مسلمو تايلاند التاريخ .. والمستقبل حضارة المسلمين في الملايو - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
حوار بين الصمت والكلام
بقلم : فايز أبو غليون
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: المصلح المجدد الشيخ الطيب العقبي الجزائري (آخر رد :أبو مروان)       :: صفحة من كتاب. (آخر رد :ابن جنـاب)       :: نسب العيايده وتاريخهم المشرف (آخر رد :ابن جنـاب)       :: العائلات العربية الأندلسية العريقة بفاس (آخر رد :عربية بكل تأكيد)       :: كيف تسأل عن نسبك بطريقة صحيحة .. كيف تسأل عن نسبك على الانترنت (آخر رد :محمد عوض البرعصي)       :: عائله قمحاوى (آخر رد :رحال العرب)       :: انا فلسطينية (آخر رد :محمود أبو نعيم)       :: ردّ الجميل !!! (آخر رد :محمود أبو نعيم)       :: حوار بين الصمت والكلام (آخر رد :محمود أبو نعيم)       :: التقويم الهجري (آخر رد :محمود أبو نعيم)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس علوم الانساب المتخصصة > مجالس قبائل العالم > مجلس قبائل آسيا

Like Tree6Likes
  • 1 Post By مفيد
  • 2 Post By مفيد
  • 2 Post By أبو مروان
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري

إضافة رد
  #1  
قديم 30-10-2015, 10:18 PM
مفيد غير متواجد حالياً
كاتب في النسابون العرب
 
تاريخ التسجيل: 14-11-2014
المشاركات: 593
افتراضي مسلمو تايلاند التاريخ .. والمستقبل حضارة المسلمين في الملايو

مسلمو تايلاند التاريخ .. والمستقبل حضارة المسلمين في الملايو


بقلم د عمر عبيد حسنة

مقدمــة

الحمد لله ربّ العالمين، القائل: واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال:26)، والصّلاة والسّلام على رسوله المبعوث رحمةً للعالمين، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
وبعد:
فالإسلام دين الفطرة الإنسانية، جاء بمبادئ سمحة، وقِيَم نبيلة، وتعاليم واضحة متسقة مع العقل الصحيح ومنسجمة مع الفطرة السليمة، وبهذه القيم كان من اليســــير أن يكون دين الإنســـــان، مهمـــــا كان جنســـــــه، أو وطنـــــــه، وأن يتعايش في رحابه الناس دون أيّ إشكال، في أمان واطمئنان.
وعندما تمثل الأصحاب الكرام هذه الخصائص وقدموا نماذج تجسدت فيها هذه المعاني استطاع هذا الدّين أن يمتدّ في رقعة واسعة من المعمورة، وينتشر بسهولة في مختلف القارات، ويُخرج من مختلف الأعراق البشرية أمّة تحمل رسالة هداية ورحمة وخير للعالمين.
لقد أصبح امتداد الأمّة الإسلاميّة في بلاد العالم، والإقبال المستمر على اعتناق الإسلام يشكل ظاهرة إيجابيّة ويعبر عمـّا تتمتّع به القيم الإسلامية من ثقافة التعايش ( ).
واليوم نجد الحضور الإسلامي في كلّ بقاع الأرض.. بين الشّعوب الوثنية.. والشّعوب المسيحيّة.. وبين اليهود، والهندوكيّين، والبوذيّين.. وفوق ربوع الدّول، الّتي لا تؤمن بدينٍ أيضاً.
في كلّ مكان من الأرض، يُتلى كتاب هذا الدّين.. وفي كلّ مكان من الأرض، تنهض مساجده.. وفي كلّ مكان من الأرض، تذاع مبادئه من على أعلى الأمكنة.. إنه دين الفطرة، التي فطر الله الناس عليها.
فأيّة قوّة وَهَبَتْهُ هذا الخلود..؟!!
إنّها قوّة الإيمـان بالحقّ، وبالخير.. والعمل على إشاعته في العالمين، ومن قبل هذا، الإيمـان بربّ الحقّ والخير، الذي يعلم السر وأخفى.. وبالرّسول صلى الله عليه وسلم المبلغ، بل وبالرّسل، عليهم الصّلاة والسّلام، الّذين نذروا حياتهم لنشر قيم الحقّ والخير.
ولا غــــرو، فمن يقين الإيمـان أنّ الأرض زُوِيَتْ للنبوّة، ومنها موضوع بحثنــــا: تايــــلانــــد «Thai Land»، أرض الأحــــرار، وهــــي آنياً مملــــكة بــــوذيّة في جنــــوب شــــرق آســــيا، تضم خمســـــة أقـــــاليم غــــالبيّـة ســكانّــــها مســـــلمـون، وقد كانت هـذه الأقـاليم – في التّاريخ الإسلامي - تشكل مملكة فطاني الإســــلاميّة؛ الّــــتي اختــــلف المؤرّخــــون حول رواية دخــــول الإســــــلام إليهــــا، فقـــال بعضـــهم: إنّ دخــــول الإســــلام كان مـــــع أوّل بــــزوغ فــــجــــره في الجــــزيــــرة الــــعــــربيّــــة، ومنــــهــــم مَــــنْ قــــال: إنّ دخــــول الإسلام كان في القــــرن الثــــالث عــــشر الميلادي( ).
ومهما يكن فإن الإسلام انتشر في جنوب شرق آسيا عن طريق التّجارة، وما كان يتمتع به التاجر المسلم من صدق، ووفاء بالعهود، وحسن معاملة، فالدين المعاملة، حيث كان السبب فيما اتّجه النّاس إلى الاشتغال بالتّجارة وغيرها من الأعمـال والمِهَن والحِرَف، والانطلاق نحو ما وراء البحار يتّخذون منها وسيلةً للدّعوة إلى الله( ). ومن ثمّ بدأ الإسلام يتوسَّع في منطقة (فطاني)، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عن طريق مالاقا (ماليزيا)، الّتي كانتْ تخضع لسلطان فطاني في عام 865م( ).
وتهدف هذه المـادّة العلميّة: «مسلمو تايلاند: الحاضر.. والمستقبل» إلى التعرّف على جملة من الموضوعات المتصلة بماضي وحاضر ومستقبل الوجود الإسلامي في تايلاند، ومن خلال ذلك تقدم معلومات عامة عن حضارة المسلمين في الملايو، بشكل عام، وفي مملكة فطاني بشكل خاص؛ وتعرض للرؤى المطروحة حول تاريخ وصول الإسلام إلى المنطقة؛ والإحصاءات الخاصة بأعداد المسلمين ونسبتهم من مجموع السكان، وموقعهم في الخارطة السياسية اليوم، والقوانين الخاصة بهم؛ كما تعرض لمكوّنات المجتمع التايلاندي، من حيث: الدّيانات والعقائد، العرقيات، الثقافات، اللغة، العادات والتقاليد؛ وتهتم بإبراز البُعد الثقافي والفكري لمسلمي تايلاند؛ ومؤسّسات التربية والتعليم الإسلامي (المساجد، المدارس، الجامعات: الرّسمية والخاصّة) ودورها في بناء الوعي، مع تركيز خاص على جامعة فطاني والدور، الذي تضطلع به في المجتمع، ورسالتها، وأهم ركائز ومقومات كيانها، والمؤسسات الداعمة لها، على المستوى المحلي.
كما تعرض هذه المادة إلى المشكلات والتحديّات، الّتي تواجه المسلمين؛ وتقدم رؤية حول آفاق التّعاون وجسور التواصل الحضاري، على مستوى (الذات) ومع مكونات المجتمع، محلياً؛ حيث التشارك والتفاعل والسعي لبناء المشترك وميثاق المواطنة، والتعاون على الخير في مواسم الخير، كما في: شهر رمضان، وأشهر الحجّ، وغيرها.
وتعرض المادة كذلك لجسور التواصل القائمة بين مسلمي تايلاند والعالم الإسلامي، الذي يشكل لها العمق الفكري والثقافي والعلمي، حيث المؤتمرات، والنّدوات، والدّورات، والملتقيات، وورش العمل، والمسابقات، وبرنامج الابتعاث إلى مؤسّسات التّعليم في العالم الإسلامي وتأكيد أهمية توفير المنح الدراسيّة للارتقاء بمسلمي تايلاند.
وتخلص المادة العلمية لهذا الكتاب إلى تقديم رؤية مستقبلية، تتضمن تصوراً لرسالة المسلمين في المجتمع التايلاندي، بالنظر إلى مجموعة من الدّراسات السابقة( )، الّتي تناوَلَتْ تايلاند ومسلميها ومناحي حياتهم؛ حيث تأكيد الدور الرسالي، الذي يمكن أن يضطلع به المسلمون في المجتمع التايلاندي، رغم كونهم أقليّة( )، إِذْ الحديث عن الإسلام والمسلمين والرّسالة الإسلاميّة في تايلاند، هو حديث اسـتـشـرافي، يتناول الرّؤيـة الحـضـاريـــّة المسـتـقبـليـّـة نحو أمانة الاضـطــلاع بالـدّور الـدّعــوي المنتظر: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّيْنَ بِعِزِّ عَزِيْز، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيْل، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَم، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْر»( ).
إنّ وراثة المـاضي، ومعاودة إحياء دور المسلمين في تايلاند، وما يمكن أن يقدمونه من عطاء حضاري ومساهمات فاعلة، إنما يتحقق - فيما نرى - بالتركيز على اعتماد التعليم، انطلاقاً من: اقرأ ـ ، مفتاح هذا الدين، لبناء القاعدة العلمية والتقانيّة، التي تقوم على أرض صلبة من التعليم الجيّد والتربية البانية الرّشيدة والبحث العلمي المبتكر المبدع.
ولا تتحقق هذه الوراثة إلا بالتطلع إلى بناء المستقبل، الّذي يبدأ ببناء الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع والتعامل مع المشكلات، التي تواجهه بالعلم وبالوعي وبالإرادة القويّة، حتى يعمّ الإصلاح البنّاء جميع مجالات الحياة، التي يحميها الحكم الرّشـيد الـقـادر على الـعـدل والمســاواة واحــتـرام حـقـوق الإنســان.
كما يـكـون أيـضــاً بـإعـــداد جــيـل مـثـقّـف واعٍ مُــــؤمِن بـدوره وبـقـضــايـا أمّــَتـِه، ينـتــسِـبُ ويـَـنْــتَـمِي إلى الـعـمـل الــدّعــــوي المـؤسَّـــسي؛ ويتخذ منه ســـبـيـلاً للنّــجـــَاح والبـقــَـاء والـقُــــدْرَة عــلى الـتّـنـــافُــس في الـعـالم المُـــتـَغَـيـِّر( )؛ الشَّـيء الّــذي يـَتـَطلَّب الكثير من التنظيم وَالـتَّـخْــطِـيْط والأناة وطول النَّفَس( )، كمـا يتطلّب مدّ وتعزيز جسور التّواصل بين مسلمي تايلاند ومجتمعهم وبينهم وبين العالم الإسلامي – للاعتبارات الدّينية والعقديّة والتاريخيّة وحتّى الثقافيّة والحضاريّة- والتعاون في التعامل مع التحديّات وإمكانيّة تجاوزها برسالة الحنيفيّة السّمحة، من خلال رؤية وسطيّة وفلسفة اعتداليّة تنسجم والدَّور المرتجى من المؤسَّسات الإسلاميّة للدّعوة الإسلاميّة( ).

والله ولي التوفيق.


حضارة المسلمين في الملايو



1- الأقليات المسلمة.. نشأة المصطلح:
لم يكُنْ مصطلح «الأقليّة» معروفاً، من قبل، بشكلٍ واسع، ولكنّه نشأ وتبلور في مطلع القرن الخامس عشر الهجري مع قيام الهيئات الإسلاميّة المهتمّة بأوضاع الجاليّات المسلمة في بلاد العالم، وفي مقدّمة هذه الهيئات رابطة العالم الإسلامي، وبعدها منظمة المؤتمر الإسلامي؛ حيث استعملتْ كلمة (الأقليّة) وهي ترجمة لكلمة (Minority) التي تعني فئة بشريّة ذات خصوصيّات تقع ضمن مجموعة بشرية متجانسة أكثر منها عدداً، وأندى منها صوتاً، تملك السلطان أو معظمه( ).
وبنظرة متعمّقة لأوضاع الأقليّات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة؛ يمكننا ملاحظة مشترك تعاني منه كافّة الأقليّات المسلمة، وهو تعرّض العقيدة والقيم والسلوك والشخصيّة والنسق المعرفي لتحديّات أو تهديدات مبعثها الأساس الإطـار، الّذي تعيش فيه؛ ومن ثمّ فهي تواجه مشاكل في مجالات مختلفة، لكن حدّة هذه المشاكل وحجم تهديداتها يختلف بالطبع من إقليم إلى آخر؛ فهي قد تصيب بالضّرر أو التشويه أو الخلل في الشخصية المسلمة في مكان، وقد تحــول بينـها وبين التأصّـل والنّـمـــاء في مــكان آخــر، أو قــد تودي بها تماماً؛ بحيث لا يصبح للمســلم من الإســلام إلاّ الاســم أو الشّـكل فقط، بل وربّـمـا يصــل الأمـر إلى فـقـدان هــذا الأدنى أيضـاً( ).
وعلى الرغم من ذلك، فإن الإسلام ما وصل إلى أرض إلا وبقي فيها؛ ويمكن القول: إنّ سرّ بقاء الإسلام واستقراره واستمراره في البلاد، التي وصل إليها، أنّ أهل البلاد آمنوا به عن طواعية واختيار، وبذلك لم يشكّل عنصراً غريباً أجنبياً غازياً مفروضاً على أهل البلاد بحيث يتحيّنون الفرص للانقضاض عليه للخلاص منه.. بل على عكس ذلك آمنوا به، ودافعوا عنه، وقدّموا في سبيل حمايته التضحيات الكثيرة، واحتفظوا به في قلوبهم خلال فترات طويلة من التســــــلّط والقـــهر والتّنصــير والتّهجير، وما لبثوا أنْ عادوا للانتمـاء له والالتزام بقيمه.
ويكفي الإشارة إلى أنّ أكثر من أربعة أخماس المسلمين في العالم اليوم وصلهم الإسلام عن طريق الدّعوة، بل أكثر من ذلك، انتشر الإسلام من خلال النّمـاذج المثيرة للاقتداء؛ فالمسلمون بسلوكهم وأخلاقهم وتعاملهم حين مرّوا ببلاد العالم، تجارة وسياحة ودعوة، كانوا نمـاذج أثارَتْ الاقتداء، واستمرّ الإسلام عقيدة وسلوكاً عند شعوب الأرض جميعاً( )، بمـا فيها تايلاند.
وقد يكون التّجّار والسيّاح والدّعاة، الّذين حملوا رسالة الإسلام، من غير العلماء والفقهاء، وإنّمـا من أهل الخُلُق المتميّز والسّلوك الإنساني الرّفيع والمؤثّر، ولذلك فقد يكون عند الكثير من الشعوب، الّتي أسلمتْ، بعض العادات والمخالفات الشرعيّة، الّتي تحتاج إلى تصويب وتنقية، لكن ذلك لم يمنع من إيمـانهم بالإسلام وانتسابهم لأمّته( )؛ وهو المشهد نفسه بالنسبة لمسلمي تايلاند.
2- الملايو.. ملمح تاريخي:
تعاقب على بلاد الملايو الكثير من الشعوب والمدنيات والحضارات، شأنها في ذلك شأن البلاد والأمم الأخرى، فقد قامت في المنطقة مدنيات بوذية وهندوكيّة، مثل مدنية فونان (Punan)، ومدنية شامبا (Champa)( ). وتقاسمت فيمـا بعد أراضي هاتين المدنيتين جمهوريتا الصين الشعبية وفيتنام، وقد كان شعب شامبا من أوائل الشعوب المعتنقة للإسلام منذ القرن الأوّل للهجرة، وكانت شامبا تستقبل التجار القادمين من أقاليم الصّين، أمثال: كانتون (Cantun)، ويونان (Yunan)، وكانسو (Kansu). وكانوا يتوقفون في السواحل الشرقية لشبه جزيرة الملايو مثل: فطاني (Patani)، وكلنتن (Kelantan)، وترنجانو (Terengganu)، وفاهنج (Pahang)، ثم يتابعون سيرهم إلى مالاقا حيث الملتقى التجاري العالمي في جنوب شرق آسيا.
وبعــد انـدثار، فـونــان وشــــامـبـا، حلّتْ محلّهمـا مدنية «سـري ويـجـايـا» البـوذيّـة (Seri Wijaya)، وكان مركزها مدينة باليمبانج ( 5 -14م ) بجزيرة سومطرة، ثمّ مدنية ماجافاهيت (Majapahit) الهندوكية (1293-1478م)، وكانت حاضرتها جزيرة جاوا ( Jawa )، ومن آثارها معبد برو بودور (Brobodor) بمدينة جوكجاكرتا (Yuk Yakarta)، وجزيرة بالي (Bali) السياحيّة بأندونيسيا( ).
وقد فرضتْ المدنيتان الأخيرتان أعرافهمـا الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة على أرجاء بلاد أرخبيل الملايو. ووصل نفوذهما السياسي والتجاري إلى كلٍّ من جزيرة سيلان (سري لانكا)، وجمهورية مدغشقر (مالاجا شي)( )، وتمكّنتا من نشر الديانتين البوذية والهندوكية في أوساط الشعب الملايوي، وقد كانت الديانة الأخيرة تعتمد على النظام الطبقي أساساً في اعتقاداتها.
ونتيجة لتغلغلها في أوساط الشعب الملايوي، ونظراً لحالة البؤس والحرمان، التي يعيشها، ظهرت فيه الطبقية الهندوسية، الّتي تقسّم المجتمع إلى طبقات متفاوتة، أهمّها: الطبقات العليا ( الرّاجا) أو الملوك، والطبقات السفلى (السودرا). وكان من مقتضيات هذه الطبقية أن تنشأ روح التمييز والعنصرية بين أصحاب تلك الطبقات، فكانت الطبقات العليا تنظر إلى الطبقات السفلى من العبيد والعمال على أنهم أنجاس( )، ممّا بذر في الاجتماع البشري الملايوي حينها التمايز الطبقي.
وقبل دخول الإسلام إلى المنطقة وانتشاره فيها، كان سكّانها يدينون بعقائد راسخة الجذور لمئات السنين، كالمعتقد الإحيائي (Animism)، والدّيانة الهندوسية والبوذيّة( ). وكانت هذه المعتقدات قد فشتْ وتمكّنتْ فيهم، فلمـّا دخل الإسلام وانتشر في أوساطهم لم تزلْ بقايا هذه المعتقدات الخرافية عالقة في نفوسهم، ولم يتمّ اقتلاعها بصورة كليّة. ولا شكّ أنّ هذه المعتقدات والتقاليد تركت آثاراً كثيرة في تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم.
3- الإسلام في عالم الملايو:
اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وصول الإسلام إلى مناطق عالم الملايو، فبعضهم يرى أنّ الدّين الإسلامي الحنيف وصل إلى المنطقة في القرن الأوّل الهجري (السّـــابع الميلادي) في عهد خلافة سيدنا عثمان بن عفان ( )، بينما يرى بعضهم أنّ الإسلام جاء إلى جزر أرخبيل الملايو( ) بحضارته العالمية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).
وهناك قول ثالث مؤدّاه أنّ الوفود التجارية الإسلاميّة من أجناس مختلفة كالهنود والعرب والفرس والصينيين هي التي حملتْ رسالة التوحيد إلى موانئ ومدن تجاريّة بهذه المناطق في القرن الثامن الهجري (الرّابع عشر الميلادي) ( ).
ويقال: إنّ العلاقة بين بلاد العرب والشرق الأقصى كانت قائمة فعلاً منذ ما قبل البعثة، وهكذا، فمن المنطقي أن يكون الإسلام قد وصل مناطق الأرخبيل في القرن الهجري الأوّل (فيما بين القرنين السابع والثامن الميلادي) بسبب العلاقات التجارية بين هذين العالمين.
وأمّا انتشار الإسلام، فيمكن القول: إنّ الإسلام قد دخل أرخبيل الملايو أوّلاً عن طريق الجهود الفردية، التي بدأها التُّجار العرب والرّحّالة العارفون بجغرافية الموانئ منذ القِدَم، ثم تكاثرتْ رحلاتهم عن طريق مركزهم التجاري في الهند، وتبعهم سكّان الهند الّذين أسلموا، وكذلك أناس من فارس، التي أصبحتْ جزءاً من العالم الإسلامي منذ وقت مبكّر من التاريخ الإسلامي.
وفي تلك المرحلة كان الدّاخلون في الإسلام يكتفون بإعلان الشهادتين وأداء أركان الإسلام، كالصّلاة والصّوم( ).
وقد مرّ انتشار الإسلام في عالم الملايو بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وتشمـــل على وجه التقريب الفترة ما بين 705-778هـ/1200-1273م، وهي مرحلة التعـرف الشكلي الاسمي على الإسلام.
والمرحلة الثانية: وتشمل على وجه التقريب الفترة ما بين 803-1112هـ/1401-1700م، وهي مرحلة اعتناق الإسلام.
والمرحـلـــة الثالثــة: وتشمــــل تقريـــباً الفــتـــــرة ما بين 1112هـ/1700م وما بعدها، وهي الفترة التي شهدتْ استمراراً للمرحلة السّابقة وتأكيداً لها، وتزامنتْ مع مجيء القوى الغربية الاستعماريّة إلى المنطقة.
وفي هذا الطَّور تمّ الانتقال من مرحلة التفسيرات الأسطوريّة، الّتي بدأتْ تهتز وتفقد شرعيّتها إلى مرحلة اتّسمتْ بتفسيرات تعتمد الفهم للتعاليم الشرعية والفكر والعقل والنظام.
فالأهميّة الكبرى لهذه المرحلة من انتشار الإسلام تكمن في أنّها أحدَثَتْ تغيــــيراً عظيــــماً في النـــــظرة الـــــكليّة (World view) عنــــــــــد المســـــــلمين في هــــــذه المنطقة.
لقد شهد تاريخ وصول الإسلام وانتشاره بين شعوب هذه البقاع مداولات عديدة بين المؤرّخين والعلماء، ولكن الملاحَظ في جُلّها هو الاعتراف التام بحضــــــاريّة منهج الدّعـــــوة للإســــــلام ومدى سلاسة عمليّة توغّل الإسلام في حيــــاة وقــــلــوب الملايويـــــين، ويسـتــــــوي في هــــــــــــذه النّـظــــــــــرة المؤرّخـون المســـلمون والغربيّون( ).
ولعلّ أشهر مَنْ كتب من الغربيين في هذا الموضوع، تومي فيرس (Tome Piars)، الذي يرى أنّ دخول الإسلام السّلمي إلى شبه جزيرة الملايو كان عن طريق التجار المسلمين، الذين استوطنوا المنطقة بصورة دائمة. وصاهروا السكان الأصليّين، وهكذا رغّبوا وأقنعوا غير المسلمين باعتناق الإسلام( ).
وتؤكّد الباحثـــة الهولنـــدية هنـــدريك كرن (Hendrick Kern) أنّ الإسلام قد انتشر في جزر المحيط الهندي (أرخبيل الملايو) عن طريق الإقناع والصّلات الحسنــة، والصّداقـــة والتّزاوج بين المؤمنين (المسلمين) والوثنيّين، سكان البلاد الأصليّين. وقبل أنْ تشهد بلاد الملايو هذا التوسّع الإسلامي الكبير كان التجار المسلمــــون، وأغلبهم من العرب، يملأون أهم موانئ سومطرة، مثل: سامودرا (Samudra)، وفاساي (Pasai)، وأشيه (Acheh)، وما جاورها من الجزر، فهم الذين بذروا بذرة الإسلام، التي نَمَتْ وأينعَتْ مِن بعد، وأثمرتْ ثمراً كثيراً( ).
وقد أيّد توماس أرنولد (Tomas Arnold) ما ذهبتْ إليه هندريك؛ فقد أشار إلى دور آليّة الزّواج بين العرب والمـلايويّات في نشر الإســلام وقيَمِه في تلك الرّبوع. وهي صيغة عمد إليها العرب المهاجرون، الّذين عرفوا في المنطقة بلقب الأسياد؛ نظراً لقيامهم بشــــؤون الدّين بين الملايويّين.. وقد فتحتْ آليّة الزّواج من بنات سلاطين وملوك المنطقة أمام العرب أبواباً كبيرة للدّعوة للإسلام والنفوذ السياسي، وهي ظاهرة استمرّتْ حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي( ).
ولقد تضافرت عدة عوامل، انتهت إلى قيام سلطنات ومدارس ومراكز علميّــة إسـلاميّـة على امتداد سواحل دول الملايو، في الفـترة مــا بين القرن الثـالث عشـر والخـامـس عشـر الميلاديين، مثل: ســلطنة مـالاقـا (1377–1786م)، وسلطنـة آشيه (1497-1867م)، وسلطنة فطاني (1355–1786م) وغيرها من السلطنات الملايوية، الّتي قامتْ على امتداد سواحل المنطقة( )، وتكاتف الدّعاةُ العرب والتّجار المسلمون مع أمراء بلاد الملايو في وضع الأسـس الإسلاميّة لهذه الممالك الملايويّة المسلمة، ممّا قلّص مساحات الاختلاف بين تلك الأعراق المختلفة، التي جمعها الإسلام تحت مظلّته بشكلٍ ندر حدوثه في تاريخ تلك المنطقة، ولا يزال هذا التّمازج والتآخي بين الدّماء العربيّة في عروق العديد من سلاطين الملايو( ) إلى الآن، ناهيك عن عامة الشعب.
وتقف قصّة «الحبيب عبد الرّحمن» مع أهل آشيه حين أرغموه على تولّي قيادتهم وتنظيم مقاومتهم للغزو الهولندي في القرن التاسع عشر دليلاً على درجة التآخي، الذي جمع السكان الأصليّين بالعرب المهاجرين، وهي تجسيد لرّوح الأخوة، التي غرسها الإسلام في قلوب متّبعيه منذ الأيّام الأولى لقيام أوّل دولة له في التاريخ بعد الهجرة النبويّة الشريفة حين عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسر روح الولاء القبلي لصالح الولاء للفكرة عن طريق آليّة الإخاء، الّتي فعَّلها في أوّل أيّام الهجرة.
وقد انتظمتْ في هذه الممـالك والسلطنات، بناءً على حالة الاستقرار السياسي، الذي تحقق لها، مراكز علميّة: الكتاتيب التقليدية (Pondok)( )، التي انخـــرط فيها المريـــدون والعـلــــمـاء في حـلقات علميّة وثقافية نشطة في مدارس ومعاهد منفصلة وملحقة بالمساجد، كتلك التي قامتْ في المشرق والمغرب العربيَّين( ).
ويلاحظ أنّ انتشار الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وبروناي دار السلام وجنوب تايلاند (وهي سلطنات إسلاميّة في أرخبيل الملايو) كان في مراحل زمنية متّصلة وبأساليب وجهود مشتركة.



التعديل الأخير تم بواسطة الشريف ابوعمر الدويري ; 31-10-2015 الساعة 06:58 AM سبب آخر: تصحيح الآية الكريمة
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-10-2015, 10:19 PM
مفيد غير متواجد حالياً
كاتب في النسابون العرب
 
تاريخ التسجيل: 14-11-2014
المشاركات: 593
افتراضي

مملكة فطاني
في التاريخ والحضارة

1- تسمية فطاني:
قيل في أصل تسمية فطاني: إنّها سُمِّيَتْ باسم شخصية محترمة لرجل يدعى «تاني» وكان ينادى «فاق تاني» (Pak Tani) أي: الأب تاني، ويقصد بكلمة «الأب» هنا الإجلال والاحترام( )، فعُرِف المكان أخيراً باسم هذا الشيــــخ، أي (فاق تاني)، وبمـــــرور الأيام اختصر إلى اسم «فتاني» (Patani)، ثمّ صارتْ في النطق العربي باسم «فطاني»( ).
وهناك مَنْ يرى أنّ كلمة (تاني) نسبة إلى الفلاحة والزراعة، فالمعنى على هذا النحو «الأب المزارع»( ).
وتمثّل فـطاني - اليوم - مقاطعة في جنوب مملكة تـايلاند، عاصمـتها «فطاني المدينة».. والتاريخ يذكر أنّ فطاني كانت مملكة إسلاميّة( )؛ بل أكبر الممالك الإسلاميّة وأعظمها شــأنــاً في عـالم المــلايو (تــانــه مــلايو)، وأنّ الإسلام في فطاني كتب له الانتشار المطّرد أيّام سلاطينها وملوكها المسلمين الملايويين، كمـا جاء في قول المسـتـشـرق «نـيـوبـولـــد»، الّـذي زار فــطـــاني عــام (1511م)، وكـتـب عـنـهـا، ووصفها بأنّها (أوسع ممالك الملايو مساحة، وأكثرها سكّاناً) ( )، ووَصَفَها الرّحالة البرتغالي «Godinho de Eredia» بأنّها (ميتروبوليّة أرخبيل الملايو) ( )، ويُرَجَّح أنّ قيام مملكة فطاني كان في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي.
وشهدتْ فطاني في ظلّ المملكة الإسلاميّة حضارة صاعدة في المظاهر العمرانيّة كافّة بشهادة المؤرّخين، وكانت تشكل قوة عظمى رادعة في منطقة جنوب شرق آسيا، حافَظَتْ على الكيان الإسلامي( )، وتصدَّتْ للقوى العظمى في المنطقة آنذاك، كما تصدَّتْ للزّحف الاستعماري البرتغالي في أرخبيل الملايو؛ بل أصبحتْ فطاني من أحد المراكز المهمة لنشر الإسلام بين تلك البلاد بسبب النشاط التعليمي ونشوء عشرات من كتاتيب التعليم الإسلامي فيها( ).
وإذا ذُكِرَ تاريخ فطـــاني، صــــاحب ذلك قـــامـــات من فطــــاحل العلماء، من أمثال( ): الشيخ داود بن عبد الله الفطاني (ت 1263هـ/1847م)، والشيخ أحمد بن محمد زين المصطفى الفطاني (ت 1325هـ/1908م)، والشيخ زين العابدين بن أحـمد الفطــاني، والشّــيخ نيء مَتْ كيـشــيك الفطـاني (ت 1332هـ/1915م)، والشيخ إبراهيــم بن داود بن عبد القادر الفطاني (ت 1413هـ/1993م)، وهو الملقَّب بـ «فقيه مكّة»؛ وغيرهم من علماء مملكة فطاني، التي سقطتْ فعليّاً وأفل نجمها السياسي عام (1786م) إثر حرب ضروس بينها وبين مملكة سيام.
2- سكان إقليم فطاني:
يتكوّن سكان الإقليم من العناصر الآتية:
أولاً: عنصر الملايويين، وهم سكان البلاد الأصليين، الذين يرجعون إلى العنصر الملايوي، ونسبتهم حالياً تزيد على 80 %( )، كلهم يدينون بالإسلام.. وسكان فطاني حوالي ثلاثة ملايين ونصف، عدد المسلمين بينهم 2,8 مليون.
ويتكلّمون اللغة الملايوية المعروفة بـ (الجاوية)، الّتي تكتب بالحروف العربية( )، وبها كثير من الكلمات العربية.
ثانياً: عنصر السياميّين، وهو العنصر الثاني للمجتمع الفطاني، ويدينون بالدّيانة البوذية، ويتكلّمون اللّغة التايلانديّة، وهي اللّغة الرسمية في البلاد حالياً. ويختلف السياميّون عن الملايويين في كثير من الأمور، في تركيب لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم وغيرها.
ثالثاً: العنصر الصيني، هو العنصر الثالث للمجتمع الفطاني، وليس لهذا العنصر ديانة معيّنة، بل له ديانات مختلفة أغلبها يميل إلى البوذية، وذلك نتيجة لاختلاط الصينيين ومصاهرتهم السياميّين البوذيين، وعلى هذا نجد كثيراً منهم غير متدينين، ويختلف الصينيون عن الملايويين في تقاليدهم، وهم يتكلمون اللغة الكانتونية، الهوكانية، والنيوسوية( ). بالإضافة إلى اللغة التايلاندية، إذ إنّ معظم الشباب الصينيين الحاليين يتخاطبون باللغة السائدة، وهي اللغة الحكومية (التايلانديّة)؛ بوصفها لغة ثانية، أكثر من لغتهم الأُم المذكورة.
رابعًا: عناصر أخرى؛ وهي عناصر المهاجرين من بلاد الهند وماجاورها، يدينون بالإسلام، وبعضهم يدين بالهندوسية، ويتكلمون بالأردية( )، من غير اللّهجات الهنديّة، وعددهم قليل جدًّا؛ غير أنهم يعيشون في المدن، ويعملون في المجالات التّجارية.
وثمّة عنصر عربي، يـدين بالإســــلام، وهـــــم الّذين هاجــروا من جنوب شبه الجزيرة العــربية واستـــقرّوا هناك، ويتــــكلّمون لغتـــهم الأم وهـــي العربية، غير أنّ الجيـل الجــــديد منهم يفضّلون اللغــــة التايلاندية، ثمّ المـــــلايويّة لظـــروفهم الاجتماعية والاقتصادية البعيدة عن الجو العربي الأصيل، والبيئة العربية الرّاقية( ).
3- جغرافية فطاني:
يقع «إقليم فطاني» في شبه جزيرة الملايو (جنوب شرقي آسيا)، وبين خط طول 99-102 درجة، وخط عرض 6-10 درجة من خط الاستواء (أي ضمن المنطقة شبه الاستوائية)( ).
وتُقَدَّر مساحته قبل أن تحتله مملكة تهاي (السيامية البوذية) بأكثر من خمسين ألف ميل مربع، تمتد ّمن حدود ماليزيا جنوبًا إلى مضيق كرا شمالاً، غير أنّ عملية الاحتلال البوذي، التي قادتها قبائل التاي قد قلَّصتْ هذه المساحة إلى ستة عشر ألف ميل مربع فقط، فتغيّرتْ خريطة فطاني لتصبح حدودها جنوبًا ماليزيا وشمالاً تايلاند، وشرقاً بحر الصين، وغرباً بحر أندامان، الّذي يتّصل بالمحيط الهندي( ).
وينقسم إقليم فطاني( )، حالياً، إلى أربع مقاطعات، هي:
أ- فطاني (Pattani): وهي أصغر المقاطعات، وعاصمتها مدينة فطاني، التي تعتبر أكبر مرفأ بحري في البلاد، وقد حملتْ المنطقة كلّها اسم المدينة.
ب- ناراتيوات (Narathiwat)، وهي على ساحل بحر الصين الجنوبي، ومركزها مدينة بنغنارا، وهي تلي فطاني من حيث المساحة.
ج- جالا (Yala)، وهي منطقة داخلية، وتقع في الوسط بين فطاني وبنغنارا.
د- ستول (Satul)، وتشمل محافظة ستول وجزءًا من محافظة سونجكلا، وتشرف على البحرين؛ بحر أندامان في الغرب وبحر الصين الجنوبي في الشرق، أو على المحيطين الهندي والهادي، وتتبعها مجموعة جزر على الساحل الغربي. وهذه أكبر المقاطعات وأوسعها.
4- إسلام مملكة:
إنّ قصّة مملكة فطاني الإسلاميّة لا تكتمل إلاّ بالوقوف على ظرف دخول الإسلام إلى هذه المملكة( ).
تقول القصّة( ):
إنّ ملك فطاني الوثني مرض مرضاً شديداً، تشقّق به كلّ جلده (أي أصيب بالبرص)، وأعيا جميع الأطباء شفاؤه.. فـأرسـل في جميع أقـالـيـم مـمـلـكتــه مبعوثيه يـضـربـون عـلى طــبـلـة «غونغ»؛ ليبلّغوا الرّعيّــة بمرضـه، وأنّ مَن اسـتطاع عـلاجـــه، فإنّ الملك ســــيـكافـئه بتزوّيجه ابنته الأميرة. وبعد يأس، وصل الطبّالون إلى قرية فاساي، وكان بها مسلمون، وكان فيها عالم داعية اسمه الشيخ سعيد (صفي الدّين). حين سمع الشيخ بمقولة الطبّالين قال لرئيسهم: «ارجعْ، وقُلْ للمَلِك إنّي لا أرغب في مصاهرته، ولكن إذا رغب الملك في اعتناق الإسلام، فسأداويه من مرضه».
وبذلك، فإنّ الشيخ باشتراطه إسلام الملك، يخفّف عنه مؤونة التضحية بابنته، وبولاية العهد إلى غريبٍ بعيد.
ولم يكد الملك يسمع بخبر هذا الشيخ حتّى استعجل حضوره، وبعد تأكيد الشّرط، وتوثيق العهد؛ عالجه الشيخ، فتعافى بإذن الله خلال أيّامٍ محدودة، عاد بعدها الشيخ إلى قريته.
ويمضي عام، فعامان على هذه الحادثة دون أنْ يفيَ الملك بوعده، الّذي قطعه للشيخ، ولكن هذا الدّاعية الحصيف ظلّ صامتاً، يعذره لمـا علم من وطأة التقاليد، وقوة المعتقدات الوثنية الهندوسية عليه، وهو – بعدُ – ليس إسلامه إسلاماً عابراً، وأمراً شخصيّاً، ولكنّ إسلامه يعني إسلام مملكة وشعب.
ثم يشاء الله القدير أن يمرض الملك ثانية، ويقطع عهداً للشيخ أنّه سيُسْلم إذا تعافى من مرضه، وهنا لقّن الشيخ الملك حقيقة غائبة.. قال له: «إذا كنتم مخلصين في وعدكم، فإنّني سأعالج جلالتكم، ولكن إذا لم تكونوا صادقين في كلامكم، فإنّ علاجي لن ينفعكم».
حقيقة تُبرز مدى توكُّل هذا الدّاعية على ربّه، وثقته به، وتجرّده عن كلّ رياء؛ إذ ناط شفاء الملك بمدى صدقه في الوعد، وذكَّرَه أنّه -أيْ الشيخ- مجرّد وسيلة، وأنّ هناك قوّة ربانية هي التي تمنح الشفاء.
ويبدو أنّ الملك كان صادقاً مع نفسه في تلك اللحظة؛ إذ عالجه الشيخ سعيد لعدّة أيّام، تعافى بعدها؛ فاستأذنه الشيخ بالعودة إلى بلدته.
مضى عام آخر، وعاد المرض مرّة ثالثة، وهو أشدّ وطأة من ذي قبل، وحين جاء مبعوث الملك إلى الشيخ سعيد، قال له: «ارجِعْ إلى الملك وأخبره أنّني لن أداويه أيضاً؛ لأنه لم يفِ لي بوعوده». حين أُبْلِغ الملك كلام الشيخ سعيد، أوفد إليه كبير حجّابه يستعطفه ويقول له: «إذا عُوْفِيْتُ هذه المرّة، فإنّني لن أخلف وعدي، وحقّ آلهتي إنْ خالفتُ وعدي، فلا عوفيت بعد ذلك أبداً»...
هكذا، حين قَدِم الشيخ لمعالجة الملك، أكّد له الوعد مرة أخرى، وذكَّره أنّه لن يعالجه بعد هذه المرّة إنْ هو أصرّ على عدم اعتناق الإسلام: «إنّني لن أعالجكم بعد ذلك إذا مرضتم، ولو عزمتم قتلي، فأنا راضٍ بذلك».
لم يمضِ أكثر من شهر على علاجه وشفائه، إلاّ وجمع الملك وزراءه وقوّاده، والــكهنة والخدَم بالقـــصر، وأطلعهم على عزمه في اعتناق الإســـلام.. ولم يواجَه باستنكار ظاهر منهم.
أرسل إلى الشيخ سعيد؛ فجاءه، وحين علم الشيخ بعزم الملك على الوفاء بوعده، استبشر، ولقنّه كلمة الشهادة، ولقّنها كذلك القوّاد والكهنة والخدم.
وعرض على الملك أن يختار لنفسه اسمـاً إسلاميّاً، وهنا فوّض الملك الأمر إلى الشيخ؛ فاختار له اسم (السّلطان إسماعيل شاه)، وبوصفه أباً رحيمـاً يحمل همّ أبنائه، فإنّ الملك طلب من الشيخ أنْ يعطيهم أسماء إسلاميّة، حتّى يكمُل إسلامه، وكان له ثلاثة أبناء، سمّى الشّيخ سعيدُ الأوّلَ: السّلطان مظفر شاه، والبنت الوسطى: سيتي عائشة، والأصغر: السّلطان منصور شاه، ثمّ عيّن الملك الشيخ سعيد صفيّ الدّين مفتياً عاماً في فطاني، وقام مدّة ينشر الدّعوة الإسلاميّة بين أهـــل القصر الملكي وكبار رجـــــالات الدّولة حتى أسلموا جميعاً، ثمّ تبعهم الشعب، فأسلموا كلّهم. ثمّ تمكّن الإسلام في قلوب ملوكها وشعبها، وأصبح الإسلام هو المسيطر على حياة الناس، وأزيلت المظاهر المخالفة للإسلام في فطاني، فأصبح الدّين الإسلامي هو دين الدّولة الرّسمي آنذاك( ). حيث ترصد بقيّة فصول القصّة تحوُّل هذه المملكة الوثنية إلى الإسلام في مظاهرها السياسية والثقافية والاجتماعيّة.
بالإجمال، فإنّ إسلام ملك فطاني وحاشيته كان الانطلاقة الأولى للمسيرة الحضاريّة الإسلاميّة، وكانت تلك الانطلاقة بتوفيق الله ، ثمّ بحصافة داعية فذّ يتحلّى بالحكمة والصّبر والأناة.
5- حضارة فطاني:
يمكن القول: إن حضارة مملكة فطاني التاريخيّة، بدأت مع دخول الإسلام وانتشاره في هذا الإقليم عن طريق التجار العرب المسلمين، فقد كانت فطاني طريق سفرهم إلى الصين، كما كانت طريق عودتهم أيضاً، حيث كانت المدينة ميناءً كبيراً( )، ومنه تقدّم العرب إلى كمبوديا في طريقهم إلى الصين.
ولا يُعرف بالضّبط متى وصل الإسلام إلى المنطقة، فوصول أفراد قلائل شــــكّلوا جماعــات صغـيرة لـم يسجِّلها التاريخ؛ وخـــاصة أنه كان تاريخ ممـــــالك لا شعوب، وتاريخ دُوَل لا تاريخ دعوات، فلا يمكن أن يكون بداية وصول الإسلام بقيام دولته وامتداد سلطانه، ولكن من المعروف أنّ علاقة أرخبيل جزر الملايو كانت قوية مع الهند، وخاصّة مع سواحلها الغربية، الّتي انتشر فيها الإسلام في وقتٍ مبكِّر نتيجة التجارة وانتقال المراكب المستمرّ بينها وبين أطراف شبه الجزيرة العربية، الّتي انطلق منها الإسلام، إضافة إلى علاقة شبه جزيرة العرب مع الجزيرة الملايوية عن طريق التجار العرب، الّذين يفدون مباشرة على ظهر سفنهم المنطلقة من بلادهم والتي تمخر عباب المحيط الهندي، الّذي عرف السفن منذ زمن بعيد، كما أنّ الملايو على صلة مع جزيرة سومطرة المواجهة لها من جهة الغرب والتي وصل إليها الإسلام أيضًا، لأن أطرافها الشمالية أقرب جغرافياً إلى الجهة الغربية، حيث كانت تمخر السفن الإسلامية، وتتحكم في طرق المحيط الهندي البحرية وموانئه وقواعده.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد الزمن، الذي وصل فيه الإسلام إلى تلك المنطقة، إلاّ أنّ المؤكّد أن وصوله كان منذ المرحلة الأولى، التي شاع فيها نور الإسلام في أراضي العرب، حيث انتقل منها بواسطة التجار، الّذين قطعتْ سفنهم عباب البحر قادمة وذاهبة تحمل البضائع من وإلى تلك البقعة النائية من الأرض والتي تختلف منتجاتها عمّا تنتجه بلاد العرب( ).
ويرى بعض المؤرخين الملايويين أنّ الدّين الإسلامي وصل إلى فطاني منذ القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي( )، بينما يرى بعضهم الآخر أن الإسلام وصل إلى فطاني منذ القرن السابع الميلادي، أي القرن الأول الهجري، ثم انتشر تدريجياً خلال القرون: الثاني والثالث والرابع للهجرة...
وعلى الرّغــــــم من اختــــــلاف المؤرّخــــين في تاريخ دخول الإسلام إلى فطاني؛ إلاّ أنّهم اتّفقوا على أنّ القرن الخامس عشر الميلادي هو القرن الذي تعاظم فيه انتشار الإسلام في دولة فطاني (دار السّلام)، وذلك لأنّ الملك البوذي (فرأيا توانكو انترا بن راج سري وانغسا)، الّذي عرف فيما بعد باسم (السلطان محمّد شاه)، قد دخل في دين الله الحنيف في منتصف هذا القرن، أي خلال سنة 1457م( ).
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-10-2015, 10:23 PM
مفيد غير متواجد حالياً
كاتب في النسابون العرب
 
تاريخ التسجيل: 14-11-2014
المشاركات: 593
افتراضي

الوجود الإسلامي في تايلاند الماضي والحاضر

على الرغم من وفرة الدّراسات، الّتي تتعمّق في تاريخ الإسلام بالشّرق الأقصى؛ إلاّ أنّ هذه الدراسات لا تتعرّض بالكثير لتاريخ الإسلام في تايلاند، ولا تشير إلاّ إشارات سريعة للوجود الإسلامي، مع أنّ المكانة الرّفيعة، الّتي بلغها المسلمون في تايلاند كادتْ تجعل منها بلداً إسلامياً، كما اعترف بذلك كثير من الرّحالة الأجانب، الّذين زاروا تايلاند خلال القرنين السّادس عشر والسّابع عشر الميلاديّين. وفي الآونة الأخيرة بدأ ظهور بعض الدّراسات التايلانديّة، وغالبها عن مصادر غربيّة تتحدّث عن تاريخ الإسلام في تايلاند.
ومن أشهر المؤرّخين الّذين تحدّثوا عن الوجود الإسلامي في تايلاند المفكّر التايلاندي المعاصر الأمير (كيكريت براموج)، رئيس الوزراء الأسبق، الّذي أثبت أنّ الإسلام وصل تايلاند بصفة عامّة في عصر مملكة سوكوتاي، أي في القرن الثالث عشر الميلادي( ).
ومع ذلك يبقى أن الإسلام وصل، بشكل أو بآخر، الأرض التايلانديّة منذ فــــترة مبكرة، مثـــلها مثـــل بقيّة دول شـــرق، وجنــــوب شرقي آسيا، ويُذكر أنّ التجار العرب والفرس المسلمين، هم الذين أدخلوا الإسلام إلى مناطق الوجود الإسلامي الحالي في تايلاند منذ القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي، وإنْ انحصر فَهْم الإسلام في تغيير بعض العادات والتقاليد من مثل: إجراء الختان والامتناع عن تناول لحم الخنزير وغير ذلك.
وقد اتّخذ الإسلام في طريق وصوله إلى هذه المنطقة محورين:
المحور الأوّل: (محور جنوبي بحري) قدِم إلى المنطقة عن طريق التجار العرب، وخاصّة الحضارمة. وأسّس العرب الموانئ على سواحل فطاني آنئذ، واتّسع انتشار الإسلام بعد ذلك، وزاد انتشاره في القسم الجنوبي بتايلاند، وزاد الانتشار أكثر مع استيطان العرب واندماجهم بالسّكان.
المحور الثاني: (محور شمالي برّي) قدِم الإسلام عن طريقه إلى تايلاند من جنوب الصّين من منطقة يوونان، حيث انتشر الإسلام في منطقة عريضة، وسيطر على مساحات واسعة، ونشط دخول الإسلام عن طريق هذا المحور.
وتقدّم الإسلام مع العناصر المهاجرة عبر توغّلهم في شمالي تايلاند، وتمركز بهم في بقاع شتّى من وسط وشمال تايلاند. ويشكّل المسلمون ست سلالات كبيرة في تايلاند هم العرب والفرس والهنود والصين والملايو والتهاي؛ وتعيش القوميات ذات الأصول الملايوية في جنوب تايلاند في أقاليم فطاني وجالا وستول وناراتيوات وسونجكلا، وهي الأقاليم الواقعة بين ماليزيا وتايلاند، وهم يتكلّمون اللّغة الملايويّة، ويكتبونها حتى الآن بأحرف هجائية عربيّة.
أمّا مَنْ هُم مِنْ ذوي الأصول البورميّة والصّينيّة، فيعيشون في المنطقة الشمالية، بينما يعيش مَنْ هُمْ مِنْ أصول هنديّة أو باكستانيّة وإيرانيّة وعربيّة في الوسط، ولكلّ مجموعة عرقيّة مسجدها وإمامها( ).
1- الإسلام في مملكة سيام:
ويمكن النظر إلى ماضي الوجود الإسلامي في المنطقة من خلال بعض الوقفات مع ما سجله المؤرخون حول بدايات ظهور الإسلام في مملكة سيام (تايلاند) ( ) بقسميها الشمالي والجنوبي:
أ- الإسلام في سيام الشمالية:
ينتمي شعب سيام الشمالية إلى قبيلة التهاي، الّتي وَفَدَتْ من جنوب غرب الصّين خلال القرن الثالث عشر الميلادي عندما طَرَدَها كوبلاي خان (Kublai khan) إمبراطور المغول من موطنها الأصلي في جبل أنتاي (Antai) في أراضي الصين الحالية، واتـّخذوا مدينة سؤخوتاي (Suk khotai) عاصمة لمملكتهم، الّتي تمّ تأسيسها عام 1257م( )، وتعد قبيلة تهاي (Thai) من أكبر القبائل، التي استقرَّتْ في أراضي تايلاند الحالية، وما لبثت أن احتكَّتْ قبيلة التهاي بالجماعات الأخرى المجاورة لها واندلعتْ بينها عدّة حروب، خاصة مع جماعات البورمان.
ولقد ظهر قبل قيام الدّولة السّيامية البوذية (سنة 1257م)، في هذه المنطقة ممالك بوذية عديدة، وكان التجار العرب المسلمون، الذين وصلوا إلى جنوب شرق آسيا في منتصف القرن السابع الميلادي، قد اتخذوا الأراضي السيامية (التايلاندية) طريقاً لمسيرة قوافلهم التجارية.
لقد ظهر الإسلام في تايلاند -كما أسلفنا- منذ منتصف القرن السابع الميلادي على أيدي التجار العرب والفرس المسلمين، الذين اتخذوا الأراضي التايلاندية طريقًا لهم بين أرخبيل الملايو والهند الصينية، وكان احتكاكهم المستمر مع الأهالي، وخصوصًا التجار منهم قد مهَّد السبيل لظهور الدّعوة بينهم، وكانت سلامة الدّعوة وبُعدها عن التدخل في الشؤون السّياسية قد ضَمِنَ لها الاستمرار في الحركة، كما أنّ التعاليم الإسلامية المنسجمة مع التفكير الإنساني السّليم هي التي جعلت الديانة المحلية (البوذية وغيرها) لا تجد حجّةً قويَّةً معقولةً لصدّ الدّعوة الإسلاميّة عن مواصلة سيرها إلى الأمام.
ب- الإسلام في سيام الجنوبية:
ظهر الإسلام في المنطقة الجنوبية لخارطة سيام في منطقة اسمها (فتاني)( )، وينتمي شعب هذه المنطقة إلى قبيلة الملايو؛ ويذكر المؤرّخون أنّ قبيلة الملايو ليستْ أوّل قبيلة استوطنتْ هذه المنطقة، إذ إنّ هناك قبائل أخرى استقرّتْ قبل دخولها المنطقة، وأنّ أوّل مّنْ دخل هذه المنطقة هي قبيلة ليار (Liar) ولم تكن لهذه القبيلة حضارة، غير أنّها تأثّرتْ بالحضارة الهندية( ) لقرون عدّة قبل الميلاد، وهي تتكوّن من عنصري: سامانج (Samang)، وساكاي (sakai)، ولمـّا دَخَلَتْ الحضارة الهندية تعايشتْ معها بعض القبائل الأصلية، علماً بأنّ الهنود هم مِنْ أصحاب الحضارات القديمة في العالم، وبهذا أسّسوا وحدة سكنيّة كمدينة لمجموعتهم، وتأثَّرَ المواطنون الأصليّون بهم ودخلوا معهم ديانتهم (البراهمة)، وتصاهروا معهم، وأصبحتْ المنطقة معمورة( ). ثمّ قام هؤلاء بالهجرة في أواخر القرن السابع الميلادي بسبب الضغوط من الممـالك البوذية في شمال سـومطـرة إلى دولة إســلامية صغــيرة حـــديثة النشأة اسمها (دولة تاج جهان)، الّتي ظهر اسمها عند الكُتَّاب الصينيين سنة650م( ).
وكان التجار العرب المسلمون يسيطرون على تجارة بحر الصين الجنوبي في القرن العاشر الميلادي، وكذلك تجارة المحيط الهندي، وأرخبيل الملايو. فكان أكثر تردّدهم في هذا القرن على المراكز التجارية في تايلاند، وازداد تجمّعهم فيها، فاستفادتْ منهم الدعوة الإسلامية في المناطق، التي دخلوها ومكثوا فيها، حيث استجاب لها عــدد غير قليل من الأهالي في المجتمع البوذي التايلاندي، ويرجِّح هذا الرأي ما أشار إليه بعض الكُتَّاب من أنّ الدّعوة الإسلامية دخلتْ تايلاند في القرن التاسع الميلادي( ).
ومما لاشكّ فيه أنّ الدّعوة الإسلامية في هذه المنطقة استفادتْ من وجود التجّار المسلمين ومن حركتهم التجارية، وتمكّنَتْ من مضاعفة حركتها وسيرها إلى الأمام في الجنوب الغربي لتايلاند.
ولقد شهد أوائل القرن الرّابع عشر الميلادي انتشار الدّعوة الواسع في فطاني (الجنوب الشرقي لتايلاند) على أيدي المسلمين المهاجرين من أهالي سومطرة بسبب الغزوات المتكرّرة من مملكة (Majapahit) ( )؛ فأصبحت فطاني نتيجة ذلك ميناءً إسلامياً مشهوراً ترسو فيه البواخر التجارية المتردّدة بين كانتون بالصين والموانئ التجارية على السواحل المواجهة لبحر الصّين الجنوبي، إذ كانت تجارة بحر الصّين لا تزال في أيدي التجار المسلمين من العرب والفرس، الذين ساهموا مساهمةً فعَّالة في مدّ حركة الدعوة الإسلامية في الموانئ، الّتي نزلوا فيها وزاولوا فيها أعمالهم التجارية.
وفي أوائل القرن الرّابع عشر الميلادي بدأتْ الدّعوة الإسلاميّة تقدّمها وانتشارها الواسع في ولاية سنجـــــورا- المتاخمة لفطاني من الجهة الشمالية - والتي كان يجلس على عرشـــها ملك مســـــلم اسمــــه (السلطان سليمان) ( )، حيث لم يُعرف بالضّبط تاريخ إسلامه وكيفية دخوله في الإسلام، بينمـا عرفتْ مملكته باسم مملكــة (كـوتا مهليكي) (Kota Mahligai) ( )، وكان السّلطـان سليمـان مـعـاصـرًا لــــــ(راجا أســــكندر شاه) ملك سنغافورة المسلم، الذي عاش ما بين أواخر القرن الثالث عشر الميلادي ومنتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وارتبطا برباط المصاهرة الملكية؛ إلاّ أنّ هذه المملكة لم تدُمْ طويلاً، فقد انهارتْ على أثر الهجوم العنيف السيامي. وبعد سقوطها قام الملك (سري وانغسا البوذي) بنقل عاصمة ملكه إلى فطاني لشهرتها التجارية ولكثرة سكّانها، ولكونها صارتْ في ذلك الوقت ميناءً تجارياً كبيراً تقف فيه البواخر التجارية المختلفة.
2- حضور.. وانتشار:
وبشكل عام، فإن المسلمين اليوم يشكلون حضوراً وانتشاراً ملحوظاً في تايلاند؛ فهم موجودون في كلّ أنحاء المملكة، بنسب متفاوتة كالتالي:
أ- حوالي 1% من المسلمين حديثي عهد بالإسلام في المنطقة الشمالية (محافظتي شيانجماي( ) وشيانجراي)، وهؤلاء نتاج الدّعوة الإصلاحيّة من أهل السنة والجماعة، مسلمي الجنوب( ).
وهناك وجود إسلامي بدأ يظهر مؤخّراً، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م، في محافظة كون كين، وهي إحدى المحافظات الشمالية الشرقية على الحدود مع دولة لاوس.
ب- حوالي 4% من المسلمين في المنطقة الوسطى (بانكوك وضواحيها)، وهم نتاج التهجير القسري لمسلمي فطاني في المـاضي؛ بيد أنّهم استطاعوا الحـفـاظ عـلى هـويّـتـهم الإسـلاميّـة، بل وأثّــروا في المجتمـع، وهم يدعون أفـراده وجـمـاعـاتـه إلى الإسلام؛ فَهُمْ نتاج التبادل الثقافي والحضاري والمـعـرفي والتّـجـاري مع المسلمين غير التايلانديّين؛ الذين كانوا عامل نـقل للحـضارة والثّـقـافة الإسلاميّـة إلى المحـور المركـزي لـ (تايلاند)، وفيهم كثير مِنْ ذوي الاتجاهات الفكريّة المتعدّدة.
ج- حوالي 80 % من المسلمين يسكنون في منطقة جنوب تايلاند( )، بمحافظاتها الحالية: فطاني، جالا، نارتيوات، ستول، وجزء من سونجكلا. وهناك المحافظات الجنوبية الأعلى، التي يقطنها نسبة لا بأس بها من المسلمين، وهي: محافظة فوكيت، كرأبي، فغغا، فتلونج، ناكورن سري تممارات( )، سورات تاني، وترانج.
ويمكننا القول بشكلٍ آخر: ثمّة محافظات ذات أغلبية من المسلمين، وفيها معالم إسلاميّة بارزة كالمساجد والمطاعم الإسلاميّة ومقابر المسلمين، وتظهر فيها العادات والتقاليد الإسلاميّة أكثر من غيرها، ومن هذه المحافظات: ناراتيوات (Narathiwat)، فطاني (Pattani)، جالا (Yala)، ستول (Satul)، أيوتيا (Ayutaya)، نون تابوري (Nonthaburi)، فاتوم تاني (Phatumthani)، بانكوك ياي ( Bangkok Yai).
وبشكل عام، يتوزّع المسلمون على أكثر من ثلاث وثلاثين محافظة من محافظات مملكة تايلاند، لكن معظمهم يتركّزون في منطقتين رئيستين، هما فطاني، الّتي تقع في المنطقة الجنوبيّة، وحول العاصمة بانكوك في المنطقة الوسطى. ويرجع سبب ذلك إلى أنّ المنطقة الجنوبيّة كانت مملكة إسلاميّة مستقلّة منذ القرن التاسع الهجري إلى أنْ ضمّتها تايلاند إليها سنة 1902م، كمـا أنّ السّلطات التايلانديّة قامتْ بتهجير حوالي 140 ألف من مسلمي الجنوب إلى أطراف العاصمة بانكوك من أجل تخفيف كثافة المسلمين في المناطق الجنوبيّة، وعلى عكس ذلك تمّ نقل حوالي 4,000 تايلاندي بوذي إلى الجنوب في عهد الملك فرانانج كلاو (Phra Nang Klao) (1851- 1874م) ( ).
- الشيعة:
للشيعة حضور كبير، وتأثير ملحوظ في الحركة الثقافية في تايلاند، حيث تنتشر المراكز الثقافيّة التابعة لهم في العاصمة بانكوك، وهي المنطقة الّتي تمركزوا فيها منذ دخول التشيّع لبلاد تايلاند قبل 450 سنة( )، من خلال التجار والدّعاة والعلاقات الدّبلوماسيّة بين الدّولة الصّفويّة والقاجاريّة والحكومة التايلانديّة والسّلطة في فطاني.
وفي مدينة (أيوتيا) يقف قبر الشيخ أحمد القمي (1543- 1657م)، شاهداً على دخول المذهب الشيعي لتايلاند، فقد استوطن بانكوك عام 1582م، وبعد أنْ ترسّخَتْ علاقته مع المقامات العليا في تايلاند، استقرّ فيها وتزوّج منها، وخلّف عدداً من الأولاد، وقد تزوّج ملك تايلاند بإحدى حفيداته في ذلك الزّمان، فازداد نفوذ الشيخ أحمد في المنطقة، وما لبث أن أصبح ذا تأثير واضح على الوضع التجاري والسياسي في تايلاند، فقد تسلَّم منصب رئيس جمارك البلاد، ثمّ ما لبث أن أصبح رئيس وزراء (أيوتيا) بأمر من ملك البلاد آنذاك.
وللشيخ القمي، قبر شُيِّد عليه مسجد زُيِّن بأجمل النقوش الإسلاميّة، ويعتبر مزاراً، حيث يقصده كثيرون برجاء تحقيق آمالهم، كما يقوم بعض السياسيّين عند تنصيبهم بزيارة لهذا القبر؛ ويشاهد الزّائر للمسجـــــد المقــــــام على القبر ما كُتِبَ عــلى الحجر، الّذي وُضِعَ على القبر، باللغة الإنجليزية والتـــايــــلاندية مـــا يلي: الشيـــخ أحمــــد، رئيــــس وزراء دولـــــة تايــــلانــــــد في أيوتيا، في زمان الشاه نارسون، المولود في محلّة (بايين) في مدينة (قم) سنة 1543م، شيعي اثنا عشري.
ويوجد في العاصمة بانكوك، أربعة مساجد للشيعة، ويبلغ عدد أتباع الطائفة الشيعية أكثر من 150,000 نسمة، يتمركز أكثرهم في بانكوك، وقسم منهم في الأقاليم الجنوبيّة( ).
ومن عوامل دخول التشيع إلى تايلاند: البحّارة الشيعة، الّذين كانوا يتّخذون من موانئها محطات استراحة قبيل انطلاقهم إلى الصّين، حيث كان تعاملهم مع أهل البلاد عنصر جذب نحو التعرّف على معتقداتهم، ممّا أدّى إلى تشيع الكثير من أهل البلاد.
ومــــن مراكز الشيعــــة في تايــــلاند، مدرســـــة (دار العــلـــــم) في بانـــــــكوك، التي أنشئت بهدف تزويد الشباب بالمعلومات الأساسيّة للتبليغ، وكان قرار إنشــــــــاء المدرســــــــة من الإمــــام الخــــوئي، وهــــي الآن مــــركز يبث مــــذهب الشيعــــة في تايلاند، كما تمّ إنشاء فرع لهذه المدرسة لتعليم النساء( ).
ومــــن مراكز الشيعة كذلك مركز (دار الزّهراء) في محافظة فتالونج، جنوب تايلاند، على أرض مساحتها 4,000 متر مربع، وقد افتتح المشروع في عام 1999م، باستقبال أكثر من 35 طالب في المراحل المختلفة لتعلّم القرآن الكريم، وتدريس الأحكام ، وأصول العقائد في دورات تعليمية منتظمـــة، تستــــغرق ثلاث سنــــوات، ينتقل الطالب بعد نجاحه فيها إلى مدرسة (دار العلم) التابعة لمؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في العاصمة بانكوك لإكمال دراسته.
وتعتزم المستشارية الثقافية الإيرانيّة في تايلاند في المستقبل القريب وبالتعاون مع المجمع العالمي لأهل البيت تأسيس مكتبة تحمل اسم «الشيخ أحمد قمي»، مؤسس المذهب الشيعي في هذا البلد. ولرابطة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة، ومن خلال فكر رئيسها «مهدي مصطفوي» وباقي المسؤولين، برامج وخطط، وقد قامت بأمور مهمّة لتحديد الفرص والتهديدات مستفيدة من خبرتها في هذا المجال.
وللشيعة في تايلاند قناة فضائية، تُبث عن طريق قمر صناعي تايلاندي (Thai Com)، بأربع لغات: التايلاندية، الملايويّة، العربيّة، الفارسيّة. ويقوم عليها مجموعة من ملالي خريجي جامعة قم من التايلانديّين، الذين استطاعوا أن يكونوا كوادر إعلاميّة قويّة في الأعوام المـاضية.
ونشاط القناة شبه احترافي، ممّا يعني أنّ هناك دعماً أكيداً من جهات إعلاميّة متخصّصة.. ولأنّ تايلاند هي أكثر الدّول حريّة في المنطقة، والتقنيات اللوجستية والتكنولوجية متوفرة بشكلٍ واسع، ناهيك عن أنّ تايلاند تعتبر مركز ثقل استراتيجي، فإنّ الشيعة قادمون في منطقة جنوب شرق آسيا وبقوّة( ).
وخلاصة القول: إنّ تاريخ دخول التشيع في تايلاند يعود إلى نهاية القرن السابع الهجري، وعددهم في تزايد مستمر، وأماكن وجودهم في المدن والأرياف الجنوبية التايلاندية المحاذية لمـاليزيا.
3- نسبة المسلمين في تايلاند:
تختلف التقديرات حول نسبة المسلمين في تايلاند، فهناك من يرى أن نسبتهم في حدود 5% من مجموع السكان البالغ (66,720,153نسمة)، حسب إحصاءات عام 2011م؛ وهناك من يقدر نسبتهم بحوالي10%( )، بينما هنا من يصل بالنسبة إلى حوالي12%( ).. وغير ذلك( ).
ويحتاج الجزم بنسبة المسلمين إلى إحصائية دقيقة، وجهد كبير، وهي من الصّعوبة بمكان، وهو أمر لا تستطيع القيام به إلاّ الإدارات الحكوميّة المتخصّصة في هذا المجال، وهي تتحفّظ حول بيان الإحصائية الصحيحة مخافة الفتنة، وهو ما جعل الأمر ما يزال في مجال الاجتهاد والتّخمين.
وتعتمد بعض الإحصائيات في طريقة حساب النسبة على مساحة البلد والمحافظة، حيث تعطي النسبة في ضوئها، وأخرى تعتمد على عدد الأُسَر المسلمــــة، وبنــــاء عــــلى ذلك يفــــترضون نسبــــة المســــلمين وعددهم، وكلّ ذلك لا يعطي إحصائيّة دقيقة يمكن الاعتمـاد عليها( ).
وهناك بعض الباحثين اعتمد في عملية الإحصاء على عدد المساجد، الذي يقدر بنحو 3,113 مسجداً، وهي (أكثر من ذلك)، ويوجد في محيط كلّ مسجد 183 أسرة مسلمة، تقريباً، وعلى فرض وجود ثمـانية أشخاص لكلّ أسرة، يصبح عدد المسلمين كلّهم حوالي 4,5 مليون، أو ما يعادل 7,3% من مجموع السّكّان( ).
وأياً ما كانت نسبة المسلمين في تايلاند وعددهم فإنهم يُشكّلون أقليّة، بالنّظر إلى المجموع العام للسكّان، سواء كانت نسبتهم 5% على أقلّ تقدير، أو 12% على أعلى تقدير، لكنّهم في المنطقة الجنوبيّة من البلاد يشكّلون أغلبيّة، خاصّةً في محافظات ناراتيوات وجالا وفطاني وستول، حيث تصل نسبتهم إلى 82%( ).
ومهما يكُن مِن ضآلة النّسبة المئوية للمسلمين على مستوى عموم تايلاند، فإنّ الدّيانة الإسلاميّة تأتي في الترتيب الثاني بعد البوذيّة( ).
4- مسلمو تايلاند على الخارطة السياسية:
تنتمي مملكة تايلاند في عهدها الحالي إلى عدد من المنظّمات الدّوليّة: الأمم المتحدة، مشروع كولومبو، حلف جنوب شرقي آسيا( )، حلف دول المحيط الهادي، دولة عضو مراقب في منظمة التعاون الإسلامي.
وينصّ الـدّسـتور على أنّ كلّ مسـلم وُلـِد في تـايـلانـد، وفي أيّــة بـقـعـة من الأراضي التايلاندية يعتبر مواطناً تـايـلانـديـاً أصـيلاً، له الحـقـوق والشّــرف والحريّـة طبقاً للقوانين التـايـلانـديّـة سـواءً بسـواء، ولا فرق بين المواطنين أبداً. وتشمل هذه الحقوق أيضاً ممارسة السياسة، واعتناق الديانة، التي يرغبها المواطن، وممارسة جميع الأعمال المشروعة.

وأمّا الحقوق المتعلّقة بالقانون الخاص، بما في ذلك القانون المدني والتجاري، والقانون الخاص بالأراضي؛ فللمسلمين الحق في ذلك، مثل: حق الزّواج، والميراث، وتملّك العقارات، والمنقولات وغيرها.
كما أنّ الحكومة التايلاندية منحتْ لهم الحقّ في الاحتكام إلى قانون الأحوال الشخصيّة طبقاً للشريعة الإسلامية ولعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية، سواء في محافظات جنوب تايلاند، أو على مستوى تايلاند كلّها.
كذلك فإنّ الحكومة التايلاندية أتاحتْ للمسلمين المشاركة في الحكم المحلّي والوطــــــــني، كما أتاحــــت لهــــــم الفرصـــــــــة لممارسة وظائف عامّة كأعضاء في مجالس القرى والبلديات، وحثّتْهم على ترشيح أنفسهم في الانتخابات العامّة، والحصول على المناصب الحكومية، وشجّعتْهم على ممارسة الحكم المحلّي، على مستوى المديريّة، وعلى مستوى المحافظة.
وأمّا بالنسبة للمستوى الحكومي والوطني؛ فشجّعتْهم على ترشيح أنفسهم في الانتخـــــــــابات العامّة؛ ليــــــكونوا أعضاء في مجــــــــــلس الشعب، وكذا أعضاء في مجلس الشيوخ.
كذا أعدّتْ الحكومة التايلاندية برنامج دراسة اللغة الملايوية، باعتبار هذه اللغة من اللغات المحليّة للموظفين الحكوميّين، الّذين يشتغلون في الوظائف الحكومية في محافظات جنوب تايلاند.

كما أوجدتْ إدارة العلاقات، للموظفين الحكوميّين، تتبع لإدارة الحكومة بوزارة الـدّاخليّة، تتحــمّل المســـــؤولية عن سياســـــة الحكومة المتعلّقة بجنوب تايلاند وأمنه( ).
ويتّضح من المرحلة السياسية الحالية أنّ المسلمين يتمتّعون بشيء من الحرية في ممارساتهم الدينية والشؤون السياسية مثل بقية الشعب التايلاندي.
وهذا ما أتاح فرصة طيّبة للعلماء والدّعاة أنْ يقوموا بواجب الدّعوة والتعليم؛ فأنشأوا المدارس والمراكز العلمية، والجمعيات الخيرية، ودُور الأيتام، وقامتْ الحركات العلمية والدعوية في غالب مناطق تايلاند، منطلقة من محافظات الجنوب.
كما استغلّ العلماء الحاصلون على الدّرجات العلميّة من الجامعات الإسلامية هذه الفرصة، فهيّأوا مجال التعليم العالي لأبناء المسلمين، فقاموا بإنشاء جامعة إسلاميّة بمحافظة جالا، وكليّة الدّراسات الإسلامية بجامعة الأمير سونجكلا ناكرين( ) بمحافظة فطاني.

5- القوانين الخاصة بالإسلام والمسلمين:
تنص المـادّة (5) من الدّستور الصّادر عام 2007م( ) على المساواة في الحقوق بين أفراد الشعب التايلاندي، بغض النظر عن الانتماء الدّيني، كما تنص المـادّة (37) من الدستور نفسه على أنّ جميع أفراد الشعب التايلاندي لهم حريّة اختيار أيّ دين يرتضونه لاعتناقه، ويمارسون أيّة أنشطة دينيّة بمقتضى اعتقادهم ما لم يضرّ بالشعب والأمن العام والأعراف المعمولة لدى الناس( ).
أمّا الشؤون المتعلّقة بالمسلمين خاصّة؛ لاسيّما المسلمين في جنوب تايلاند، فإنّ هناك اهتماماً من قِبَل الحكّام التايلانديّين منذ عهد الملك (جولا لونكون)، الملك السّادس للعهد الملكي التايلاندي الحالي، حيث صدر في عام 1901م القانون الخاص بالمسلمين في المنطقة الجنوبية( )، كما رسمتْ سياسة الحكم في هذه المنطقة بأمور تراعي خصوصيّتها في بعض المناحي، مثل: مراعاة الأعراف الإسلامية، واصطفاء الحكّام المعروفين برفعة مستوى الصّدق والأمانة للعمل في المنطقة، والدقة في ضبط نظام الإدارة حتى لا يضرّ بأعراف الناس( ).
وبالجمـــلة، فإنّ تطوّر القـــوانين الخــــاصّة بالإسلام والمسلمين؛ تم على النحو الآتي( ):
1- عام 1901م: القوانين الخاصّة بإدارة منطقة الجنوب في عهد الملك (جولا لونكون)، وهذا قبل تحوُّل الدّولة إلى الملكيّة الدستورية.
2- عام 1945م: القوانين الخاصّة برعاية دين الإسلام، وفيها نصّ أنّ الملك هو الرّاعي الأوّل لجميع الأديان في الدّولة، وينوب عنه (جولا راشمونتري)( ) - منصب شيخ المسلمين- في متابعة الشؤون الخاصّة بالمسلمين، كما نصّ على ضوابط إنشاء المجلس الإسلامي المركزي للمسلمين في تايلاند، وكذلك المجالس الإسلامية الفرعية للمحافظات، التي يوجد فيها عدد كبير من المسلمين.
3- عام 1946م: القوانين الخاصّة بتنفيذ الشريعة الإسلاميّة فيما يتعلّق بقضايا الأسرة والمواريث في محافظات فطاني وناراتيوات وجالا وستول، حيث أُحدِث منصب (Dato Utteatam’) القاضي الشرعي المسلم؛ للعمل في المحاكم المدنية، ويتولّى الفصل في القضايا الخاصة بالمسلمين في الأحوال الشخصية مثل: شؤون الأسرة والمواريث( )؛ إلاّ أنّ هذه القوانين لا تشمل جميع مناطق المسلمين، بل العمل بموجبها فقط في المحافظات الحدودية الجنوبية المذكورة.
4- عام 1947م: القوانين الخاصّة بالمساجد، وفيها نصّ على كيفية تسجــــــيــــل المساجـــــد رسمــــيـــــاً، وتعـيــــين أعضاء إدارة المساجد، وكيفية التصرّف في الممتلكات والأغراض التابعة للمساجد.
5- عام 1948م: القوانين الخاصّة برعاية (دين الإسلام) النسخة الثانية، فيها تعديل المـادّة رقم (3) للنسخة الأولى؛ تنصّ على تعيين (Chula Rajmuntry) شيخ المسلمين في الدّولة، مُعينًا لمديرية شؤون الأحوال الدينيّة في وزارة الداخلية( )، ويُخَصَّص له راتب شهري مناسب.
6- عام 1949م: أنظمة تعيين وإلغاء أعضاء إدارة المساجد والشؤون الدينية للمساجد، صدرتْ من المجلس الإسلامي المركزي بموجب القوانين الخاصّة برعاية دين الإسلام، الصادرة عام 1945م.
7- عام 1981م: القوانين الخاصّة بشؤون الحجّ، فيها نصّ بتكوين اللجنة الخاصّة لمتابعة وإدارة شؤون الحج والحجّاج، وتكون اللجنة تحت إشراف ورعاية مديرية شؤون الأديان بوزارة الثقافة.
8- عام 1989م: القوانين الخاصّة بشؤون الحجّ، النسخة الثانية، فيها إضافة ما يتعلّق بأمير الحج التايلاندي، حيث يتولّى هذه المهمّة (Chula Rajmuntry) شيــــخ المســـلمــــين في الـــــدّولـــــة، وقــــــد ينـــوب عنه مَنْ يرشّحه إذا لم يتيسّر له الحج في ذلك العام( ).

9- عام 1997م: قوانين إدارة المنظمات الإسلامية، تأتي هذه القوانين ناسخة للقوانين الخاصّة بالمساجد عام 1947م، وفيها إضافات وتفاصيل أكثر فيما يتعلّق بشؤون (Chula Rajmuntry) شيخ المسلمين في الدّولة، والمجلس الإسلامي المركزي، والمجالس الإسلاميّة للمحافظات، وكذلك المساجد، وتعتبر هذه القوانين أشمل وأحدث القوانين المتعلقة بالشؤون الإسلامية في تايلاند( ).
10- عام 2002م: الأنظمـــــــــــة الــــتي تخـــــصّ شـــؤون البنك الإســـــــلامي في تايلاند، الّذي تمّ تأسيسه في العام نفسه، وتهدف هذه الأنظمة إلى إنشاء المؤسّـسة المـاليّة في تايلاند، التي تتعامل بالمعاملات المـاليّة المطابقة للشريعة الإسلامية( )، وقد توسّعتْ فروع البنك الإســـــلامي وامتدَّتْ إلى المحافظات، التي يتركّز، أو يكثر فيها المسلمون؛ خاصّة في منطقة الجنوب، مثل: فطاني، جالا، ناراتيوات، ستول، سونجكلا، وفوكيت( ).
11- عام 2004م: أنظمة تسجيل الكتاتيب الإسلامية (فوندوق) الصّادرة من وزارة التعليم( ).
وهناك بعض الجهات الإسلاميّة تسعى الآن إلى تقديم أو اقتراح قوانين وأنظمة أخرى تخصّ شؤون الزّكوات، لإيجاد الترتيبات الموحّدة الخاصّة بها( ).
وعلى الرّغم من أنّ هذه القوانين خاصّة ببعض وليس كلّ قضايا الشريعة الإســـــــلامية؛ إلاّ أنّ تطوّرها المتســــلســـــل يشــــــير إلى الفرص المتاحة أمام المسلمين في تايلاند، كي يجتهدوا في السعي لطلب المزيد من القوانين الخــاصّة بــهم؛ طبقاً لمـا شرعه الإسلام، ويبدو أنّ تحقيق ذلك لابدّ أنْ يكون بكثير من الحكمة والرويّة، أو دون فقــــدان الوعي الصّحيح في مطــــالبة الحـــكومة بمثــــل هـــذه الأمور المهمّة( ).
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 31-10-2015, 12:22 AM
أبو مروان متواجد حالياً
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 18-02-2015
الدولة: الجزائر
المشاركات: 2,954
افتراضي

{ كما يـكـون أيـضــاً بـإعـــداد جــيـل مـثـقّـف واعٍ مُــــؤمِن بـدوره وبـقـضــايـا أمّــَتـِه، ينـتــسِـبُ ويـَـنْــتَـمِي إلى الـعـمـل الــدّعــــوي المـؤسَّـــسي؛ ويتخذ منه ســـبـيـلاً للنّــجـــَاح والبـقــَـاء والـقُــــدْرَة عــلى الـتّـنـــافُــس في الـعـالم المُـــتـَغَـيـِّر( )؛ الشَّـيء الّــذي يـَتـَطلَّب الكثير من التنظيم وَالـتَّـخْــطِـيْط والأناة وطول النَّفَس( )، كمـا يتطلّب مدّ وتعزيز جسور التّواصل بين مسلمي تايلاند ومجتمعهم وبينهم وبين العالم الإسلامي – للاعتبارات الدّينية والعقديّة والتاريخيّة وحتّى الثقافيّة والحضاريّة- والتعاون في التعامل مع التحديّات وإمكانيّة تجاوزها برسالة الحنيفيّة السّمحة، من خلال رؤية وسطيّة وفلسفة اعتداليّة تنسجم والدَّور المرتجى من المؤسَّسات الإسلاميّة للدّعوة الإسلاميّة}.

هذا ما جاء في مشاركة أخينا مفيد ، و هو مشكور على ما يقوم به من تبليغ أخبار عن إخواننا المسلمين في غير البلاد العربية .

و بدوري اقول ،مثمنا دور الأخ الكريم مفيد ،هذا هو المطلوب منا بالضبط - كمسلمين عرب ، نملك ناصية اللغة ، و الدين أكثر من غيرنا -نحو إخواننا في الاسلام بكل المعمورة . إن الأمة العربية مسؤولة أكثر من غيرها عن الاسلام ، لأنها مادته الأساسية ، و الحاملة له بقوة وفهم أعمق من غيرها من المسلمين في العالم . لقد زار ثلاثة شبان جزائريين الصين منذ حوالي خمس سنوات ، و صلوا في مسجد هناك مع إخوانهم الصينيين ، فلما سمعوا منهم القرآن في لغته العربية الصحيحة ، بكوا فرحة ، و قالوا لهم (للجزائريين) :أنتم العرب نحبكم لأنكم ابناء الصحابة . تأملوا إخوتي هذا القول الكبير ، و انظروا إلى المنزلة التي يضعنا فيها إخواننا المسلمون غير العرب .. مسؤوليتنا عظيمة نحوهم أمام الله . و قد اقترح الصينيون المسلمون على اخوانهم الجزائريين الزواج بالصينيات و المكوث بهن مؤقتا في الجزائر، مدة أن يكبر ابناؤهن و يتعلموا العربية و حفظ القرآن ، ثم تعود الأمهات الصينيات بالأطفال المتشبعين بالاسلام و العربية إلى الصين ، و هكذا دواليك ، حتى يُعاد الفتح و النشر الاسلامي من جديد بهذه الطريقة في الصين .و الله إنها لطريقة دعوة عظيمة للاسلام ، لا شبهة فيها و لا عوج ، و هي اسمى ما يقدمه المسلمون العرب لدينهم و إخوانهم المسلمين الأعاجم . أكتب هذا في هذه الصفحة ، عساها تجد آذانا صاغية ، ونحتسبها عند الله .و اشكر مرة أخرى الأخ مفيد الذي منحني هذه الفرصة لأقولها لكل المهتمين ، و بالله التوفيق .
__________________
اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ ، وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تمحُها ، و خالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسنٍ
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 31-10-2015, 07:24 AM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,691
افتراضي

نعم ... المسلمون الأعاجم السنة قلوبهم مرهفة تجاه العربي ...
ٍاروي رواية قصّها لي مهندس باكستاني في ستينات القرن الماضي .. كان يعمل بوزارة الاشغال العامة بدولة الكويت .
يقول : في قريته الباكستانية النائية في شمال البلاد .. كان كلما مرّ عربي مسلم بهذه القرية .. يُعلن عن وجوده بواسطة مؤذن المسجد الجامع .. فيتجمع الناس صفًاً طويلاً .. ويقوم امام المسجد الذي هو كبير القرية حيث هو العمدة والامام والشيخ ولا يخالفه أحد .. يقوم بإجلاس العربي على مكان مرتفع قليلاً ويمر عليه كل رجال القرية والصبية وصغار الفتيات ويقوموا بتقبيل يده !!! وعندما استفسرت لماذا كل هذا ؟؟؟ قال هو تكريم له لأنه من بلد النبي " صلى الله عليه وسلم " ...
أليست هذه عاطفة جيّاشة
سبحان الله .. هي نعمة الاسلام ولله الحمد
حفظكم الله
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 31-10-2015, 04:00 PM
أبو مروان متواجد حالياً
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 18-02-2015
الدولة: الجزائر
المشاركات: 2,954
افتراضي

هؤلاء المسلمون الذين يحبون إخوانهم العرب المسلمين ، مخلصون في دينهم لله (و لا نزكي على الله أحدا) ، و لقد لا حظنا هذا في مكة و المدينة المنورة ، بحيث يستبشر إخواننا المسلمون الأعاجم بلقاء العرب المسلمين و يفرحون بهم، لأنهم يحملون آثار النبوة في قلوبهم . و هذا ما فهمه الكفار و أعداء الاسلام ، فشددوا الحرب على العرب ، لأنهم قوة الاسلام .
__________________
اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ ، وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تمحُها ، و خالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسنٍ
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
- الصومال في العصور القديمة والوسطى. أبوعبد العزيزالقطب مجلس قبائل الصومال 3 27-10-2016 05:47 AM
كتاب يتحدث عن أخطاء المؤرخ ابن خلدون المختار لخنيشي مجلس قبائل موريتانيا 8 24-09-2016 05:43 PM
كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي "كاملا" محمد محمود فكرى الدراوى موسوعة الفرق و المذاهب ( الملل والنحل ) 3 26-12-2015 08:00 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 01:28 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه