. ومنهم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي مؤسس علم الجبر.

قالوا عن خوارزم
قال عنها ياقوت الحموي: "وما ظننت أن في الدنيا بقعة سعتها سعة خوارزم وأكثر من أهلها مع أنهم قد مرنوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير، وأكثر ضياع خوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين، وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها مع أمن شامل وطمأنينة تامة".

وعندما زارها ابن بطوطة قال عنها: "هي من أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها أسواق مليحة، وشوارع فسيحة، والعمارة الكثيرة، والمحاسن الأثيرة، وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر.. ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا من أهل خوارزم، ولا أكرم نفوسًا، ولا أحب في الغرباء، ينتشر في أنحائها الزوايا والمساجد والمدارس والمدرسون الذين يعملون فيها، وكذلك المؤذنون والوعاظ والمذكرون، وكذلك الفقهاء والقضاة الذين يحكمون في القضايا الشرعية، وما كان من سواها حكم فيها الأمراء، وأحكامهم مضبوطة عادلة؛ لأنهم لا يتهمون بميل، ولا يقبلون رشوة".

مظهر شهاب : خوارزم، موقع الموسوعة العربية العالمية.
محمد أمين: خوارزم درة الإسلام في آسيا الوسطى، موقع آسيا الوسطى.

مراجع للاستزادة: ـ عطا ملك الجويني، تاريخ فاتح العالم جهانكشاي، نقله من الفارسية محمد ألتونجي (1405هـ/1985م).
ـ بارتولد فاسيلي، تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي، نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم (الكويت 1401هـ/1981م).
ـ بارتولد، تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد السعيد سليمان (القاهرة 1958).
ـ فؤاد عبد المعطي الصياد، المغول في التاريخ (القاهرة 1960)
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-09-2015, 12:22 AM   رقم المشاركة :[25]
معلومات العضو
عضو
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة mauritania

افتراضي

نقل مميز بارك الله فيك
لمعلم الصانع الحساني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-09-2015, 07:55 PM   رقم المشاركة :[26]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

بلاد ما وراء النهر
معالم سمرقند الإسلامية
ارتبطت آسيا الوسطى بالحضارة الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي حينما فتحها العرب المسلمون وأطلقوا عليها بلاد ما وراء النهر، وقدمت منذ ذلك الحين الكثير من العلماء الذين كانت لهم إسهامات مشهودة في علوم الرياضيات والطب والفلسفة والحديث واللغة.

وتختلف جمهوريات آسيا الوسطى بشكلها الحالي بعضها عن بعض من حيث إسهامها في الموروث الحضاري الإسلامي. والسبب يرجع إلى أن سكان أوزبكستان وتركمانستان عرفوا استقرارا حول نهر جيحون نشأ عنه تحضر، في حين غلبت على سكان طاجيكستان وقرغيزستان وكزاخستان البداوة فظل أغلبهم في ترحال مستمر.

وقد أثرت ثنائية بدو / حضر في منطقة ما وراء النهر وخراسان فظهرت في أوزبكستان الحالية مثلا أغلب الحواضر ذات التأثير الثقافي والديني كسمرقند وبخارى وترمذ.

سمرقند
تقع سمرقند حاليا في أوزبكستان، وهي عاصمة ما وراء النهر التاريخية، ووصفها بعض الرحالة العرب بالياقوتة الراقدة على الضفة الجنوبية لنهر زرافشان.

فتحها سعيد بن عثمان بن عفان صلحا عام 55هـ- 675م، ثم فتحها سالم بن زياد عام 61هـ- 681م بعد مقاومة عنيفة، إلى أن دخلت الإسلام على يد قتيبة بن مسلم عام 93هـ- 711م.

وينتسب إليها علماء منهم، محمد بن محمود الماتريدي، ويعرف بأبي منصور الماتريدي، وهو فقيه ومتكلم مشهور، ولد في ماتريد إحدى مدن سمرقند وتوفي عام 333هـ- 944م، وله الكثير من التصنيفات من أهمها كتابه الأحكام السلطانية، كما ينسب إليه شرح كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان.

ومن علمائها أيضا نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي المفسر، والمعروف بأبي الليث السمرقندي، صاحب كتاب تنبيه الغافلين وكتاب الفتاوى، وتوفي عام 375هـ- 985م، وعلاء الدين السمرقندي الفقيه مؤلف كتاب تحفة الفقهاء، وتوفي عام 539هـ- 1144م.

بخارى
تقع بخارى حاليا في أوزبكستان، دخلها الإسلام عام 54هـ- 674م على يد عبيد الله بن زياد بن أبيه في عهد الأمويين، ثم أعاد فتحها سالم بن زياد عام 61هـ- 681م، ثم فتحها نهائيا قتيبة بن مسلم عام 90هـ- 708م.

ومن أشهر من ينتسب إليها محمد بن إسماعيل البخاري، وتوفي قربها عام 256هـ- 869م. وقد ألف أشهر كتب الحديث النبوي المعروف بصحيح البخاري.

ومن شخصيات بخارى كذلك الفيلسوف الطبيب أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، والمعروف بابن سينا، وتوفي عام 428هـ- 1036م، ومن مؤلفاته الإشارات والتنبيهات في الفلسفة، والقانون في الطب.

ترمذ
تقع على مجرى نهر جيحون، وهي الآن في أوزبكستان بالقرب من حدودها مع أفغانستان، دخلها المسلمون عام 56هـ- 676م عندما فتحها سعيد بن عثمان بن عفان صلحا، ثم أعاد فتحها موسى بن عبد الله بن خازم عام 69هـ- 689م، وانتفض أهلها ففتحها قتيبة بن مسلم حوالي عام 93هـ- 711م.

وإليها ينسب محمد بن عيسى الترمذي تلميذ البخاري صاحب الصحيح، وتوفي فيها عام 279هـ- 892م، وكتاب السنن المعروف بسنن الترمذي أشهر مصنفاته، وله مصنف الجامع وكتاب العلل وغيرها.

كما ينتسب إليها شيخ الشافعية في العراق محمد بن أحمد بن نصر الترمذي الشافعي، أبو جعفر، والمعروف باسم أبي جعفر الترمذي، ولد عام 201هـ- 816م، وتوفي عام 295هـ- 907م، صاحب كتاب مجموع شرح المهذب.

ومن شخصيات ترمذ الصوفي محمد بن علي بن الحسن بن بشر الترمذي، والمعروف باسم الحكيم الترمذي، المتوفى عام 320هـ- 932م، من مصنفاته ختم الولاية، وعلل الشريعة، وحقائق التفسير.

خوارزم
تقع في أقصى غرب أوزبكستان، وتعرف حاليا باسم خيوة، ودخلت خوارزم الإسلام على يد قتيبة بن مسلم عام 93هـ- 711م.

ومن علمائها محمد بن أحمد البيروني، المعروف بأبي الريحان البيروني، توفي عام 440هـ- 1048م، وهو عالم مقارنة أديان وفلكي ورياضي وطبيب كتب أكثر من 146 كتابا ومنها كتاب الصيدنة، وكتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة.

وإليها ينسب محمد بن موسى الخوارزمي عالم الرياضيات، توفي عام 236هـ- 850م، وهو واضع علم الجبر واللوغاريتم، وله كتاب الجبر والمقابلة.

ومحمود بن عمر الخوارزمي المعروف بأبي القاسم الزمخشري، توفي عام 538هـ- 1143م. وله تفسير الكشاف وأساس البلاغة.

مرو
تقع الآن في تركمانستان، وهي من أولى مناطقها دخولا في الإسلام، حيث فتحها صلحا حاتم بن النعمان الباهلي عام 31هـ- 651م، وقد أرسله عبد الله بن عامر في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهي إحدى مدن طريق الحرير التاريخي.

ومن علمائها إبراهيم بن أحمد المروزي المعروف بأبي إسحاق المروزي، المتوفي عام 340 هـ- 951م، وهو من كبار فقهاء الشافعية وشيخهم في بغداد، وله مؤلفات عدة منها شرح مختصر المزني، والفصول في معرفة الأصول وغيرهما.

كما ينتسب إليها الفقيه عبد الله بن أحمد بن عبد الله، أبو بكر، والمعروف باسم القفال المروزي، ولد عام 327هـ- 939م، وتوفي عام 417هـ- 1026م، وإليه تنسب طريقة الخراسانيين في الفقه، وله عدة تصانيف في الفقه، منها شرح فروع ابن الحداد.

والفقيه الحنفي، محمد بن محمد بن أحمد المروزي، أبو الفضل، والمعروف بالحاكم الشهيد، ومن تصانيفه الكافي، والمنتقى، وتوفي عام 334هـ- 955م.

نسا
تقع حاليا جنوب غرب العاصمة التركمانستانية عشق آباد، فتحها المسلمون صلحا عام 31هـ- 651م في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ومن أعلام مدينة نسا المشهورين أحمد بن شعيب النسائي، أبو عبد الرحمن، المعروف بالنسائي، ولد عام 215هـ- 830م، وتوفي عام 303 هـ- 915م، وهو مؤلف كتاب السنن في الحديث النبوي، والمجتبى وهو السنن الصغرى، والضعفاء، وخصائص علي وغيرها.

ومن علمائها أيضا حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي النسائي، أبو أحمد، والمعروف باسم بن زنجويه، ولد عام 180هـ- 796م، وتوفى عام 251هـ- 865م، صاحب كتاب الترغيب والترهيب، وكتاب الأموال وغيرهما.

فاراب
تقع الآن في كزاخستان، وتسمى أطرار أو أترار، فتحها قتيبة بن مسلم نحو عام 95هـ -713م في عهد عبد الملك بن مروان، ثم أعيد فتحها في عهد السامانيين عام 225هـ-840م على يد القائد نوح بن أسد في خلافة المعتصم بالله.

ومن علمائها محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان، أبو نصر، المعروف بالفارابي، ولد عام 259هـ- 872م، وتوفي عام 339هـ- 950م، وهو فيلسوف إسلامي لقب بالمعلم الثاني لشرحه كتب أرسطو، ومن أشهر مؤلفاته آراء أهل المدينة الفاضلة وتحصيل السعادة.

وينتسب إليها اللغوي إسماعيل بن حماد التركي الأتراري، أبو نصر، المشهور باسم الجوهري، توفي (على الأرجح) عام 393هـ-1002م، ومن أشهر مؤلفاته الصحاح.

شاش
تقع حاليا في أوزبكستان، دخلت الإسلام على يد قتيبة بن مسلم حوالي عام 94هـ- 712م، ومن علمائها أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي صاحب كتاب أصول الشاشي.

كما ينتسب إليها الفقيه الشافعي محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، أبو بكر، المعروف باسم القفال الشاشي، كما يشار إليه بالقفال الكبير، وهو من علماء الفقه والحديث والأدب واللغة، ولد عام 291هـ- 904م، وتوفي عام 365هـ- 975م، ومن مؤلفاته شرح رسالة الشافعي، وأصول الفقه، ومحاسن الشريعة.

نسف
وتقع الآن في أوزبكستان ويطلق عليها أيضا اسم نخشب، دخلها الإسلام صلحا على يد قتيبة بن مسلم عام 92هـ- 710م.

ظهر في مدينة نسف الفقيه الحنفي عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى، أبو البركات، المتوفى عام 710هـ- 1310م، والملقب بحافظ الدين، صاحب اعتماد الاعتقاد، وتفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل، وكتاب كشف الأسرار، وكنز الدقائق، وغيرها.

ومن علماء نسف الفقيه الحنفي عمر بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن لقمان، أبو حفص النسفي، ويلقب بنجم الدين، ولد بنسف عام 461هـ- 1069م، وتوفي بسمرقند عام 537هـ- 1142م، ومن مؤلفاته طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، وتاريخ سمرقند، والعقائد النسفية.

ومنهم الإمام الحنفي في الفروع والأشعري في الأصول جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري النخشبي، أبو العباس، والمعروف باسم المستغفري، ولد عام 350هـ- 961م، وتوفي عام 432هـ- 1040م، وله كتاب معرفة الصحابة، وكتاب الدعوات، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب فضائل القرآن، وكتاب الشمائل، وكتاب الطب، وتاريخ نسف وغيرها.

وينسب إليها الفقيه الحنفي إبراهيم بن معقل بن الحجاج بن خداش النسفي، أبو إسحاق، وكان قاضي نسف، وكان من رواة الحديث، ومن تصانيفه تفسير القرآن، والمسند في الحديث، وغيرهما، وتوفي عام 294هـ- 906م.

المصدر: شبكة الجزيرة نت.

المراجع والمصادر:
1- د. حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، الناشر: الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1987م.
2- محمد علي البار، المسلمون في الاتحاد السوفيتي عبر التاريخ، دار الشروق، 1983، الجزء الأول.
3- فتوح البلدان، للبلاذري.
4- معجم البلدان، لياقوت الحموي.
5- المسالك والممالك، للإصطخري.
6- المسالك والممالك، لابن خرداذبة.
7- أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي.
8- آثار البلاد وأخبار العباد، للقزويني.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2015, 06:26 AM   رقم المشاركة :[27]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

قلّما نجد في حديقة أو بستان كل ما يخطر على البال من أزهار ورياحين !!!
لكن .. من فضل الله وتوفيقه جمع لنا الأخ المكرم " اكياد " باقات من الورود من أجمل بساتين الارض شرقها وغربها .. شمالها وجنوبها .. وحقق مقولة المثل العربي الشهير :
{ من كل بستان زهره }
جهد طيب من أخٍ نثر علينا رائحة الطيب بما سطّره لنا
جزاك الله الخير ورحم الله والديك
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2015, 09:13 PM   رقم المشاركة :[28]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

قرية النجاشي.. أول أرض عرفت الإسلام بأفريقيا

ضريح النجاشي في إثيوبيا
يقصدها عشرات الآلاف سنويا، لنيل البركة والعلاج من الأمراض، ولما لا ... وهناك من يعتقد أن من زار قبر أحد ملوكها وقبور صحابة إسلاميين مدفونين بها كأنما زار قبر النبي محمد خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، غربي السعودية.

دخول الإسلام على قرية النجاشي
إنها قرية النجاشي، نسبة إلى الملك النجاشي، أو أصحمة بن أبهر، الذى حكم أرض الحبشة في الفترة بين عامي 610 و630م، وقال عنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "ملك عادل لا يظلم عنده أحد".

قرية النجاشي، الواقعة حاليا قرب مدينة مقلي عاصمة إقليم تجراي، شمالي إثيوبيا، كانت أول موضع في القارة السمراء يدخله الإسلام، حينما طلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من صحابته الهجرة إلى أرض الحبشة، في السنة الخامسة من البعثة (615 ميلادية)، وذلك بعد أن حوربت رسالته بضراوة في مكة المكرمة بالجزيرة العربية (غرب السعودية حاليا).

وكانت الحبشة تطلق، آنذاك، على المنطقة الواقعة شمال شرقي أفريقيا، وتشمل كل من إريتريا والصومال والسودان وجيبوتي وإثيوبيا حاليا، وأصبح الاسم اليوم قاصرا على إثيوبيا.

وبعد أن وطأت أقدامهم أرض الحبشة، سكن الصحابة المهاجرون قرية النجاشي، وبدأ الإسلام ينتشر فيها، وتفيد المصادر التاريخية بأن الملك النجاشي (لقب كان يطلق على حاكم الحبشة آنذاك)، أسلم بعد أن تأثر بالمسلمين المهاجرين، ودفن جثمانه في القرية في العام الـ9 للهجرة (630 ميلادية).

المعالم الإسلامية في قرية النجاشي
وفي رحلة لاستكشاف القرية التاريخية ومعالمها نلتقي بأحد المسئولين بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالإقليم، الذي قال إن المجلس -وهو منظمة حكومية ترعي شئون المسلمين في إثيوبيا- يتولى الإشراف على كافة الأنشطة والفاعليات التي تعني المسلمين في إقليم تجراي.

الشيخ سعيد أضاف أن "مدينة مقلي وضواحيها يوجد بها 25 مسجدا، إلى جانب المصليات والزوايا (مساجد صغيرة) المنتشرة في أحياء المدينة وقراها"، لافتا إلى أن "المسلمين في إقليم تجراي يمثلون 15% من إجمالي سكان الإقليم".

ويبلغ إجمالي عدد سكان إثيوبيا 91.7 مليون نسمة وفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2012، يشكل المسلمون نحو 34% منهم.

وقال الشيخ سعيد إن "المجلس الأعلى يقوم بتنسيق وترتيب الزيارات من الأقاليم الإثيوبية المختلفة إلى قرية النجاشي، خاصة في مناسبة عاشوراء التي تصادف 10 محرم من كل عام، والتي يصل فيها عدد الزوار إلى قرابة 200 ألف زائر".

وأوضح أن "الزيارة تبدأ من 10 محرم وتستمر لمدة شهر، بسبب الاعتقاد السائد ببركة المكان، وهناك اعتقاد منتشر أن كل من زار قبر النجاشي وقبور الصحابة الـ15 المدفونين بالقرية، كأنما زار قبر الرسول محمد".

كما يتبرك كثر بماء بئر، حفرها المهاجرون المسلمون، وما زالت تجري، ويطلق عليها أهل القرية اسم "ماء زمزم"، ويعتقدون أنها مدعاة للبركة والرحمة والغفران، بحسب الشيخ سعيد.

ومضى الشيخ سعيد قائلا: "بعض الناس يقصدون البئر للعلاج وطلب الرزق، تيمنا بالأيدي التي حفرتها واعتقادا بأنها كماء زمزم التي أجراها الله على أيد أمنا هاجر، زوجة سيدنا إبراهيم، عليه السلام في مكة المكرمة.

الشيخ سعيد قال إن "هناك مشروعا متكاملا حول قرية النجاشي، تقوم عليه دول إسلامية (لم يحددها)، سيضم مشروعات خدمية من مبان وسكنات فضلا عن مجمع إسلامي يحتوي على مكان للدراسة وسكن متكامل لطلاب العلم".

وأضاف أن "المشروع سيسهم في إعادة الحياة لهذه القرية التي تمثل مزارا وإرثا تاريخيا وستصبح منطقة جاذبة ومهيئة لاستقبال الزائرين".

جاءت تصريحات الشيخ سعيد في الطريق إلى قرية النجاشي التي تبعد عن مقلى نحو 60 كيلو مترا.

والطريق إلى القرية التاريخية يبدأ بصعود السيارة لهضبة عالية عبر طريق حلزوني في مدة تقترب من نصف ساعة، قبل أن تنحدر إلى أرض شبه منبسطة تتناثر على طرفيها قرى صغيرة.

ضريح النجاشي
وضمن هذه القرى، تقع قرية النجاشي، وفي مدخلها تنتصب مئذنة مسجد القرية كأنها ترجب بالزائرين، وقريبا منها تبرز القبة الخضراء لضريح "الملك النجاشي"؛ الرجل الذي خلد التاريخ الإنساني سيرته بعدله ومواقفه التاريخية.

ومن فوق التلة التي ينتصب عليها المسجد، يرى الزائر كنيسة "ماريام" نسبة إلى اسم زوجة النجاشي (ماتت على الديانة المسيحية)، في مشهد مهيب يبرز احتضان القرية لدينين مختلفين.

المسجد العتيق الذي لا تتجاوز مساحته 200 متر مربع، تمتد على يمينه، صالة لتعليم القرآن الكريم، وتدريس علومه، وفي الجهة الأخرى، مبان تضم غرفا ومخازن لمشروعات خيرية.

وهناك بوابة بجوار المسجد تحمل لافتة تتحدث عن الأثر التاريخي لهذه القرية، وما تحتضنه من رفات صحابة النبي محمد (خاتم المرسلين) صلى الله عليه وسلم.

اللافتة تقود إلى ساحة متسعة محاطة بسور صخري وتضم قبر الملك النجاشي، وقبور أخرى عديدة.

هنا، قال الشيخ محمد زينو، المشرف على المسجد والمباني المحيطة به، إن "الجهة اليسرى من هذا الصرح التاريخي تضم مقابر 15 من صحابة الرسول؛ 10 من الرجال و5 من النساء".

ويجذب الناظر ضريح الملك النجاشي ويأسره من الخارج، بقدر ما يبهره من الداخل، حيث يقع قبر الملك، المدون على ستارة خضراء تغطيه الآية القرآنية : "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

والضريح على شكل صندوق يحتضن بداخله المقبرة، وخلفه توجد المقبرة الكبرى لأكثر من 1400 من الأئمة والمشايخ وحفظة القرآن، فضلا عن مقابر الصحابة التي تعتبر أول مقابر للمسلمين في إثيوبيا وأفريقيا.

زينو قال في هذا المقام إن "كثيرين يعتقدون أن من زار قبر النجاشي، كأنما زار قبر الرسول محمد بالمدينة المنورة".

وروى قصة بئر تعود إلى زمن المهاجرين المسلمين الأوائل، قائلا: "لما جفت الأرض وانعدم الماء عن قرية النجاشي ومن حولها، نزل المهاجرون إلى الوادي القريب من القرية بوصية من الرسول محمد، وهو المكان الذي حطت به رحالهم عند قدومهم إلى الحبشة، حيث بدأوا بالتكبير والتهليل، وسألوا الله السقيا ثم حفروا الأرض".

وتابع: "ما إن ضربوا الأرض، تفجرت عين ماء مازالت تجري إلى يومنا هذا ولم تعرف النضوب، بل أصبحت مزارا على غرار العين المباركة الجارية بمكة المكرمة (ماء زمزم)".

يذكر أن إثيوبيا هي أكبر دولة صوفية في شرق أفريقيا الآن، حيث تقام بها حوليات (تجمعات دينية) على مدار السنة، ويأتي الناس من كافة أرجاء البلاد ومن خارجها، للمشاركة في تلك التجمعات.

ومن أكبر تلك الحوليات حولية النجاشي، التي تقام في العاشر من شهر محرم من كل عام، وقد ابتكرها الشيخ عمر أبرار، أحد علماء الدين بإثيوبيا.

الجدير بالذكر أن 3 دول بخلاف إثيوبيا تدعي أنها صاحبة شرف استقبال أول ظهور للإسلام في إفريقيا، وهي الصومال والسودان وإريتريا، والأخيرة تؤكد الشواهد التاريخية أن سواحلها استقبلت وفد الصحابة إلى الحبشة، الذي بلغ عددهم آنذاك 83 صحابيا و19 صحابية.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-09-2015, 09:01 PM   رقم المشاركة :[29]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

غرناطة .. عروس الأندلس
غرناطة .. الموقع الجغرافي
تقع مدينة غرناطة في الجنوب الشرقي من إسبانيا، محمية من الشمال بمرتفعات مطلة على نهر الوادي الكبير، ومن الجنوب بنهر "شنيل Genil"، الذي ينبع من جبال "سييرا نيفادا erra Nevada"، أي جبال الثلج، وفرعه نهر "حدّره أو الدارو Eldarro"، الذي يخترق وسط المدينة. تبعد عن البحر 70كم، وارتفاعها عنه ما بين 650ـ750م، ومناخها متوسطي معتدل.

لعل اسم غرناطة مأخوذ من كلمة غرانادا الإسبانية، التي تعني شجر الرمان وثماره، أو من كلمة غرناطة العربية، التي تعني تل الغرباء.

غرناطة .. تاريخ قديم
يصعب تحـديد تاريخ شافٍ لمدينة غرناطة، لكن المعروف أن أول من سكن منطقتها، بعض قبائل الإيبيروس، حيث اتخذوا من المغاور في سفوح الجبال مأوًى ومسكناً. وعندما مرّ بها الفينيقيون، أسسوا قربها محطة تجارية. وأطلق اليونان على تلك البقعة "أليبيري Elybirge"، وجعل الرومان من منطقة "أليبيري" عاصمة إقليمية، وأتى بعدهم الواندال (الفاندال) فالقوط الغربيون فالعرب المسلمون حتى سنة 898هـ/1492م، عندما سقطت غرناطة في أيدي الإسبان.

ارتبط تاريخ غرناطة بموقعها الجغرافي، الذي يمتاز باستراتيجية خاصة، فالمرج الفسيح، الذي تخترقه الجداول والأنهار، وتتزاحم فيه البساتين، كثيراً ما كان يُغري الغزاة القادمين بحراً من الشرق والجنوب، باقتحامها. أما سلسلة الجبال العالية، في الجهة الشمالية، غالباً ما كوَّنت سوراً طبيعياً، وحصناً منيعاً أمام الهجمات.

التاريخ الإسلامي لغرناطة
كان الوجود العربي الأطول زمناً، والأكثر تأثيراً في غرناطة، فالعرب المسلمون دخلوا إليها في أثناء فتحهم الأندلس، بداية القرن الثامن الميلادي، وبعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة 132هـ/750م، تأسست في الأندلس الإمارة الأموية سنة 138هـ/755م، وتحولت إلى خلافة سنة 316هـ/928م.

ومنذ بداية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ظهرت دول الطوائف، ومنها دولة غرناطة، وأصحابها بنو زيري الصنهاجيون 412/483هـ، حيث أسس هذه الدولة حبوس بن ماكس، ثم خلفه ابنه باديس، الذي استولى على مالقة من بني حمود، بعد نزاع طويل مع ابن عباد صاحب إشبيلية.

ولما توفي باديس، خلفه عبد الله، الذي تجدد في عهده النزاع مع بني عباد، وفي عهده سقطت المملكة بيد المرابطين سنة 483هـ/1091م، ثم بيد الموحدين سنة 551هـ/1156م، وبعد ذلك بدأت قصتها المميزة على يد بني نصر عندما استولى محمد بن يوسف بن أحمد بن نصر على غرناطة سنة 632هـ/1235م، وجعلها عاصمة لإمارته، وعرفت بدولة بني الأحمر (أو دولة غرناطة)، وتوالى على حكمها (16) أميراً، كان آخرهم أبو عبد الله محمد بن علي، الذي سلم مفاتيح المدينة إلى ملكي أراغون وقشتالة "فرناند وإيزابيلا" سنة 897هـ/1492م. وسمح للمسلمين بالاحتفاظ بعقيدتهم في بادئ الأمر، ولكنهم أجبروا بعد فترة قصيرة على اعتناق المسيحية أو الخروج من إسبانيا. وأطلق على المسلمين، الذين تنصروا اسم الموريسكوس، لكنهم بقوا يمارسون عقيدتهم سراً، فتعرضوا لاضطهادات كبيرة، مما دفعهم إلى القيام بالثورة ضد سياسة عدم التسامح عدة مرات (1502م، 1568م، 1710م).

الآثار الإسلامية في غرناطة
يوجد في غرناطة آثار من العهود القديمة كالمعابد والمغاور وبعض الرسوم، وكنيسة "القديس سيسيليو San Cecilio"، التي تعود إلى القرن الأول المسيحي، لكن معظم الآثار الموجودة فيها، تعود إلى عهد الدولة العربية الإسلامية، وخاصة عصر بني الأحمر، وأهمها:

قصر الحمراء
فوق تلة السبيكة، في الجنوب الشرقي من المدينة، والمطلة على السهل الفسيح، بنيت مدينة "ألبيري" القديمة، وهناك أقام زاوي بن زيري قلعته، وعلى أنقاضها شيد الأمير محمد بن يوسف (629ـ 671هـ/1232ـ 1273م) قصراً، يدعى الحمراء للونه، ما يزال حتى اليوم من عجائب الفن المعماري؛ وهو مجموعة من الأبنية المكونة من أعمدة وغرف وشرفات وممرات وساحات موادها من الخشب والآجر والرخام وقد نقشت على البوابات وداخل القاعات وعلى الأعمدة وأفاريزها كتابات عربية وآيات قرآنية وأقوال وأشعار وشعارات.

يتألف القصر من ثلاثة أقسام:
أ ـ القسم العسكري، شمال شرقي القصر، له أبراج، منها مايصل ارتفاعه إلى (26) متراً.

ب ـ القصر الملكي في الوسط، وفيه المقصورة للأعمال الإدارية والقضائية، ودار الحريم، وبيت السلطان، وفيه قاعة كبيرة، جدرانها الداخلية مليئة بالنقوش والكتابات.

جـ ـ الحمراء العليا، المؤلفة من بيوت، وفيها مسجد، ودار السكة.

ويوجد في القصر كثير من الغرف والنوافير والحدائق والساحات والحمامات الملكية، المرصوفة بالرخام الأبيض. وتكثر فيه أيضاً تماثيل الأسُود، حتى إنه خصصت للأسود باحة فيها نافورة، حوضها المرمري مستدير الشكل، تحمله مجموعة تماثيل لاثني عشر أسداً. ويوجد بأسوار الحمراء أبواب عدة، أهمها: باب الشريفة، النبيذ، السلاح، الحديد. وداخل الأسوار ثمة بيوت متفرقة، عربية الطراز. (ابتداءً من سنة 1938م أصبح القصر تابعاً لوزارة التربية والفنون الجميلة).

shapew4e.jpg
ممكلة غرناطة في الأندلس
ممكلة غرناطة في الأندلس
قصر جنّة العريف
شمالي الحمراء، بني أواخر القرن 13م، وخصّص لراحة الأمراء غرفه صغيرة، وتكثر فيه الممرات والحدائق، والمياه تتدفق في كل مكان، القصر لوحة فنية مكونة من الأجر والجص والنبات والمياه. وقد أصبح ملكاً للدولة منذ عام 1921م.

قصر شنيل
بني على ضفة نهر شنيل اليسرى، خارج المدينة، زمن الموحدين، سنة 615 هـ/1218م، ونقش على بابه شعار بني الأحمر "ولا غالب إلا الله".

حي البيازين (البائسين) Albaicín
أكبر الأحياء الغرناطية، وأكثرها احتفاظاً بطابعه الأندلسي، مازالت فيه الشوارع والبيوت، تحتفظ بطابعها العربي، يقع شمال شرقي المدينة، على هضبة منفصلة عن الحمراء بوادي نهر الدارو. اختلفوا في تفسير التسمية، يقول بعضهم، إن اللاجئين من مدينة بايسة -بعد سقوطها بيد الإفرنج سنة 1227م- أعطوا اسم مدينتهم للحي، الذي سكنوا فيه. ومن يرى، أنه بهذا الحي كانت تربّى وتباع طيور الباز.

وثمة من يقول، إن الكلمة تعني البائسين، لضيق بيوتهم وصغرها وتلاصقها. والأسواق ضيقة، ومنها المسقوف، والأرض مرصوفة بالحجارة. مساجده كثيرة، والكبير منها حُوِّلت كنائس، والصغيرة أهملت. في الحي ثلاثة أبواب: البيازين، فحص اللوز، والزيادة، مازالت قائمة بعقودها العربية. ويوجد فيه قصر، يعرف باسم "دار الحرّة"، بني في القرن 15م، يتكوّن من بهو ومجموعة غرف ومجالس، تكثر في سقوفها، وعلى جدرانها، الزخارف. (في منتصف القرن العشرين اشترته الدولة ورمّمته)، وفي نهاية حي البيازين دروب ضيقة تؤدي إلى حي الجبل المقدس "السكرومنتي"، الذي يسكنه الغجر.

وفي النصف الثاني من القرن 15م قام حي قرب حي البيازين، عرف باسم حي المغاربة، للهاربين من القرى المجاورة بعد سقوطها.

قلب مدينة غرناطة
ما تزال الآثار العربية واضحة، ومنها القصر العربي أو المدرسة، وعرفت باسم دار العلوم، بناها يوسف الأول سنة 750هـ/1349م. وقد قام في مكانها بناء جديد، ولم يبق منها سوى المحراب، وهناك ميدان باب الرملة، الذي كانت تقام فيه الحفلات العامة، كالفروسية. وسوق غرناطة الذي شيّد في منتصف القرن 14م، وما يزال قائماً، ماعدا أبوابه، وفيه نحو مئتي متجر للمنتوجات الحرفية المحلية والبضائع الحريرية والتحف المعدنية. وسوق الغلال لتجارة الحبوب، وله باب معقود، نقشت في عقده كتابات كوفية، وقربه فندق للتجار، وهناك الحمامات العربية على ضفة نهر الدارو.

وكان للمدينة أكثر من عشرين باباً، ما يزال بعضها في حال جيدة، كباب البيرة، والبنيدة، وسيّدة. وبعضها في حال مقبولة. وبقي من الأسوار أجزاء كبيرة في الجهة الشمالية الغربية.

أما الجسور والقناطر فقد أقيمت فوق نهري شنيل والدارو، لكنها تهدمت، ولم يبق سوى قنطرة شنيل المرمّمة عند ملتقى النهرين.

وفي غرناطة جامعة تأسست في العهد الإسباني سنة 1531م، واليوم فيها كليات الفلسفة، والآداب، والعلوم، والحقوق، والطب، والصيدلة.

كما أن فيها متاحف عدة، منها متحف الحمراء، ويحوي قطعاً أثرية من مخلفات الأبنية، منها: لوحة رخامية تؤرخ إنشاء المارستان "المشفى" بأمر الأمير أبي عبد الله بن أبي الحجاج سنة 667هـ/1269م.

ولوحتان من الحرير، على كل واحدة منهما شعار بني الأحمر، ولوحات خشبية، وصحن نافورة كبير، وقطع فسيفساء، وجرار، ولوحة خشبية مذهبة. ومتحف دار الرماية، وفيه صورتان للملكين الكاثوليكيين، وصورة أبي عبد الله، آخر ملوك بني الأحمر، وخنجره. ومتحف للبلدية، وفيه صور للرسام "باراديليو Paradilio"، الذي عاش أواخر القرن 19م.

غرناطة اليوم
قسمت غرناطة في القرن 19م إلى ثلاث مقاطعات: غرناطة وملقة والمرية. كانت مساحتها 12530كم2.

غرناطة اليوم مركز محافظةٍ تقع جنوب شرقي إسبانيا، وسكانها نحو 281 ألف نسمة. وتشمل شوارع كبيرة، على مساحة واسعة (تبلغ نحو 31 كم2)، ويخترقها شارعها التجاري الرئيسي "شارع الملكين الكاثوليكيين". ومن الساحة الجديدة يمتد جنوباً طريقان شاسعان ومتوازيان وهما شنيل والدارو. ومن منتصف الشارع الرئيسي يخرج شارع ينتهي عند محطة السكة الحديدية.

غرناطة في الواقع لوحة غنية من التاريخ، ومتحف في الهواء الطلق، لكثرة الآثار الماثلة في أحيائها وشوارعها. إضافة إلى المنازل والقصور والقلاع والجسور والطرقات الأثرية. وكل سائح يزور إسبانيا، لابد من أن يزور غرناطة.

المصدر: الموسوعة العربية العالمية

مراجع للاستزادة:
ـ شاكر مصطفى، الأندلس في التاريخ (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1990م).
ـ يوسف شكري فرحات، غرناطة في ظل بني الأحمر (المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت 1982م).
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2015, 11:45 AM   رقم المشاركة :[30]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

تاريخ عكا ومعالمها الحضارية

عكا – ميناء عكا
عكا .. الموقع الجغرافي
تقع عكا في الطرف الشمالي لخليج عكا، كان موقعها الجغرافي نعمة ونقمة على المدينة في آن واحد، نعمة لانفتاحه على المناطق الأخرى في العالم، وهذا ساعد على التبادل التجاري والاحتكاك الحضاري بين سكان عكا والعالم الخارجي، ونقمة لأنه عرض المدينة لأطماع الطامعين.

ويرتبط ميناء عكا بشبكة طرق وسكك حديدية أهمها طريق السهل الساحلي الذي يربط عكا بحدود فلسطين الشمالية مع لبنان عبر رأس الناقورة (17 كم)، ويرتبط بحيفا بواسطة سكة الحديد المتجهة جنوباً التي تلتقي سكة حديد (القنطرة) في سيناء.

تحيط المياه بعكا من الجهتين الغربية والجنوبية. وتتصل باليابسة من الجهتين الشرقية والشمالية. ويقع الميناء في الجهة الجنوبية للمدينة، لذا فهو محمي من الرياح الشمالية. تتزود عكا بالمياه من خلال قناة ماء آتية من نبع الكابري الواقع شمال شرقي المدينة (نبع عين العسل). وقد بقيت هذه القناة صالحة حتى 1948م.

تاريخ عكا
ظهرت عكا في الألف الثالثة قبل الميلاد، على أيدي إحدى القبائل الكنعانية العربية، فسميت "عكو Acre" أي الرمل الحار. وهؤلاء القوم هم الذين استنبطوا صناعة الزجاج، حيث نزل ملاحو سفينة كنعانية كانت محملة بنيترات البوتاسيوم شاطئ عكا، وجعلوا من كتل البوتاسيوم أثافي يضعون القدر عليها للطهي وأضرموا النار، فاختلطت نيترات البوتاسيوم بالرمال ونتج عن ذلك الزجاج.

عكا .. أبرز المعالم الأثرية

حدائق البهجة وضريح بهاء الله
تقع حدائق البهجة على بعد كيلومترين إلى الشمال من عكا، وفيها ضريح "بهاء الله" (1817 – 1892م) مؤسس "الديانة البهائية". الذي سجنته الدولة العثمانية في سجن عكا المشهور. وبعد خروجه من السجن، اشترى قطعة أرض في موقع البهجة، حيث توفي ودفن فيها. وخلفه ابنه (عباس أفندي) الملقب بـ"عبد البهاء" (1844-1921م)، الذي دفن في قبة عباس على سفح جبل الكرمل.

أسوار عكا
سور الجزار: الذي يقع على مسافة 15 متراً من السور الداخلي، وفيه تسعة أبراج للمراقبة أبرزها: برج كريم، الحديد، السنجق، كابو (مقابل البوابة الأثرية)، برج الذباب (المنارة)، برج السلطان وبرج الكومندار. وشملت هذه الأسوار مرابض ضخمة للمدفعية (في أثناء الحصار الفرنسي بلغ عدد المدافع نحو 250 مدفعاً) وخندقاً حول الأسوار وصل عمقه إلى ثمانية أمتار. وقد أثبتت هذه الأسوار مناعتها في صمودها أمام حصار نابليون للمدينة.

بوابات مدينة عكا
لمدينة عكا بوابتان: واحدة برية وتسمى باب الشام، وتتميز بدقة صنعها وضخامتها. والثانية بحرية وتسمى باب الميناء.

كنائس مدينة عكا
1- كنيسة ودير القديس جورجيوس: وهي كنيسة يونانية أرثوذكسية، تعود إلى فترة الصليبيين، ومبنية على آثار كنيسة بيزنطية، وقد غلفت جدران الكنيسة من الداخل بالخشب المحفور. وإلى الشرق من الكنيسة.

وعلى بعد نحو خمسة أمتار، يوجد دير شيد على أنقاض مبانٍ صليبية، ويقيم في هذا الدير (الأنطش) رجال الدين الذين يعملون في الكنيسة، بالإضافة إلى مطران الجليل للروم الأرثوذكس. هناك لائحة على الدير من الرخام منقوش عليها اسم أميرالين بريطانيين سقطا في أثناء معارك عكا سنة 1799م وسنة 1840م.

2- كنيسة القديس يوحنا: وهي تقع عند سور المدينة شرقي برج الفنار، شيدها عام 1737م تجار فرنسيون وفق الطراز المعماري القوطي. وقد كانت الكنيسة مهملة، حتى أوائل عام 1994م حين باشرت الطائفة اللاتينية ترميمها.

3- كنيسة القديس إندراوس: وهي كنيسة كاثوليكية، بنيت أيام ظاهر العمر عام 1760م، وتقع في مكان مرتفع في حي الفاخورة غربي المدينة. شيدت على أنقاض كنيسة القديسة آنا الصليبية، وعلى الجدار الخارجي للكنيسة يوجد تمثال حجري على شكل رأس إنسان شبيه بيوحنا المعمدان.

4- الكنيسة المارونية: تقع هذه الكنيسة على بعد نحو 20 مترا من كنيسة القديس إندراوس. شيدت عام 1750م، وعلى مدخل الكنيسة توجد لوحة رخامية حفر عليها شعار المملكة الفرنسية وعام تشييد الكنيسة.

5- كنيسة ودير الفرنسيسكان (اللاتين): تقع هذه الكنيسة في وسط السوق الشعبية، وتمتاز بمنارتها الشاهقة (برج الأجراس) وبجمالها ولونها البني. شيدت هذه الكنيسة في أوائل القرن السابع عشر، وبمحاذاة الكنيسة أنشأ رهبان الفرنسيسكان ديراً لهم. ودير الفرنسيسكان يشرف على إدارة مدرسة تيراسنطة الثانوية (الأراضي المقدسة).

6- الكنيسة البروتستانتية: وتقع في عكا الجديدة، وهي بناية حديثة من الحجر بناها المعماري إبراهيم اللحام عام 1947م.

المباني الصليبية في عكا
في عام 1954م بدأت حفريات في شمال المدينة القديمة (غير المأهولة بالسكان) في موقع حي الأسبتارية الصليبي والمعروف باسم "فرسان القديس يوحنا"، وقد تم اكتشاف معالم مهمة في عام 1994م. ويعتبر "حي الاسبتارية" من أهم أحياء المدينة الصليبية وأكثرها تحصيناً.

وقد تم اكتشاف عدد كبير من مباني الحي التي تشكل اليوم القسم الأكبر من المتحف البلدي للمدينة، وأهم هذه المباني:
أ- قاعات الفرسان (Domus Hospitalis): وهي عبارة عن سبع قاعات متوازية ذات اتجاه شمال جنوب، قائمة فوق عقود على شكل نصف برميل (يعود بناؤها إلى الحقبة الإسلامية الأولى). كانت هذه القاعات المقر الرئيس لفرسان الأسبتارية الذين عملوا على حراسة الأسوار الشمالية. وقد قسمت هذه القاعات السبع على فرسان الدول الأوروبية السبع.

ب- قبو القديس يوحنا (Crypta): وهو عبارة عن قاعة ضخمة تدعى اليوم (الكريبتا) ويوجد فيها ثلاثة أعمدة ضخمة. تقسم القاعة بشكل طولي إلى قسمين متساويين، وكانت هذه القاعة تستعمل كغرفة طعام كبيرة لفرسان القديس يوحنا، وفي زاوية القاعة الشمالية يوجد حجر حفر عليه شكل الزنبقة (شعار المملكة الفرنسية). تم اكتشاف هذه القاعة في السنوات (1954 – 1962م)، ويبدو أن هذه القاعة طمرت بالرمال في الحقبة العثمانية لتقوية أساسات المباني التي شيدت فوقها.

ج- المستشفى: تعتبر (السرايا) القائمة اليوم والمعروفة بالمدرسة الابتدائية الطبقة العلوية لمبنى المستشفى الصليبي. أما المبنى السفلي، فهو قائم تحت مستوى الشارع العام، وتم اكتشاف أقسام منه بما يعرف اليوم بمبنى (البوسطة) وهو عبارة عن ست قاعات متصلة، وهي تعتبر "حرس موقع" للفرسان الصليبيين.

مساجد عكا
أولًا: مسجد الجزار: كان أحمد باشا الجزار هو مصمم المسجد ومهندسه، وقد جلب الخبراء من جزيرة قبرص واليونان (عائلة يني الساكنة اليوم في كفر ياسيف)، بني المسجد عام 1781م، وهو مربع الشكل تحيط به ثلاثة أروقة مقببة وقائمة على أعمدة من الجرانيت والرخام جلبت من صور وقيسارية.

ويشمل مسجد الجزار ثلاثة أقسام:
أ- الحرم: وهو عبارة عن بناء مربع الشكل يتميز بارتفاعه وفخامته، وتعلوه قبة كبيرة مطعمة بالرصاص، ويحتوي الحرم على منبر ومحراب ورواق علوي خاص بالنساء، وزينت جدران الحرم والقبة بآيات قرآنية. وفي إحدى زوايا الحرم حفظت شعرة الرسول (ويقال إنها شعرة من ذقن الرسول أحضرها الشيخ أسعد الشقيري من إسطنبول سنة 1910م).

ب- الفناء الخارجي: وهو فناء واسع يحيط بالحرم من جهات ثلاث مشجر بأشجار، وعلى مقربة من مدخل الحرم، توجد بركة ماء مستديرة للوضوء، وفي إحدى زوايا الفناء توجد ساعة شمسية لضبط أوقات الصلاة، كما توجد غرفة صغيرة تعلوها قبتان صغيرتان يوجد فيها ضريحان: الأول لأحمد باشا الجزار المتوفى سنة 1804م، والثاني لابنه بالتبني وخليفته (سليمان باشا العادل) المتوفى سنة 1818م.

جـ- الرواق الخارجي: وهو رواق مقبب بـ 52 قبة صغيرة، تفصل بينها أعمدة من الرخام والجرانيت، وتمتد حوله 45 غرفة، حيث شغلت هذه الغرف المكتبة الأحمدية، المدرسة الأحمدية، المحكمة الشرعية ومكاتب لموظفي المسجد، وأقام الطلبة في بعضها.

ثانيًا: مسجد الزيتونة: أقيم سنة 1745م وفيه قبر الشيخ (حسين عبد الهادي) من عرابة جنين الذي رمم المسجد سنة 1848م. أقام فيه الشيخ علي نور الدين اليشرطي الذي جاء من بلاد المغرب إلى أن بنى الزاوية الشاذلية.

ثالثًا: جامع سنان باشا (الميناء): ويسمى أيضا جامع البحر، شاده سليمان باشا سنة 1806م، في موقع مسجد سنان باشا القديم (سنان باشا هو مهندس تركي بنى عدة مساجد في مدن الشرق).

رابعًا: جامع ظاهر العمر (المعّلق): بناه والي عكا ظاهر العمر الزيداني سنة 1748م، وهو بلا مئذنة في "السوق العمومية" قريباً من ميناء الصيادين. وقد هدمت مئذنته بعد هزة أرضية في أواخر القرن التاسع عشر. وقد بني هذا الجامع على أنقاض مبانٍ صليبية.

خامسًا: جامع الرمل: وهو أقدم مساجد المدينة، شيد في عام 1704م على أنقاض مبان صليبية، وعلى جدار الجامع الخارجي يوجد حجر كتب علية باللغة اللاتينية ما معناه "أيها المار من الشارع أرجوك أن تطلب الرحمة لباني هذه الكنيسة -إيبولي فازي".

سادسًا: جامع المجادلة: بناه والد عبد الله باشا سنة 1810م، ويتميز بمئذنته العالية جداً. يقع قريباً من الحي الغربي.

سابعًا: جامع البرج الغوري: سمي بهذا الاسم لقربه من برج الدفاع، له قبة بيضاء بلا مئذنة، استعمل هذا المسجد الضباط الأتراك وهو يطل على شارع صلاح الدين.

ثامنًا: جامع اللبابيدي: بناه الحاج أحمد اللبابيدي في عهد الانتداب البريطاني، وهو المسجد الوحيد في عكا الواقع خارج الأسوار، يقع هذا المسجد في نهاية شارع الرشادية (شارع بن عامي اليوم).

تاسعًا: مسجد الزاوية الشاذلية: أسس هذه الزاوية سنة 1862م الشيخ علي نور الدين اليشرطي (ينسب إلى بني يشرط، ولد في بنزرت في تونس)، الذي جاء من بلاد المغرب، وفي داخل الزاوية مزار أو مشهد دفن فيه ثلاثة من أقطاب الطريقة الشاذلية اليشرطية، والزاوية قريبة من حمام الباشا.

المقامات في عكا

1- مقام النبي صالح: وهو يقع في المقبرة الإسلامية جنوبي عكا خارج الأسوار، وكان ناصر خسرو أول من ذكر المقام، تحوي هذه المقبرة قبوراً قديمة لشخصيات تركية وعربية أبرزها: الشيخ أسعد الشقيري مفتي الجيش الرابع التركي، والشيخ عبد الفتاح السعدي، الذي كان رئيساً للبلدية حتى سنة 1924م، وهنالك أضرحة الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير الذين أعدمتهم السلطات البريطانية في 17 حزيران ، يونيه1930م.

2- ضريح الشيخ غانم: يقع في محاذاة الميناء البيزاني، ويقال إن غانم كان من العوامين الذين أقاموا اتصالاً بين سكان عكا وبين صلاح الدين، ولقي مصرعه غرقاً في أثناء أدائه واجبه، وعثر على جثته قرب ميناء عكا، ودفن في المدينة ودفن معه ابنه. وفي جانب المقام توجد مقبرة صغيرة دفن فيها شهداء عام 1948 عندما كانت بوابة عكا مقفلة.

3- مقام عز الدين: يقع إلى الشمال من عكا بمحاذاة شاطئ البحر، ويصل وقفه إلى نحو 40 دونماً ولقبه أبو حمرا. يقال إنه مجاهد ضد الصليبيين، وسقط في معارك عكا، ومن الجدير ذكره أن اسمه من الأسماء التي كانت دارجة في الحقبة الأيوبية. المقام كان مزاراً حتى قيام دولة الكيان الصهيوني، أما اليوم فهو مغلق.

4- مقام أحمد أبو عتبة: يقع في ضاحية المنشية شمال شرقي عكا ويصل وقفه إلى نحو 100 دونم، ويقال إن اسمه (أحمد التركماني)، وهو مجاهد استشهد في عهد الحروب الصليبية. وفي المقام لوحة صخرية نقش عليها تاريخ إنشاء المقام.

الأسواق في عكا

1- السوق الأبيض: بناه ظاهر العمر ودمره حريق في سنة 1917م. فيه 64 حانوتا، وهو مسقوف مع وجود قناطر للتهوية، وهو يوازي شارع صلاح الدين. وبعد دماره أمر سليمان باشا بهدمه وإعادة بنائه من جديد.

2- البازار التركي: وفيه خمسون غرفة صغيرة ويقع قريباً من مدخل الحمام (حمام الباشا).

3- السوق العتم (المظلم): وقد بني في عهد الجزار.

4- السوق العمومية: وتستعمل حاليًا لبيع الفواكه والخضراوات.

الحمامات في عكا

1-حمام الباشا: وهو حمام شرقي بناه الجزار لرفاهية السكان سنة 1875م، وهو مبني بالأسلوب التركي التقليدي وتعلو القاعة قبة فيها زجاجات ملونة وظيفتها إدخال النور وحفظ درجة الحرارة في داخلها. وفيه أيضاً مقصورات ثلاث كان يتم استئجارها للاستعمال الشخصي والراحة. بقي هذا الحمام مستعملاً حتى سنة 1947م.

2- الحمام الشعبي: وهو يقع قرب خان الشونة. بناه ظاهر العمر في 1735م وأقفل في 1962م.

الخانات في عكا

الخان كلمة فارسية أو تركية ومعناها فندق للراحة، وقد أنشئت في عكا عدة خانات أبرزها:

1- خان العمدان: أنشأه أحمد باشا الجزار سنة 1785م، وهو عبارة عن مبنى مربع الشكل من طابقين، يرتكز على أعمدة من الجرانيت جلبها الجزار من قيسارية. أما برج الساعة المحاذي فقد بني في سنة 1906م بمناسبة اليوبيل الخامس والعشرين لجلوس السلطان عبد الحميد على العرش في إسطنبول.

2- خان الإفرنج: أقيم في بداية القرن السادس عشر، ودعي بهذا الاسم نسبة إلى رهبان الفرنسيسكان الذين بنوه، وفي طرفه يقع دير الفرنسيسكان ومدرسة تيراسنطة، وفيها أيضاً كنيسة القديس فرنسيس الأسيزي التي شيدها القديس فرنسيس سنة 1219م.

3- خان الشونة: بناه ظاهر العمر الزيداني، وعند مدخله توجد بلاطة من الرخام كتبت عليها أبيات شعر تشير إلى السنة التي أنشئ فيها هذا الخان.

4- خان الشاه وردة: وهو خان التجار أقامه ظاهر العمر مع أن تاريخه يعود إلى أيام الإفرنج، وفي زاويته الجنوبية برج إفرنجي يدعى برج السلطان. وقد هدم قسم من الخان بالقرب من البرج لشق شارع يسمح بدخول السيارات إلى الميناء. وأشغلت غرف الخان حتى فترة قريبة حوانيت ومخازن ودار لصناعة السفن.

5- خان الحمير: لا يوجد اليوم لهذا الخان أي أثر، أقيم هذا الخان في عهد سليمان باشا سنة 1810م بالقرب من بوابة البر (بين سور الظاهر عمر وسور الجزار)، وفي أثناء قصف الأسطول الانجليزي عكا سنة 1840م أصيب الخان بقذيفة أدت إلى انفجار الذخيرة وتدمير الخان والمباني القائمة حوله.

ميناء عكا

منذ فجر التاريخ حتى أواسط القرن التاسع عشر كان ميناء عكا عصب المدينة النابض. رمّم الميناء بصورة جذرية حاكم مصر أحمد بن طولون الذي بناه على غرار مدينة صور، وبنى كاسر أمواج من الخشب الصلب ووضع عليه صخوراً ضخمة وأغرقها في البحر ثم وصل كاسر الأمواج بالشاطئ.

مصادر المياه في عكا

1- قناة الباشا (قناة الكابري): شقها الجزار لإيصال المياه من نبع الكابري شمال عكا إلى المدينة، حيث كان يتم تخزينها في خزان تحت مسجد الجزار.

2- عين البقر: تقع هذه العين على بعد كيلو متر من سور المدينة الشرقي (بالقرب من مصنع شتراوس اليوم)، ذكرها ابن جبير في رحلته (1185م): "وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر، وهي التي أخرج الله منها البقر لآدم".

وذكرت الأساطير أن هذه العين إحدى ينابيع الجنة الأربع، إذ آمنوا بأن من شرب منها نجا من عذاب الآخرة، وزارها السكان في العصور الوسطى لشرب مائها. وقال أحد الزوار الأتراك إن الأنبياء اغتسلوا بمياهها فتقدست، وأن العجول الضعيفة إذا شربت منها سبعة أيام متتالية تسمن.

الأحياء والحارات في عكا

1- في المدينة القديمة (عددها 22): المبلطة، الرمل، الدبسي، اليهود، الشيخ عبد الله، النمرود، دْراع الواوي، الخرابة، المعاليق، المجادلة، القلعة، البصة، الشيخ غانم، الشراشحة، الفاخورة، سبيل القديس، ساحة الكراكون، الخمامير، ساحة عبود، ساحة اللومان، شارع الجزار، شارع صلاح الدين.

2- خارج السور (عكا الجديدة): الشط الغربي، عز الدين، الطالع الأول، الطالع الثاني، الطالع الأعوج، شارع فبركة الكبريت، منطقة جنينة البلدية، شارع بيروت، شارع الرشادية، الفجر، شارع صفد.

المصدر موقع مسلم أون لاين
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2015, 02:00 PM   رقم المشاركة :[31]
معلومات العضو
مشرف عام المجالس الاسلامية - عضو مجلس الادارة - رحمه الله رحمة واسعة
 
الصورة الرمزية م مخلد بن زيد بن حمدان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

بوركت أخي أكياد...جهد طيب..جزاك الله خيرا
معلومات قيّمة ومفيدة
توقيع : م مخلد بن زيد بن حمدان
قـال عبـدالله بـن مسعـود – رضـي الله عنـه - : { إنـا نقتـدي ولا نبتـدي ، ونتبـع ولا نبتـدع ، ولـن نضـل مـا إن تمسكنـا بالأثـر }
م مخلد بن زيد بن حمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2015, 06:48 PM   رقم المشاركة :[32]
معلومات العضو
مشرف مجلس القصة العربية
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

بارك الله فيك
طرح مميز وجهد متواصل
توقيع : عبدالرحمن احمد فؤاد
علمتني الهندسه
عبدالرحمن احمد فؤاد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اعظم عظماء التاريخ ....عظماء التاريخ الاسلامي ....... شخصيات تاريخيه ......شخصيات اسلاميه ابن خلدون موسوعة التراجم الكبرى 2 26-03-2016 05:50 PM
سعيد بن عامر ....الصحابي الجليل ...شخصيات اسلاميه ...شخصيات تاريخيه ....عظماء التاريخ الاسلامي ابن خلدون موسوعة التراجم الكبرى 0 15-01-2013 07:36 PM
عمر بن الخطاب ....ثاني الخلفاء الراشدين ....الصحابه ...شخصيات اسلاميه ... ابن خلدون موسوعة التراجم الكبرى 2 09-01-2013 10:30 PM
علي ابن الحسين..شخصيات اسلاميه ...التاريخ وعظمائه .. سخصيات اسلاميه في التاريخ ابن حزم موسوعة التراجم الكبرى 0 13-12-2012 06:57 PM
تواقيع اسلاميه رائعه حنان حسن عجائب و طرائف الفيديو و الصوتيات 2 19-05-2010 07:18 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 11:00 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه