حروب المسلمين والنوبة 21-31هـ هل كانت في السودان أم في مصر - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
الملتزم من الكعبة
بقلم : ابراهيم العثماني
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: الولي الصالح الشيخ محمد ابي يعزى و يهدى البكري الصديقي القرشي (آخر رد :احمد الاوسي)       :: الاساوي (آخر رد :احمد الاوسي)       :: نسب سلطان بروناي حسن البلقيه الحسني العلوي الهاشمي ... (آخر رد :الثعلب البرازيلي)       :: " الكسكسة " لهجة هوازن الأصيلة تؤكد نسب السمالوس الهوازني (آخر رد :فؤاد زعفران)       :: من أغرب حالات وفاة على الاطلاق (آخر رد :أسعد شالوه .)       :: افيدوني جزاكم الله خير (آخر رد :عبدالله محمد غريب الدوسري)       :: مناظرة: هل الفراعنة هم قوم عاد ؟ (آخر رد :عتيبة)       :: الطلاق المبكر من أمراض العصر (آخر رد :برقَش)       :: نسب وتاريخ الاشراف اشراف المدينة المنورة بالحجاز المتحالفين مع قبيلة شمر (آخر رد :شريف عبدالصادق)       :: افضل كاميرات مراقبة للبيع (آخر رد :مازن محمد خالد)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس قبائل وادي النيل > مجالس قبائل مصر > مجلس قبائل النوبة

Like Tree2Likes
  • 2 Post By د ايمن زغروت

إضافة رد
قديم 02-09-2015, 02:12 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي حروب المسلمين والنوبة 21-31هـ هل كانت في السودان أم في مصر

حروب المسلمين والنوبة 21-31هـ هل كانت في السودان أم في مصر



بقلم د. أحمد الياس حسين - كلية التربية جامعة الخرطوم.


حملة عبد الله بن أبي سرح على مملكة نوبانيا
ساد الاعتقاد بين المؤرخين أن حملة عبد الله بن أبي سرح حاربت مملكة النوبة التي كانت عاصمتها دنقلة, وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كما ذكر المقريزي "حاصرهم بمدينة دنقلة ورماهم بالمنجبيق وخرب كنيستهم ..." وانتهي ذلك بما أُطلق عليه معاهدة البقط. ورغم الشكوك الكثيرة حول ارتباط كل بنود هذا البقط بعصر ابن أبي سرح، فإن ما ورد في تلك البنود أصبح حقائق ثابته يستدل بها على أحداث العلاقات المبكرة بين السودان والمسلمين في مصر.

ويهدف هذا الموضوع إلى مراجعة المعلومات المتاحة في المصادر العربية والقبطية عن تلك العلاقات المبكرة بين النوبة والمسلمين استجلاءاً للنقاط التالية:

• البنود الحقيقية لصلح ابن أبي سرح عام 31هـ
• مع أي مملكة من ممالك النوبة كانت حروب ابن أبي سرح؟
• هل كانت حروب عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى سرح في مصر أم في السودان؟
• الحقب التاريخية المتعاقبة التي ترجع إليها نصوص معاهدة البقط


اعتمدت هذه الدراسة في مراجعة النصوص العربية والقبطية على المؤلّفَين القيمين: كتاب جيوفاني فانتيني Sources concerning Nubia Oriental وكتاب مصطفى محمد مسعد "المكتبة السودانية" والاحالة إلى المصادر العربية والقبطية الواردة هنا بين القوسين داخل النص (مسعد أو فانتيني) ترجع الي هذين المصدرين، إلى جانب غيرها من المصادر التي نشير إليها في مكانها. ولنبدأ بروايات المصادر المبكرة.

روايات المصادر العربية المبكرة:
لم تتفق الأخبار التي وردت في تلك المصادر عن الحروب المبكرة بين المسلمين والنوبة، فالأخبار المشهورة أتت عن حملتين رئيستين في عامي 21هـ و عام 31هـ والتي سمي النوبة في أحداهما "برماة الحدق". ولكن المصادر تحدثت عن صراع مستمر بين المسلين منذ دخولهم مصر وبين النوبة والذي وصفه ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر والمغرب "بصوائف الروم" (مسعد ص 7)
ويقصد ابن عبد الحكم بصوائف الروم الحروب التي دارت بصورة دائمة بين المسلمين والبيزنطيين في الأناضول مرتين في السنة مرةً في الشتاء وأخرى في الصيف، وقد عرفت تلك الحروب في المصادر العربية بالصوائف والشواتي. والأمبراطرية البيزنطية أو الأمبراطورية الرمانية الشرقية عرفت في المصادر العربية بامبراطرية أو دولة الروم، وهو الاسم الذي ورد في القرآن الكريم (سورة الروم رقم 30).


كما ذكر البلاذري في كتابه فتوح البلدان أن تلك الحروب لم تتوقف "الا بعد أن تولي مصر ابن أبي سرح" (مسعد ص 25). ويتضح من ذلك أن الحروب كانت مستمرة بين المسلمين والنوية طيلة العشر سنوات التي سبقت تعيين ابن أبى سرح
ووردت أغلب الأخبار عن ذلك الصراع المبكر عن طريق رواة أخبار النوبة المبكرين أمثال يزيد بن أبي حبيب (ت 128هـ) والليث بن سعد (ت 166هـ) وابن أبي لهيعة (ت 174هـ) وقد اتفق هؤلاء الرواة على أن الاتفاق الذي تم بين عبد الله بن سعد وبين النوبة عبارة عن هدنة أمان وليس عهداً أو ميثاق" (ابن عبد الحكم ص 8 البلاذري ص 26 الواقدي فانتيني ص 105) ويمكن تقسيم شروط الصلح الواردة في المصادر المبكرة إلى مجموعتين:


المجموعة الأولى
رواها يزيد بن حبيب والليث بن سعد وابن أبي لهيعة ووردت في المصادر التي ألفت في القرنين الثالث والرابع الهجريين مثل الواقدي (ت 207هـ) وابن عبد الحكم (ت 254هـ) والكندي (ت 364هـ) وتكررت بعد ذلك في المصادر اللاحقة كما عند ابن الأثير (ت 630 هـ) والمقريزي (ت 854 هـ) اجمعت كل روايات هذه المجموعة على أن الاتفاق الذي تم بين ابن أبي سرح والنوبة عبارة عن هدنة أمان، وركزت بنوده على نقطتين، الأولى: إنهاء الحرب والثانية: تبادل الرقيق بالمؤن الغذائية.
وقد جاءت بنود النقطة الأولى عند ابن عبد الحكم (مسعد ص8) كما يي:


1- "قال ابن حبيب إن عبد الله صالحهم على هدنة بينهم، على أنهم لا يغزونهم، ولا يغزوا النوبة المسلمين" وجاء نص رواية البلاذري (مسعد ص 26) كالآتي: "عن الليث بن سعد قال: إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلوننا" وقد أورد المقريزي رواية أخرى لليث بن سعد (مسعد ص 304) جاء فيها: "إنما صولحوا على أن لا نغزوهم ولا نمنع منهم عدواً"
وجاء في بنود النقطة الثانية –كما ذكرت كل المصادر – أن يقدم المسلمون مؤن غذائية مقابل الرقيق. وأتت الاختلافات فقط في عدد الرقيق وتفاصيل المؤن الغذائية. فقد جاء عدد الرقيق مرة 360 وأخرى 365 ، بينما لم يرد في روايات ابن حبيب والليث وابن أبي لهيعة تحديد عدد الرقيق أو تفاصيل المؤن الغذائية، وقد وردت كالآتي:


1-ذكر ابن عبد الحكم ونقلها النويري (مسعد ص 28 ، 222) "قال ابن أبي حبيب وأن النوبة يؤدون للمسلمين كل سنة كذا وكذا من السبي وأن المسلمين يؤدون إليهم من القمح كذا ومن العدس كذا وكذا في كل سنة" وروى البلاذري (مسعد ص28) عن الليث بن سعد: "وأن يعطونا رقيقاً ونعطيهم بقدر ذلك طعاماً" وعن ابن حبيب "شيئاً من قمح وعدس ويعطونا رقيقاً" وأورد الطبري رواية أخرى عن ابن أبي لهيعة عن ابن حبيب ونقلها ابن الأثير أيضاً "صالحهم على هدنة عدة رؤوس منهم يؤدونهم إلى المسلمين في كل سنة ويهدي إليهم المسلمون في كل سنة طعاماً مسمى وكسوة من نحو ذلك"

وقد أورد المقريزي (مسعد ص 303) بإثبات رواية فصلت أنواع ما يدفعه المسلمون إلى النوبة من قمح وشعير وخمر وخيل وثياب مقابل الرقيق. كما أورد المسعودي (في مسعد ص 53) بتفاصيل الرقيق البالغ قدره 365 لبيت مال المسلمين إلى جانب 97 رأساً أخرى توزع ما بين وآلي مصر ونائبه وحاكم أسوان والشهود. وذكر مايكل السوري (فانتيني ص 316) أيضا ببعض التفاصيل فذكر أن النوبة يقدمون بعض القرود المدربة والزراف وسن الفيل وجلود النمور إلى جانب الرقيق.

وإذا راجعنا هذه الاتفاقيات وجدنا أن نصوصها كلها اتفقت على:

• عدم وقوع معركة فاصلة بين جيوش المسلمين والنوبة عام 31هـ
• لم تتوغل جيوش المسلمين في أرض النوبة، بل كانت الحرب سجالاً بين الطرفين مثل صواف الروم
• لم يرد أن المسلمين هاجموا أو احتلوا أي مدينة نوبية

هذا ما حدث بين المسلمين و النوبة، كانت المعارك متصلة بين الجانبين منذ عصر عمرو بن العاص وانهى اتفاق ابن أبي سرح معهم تلك الحروب بقبول هدنة بين الطرفين التزم فيها النوبة بتقديم الرقيق للمسلمين، والتزم فيها المسلمون بتقديم المؤن للنوبة. هذا هو فقط اتفاق عبد الله بن أبي سرح مع النوبة وكل ما خرج أو زاد على ذلك – مثل تفاصيل الرقيق التي أوردها المسعودي, تفاصيل المؤن التي ذكرها مايكل السوري ( 1-ii) فهي خارجه عن اتفاق ابن أبي سرح وداخلة في الفترة التي عالجتها نصوص المجموعة الثانية.

وأود قبل مناقشة نصوص المجموعة الثانية التعرض سريعاً إلى نقطتين: الاولى من هم النوبة في اتفاقية 31هـ؟ والثانية هل حدثت تعديلات على تلك الاتفاقية قبل عصر المقريزي؟
من هم النوبة في إتفاقية 31هـ؟


أطلقت كلمة النوبة وأرض النوبة في المصادر العربية بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين على منطقة واسعة تمتد من أسوان شمالاً حتى مملكة علوة جنوباً.(انظر على سبيل المثال مسعد صفحات 17، 58، 62) وفي بعض الأحيان يأتي استخدام كلمة النوبة مرادفاً للسودان كما عبر عن ذلك ابن عبد الحكم (مسعد ص 8)

ولكن في أول اتصال المسلين ببلاد النوبة في القرن السابع الميلادي لم تكن كلمة النوبة تصدق على كل ذلك المعنى الواسع. فبلاد النوبة في ذلك الوقت كانت تطلق علي ملكة نوباتيا شمالي المقرة، تليها مملكة المقرة وعاصمتها دنقلة ثم مملكة علوة وعاصمتها سوبا.

فكلمة النوبة أطلقت في المصادر القبطية على المنطقة الواقعة الى الجنوب مباشرة من أسوان وهي "مملكة نوباتيا" (مسعد 78) كما وردت أيضا كلمة مريس والتي أطلقت على منطقة صعيد مصر وسكانه. فقد ذكر اليعقوبي (كتاب البلدان1/42 موقع الوراق) أن "عجم مصر جميعاً القبط، فمن كان بالصعيد يسمون المريس" وعن مدينة اسنا ذكر أنه (1/40)"يقال إن أهلها المريس" ووردت نفس الاشارات تقريبا عند المقريزي (المواعظ 1/ 161 موقع الوراق) حيث فقال: "كان أهل مصر يسمون من سكن من القبط بالصعيد: المريس" وعن مدينة الأقصر ذكر (1/254) أنه يقال "إنّ أهلها المريس."

ووضح المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 18) "ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس". ووضح ابن سليم الاسواني حدوده المريس الجنوبية بأول أرض المقرة (مسعد ص 398) وأطلقت المصادر العربية على حاكمها "ملك مريس" وهذه هي المنطقة التي قامت عليها مملكة نوباتيا.

ويبدوا أن المسلمين عندما اتصلوا بالنوبة منذ البداية استخدموا كلمة "مريس" للدلالة على معنى كلمة "نوبة" كما استخدمتها المصادر القبطية. وقد عبرت المصادر العربية في أكثر من موضع عن هذا المفهوم، ذكر الجاحظ أن "النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام" (مسعد ص 405) كما ميز ابن سليم الأسواني بين النوبة والمقرة فذكر أن:"النوبة والمقرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل فالنوبة وهم المريس المجاورون لأرض الإسلام" ( مسعد ص 98) كما ظهر التمييز واضحاً أيضا بين النوبة والمقرة في ألقاب الملوك، فملك نوباتيا أطلقت علية المصادر العربية ملك مريس، وبعد اتحاد المملكتين تلقب ملوك المقرة بلقب"ملك المقرة والنوبة"
وهكذا فإن مدلول كلمة النوبة عندما دخل المسلون مصر كان يطلق علي مملكة نوباتيا والتي تعتبر في المفهوم المصري المبكر جزءاً من منطقة المريس (صعيد مصر) وبالتالي فإن كل ما ورد من نصوص حول النوبة والمريس في المصادر العربية المبكرة يشير إلى المناطق الواقعة في حدود مصر الحالية. وبناءً عليه فحروب عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي سرح لم تكن في داخل حدود السودان الحالية بل كانت في الحدود الصرية. فماذا كان مصير ذلك الاتفاق الذي وقعه ابن أبي سرح ؟


التعديلات في الاتفاق الأول
لم تدم نصوص الاتفاق الأول بين المسلمين والنوبة عام 31هـ طويلاً فقد تعرضت لبعض التعديلات وفقاً لتطور وطبيعة الاتصال بين الطرفين. ولم تورد المصادر تفاصيل كاملة لتلك التعديلات، وأغلب الظن أن الاتفاقيات أو المعاهدات الجديدة كانت تُبنى على الأساس الأول لتردد بعض نصوصه في ما أورده المقريزي الآتي.
كما لا توجد تفاصيل وافية عن العلاقات بين المسلمين والنوبة في الفترة السابقة للقرن الثالث الهجري. ويبدو أن العلاقات كانت مضطربة في بعض الأوقات. فقد ذكر ابن المقفع (مسعد ص 78 ) أن الجيش النوبي غزا الأراضي المصرية إبان الحكم الأموي. وفي عام 141 هـ عكست رسالة وآلي مصر إلى ملك النوبة مدى اضطراب العلاقات بين الطرفين.


(J. M. Plumley, “An Eighth Century Arabic Letter to the king of Nubia” Journal of Egyptian Archaeology. Vol. 4 p 243.

وبعد سنوات قليلة في ولاية يزيد بن أبي حاتم غزا المسلمون النوبة، ثم غزاها أبو منصور مكين التركي، ثم غزاها كافور الاخشيدي ثم الفاطميون ثم الأيوبيون.(مسعد 259)

ويتضح من ذلك أن التوتر كان يسود العلاقات بين المسلمين والنوبة، وفي أغلب الاحيان كانت غزوات المسلمين رد فعل لهجمات النوبة. وفي مثل هذه الظروف فإن تجديد الاتفاقيات أو تعديلها بعد حين وآخر يصبح أمراً لا مفر منه. ومن أقدم إشارات النقد لبعض بنود الصلح ما رواه المقريزي حينما أنكر عبد العزيز بن مروان وآلي مصر (65-85 هـ) تقديم الخمر للنوبة ضمن المؤن التي التزم المسلمون بتقديمه للنوبة، وقد نسب المقريزي نفس الموقف من الخمر للخليفة العباسي المعتصم (ت 227)(مسعد ص 305 )

ولم يتضح لماذا لم يغير عبد العزيز بن مروان هذا البند ولا ماذا فعل الخليفة العباسي به، ولكن ورود البنود المتعددة في معاهدة البقط التي ذكرها المقريزي توضح أن هنالك الكثير من البنود التي لم ترد في روايات الصلح المبكرة مما يدل على التعيلات التي طرأت عليها. وقد أشار البلاذري إلى أن النوبة اشتكوا من قلة الرقيق في بلادهم في عصر الخليفة العباسي المهدي (ت 169 هـ) فوافق الخليفة على أن يتم دفع البقط كل ثلاث سنوات، كما روي عنه أيضاً أنه أضاف زرافة إلى ما يقدمه النوبة. (مسعد 222، 305-306)

مثل هذه التعديلات توضح أن العلاقة بين المسلمين والنوبة لم تحكمها نفس شروط صلح عام (31 هـ) بل تعرضت للتعديلات التي تتطلب البحث عن المعلومات المتكاملة عنها إن وجدت. وقد ظلت تلك الاتفاقيات بما تم فيها من تعديل أو تجديد تحكم العلاقات بين النوبة والمسلمين حتى عام (674هـ 1264 م) حيث حدث التغير الكبير علي العلاقات بين النوبة والمسلمين في عصر المماليك. (يتبع اتحاد مملكتي نوباتيا والمقرة ونصوص المقريزي)

اتحاد مملكتي نوباتيا والمَقُرة
توصلنا في مقالنا السابق أن عبد الله بن أبي سرح قاتل قوات مملكة نوباتيا – التي تقع الآن في الحدود المصرية – والتي كان يطلق على سكانها في ذلك الوقت "النوبة" وهي بخلاف مملكة المقرة التي كانت عاصمتها دنقلة، فمتى اتحدت المملكتان؟
اختلفت آراء المؤرخين حول تحديد الوقت الذي تم فيه الاتحاد، رأى بعض المؤرخين (مسعد، الاسلام والنوبة في العصور الوسطى ص 72) أن المملكتين إتحدتا أمام خطر الهجوم الاسلامي، بينما رأى آخرون (William Y. Adams, Nubia: corridor to Africa. p 453; L. P. Kirwan, “Studies in the History of Nubia” Annals of Archaeology and Anthropology Vol XXIV) أن الإتحاد تم في وقت ما بين عامي 580-652 م . أو بين عامي 650 م- 32 هـ و 760 م-143هـ (Ali Osman, Christian Nubia: contribution of Archaeology to its Understanding MA thesis, Khartum University 1973, p 59)

ويحدد أخرون أنه تم في اوائل القرن الثامن الميلادي (آخر القرن الأول الهجري) (فانتيني ص 75).

تواتر في المصادر القبطية الرأي القائل بأن الإتحاد تم في أول القرن الثامن الميلادي. فقد أورد Abba Mina الذي كتب حوالي عام 700م (81هـ) سيرة بطريرك الإسكندرية اسحاق (686-689م/ 67-70هـ) ما يفيد بأن المملكتين لم تتحدا حتى سنة 700م. قال Abba Mina :

"في الحقيقة يوجد ملكان في المنطقة، كلاهما مسيحيان، ولكن ليس بينهما سلام، لأن واحد منهما ملك موريتانيا دخل في صلح مع المسلمين، والآخر ملك المقرة العظيم ولم يكن في صلح مع المسلمين"(فانتيني ص 36).

وقد أطلق Abba Mina لقب "ملك موريتانيا" على "ملك نوباتيا" كما جرت عادة بعض الكتاب الأقباط عندما يتحدثون عن نوباتيا. فقد أورد Abba Mina نفسه في بقية نصه الذي أشرنا إليه ما يوضح أن مملكة موريتانيا تقع شمال المقرة. وقد ذكر John of Nikiou الذي كتب عام 686 م (67هـ) أن "بربر منطقتي نوباتيا وأفريقية يدعون بالموريتانيين"(فانتيني ص 43).

وقد أورد المسعودي (مسعد ص 52) أيضاً ما يشير إلى أن الملك النوبي الذي صالح المسلمين هو ملك مريس ، قال: "فصالحهم على عدة رؤوس من السبي معلومة من ما يسبى هذا الملك المجاور للمسلمين –من غيرهم من ممالك السودان المقدم ذكرها في صدر هذا الباب- المدعو ملك مريس، وغيرها من أرض النوبة".

وقد يبدو معنى اللفظ غير واضح، ولكن يمكن أن يقرأ النص هكذا :"فصالحهم على عدة رؤوس من السبي معلومة من ما يسبى هذا الملك المجاور للمسلمين –المدعو ملك مريس- من غيرهم من ممالك السودان المقدم ذكرها في صدر هذا الباب، وغيرها من ممالك النوبة".

ولذلك فإنه بناءاً على هذا النص فإن الإتحاد بين المملكتين قد تم بعد صلح عبد الله بن سعد عام 31هـ/652م. وبناءاً على نص Abba Mina فإن الإتحاد لم يتم حتى عام 700م (81هـ). وتوضح رسالة حاكم مصر عام 141هـ/ 758م أن الإتحاد كان قائماً في ذلك الوقت.



وهكذا فإن الرأي الذي جعل الإتحاد بين المملكتين في أول القرن الثامن الميلادي، يجد القبول والتأييد في المصادر القبطية والعربية. وربما تحقق هذا الإتحاد كما يرى البعض على يد الملك المقري ماركوريوس Marcorious بين عامي 707-710م، (89-92هـ).وهكذا تتجمع الأدلة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقع الصلح مع مملكة نوباتيا ولا دخل لمملكة المقرة ودنقلة في صلحه الذي وقعه مع النوبة. وننتقل الآن إلى بنود المجموعة الثانية من معاهدة البقط.

نصوص المجموعة الثانية
جاءت نصوص هذه المجموعة من اتفاقيات البقط في روايتين انفرد ابن عبد الحكم والمقريزي برواية كل واحدة منهما، ويلاحظ عليهما – إلى جانب عدم تكرارهما في المصادر - عدم تعرض رواة أخبار النوبة المبكرين لهما وورودهما بدون اسناد مما يؤدي إلى ضعفهما وعدم الاطمئنان الى صحتهما. وجاءت رواية ابن عبد الحكم 2-1 كلآتي:


"يقال فيما ذكر بعض المشائخ المتقدمين أنه نظر في بعض الدواوين بالفسطاط وقرأه قبل أن يحترق فإذا هو يحفظ منه: إنا عاهدناكم وعاقدناكم أن توافونا في كل سنة ثلاثمائة رأس وستون رأساً، وتدخلون بلادنا مجتازين غير مقيمين وكذلك ندخل بلادكم، على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلاً فقد برئت منكم الهدنة. وعليكم رد أُباق المسلمين ومن لجأ إليكم من أهل الذمة".

ويلاحظ على هذا النص الآتي:

• يرد الاتفاق فيه على صورة العقد أو العهد "عاهدناكم وعاقدناكم" وهما اللفظان اللذان رفضهما كل من ابن أبي حبيب وابن أبي لهيعة، فقد ذكر أنه "ليس بينهم وبين النوبة عهد ولا ميثاق".
• تتحدث الإتفاقية عن تنظيم العلاقات بين المسلمين والنوبة من حيث تجارة الحدود، وعن رد أباق المسلمين وعدم إيوائهم وعدم قتل المسلمين. ومن الصعب إرجاع مثل هذه العلاقات إلى تلك الفترة المبكرة من إتصال المسلمين بالنوبة. (Yousef Fadl Hassan, The Arabsand the Sudan. P 18)
ولذلك فإن بنود هذا الإتفاق 2-1 يمكن أن تصدق على فترة لاحقة تطورت ونمت فيها العلاقات بين الطرفين، وتم استقرار المسلمين بجوار النوبة بعد القرن الثاني الهجري (8م).


أما رواية المقريزي فقد تضمنت عدداً كبيراً من البنود، وهي التي اشتهرت خطأً – بين المؤرخين - بمعاهدة عبد الله بن أبي السرح جاء فيها:

2-2 "ان أول ما تقرر البقط علي النوبة في امارة عمرو بن العاص لما بعث عبد الله بن أبي السرح وهو على إمارة مصر سنة 31هـ وحصرهم بمدينة دمقلة ورماهم بالمنجنيق وخرب كنيستهم فطلب ملكهم الصلح، ثم قرر الصلح على ثلاثمائة وستين رأساً في كل سنة ووعده عبد الله بحبوب يهديها إليه لما شكا له قلة الطعام في بلده وكتب له عبد الله كتاباً هذا نصه، رتبنا بنود التفاق هكذا لكي يسهل تتبعه:

1. عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي السرح لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته، عهد عقده على الكبير وعلى الصغير من النوبة من حد أرض أسوان إلى حد أرض علوة.
2. أن عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد جعل لهم أماناً وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذمة.
3. أنكم معشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد ( ص) على أن لا نحاربكم ولا ننصب لكم حرباً ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم.
4. على أن تدخلوا بلادنا مجتازين غير مقيمين فيها، وندخل بلادكم مجتازين غير مقيمين فيها، وعليكم حفظ من نزل بلادكم أو طرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج منكم.
5. وأن عليكم رد كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين حتى تردوه إلى أرض الإسلام، وعليكم رد من لجأ إليكم من مسلم محارب للمسلمين، وأن تخرجوه إلى أرض الإسلام ولا تستميلوا عليه ولا تمنعوا منه.
6. وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مصلياً، ولا تعرضوا لمسلم قصده وجاور فيه إلى أن ينصرف عنه، وعليكم كنسه واسراجه وتكرمته.
7. وعليكم فى كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان.
8. وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم ولا منعه عنكم من حد أرض علوة إلى أرض أسوان.
9. فإن انتم آويتم عبداً لمسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً أو عرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الستمائة رأس والستين رأساً فقد برأت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
10. وعلينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله محمد ( ص) ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمة المسيح وذمة الحواريين وذمة من تعظمونه من أهل دينكم وملتكم والله شاهد بيننا وبينكم على ذلك.


كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان عام 31هـ.
ويلاحظ على هذا النص أنه استخدم كلمة البقط، وهي في أساس استخدامها في العصر البيزنطي تدل على معنى الإلتزام المتبادل بين الطرفين والمصاحب بعمليات الدفع. (Yousef Fadl, p 18) ونص الإتفاق الذي امامنا لا يتضمن البند الذي التزم المسلمون فيه بدفع المقابل للنوبة، وهو البند الذي إتفقت عليه كل روايات المجموعة الأولى.


كما أن العرب لم يستخدموا لفظ البقط للدلالة على إتفاق المسلمين والنوبة عام 31هـ/ 652م فقط، بل إن البقط أيضاً استخدم ليدل على إتفاق "البجة والمسلمين". ففي عام 241هـ/855م حينما هزم المسلمون البجة صالحوهم على –كما أشار ابن سليم الأسواني- "على أداء الأتاوة والبقط".

وقد وردت كلمة البقط في المصادر العربية –في بعض المرات- مرتبطة بالس بي فقط، فقد ذكر المسعودي: "ويعرف هذا السبي في أرض النوبة بالبقط". وأشار أبو صالح الأرمني إلى إستخدام قريب من هذا حيث ذكر: "يطلب منه (أي ملك النوبة) البقط من الرقيق لاربعة عشر عاماً"(مسعد ص 113)
وإذا راجعنا إتفاقيات البجة والنوبة مع المسلمين وجدناها تحت نعوت مختلفة فأحياناً "بقط" وأحياناً "إتاوة" كما ذكر وأحياناً "خراج" كما وسمت إتفاقيات البجة(مسعد ص 110، 171) وأحياناً "جزية" كما عبر ابن خلدون عن إتفاق النوبة وعبد الله بن سعد.(مسعد ص 279)


وهكذا فإن كلمة البقط قد تدل على التبادل أو السبي. أو تدل على معنى أعم فتصدق على الإتفاق مع البجة أو مع النوبة. ولذلك فإن إرتباطها بالشروط التي رواها المقريزي والمنسوبة إلى عبد الله بن سعد يعتبر إرتباطاً أصطلح عليه وتواتر فقط بين المؤرخين والمهتمين بالدراسات النوبية.

اتفقت كل نصوص المجموعة الأولى على إلتزام المسلمين بدفع مؤن مقابل الرقيق وأن هذه المؤن هدية من المسلمين خارج نص الإتفاق. وقد اوردت المصادر ما يؤكد أن المسلمين كانوا يدفعون المؤن في مقابل الرقيق على الاقل حتى عهد الخليفة العباسي المعتصم (ت 227هـ/841م) والذي ذكر أنه نظر "إلى ما كان يدفعه المسلمون فوجده أكثر من البقط". بينما لم يرد ذكر للمقابل الذي يدفعه المسلمون في نص هذا الإتفاق 2-1.

جعل هذا النص إتفاقية البقط في إمارة عمرو بن العاص، بينما اتفقت روايات المصادر الأخرى مثل ابن عبد الحكم، والطبري عن ابن أبي حبيب، والبلاذري عن أبي البحتري، ورواه عنه المسعودي (مسعد ص 52) وابن الأثير وياقوت بدون استثناء.(مسعد ص 163، 169) أن الإتفاق تم في إمارة عبد الله بن سعد.

تتحدث مقدمة هذه الرواية عن توغل جيوش المسلمين في بلاد النوبة حتى دنقلة، وعن حصار المدينة وفتحها وهي الموضوعات التي لم ترد في بنود المجموعة الأولى من الإتفاقيات وهي الأقرب إلى الصحة. وإلى جانب ذلك فإن جيوش المسلمين لو توغلت داخل حدود النوبة حتى دنقلة وتم فتحها لتواتر مثل هذا الخبر الهام على ألسنة الرواة، ولما توارى لمدة ثمانية قرون ليسجله المقريزي بدون إسناد.

ويبدو معقولاً جداً أن المسلمين لم يصلوا إلى مدينة دنقلة إلا في عصر المماليك، وهو الوقت الذي نقلت فيه كتب التراث العربي ذلك الحدث. اما قبل دلك فإن المسلمين لم تكن لديهم حتى المعلومات الدقيقة عن مدينة دنقلة وبلاد النوبة الداخلية، وذلك بسبب الحجر الذي فرضه ملوك دنقلة على الأجانب ومنعهم من تعدي منطقة الشلال الثاني جنوبا إلا بإذن الملك, كما ذكر ابن سليم الأسواني.(مسعد ص 93) ويبدو معقولاً أن ابن سليم الأسواني (ت 386هـ/ 996م) كان من اوائل المسلمين الذين دخلوا مدينة دنقلة وسجلوا معلومات مفصلة عنها وعن منطقة النوبة.

وفي القرن 6هـ/ 12م أي بعد قرنين من عهد ابن سليم أورد أبو مسعود –الذي ذكر أنه زار دنقلة حوالي عام 568هـ/ 1172م- معلومات غريبة عن مدينة دنقلة وملكها حيث قال:" خرج علينا [يقصد الملك] يوماً وهو عريان ... واما دنقلة فليس فيها عمارة إلا دار الملك فقط وباقيها أخصاص".(مسعد ص 180)
ويتناقض هذا الوصف مع ما سجله أبو صالح الأرمني (ت 597هـ/ 1200م) بعد ثلاثة عقود فقط من زيارة أبي مسعود المزعومة عن مدينة دنقلة. فقد ذكر أنها "مدينة عظيمة، بها كنائس كثيرة وآدر كبار وشوارع متسعة، ودار الملك شاهقة البناء بقباب عدة مبنية بالطوب الأحمر تحاكي أبنية العراق".(مسعد ص 139)
وإلى جانب كل ذلك فإن المصادر العربية تحدثت عن الحروب بين النوبة والمسلمين ما بين القرنين السابع والرابع عشر الميلاديين ولم يذكر أي منها الهجوم على دنقلة أو سقوطها
قبل عصر المماليك.


وإذا تتبعنا فقرات نص المقريزي نلاحظ الآتي:
في الفقرة (1) جاء لقب حاكم النوبة "عظيم النوبة"، ولم يستخدم هذا اللقب كثيراً في المصادر العربية، فقد ذكر ابن سليم الأسواني "ولهذه الناحية والٍ من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل".(مسعد ص 93) بينما إستخدم ابن عبد الحكم هذا اللقب لأحد زعماء القبط "عظيم من عظماء القبط" بأسوان.(مسعد ص 10)

وقد أشار John the Deacon الذي كتب عام 700م (81هـ)تقريباً أن الملك النوبي Cyracus تلقب بالملك العظيم.(فانتيني ص 45) واللقب المستخدم في المصادر العربية لحكام النوبة هو "ملك" ويستخدم لملك مريس، ولملك المقرة والنوبة بعد إتحاد المملكتين. كما إستخدم أيضاً لقب كابيل أو كابل، فقد أورد ياقوت: "وكتاباته إلى عماله وغيرهم من كابيل ملك مقرى ونوبة".(مسعد ص 166)

فاللقب "عظيم" المستخدم في النص يمكن أن يطلق على الملوك أو على كبار الزعماء. ولذلك ليس من السهل تأكيد من هو المقصود بلقب "عظيم" في النص. هل قصد به ملك مريس، أم ملك المقرة ومريس ؟ ويبدو محتملاً أنه قصد به ملك المقرة ومريس، أي بعد إتحاد المملكتين لأن باقي الفقرة من نفس النص رقم (1) تحدد أرض عظيم النوبة ما بين أسوان وعلوة. فالنص يرجع إلى عصر العلاقات بين المماليك وملك المقرة.

الفقرة رقم (2) تتحدث عن الذميين المجاورين للمسلمين، كما تتناول الفقرة 4 معاملة النوبة لأهل الذمة الداخليين في بلادهم. والفقرة 5 تتحدث عن رد المسلمين اللاجئيين إلى بلاد النوبة والذين هم في حرب مع المسلمين. والفقرة (8) تتحدث عن الأعداء من غير سكان مصر الذين قد يهاجمون النوبة.

ويبدو واضحاً أن كل هذه الفقرات لا تنطبق على العلاقات بين النوبة والمسلمين ولما يمض على إتصالهم عقد واحد. مثل هذه العلاقات يمكن أن تصدق على الفترة اللاحقة للقرن الثالث الهجري (9م) عند استقرار المسلمين بجوار النوبة.

والفقرة رقم (6) تتحدث عن المسجد الذي بناه المسلمون بفناء المدينة، ولم تحدد الفقرة اسم المدينة، لكن جرت عادة المؤرخين بتعريفها بمدينة دنقلة. ويلاحظ أنه لا يوجد ذكر لأي مدينة في كل بنود هذه الإتفاقية، كما لم يرد أيضاً ذكر لأي مدينة في كل الإتفاقيات التي تعرضنا لها في المجموعتين الأولى والثانية ما عدا الرواية –غير المسنودة- التي إنفرد بذكرها المقريزي والتي تضمنت حصار وضرب "دمقلة". وهو على ما يبدو الدليل الوحيد الذي إستند عليه المؤرخون في تعريفهم للمدينة التي وردت غير معرفة في نص الإتفاق.

وإذا إفترضنا أن هذه الفقرة رقم (6) ترجع إلى عام 31هـ/652م، فإنه من الصعب جداً تعريف هذه المدينة بدنقلة، لأن جيش عبد الله بن سعد لم يصل إلى دنقلة. وإلى جانب ذلك فإنه لم يكن هنالك مسجد في دنقلة حتى عام 365هـ/975م عندما زارها ابن سليم الأسواني.

وكلمة دنقلة لم تستخدم في المصادر العربية للدلالة على المدينة فقط، بل ورد إستخدامها خارج هذا المعنى. قال ابن عبد الحكم إن والد يزيد بن أبي حبيب "من سبي دنقلة".(مسعد ص 8) فليس من الضروري أن تكون دنقلة هنا مقصوداً بها المدينة، ربما قصد من سبي النوبة.

ولو اعتبرنا أن تعبير ابن عبد الحكم السابق تعبيراً مجازياً، فإننا نقف أمام نص آخر يتعلق ببيت شعر قيل في الحرب التي جرت بين النوبة والدولة الإخشيدية في مصر عام 346هـ/ 956م. والتي وصلت فيها جيوش الإخشيديين إلى مدينة أبريم شمال حلفا كما ذكر النويري (في مسعد ص 223)

ولما غزا كافور دنقلة غدا بجيش كطول الأرض في مثله عرض
"فدنقلة" هنا بلا شك لم يقصد بها مدينة دنقلة، لأن جيش الإخشيديين لم يتعد مدينة إبريم كما ذكر النويري (ت 732 هـ/1332 م) في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب. وبنفس هذا المعنى يمكن فهم بيت الشعر الذي ورد مقترناً بحرب عبد الله بن سعد ورواه ابن عبد الحكم وهو:


لم تر عيني مثل يوم دِمقلة والخيل تعدو والرياح مُثقله
فدنقلة هنا ليس من الضروري أنه يكون مقصوداً بها المدينة، بل هي على القياس السابق قصد بها "النوبة".


ويؤيد هذا الرأي عدم تعرض المصادر العربية لأي غزو أو حصار أو سقوط مدينة –ماعدا نص المقريزي- قبل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وأول حملة أوردت المصادر أخبارها، وتوغلت في أرض النوبة هي حملة كافور الإخشيدي عام 345هـ، والثانية في عهد الأيوبيين 568هـ، ووصلت أيضاً إلى إبريم حيث مكث جنود المسلمين عامين في المدينة.(مسعد ص 223) وكانت مدينة ابريم في ذلك الوقت مدينة كبيرة ومحصنة .

ويلاحظ عدم إشارة المصادر العربية إلى أي اتفاق بين كافور او الأيوبيين وبين النوبة في الحربين السابقتين، وأغلب الظن أن نص المقريزي هذا تضمن بعض الشروط بين النوبة من جهة وكافورأوالأيوبيين من جهة أخرى. ومن المرجح أن يقيم المسلمون مسجداً في مدينة ابريم في غزوتهم الأولى أو في غزوتهم الثانية والتي استقروا بعدها عامين في المدينة. ولذلك فإن المسجد الوارد في الفقرة رقم 6 ربما كان جزءاً من اتفاق يرجع إلى إحدى هاتين الحملتين.

وفي الفقرة رقم 7 ورد لقب "إمام المسلمين" ولقب الحكام السنيين المتعارف عليه هو "الخليفة أو أمير المؤمنين" وليس لقب إمام المتعارف عليه لدى الشيعة. وربما كانت هذه الفقرة جزءاً من اتفاق تم بين الفاطميين والنوبة خاصة وأن ابن سليم الأسواني قد أشار إلي أن الصلح القديم مع النوبة كان معمولا به إلى أن قدمت الدولة الفاطمية إلى مصر (مسعد ص 306) غير أنه لم يوضح ماذا حدث له بعد مجيء الفاطميين.

وهكذا فإن كل بنود البقط 2-2 ما عدا الفقرة رقم 3 من الصعب جدا ارجاعها إلى عام 31هـ بل يبدو معقولاً ارجاع نصوصه إلى الفترة الواقعة بين القرنين الثالث والسابع الهجريين، والنص الوحيد الذي يرجع إلى صلح عبد الله بت أبي سرح هو ما أتى في الفقرة رقم 3. وهذا يؤيد القول بأن هذا الأتفاق 2-2 عبارة عن مجموعة اتافاقيات تمت بين المسلمين والنوبة (Yousef Fadl, 24,28.) ثم جمعت هذا الاتفاقيات في الصورة التي دونها المقريزي.

توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سبب تسمية العراق مع تطور العلم العراقي مجاهد الخفاجى منتدى جغرافية البلدان و السكان 15 22-07-2019 10:40 AM
تفسير الاحلام لابن سيرين رحمه الله د ايمن زغروت مجلس تفسير الاحلام و الرؤى 9 21-01-2018 07:54 PM
سبب تسمية العراق مع نوع العلم . مجاهد الخفاجى مجلس قبائل العراق العام 19 27-10-2016 04:48 AM
تاريخ السودان الألوسي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 0 23-06-2014 12:00 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 07:18 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه