الحكم والحكومة في الاسلام ... - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
استفسار عن النسب
بقلم : عبدالله الماجدي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: عينة خولانية قحطانية على السلالة E-M84 (آخر رد :البروفيسور)       :: دعوة للحق (آخر رد :الجارود)       :: دار الوثائق القومية * دار المحفوظات بالقلعة سابقا * دار الكتب و الوثائق * عائلات اشراف مصر (آخر رد :عماد الدين عبد الفتاح)       :: كيد الفُسّاق للمرأة !!! (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: جديد الموجبين لقضاعة الشام - العراق - الجزائر (آخر رد :ابن جنـاب)       :: نتيجة جديدة لقبيلة اولاد ساسي من اولاد نائل (آخر رد :ابوفهد)       :: لقط الهرجه وراح للبيت (آخر رد :أمين الحلا وشلي)       :: قبيلة الهنداسي (آخر رد :بوياسر الهنداسي)       :: وضع النقاط على الحروف ، فيما يخص قبائل مصر وفلسطين : (آخر رد :إبراهيم الأحمد)       :: الشروط السبعة الواجب تحققها في السلالة الاسماعيلية (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)      



الاسلام باقلامنا " و من احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين "

Like Tree73Likes

إضافة رد
قديم 10-04-2016, 03:17 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي الحكم والحكومة في الاسلام ...

ألحُكْـــــــمُ والحُكومــــــة
في الإســــــــــلام
بسم الله الرحمن الرحيم .. وبه نستعين

وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء و المرسلين

لما أن نظرنا حولنا وما يدور في ديار العرب والمسلمين من ويلات حروب وتنازع بين أبناء الديار بغض النظر عن انتماءاتهم وولاءاتهم وعقائدهم سواء كانت سليمة أم فاسدة , هذا عدا عن التداخلات الكيدية والحاقدة من دول الكفر والإلحاد , والتي تكاد تمسح عن وجه الارض شعوباً مسلمة " سنية " بالخصوص , رأينا أن الوقت قد حان لتوعية أفراد الأمة بما يجب أن تكون عليه الحكومة " أي حكومة " تسيطر على جزء من ارض العرب والمسلمين , ولأننا نرى أن السبب الرئيس – بل الوحيد – الذي جعل ديار الاسلام مزرعة للسلب والنهب كما وكأنها افريقيا قبل قرن من الزمان حينما داسها الاحتلال الصليبي – وما زال – ونهب وينهب مقدرات الشعوب ! وهذا السبب يكمن في أننا تخلّينا طواعية عن الحكم بما ارتضاه الله لنا وأقام نواته رسوله عليه الصلاة والسلام .
بناءً على ما تقدم .. وبعد التوكل على الله سبحانه .. رأينا أن نقدم هذه الدراسة والرؤيا لما يجب أن تكون حكومة أي قطر عربي واسلامي , وبنظرة واقعية لا عصبية فيها ولا تعصب ولا شطط , ولا ترتكز على خلفية حزبية ما قد سكنت وعينا ولا نستطيع الخروج من أغلالها , ولكن بتجرّد وحيادية وواقعية ونظرة مستقبلية بلا تشنّج ! بل بكل أريحية وراحة نفسية وهدوء ووعي ورضا نفس .. ولا نبغي غير رضا الله سبحانه والعمل على تبصير القارىء والمتابع لما سنقدمه في هذه الدراسة المتواضعة ! وبسم الله نبدأ ...


نظرة الاسلام الى الحكومة :
لم يلتفت الاسلام التفاتا خاصا الى الحكم الذي ينبغي ان يقوم في المجتمع الاسلامي , وهذا أمر جدير بأن يكون بموضع النظر والتأمّل , وأن يُلتمس له الوجه أو الوجوه التي من أجلها لم يكن له لفتة خاصة من لفتات الاسلام فيما التفت اليه من كليات الأمور وجزئياتها .
والحكم والحكومة من ألزم ما يحتاج اليه الناس في الحياة , ومن أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع الانساني , وهيهات أن يغفل الاسلام أمراً هذا شأنه في الحياة , ومكانه من الناس , إلا أن يكون ذلك لحكمة بالغة , وتدبير حكيم .
وننظر في صنيع الاسلام , وفي موقفه من هذا الأمر , فنجد أن ما يبدو أنه تهوين من الاسلام للحكم والحكومة , أو أنه استخفاف بهما , لأنهما من شؤون الدنيا , ومن مظاهر الجاه والسلطان , بل هما غاية الغايات من الجاه والسلطان , على ما يفهم بعض الناس , بل وكثير من الناس – من أن الاسلام لا يحفل كثيراً بكل ما هو من الدنيا وما يتعلق بها – ونقول إن هذا الذي يبدو أنه تهوين من الاسلام للحكم والحكومة هو في الواقع اعتراف ضمني من الاسلام بأنهما سنّة قائمة من سنن الحياة , وطبيعة لازمة من طبائع المجتمع الانساني , والأمر حين يكون على تلك الصفة من الأصالة والتمكن في الحياة لا يحتاج الى خطط ترسم له , ولا الى مقررات تحدّث عنه , إنه يقيم وجوده في الحياة على الوجه الذي يؤدي به وظيفته من غير طلب أو تنبيه ! .
فالحكم وظيفة اجتماعية , والحاكم هو العضو الذي تؤدّى به هذه الوظيفة , كما تؤدي أعضاء الكائن الحيّ وجوارحه وظائفها ... هكذا ينظر الاسلام الى الحكم والحاكم .. لا يتحدث عنهما حديث من يدل عليهما , ويقيم وجودهما , ويكشف ملامحهما , ويحدد صفاتهما , وإنما يتحدث عنهما باعتبارهما كائنين موجودين فعلاً , تلدهما المجتمعات كما تلد الكائنات الحيّة مواليدها .
وحديث الاسلام عن الحكم والحاكم هو حديثه عن الغرائز الانسانية ودوافعها .. يريدها ان تستقيم على الوضع الذي يتيح لها أداء وظيفتها على خير الوجوه التي تحفظ سلامة الجسد الذي تعيش فيه , وهو في هذا الحديث لا يدخل في الجزئيات ولا يلتفت اليها , وإنما يضع ميزاناً عاماً , يرجع اليه في ضبط كل جزئية من هذه الجزئيات .
- فالمبدأ العام لغريزة الانتقام يضعه الاسلام في هذا الميزان الذي تنطق به الآية الكريمة
{ وجزاءُ سيئة سيئةٌ مثلها .. فمن عفا وأصلح فأجره على الله }
- ففي هذا المستوى يعيش الناس , وبهذا الميزان يأخذون ويعطون .
فإذا كان في الناس من تضعه نفسه فوق هذا المستوى فهناك ميزان آخر يمكن أن يتعامل به في ظل الآية الكريمة { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة .. ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم .. وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظِّ عظيم } .
وغريزة الطعام والشراب أو شهوتهما يضعها الاسلام في هذا الميزان المستقيم العادل .. { وكلوا واشربوا , ولا تسرفوا .. إنه لا يحب المسرفين } .. أما كيف يأكل الناس ومتى يأكلون ؟ فذلك من شأن الناس أنفسهم يأكلون كيف يشاؤون ومتى يشاؤون !! وحتى حين يسأل سائلهم : ماذا أحلّ لهم ؟ يجيبهم الاسلام الإجابة العامة المطلقة { قل أحلّ لكم الطيبات } .
وهكذا يضع الاسلام الموازين المستقيمة العادلة لكل قوة عاملة موجهة في الحياة .. ثم يدعها تمضي في طريقها بعد أن يضع أقدامها على أول الطريق ! .
الاسلام والحكم والحاكم :
فإذا جاء الاسلام الى الحكم والحاكم كان موقفه منهما , وحديثه عنهما , وميزانه لهما , هو موقفه وحديثه وميزانه لأية غريزة أو قوة عاملة في الحياة .. ومن تدبر الاسلام في هذا , أنه لم يتجاوز هذه الحدود في نظرته الى الحكم والحاكم وفي حديثه عنهما .. كما سنرى فيما يلي :
أوّلاً : ألحكم أمانة , والحاكم أمين :
فالحكم في يد الحاكم هو أمانة عنده , سواء كان ذلك عن رضى الناس به واختيارهم له , وتسليمهم إياه النظر لهم شؤونهم وتدبير أمورهم , أم كان ذلك بما مكّن الله له في الارض , وما أفاء عليه من ملك السلطان .. فهو في كلا الحالين أمين على ما اجتمع له من سلطان وقوة .. وهو في هذا السلطان وفي تلك القوة مطالب أن يتصرف فيها كما يتصرف في أي قوة مادية , أو معنوية , يمتلكها لخاصة نفسه , كالمال , والذكاء , وقوة البدن , مثلا .. فإن الانسان مطالب – في شريعة الاسلام – أن يرعى هذه الامانات التي أودعها الله إياه , وأن يضعها موضعها من الحق والعدل , فإذا جار أو انحرف فقد خان الأمانة , وتعرض لغضب الله وسخطه .
يقول الله سبحانه وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا , لا تخونوا الله والرسول , وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } .. ويقول جل شأنه : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } .. وقد جمعت هذه الآية بين الأمر بأداء الأمانات الى أهلها وبين الأمر بالحكم بين الناس بالعدل , وهذا الترابط يشعرنا ما بين الأمانة والحكم بالعدل من صلة , وأن الحكم أمانة , أو بعض الأمانة , وقد نزلت هذه الآية في فتح مكة , حين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة .. وقد كان في يد آل شيبة , وقد فهم من هذا أن المفتاح كان أمانة في يد الرسول , وأن ردّه الى أهله كان حكماً عادلاً .
ولم يقف القرآن عند هذه الأوامر والنواهي المرسلة المجردة , بل جاء بصورة من واقع الحياة , وفي مجلس الحكم والسلطان , لنبي كريم هو " داود " عليه السلام .
وفي هذه الواقعة يذكر القرآن أن " داود " عليه السلام – كان نبياً وملكاً معاً – قد نزع به سلطان الملك الى أن يهتز ميزان العدل في يده , وسرعان ما تلقّى من رحمات الرحمن نفحة ردت عليه ما كان قد انفلت من بين يديه من عزمات النبوة .. وسرعان ما فتح قلبه للإنابة والاستغفار .
يقول الله سبحانه وتعالى : { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب .. إذ دخلوا على داود ففزع منهم , قالوا : لا تخف .. خصمان بغى بعضنا على بعض , فاحكم بيننا ولا تشطط , واهدنا الى سواء الصراط , إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة , ولي نعجة واحدة .. فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب ! , قال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه , وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضم على بعض .. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وقليل ما هم ! وظن داود أنما فتنّاه .. فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب , فغفرنا له ذلك , وإن له عندنا لزلفى , وحسن مآب } .. ثم يختم القرآن الكريم هذه الواقعة بهذا الأمر الملزم لكل ذي سلطة بأن يحكم بالعدل , ولا يتبع الهوى .. { يا داود .. إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق , ولا تتبع الهوى فبضلّك عن سبيل الله .. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } .



إلى هنا تنتهي خاتمة القصة !!! ويتبع الجزء الثاني بحول الله وتوفيقه
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-04-2016, 07:26 AM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

ألحكم والحكومة – 2

والقصص القرآني لا يجيء إلا للعبرة والعظة , فلا تنتهي القصة حتى تترك في النفس صدىً قوياً للمبدأ الكريم الذي تدعو اليه .. ثم إن من إعجاز القرآن , ومن كمال تربيته , أن لا يدع هذا الصدى يدور في النفس على غير هدى , أو يضيع في أغوارها من غير أن يعقب أثراً .. بل إنه ليمسك بهذا الصدى في إطار محكم من التوجيه والتسديد ...

أنظــــــــــر !

بعد هذا الأمر الموجّه الملزم الذي ختمت به القصة يجيء قوله نعالى { وما خلقنا السموات والارض وما بينهما باطلا .. ذلك ظن الذين كفروا فويل للكافرين من النار } .. إن الحق , والحق وحده , هو الذي قام عليه هذا الوجود كله , وما خلقنا السموات والارض وما بينهما باطلا .. ثم تتبع هذه الآية بالآية التالية { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض , أم نجعل المتقين كالفجار } ...

انظر كيف تتسرب الحكمة الى النفوس في لطف ورفق كما يتسرب الماء في أصول الشجر وفروعه , فيحفظ حياته ويقيم وجوده , ويطلع زهره وثمره .
ذلك هو أسلوب القرآن , وتلك هي تربية الاسلام وسياسته , في تغذية النفوس بمبادىء الخير , وإقامتها على موازين الحق والعدل .

وليس للحاكم عند الاسلام أسلوب خاص يأخذه به , في تربية خاصة ينشئه عليها .. إنه بعض هذه الشجرة الانسانية التي يغذيها الاسلام , ويمدها بالزاد الطيب .. إنه الساق الذي تستند اليه الجماعة , وتغتذي منه ومعه جميع الفروع والأغصان , والأوراق والأزهار والثمار .

إن دعوة الاسلام ليست غايتها إقامة حكم على صورة ما , وإنما غايتها إقامة مجتمع انساني سليم , معافى من أدواء الظلم والبغي .. غايتها خلق جسد انساني مرتبط بمشاعر الأخوة , والمودة والرحمة .. أما الحكومة فهي جزء من هذا الجسد , تصلح بصلاحه , وتفسد بفساده " ( كما تكونوا يولى عليكم ) .

والنبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يتولَّ شرح هذه المبادىء العامة التي جاء بها القرآن في إلزام المسلمين العدل , وأداء الأمانات الى أهلها سواء أكانوا حاكمين أو محكومين , لم يتولّ الرسول الكريم هذه المبادىء بشرح أو تفصيل , بل جعلها حكماً عاماً شاملاً في كل شيء , وعند كل انسان , كما فعل القرآن .

يقول النبي الكريم : ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته .. فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته , والمرأة راعية في بيت زوجها , وهي مسؤولة عن رعيتها , والولد راعٍ في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته , والعبد راعٍ في مال سيده , وهو مسؤول عن رعيته .. ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) .

انظر تكريم الاسلام للإنسان , هذا التكريم الذي يجعل له ذاتية وشخصية لا تذوب أبداً , حتى لو كان في قيد الرق والعبودية , إنه انسان , وما دام في ثوب الانسانية فهو أهل لحمل الاعباء , واحتمال المسؤوليات .

وانت ترى من هذا أن الاسلام لم يفرد الحاكم أو الخليفة بوضع خاص في الحياة .. إنه راعٍ ومسؤول عن رعيته .. كما أن العبد راعٍ في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته .

فالناس – في نظر الاسلام – عباد الله , أو " مال الله " في هذه الارض , والحاكم أو الخليفة هو الراعي لهؤلاء " العباد " والقيّم على هذا " المال " وهو مسؤول عن أي تقصير أو إهمال يقع منه , كما يُسأل العبد عما يقع منه من إهمال أو تقصير في مال سيده .

يقول ابن تيمية : هذا ظاهر الاعتبار , فإن الخلق عباد الله , والولاة نوّاب الله على عباده , وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ففيهم – الولاة – معنى الولاية والوكالة .

وتلمح من هذا أن الاسلام لم يرَ الخلافة أو الحكومة أمراً غير واقع في الحياة , حتى يدعوا المسلمين اليها , وإنما يرى ذلك أمراً واقعاً , لا فكاك للمجتمعات الانسانية منه , وإنما الذي يراه الاسلام في حاجة الى الإلفات والتوجيه , هو ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم أو الخليفة من حسن الرعاية لما استرعاه الله .

ولعلك تذكر قول الرسول الكريم لأبي ذر حين سأله الإمارة ... فقال صلى الله عليه وسلم له : أنت ضعيف , وهي أمانة , وهي يوم القيامة خزي وندامة , إلا من أخذها بحقها , وأدّى الذي عليه فيها .

لعلك تذكر هذا وتذكر معه الآيات القرآنية الكريمة التي تدعو المسلمين الى أداء الأمانات الى أهلها , والى ألاّ يخونوا الله والرسول ويخونوا أماناتهم .

وفي هذا ما فيه من تقرير وتوكيد أن الحكم أمانة في يد الحاكم , وهو مسؤول أمام الله سبحانه عن هذه الأمانة , وعن مدى الإحسان أو التقصير في أدائها الى أهلها .

هذا هو الدستور , وتلك هي كل مقرراته , التي أراد الاسلام أن يجعلها عهداً وميثاقاً يعاهد به الحاكم ويواثقه عليه , ثم يحاسبه محاسبة المقصرين إن قصّر , ويجزيه جزاء المحسنين إن أحسن .

وليس هذا العهد وذلك الميثاق مجر " مواد " فقهية أحكمت صياغتها ونُخّلَت معانيها , وإنما هي وقبل كل شيء رسالة من رب العالمين حملها الى الناس رسول كريم , ترقبها عين لا تغفل , وتحاسب عليها قدرة لا يعجزها شيء في الارض ولا في السماء .

ومن هنا كان لهذه الكلمات سلطانها الروحي على من تعنيهم وتتجه اليهم , وكان لها فاعليتها في ضمائر المؤمنين ووجدانهم , إذا هم قاموا في الناس مقام الحكام , أو جلسوا مجلس القضاة .

ثانياً : ألفرد ومسؤوليته في المجتمع الاسلامي :
هذا تدبير الاسلام في شان الحكام ...
أما مع المحكومين فشأنه هو هذا الشأن .. إنهم مسؤولون ومحاسبون عن كل انحراف يخرج بهم عن جادة الطريق , وهذا مما يخفف كثيراً من أعباء الحاكم وييسر مهمته , إذ يضعه على رأس مجتمع يعرف طريق الحق , ويتجه اليه .. فكل فرد في المجتمع الاسلامي مطالب بأن يكون على الجادّة , يدين نفسه قبل أن يدينه الديّان .

وأنت تذكر المجتمع الاسلامي الأول , وما أثمرت تعاليم الاسلام فيه من فضائل , كان يمكن أن يعيش الناس فيها بلا حكومة وبلا حاكم .

فكم من مقارف إثم لم تطلع العيون عليه , كان يستبد به الندم والألم , ويركبه الضيق والقلق من شناعة هذا الجرم , فيسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم معلناً عن جريمته طالباً أن يقام عليه حدّها , ولو كان الموت رجماً بالحجارة !! ولنا هنا مثلان بارزان هما : المرأة الغامدية , والرجل الأسلمي , وقد جاء كل منهما الى النبي يريد أن يتطهر من الإثم الذي اقترفه .

هذا , ولم ينظر الاسلام الى الحياة نظرة جامدة فيقيمها في هذا المستوى المثالي , ويقيم تعاليمه على هذا المستوى الرفيع – بل لقد امتد نظر الاسلام الى الحياة الانسانية كلها , في أعلى مستوياتها وأدناها جميعاً .

فقد ينحرف الحاكم المسلم .. ولا يستقيم على تعاليم الاسلام .. فماذا يكون شأن الناس معه ؟

يتبع الجزء الثالث من الحكم والحكومة بحول الله وتوفيقه
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-04-2016, 06:11 AM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

الحكم والحكومة - 3

لقد رسم الاسلام للمسلمين منهج العمل حين ينحرف بهم الحاكم , ويخرج عن سواء السبيل ... وذلك :


أولا : هذا الانحراف هو في نظر الاسلام منكر , وقد أوجب الاسلام على المسلمين تغيير كل منكر ينجم فيهم .. فإن لم ينكروا هذا المنكر أو يغيروه أثموا جميعاً , واستوجبوا غضب الله ونقمته .
روي أن أبا بكر خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : أيها الناس .. إنكم تقرأون هذه الآية , وتضعوها على غير موضعها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم , لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعُمّهم الله بعقاب منه ) .


- والاسلام إذ يوجب على أتباعه إنكار المنكر لم يحملهم على مركب وعر , ولم يكلفهم بما لا طاقة لهم به .. وإنما أمر الاسلام كله يُسْر .. لا عُسر فيه .
- وقد وضع الرسول الكريم منهج العمل لتغيير المنكر , وجعله بحيث يسع جميع الاحتمالات , ويأخذ الوضع الذي يلائم ظروف الناس وأحوالهم .
- يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .. فإن لم يستطع فبلسانه .. فإن لم يستطع فبقلبه , وذلك أضعف الإيمان ) .


وأنت ترى أن المجتمع كله يمكن أن تنظمه مشاعر واحدة إزاء " المنكر " – أي منكر – سواء أكان من فرد أو جماعة .. من حاكم أو محكوم .. فالانكار بالقلب للمنكر هو حال يجب أن يدخل في قلب كل مسلم حين يرى المنكر , فليس لمسلم عذر في هذا , وعدم إنكاره المنكر بقلبه معناه الرضا عنه , فهو آثم , لأن قلبه قد أطمأن الى الإثم ورضي به .

فإنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم .. أما ما وراء ذلك من الإنكار باللسان أو اليد فذلك أمر متروك لظروف الناس وأحوالهم .


ثانياً : هذا الانكار بالقلب ليس موقفا سلبيا كما يبدو , بل إنه بمثابة إعلان حرب على المنكر , وعقد النيّة على هذا الحرب , ثم تحويلها من القلب الى اللسان واليد إن سنحت الفرصة لأي منهما , وهيهات أن يمتد عمر منكر من المنكرات , في مجتمع ينطوي قلبه على إنكاره , وإن لم يتحرك لسانه , أو تعمل يده ! فإن امتداد الزمن كفيل بأن تتحرك الألسنة وتعمل الأيدي .


ثالثاً : قد لا يجد الانكار بالقلب عزائم تستجيب لهذا النكران , فتجند الألسنة والأيدي لمحاربته .. وهنا تضيق الصدور .. وتنحلّ العزائم .. ويستحكم اليأس ..!
فهل يقف الاسلام بالمسلمين على هذا المرعى الوبيل ؟ كلا .. إنه يدعوهم الى الصبر , ويفتح لهم باب الرجاء في رحمة الله وثوابه إذ ابتلوا فصبروا .
عن الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا لا تسُبّوا الولاة , فإنهم إن أحسنوا فلهم الأجر , وعليكم الشكر , وإن أساؤوا فعليهم الوزر , وعليكم الصبر , وإنما هم – أي ولاة السوء – نقمة ينتقم الله بهم ممن يشاء , فلا تستقبلوا نقمة بالحميّة والغضب , واستقبلوها بالاستكانة والتضرع ) .


والحديث هنا أدب حكيم , وتربية عالية , وسياسة رشيدة في حماية المجتمع الاسلامي من الثرثرة , والجهر بالسوء , وإشاعة الفاحشة فيه , كما أن فيه رعاية لحق الحاكم , وما ينبغي له من الاحترام والتوقير .. فإنه إذا لهج الناس بسب الحاكم , وتطاولوا على مقامه ضعف سلطان الحكم في نفوسهم , وذهب بهم ذلك الى الخروج على كل قانون وكل نظام , وهنا يقع الناس في بلاء عظيم , وفتنة عمياء .



ولا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث السابق الذي يجعل اللسان أداة من أدوات الحرب على المنكر , وعلى الحاكم إذا انحرف .
فاللسان الذي يجعله الاسلام أداة من أدوات الحرب على المنكر , وعلى الحكام المنحرفين هو اللسان الذي يريد الخير والاصلاح , اللسان الذي يقدم النصح , ويجادل بالتي هي أحسن , .. اللسان الذي يتحرك بالحكمة والموعظة الحسنة , وفي هذا يقول النبي الكريم : ( الدين النصيحة .. قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله , ولرسوله , ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .

وليس كذلك الشأن في اللسان الذي يتخذ السباب والبذاءة دعوة لمحاربة الباطل .. فإن ذلك باطل يريد أن يدفع به باطلاً .. وهيهات ..!

ثم أن فيما يدعو اليه الحديث الشريف من استقبال البلاء الناجم من تسلط الحاكم المستبد وبغيه .. بالاستكانة والتضرع .. في هذه الدعوة تسكين لنفوس الناس من أن يستبد بها الجزع , وتطمين لقلوبهم من أن يذهب بها اليأس من رَوْح الله ورحمته .. فليس هذا الصبر الذي يدعو اليه الاسلام هو الصبر الذي يلد الخنوع والانعزال عن الحياة , وإنما هو صبر أولى البأس والعزم , حين تنزل بهم الشدائد وتغشاهم المحن , فلا تنحل لها عزائمهم , ولا يضيق بها احتمالهم , حتى تنجلي تلك الغاشية وتنقشع غيومها السوداء .

يتبع الجزء الرابع " لقب الخليفة وما وراءه " بحول الله
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-04-2016, 06:58 AM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

لقب الخليفة وما وراءه !!!

لم تكن كلمة " خليفة " من الالفاظ التي وقعت في خواطر المسلمين أو جرت على ألسنتهم في اجتماعهم يوم السقيفة , وتشاورهم في اختيار من يتولى شؤونهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ...


وأكثر الكلمات تداولا يومذاك كانت الإمارة او الأمير , مدلولا بها على اللقب الذي سيطلق على من يقع عليه الاختيار لهذا الامر الذي اجتمعوا له , وقد عرف المسلمون من الرسول صلوات الله وسلامه عليه إطلاق كلمة " أمير " على من يقوم على أية جماعة من جماعات المسلمين في الغزو أو في الحج مثلاً ...


فكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سريّة جعل عليها " أميراً " هو بمنزلة القائد , إلا أن سلطانه كان أكمل وأشمل , إذ كان الى جانب أعباء الحرب يؤم المسلمين في الصلاة , ويقيم لهم شعائر دينهم .. كذلك بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر " أميراً " على الحج سنة تسع من الهجرة ...



وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أطاعني فقد أطاع الله , ومن عصاني فقد عصى الله , ومن أطاع أميري فقد أطاعني , ومن عصى أميري فقد عصاني ) .


نقول : إن كلمة " خليفة " لم تكن من الكلمات التي جرت على السنة المسلمين يوم السقيفة أو وقعت في خواطرهم , إذ لم يكونوا يرون أن أحداً يكون عندهم خلفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ...


كانوا يومئذ إنما يتشاورون في أمر مملكة تقام , ودولة تُشاد , وحكومة تُنشأ إنشاء , ولذلك جرى على لسانهم يومئذ ذكر الإمارة والأمراء .. والوزارة والوزراء .. وتذاكروا قوة السيف والعزة , والثروة , والعدد , والمنعة , والبأس والنجدة , وما كان ذلك إلا خوضاً في المُلك , وقياماً بالدولة , وكان من أثر ذلك ما كان من تنافس المهاجرين والانصار وكبار الصحابة بعضهم مع بعض , حتى تمّت البيعة لأبي بكر ...


نعم .. ان القوم تذاكروا في ذلك اليوم كلمات الامارة والوزارة والملك والسلطان .. وقال الحباب بن المنذر الانصاري " منا أمير ومنكم امير ! " وقال أبو بكر رضي الله عنه " نحن الامراء وأنتم الوزراء ! " وقال عمر رضي الله عنه يخاطب الانصار " إنه والله لا ترضى عنكم العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم .. لنا على العرب الحجة الظاهرة .. والسلطان المبين .. من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل , أو متجانف لإثم , أو متورط في هلكة ! " ...


من أين جاء لقب الخلافة ؟
لم يسجل التالريخ اليوم الذي ولدت فيه هذه الكلمة.. كلمة " خليفة " , وإن كان من الثابت الذي يرتفع الى مرتبة اليقين أنها أطلقت على أبي بكر رضي الله عنه .. وقد غلب هذا اللقب على ابي بكر , فكان يُخاطب بقولهم : يا خليفة رسول الله , ولم يُعرف أنهم خاطبوه بكلمة يا امير المؤمنين ...


فمن أين جاء لقب الخلافة هذا ؟
إن الخليفة في الاستعمال اللغوي هو من يقوم مقام الاصل الذي ذهب , كما يقوم الخلف بعد السلف .. والخِلْفَة .. هي تداول الأمر بين طرفين متقابلين كالليل والنهار , قال الله تعالى : { وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً } أي مداولة , فيخلف أحدهما الآخر .. والخَلْفُ ما وراء الشيء .. كأنه كان فيه ثم تركه ليشغل بغيره ...


ويرجح ان كلمة " خليفة " رسول الله التي أطلقها المسلمون على ابي بكر لم تكن تحمل عندهم هذا المعنى الذي أضفي عليها من إضافتها الى الرسول الكريم معاني الجلال والتقديس , والذي صبغها بصبغة الدين , وغمسها فيه غمساً , حتى بدت وكأنها من الكلمات الشرعية , كالصلاة , والزكاة , والصوم وغيرها ...


فالذين رأوا في أبي بكر أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه يومذاك إلا والياً أو اميراً عليهم بعد ان أصبحوا بغير أمير أو والٍ بعد الرسول الذي كانوا تحت إمرته وولايته .. فهو خليفة رسول الله عليهم في هذا المعنى وحده .. أي أنه رأس هذا المجتمع أو أميره , أشبه بما كان للرسول من أمراء على البعوث التي يبعث بها الى القبائل , لدعوتها الى الاسلام , أو لتفقيهها في الدين ...


ولو أن لقب " خليفة " رسول الله كان له – في حقيقته – نسب يصله بالنبوّة , ويدنيه من النبي لعَضَّ عليه عمر بن الخطاب بنواجذه , ولما تخلّى عنه في غير حرج أو أسى .. وعمر كما نعلم أحرص الناس على التأسّي برسول الله , والتمسُّح بكل ما كان للنبي , وما كان من النبي ...


هتف بعض المسلمين بأبي بكر " يا خليفة الله " ! فقال له أبو بكر : لست خليفة الله , ولكني خليفة رسول الله ! , ولقد رآها أبو بكر كبيرة عليه أن يكون هو سلطان الله في الارض على عباده , وحسبه أن يتولى من أمر الناس بعض ما كان يتولاه النبي من شؤونهم ...


وخليفة الله , أو خليفة رسول الله سواء في المعنى المراد منهما , وهو أن من يقوم على الجماعة الاسلامية , ويدير شؤونها , وينظم أمورها هو ذو سلطان عامل في حياة الجماعة من وراء سلطان الله الخفي الذي لا يُرى , أو سلطان النبي الذي كان له في حياته , ثم ارتفع بموته ...


هناك سلطان لله سبحانه على هذا الوجود , هو السلطان الأعظم الذي يمسك بكل شيء , ويدبر كل شيء, ولكنه سلطان خفيٌّ لا يواجه الناس , ولا يلامس حواسهم , فإذا قام عليهم ذو سلطان يعمل في حياتهم المادية المحسوسة , ويسوسهم بسياسته وتدبيره , كان سلطانه هذا المشهود ترجمةٌ صحيحة أو سقيمة لسلطان الله , وكذلك شأن سلطانه معهم فيما كان للنبي عليهم من سلطان ...


ولهذا , فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يرى سلطان الحاكم على الناس ظلاً لسلطان الله , سواء كان هذا الحاكم مستظلً بهذا الظل أو منحرفاً عنه .. وقد قال عمر لسعد بن أبي وقاص وقد تخطى رقاب الناس فعلاه بالدرّة قائلاً له : " لم تخف سلطان الله في الارض , فأردت أن أعلّمك أن سلطان الله لا يهابك " ...


فإذا جرت على الالسنة كلمة " خليفة الله " أو " خليفة رسول الله " فإنه كان ينظر اليها من خلال صاحبها الملقب بها , وأنه أولاً وقبل كل شيء إنسان منهم , ليس له نسب ينتسب به الى الله أو الى رسول الله إلا عمله الذي يدنيه أو يبعده من الله ورسوله .. ولم يكن أحد ينظر الى هذه الكلمة في مدلولها الحرفي المنقطع عن صاحبها , والذي ربما دخل على بعض العقول بشيء من الوهم الذي يُحرّف الكَلِم عن مواضعه ...


لقد ظلت كلمة " خليفة رسول الله " يتعامل بها المسلمون في خلافة ابي بكر , وليس لها مفهوم عندهم أكثر من أنه " الأمير " القائم عليهم .. ولو وجد أبو بكر كلمة غير هذه الكلمة تحدد منصبه هذا وتدل عليه , لما وقف عند هذا اللقب , ولما تمسك به .. بل اننا لنكاد نشعر أن أبا بكر عاش وفي نفسه شيء من هذا اللقب , وأنه قد كان يراه ثوباً فضفاضاً عليه , كما رأى في لقب " خليفة الله " وعدل عنه الى خليفة رسول الله ...


نقول هذا ولنا شاهد صدق عليه من أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عته , فإنه ما إن سمع قائلاً يقول عنه " أمير المؤمنين " حتى وقع هذا القول من نفسه موقع الرضا والغبطة .. وأصبح منذ ذلك الوقت يدعى " أمير المؤمنين " ...


ونقول مرة أخرى إنة " عمر " ما كان يخلع أبداً لقب " الخلافة " .. خلافة رسول الله , ويلبس مكانه هذا اللقب الجديد " امير المؤمنين " لو أنه كان في نفسه أي شعور بإن لقب " الخلافة " يحمل في كيانه شيئاً – أي شيء – من رسول الله صلى الله عليه وسلم ...


وشاهد آخر على ان لقب " الخلافة " هو لقب اصطلاحي ولدته الظروف كما تولد الأسماء لمسمياتها .. هذا الشاهد هو انه لما ىتوفي ابو بكر وتولى " عمر " الخلافة من بعده , جعل الناس يدعونه : خليفة خليفة رسول الله .. وكان من المتوقع ان الخليفة بعد عمر سوف يدعى " خليفة خليفة خليفة رسول الله .. وهكذا .. وهذا ما جعل عمر يتطلع الى لقب يلقب به الخليفة غير هذا اللقب الذي سيزداد على الايام طولاً , ويصبح التعامل معه شاقاً عسيراً ...


ولو كانت الخلافة خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وانها قبس من أقباس النبوة , وضَوءَة من مشكاتها لكان كل من يلي المسلمين خليفة لرسول الله , ولما دُعي عمر " خليفة خليفة رسول الله " حيث كان معنى ذلك أنه خليفة أبي بكر , الذي هو خليفة رسوا الله ...


ليست الخلافة إذن كلمة من كلمات الشريعة , وليس" الخليفة " حامل هذا اللقب صاحب شرع , وإنما هو واحد من آحاد أتباع هذه الشريعة , فإذا جعلوه أميراً لهم أو حاكما عليهم , فليس له في مكانه الجديد هذا إلا ما كان له من قبل أن يقوم فيه .. ينزل هو والناس جميعا على حكم الشريعة سواء بسواء ...


يتبع بحول الله
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-04-2016, 06:40 AM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

نأسف بان وقع سهواً رفع " الخلافة والدين - 2 " قبل " الخلافة والدين - 1 "
ألخلافة والدين -
2
إن هذه النظرة العميقة الواعية التي نظر بها " إقبال " الى " الخلافة " من خلال الدين الاسلامي هي التي ينبغي أن ينظر بها الناظرون الى الخلافة الاسلامية , وبهذا تصبح الحكومة – أي حكومة , في المجتمع الاسلامي " خلافة " ويصبح الحاكم " خليفة " أي اميناً على هذا المجتمع , قائداً له بقدر ما في كيانه العقلي والروحي من أحاسيس وعواطف لهذا الدين , مقدراً أن الدين ليس إلا بعض هذا المجتمع أو كله , في منازع تفكيره , وفي اتجاهات سلوكه , وأن هذا المجتمع في أفراده وجماعاته كائن تسري في روحه , وفي دمه , وفي أعصابه , وفي كيانه كله ما يحمل الدين من عقيدة وشريعة .



إنا إذا نظرنا الى " الخلافة " هذه النظرة – وهو ما ينبغي أن يكون – فإنا نضع " الخلافة " في موضعها الصحيح الذي كثيراً ما نراها قد تجاوزته وبعدت عنه .


إن " الخلافة " في هذا الموضع كائن له وجوده الذاتي , فتَصحّ أو تمرَض , وتستقيم أو تنحرف , دون أن يحسب على الدين شيء من صحتها أو مرضها , ومن استقامتها أو انحرافها , و " الخليفة " الذي يلبس ثوب الخلافة هو " حاكم " له ذاتيته .. حسابه لنفسه , وعلى نفسه , لا يحسب على الدين , ولا يضاف اليه .



وذلك كله لا يمنع بحال أبداً أن تسمى " الخلافة " بهذا الاسم ,وأن تضاف الى الاسلام , وتحسب عليه , كما لا يمنع بحال أبداً أن تسمى كل حكومة قائمة في مجتمع اسلامي " حكومة اسلامية " وأن تحسب على الاسلام وتضاف اليه .. تماماً , كما ينتسب المسلمون الى الاسلام ويحسبون في المسلمين , وإن اختلفت حظوظهم منه , وتعددت منازلهم فيه .. إنهم مسلمون .. وإن حكامهم الذين يقومون عليهم حكام مسلمون أو خلفاء مسلمون , يمثلون الحكم الاسلامي , والخلافة الاسلامية .



فأبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلي , ومعاوية , ويزيد , ومروان بن الحكم , وعبدالملك بن مروان .. وبقية الخلفاء الأمويين والعباسيين .. كلهم مسلمون , على اختلاف حظوظهم من الاسلام ومنازلهم فيه .. وهم كذلك خلفاء على اختلاف حظ خلافتهم من الاسلام وموضعها منه . رضي الله عن الراشدين الأربعة ورضي الله عن معاوية .


لماذا هذا الفصل بين الدين والدولة ؟
وعلى هذا فلا وجه للفصل بين الدين والدوله .. كما لا يمكن الفصل بين الروح والجسد , إذا أريد الاحتفاظ بالانسان ككائن حي .
- إن الدين وحدة .. روح وجسد !
- والدولة وحدها .. جسد بلا روح !
- إذ أنه لا دين إلا إذا خالط تفكير الناس , وتلبس بمشاعرهم !
- وإنه لا دولة – بل لا انسانية – إلا إذا كان لها مدارك تعقل , ومشاعر تتأثر , وإلا دخل على عقلها مدركات , وتسربت الى مشاعرها مؤثرات .


- وقد عرفنا أن الاسلام ينظر الى الانسان باعتباره انساناً , ذا شخصية واحدة , وكيان واحد : هو " الانسان " .. وليس هو جسداً وروحاً .
- وقد جاءت تعاليم الاسلام لتتعامل مع هذا الانسان باعتباره كلاً , فلا تتجه الى روح وجسد منه , وإنما تتجه اليه جميعاً .


فإذا ساغ لذي نظر أن يرى الحياة ديناً في جانب , ودولة في جانب آخر .. كان لنا عليه إذا سألناه : أين الدين وأين الدنيا .. أن يشير اليهما , وأن يحدد صفة كل منهما ومكانه .. فيقول : هذا هو الدين , ويكشف لنا عن وجهه , ويحدد صفاته , ويحدث عن طبيعته ! ثم يقول : وهذه هي الدنيا , ويكشف عن وجهها , ويحدد صفاتها , ويبين طبيعتها , نريده أن يتجه الى ناحية فيقول : هنا يوجد الدين , ثم يتجه الى ناحية أخرى فيقول : هنا تقوم الدنيا .


محال أن يجد المرء لهذه الإشارة مدلولاً أو مفهوماً

فأين الدين ؟ أهو هذه المبادىء والمقررات المسطورة في كتاب ؟

أدين من غير متدينين ؟ أمعبد بلا عباد ؟ ومسجد ولا مصلين ؟

وأين هي الدنيا . وأين هم الناس ؟ عالم بلا عواطف , ولا مشاعر , بل ولا عقل ؟

إن عملية فصل الدين عن الدنيا عملية قد تستقيم في التصورات الذهنية !

لكنها لا تستقيم في واقع الحياة أبداً




من أين جاءت هذه الثنائية ؟



" التوحيد " هو شريعة الاسلام , أو هو حقيقة الاسلام

والانسان مخلوق على ما صوره الخالق الواحد

ووجود الانسان وجود واحد تتصل دنياه بأخراه !

قد صبغ الاسلام العقلية الاسلامية بهذه الصبغة " الواحدية " حين جمع المسلمين على عبادة إله واحد , ورد أصلهم الى أبٍ واحد , وجعلهم أمّة واحدة ...!


ولا نريد أن نضرب الأمثال لهذا من تاريخ التفكير الاسلامي , ومنازعه , وحسبنا أن نرى اتجاه هذا التفكير في هذا الموضوع الذي بين أيدينا , وهو " الخلافة " .



لقد عاشت " الخلافة " في المجتمع الاسلامي على أنها القوة العاملة في دنيا المسلمين ودينهم معاً .. فهو إمامهم في الصلاة , وقائدهم في الحرب , وقاضيهم في المنازعات .



لم يقع في تفكير المسلمين حتى في أقسى الظروف وأسوأ الأحوال التي أحاطت بهم فيها تلك الفتن , والتي اقتتلوا فيها , وتفرقوا مذاهب وشيعاً , لم يقع في تفكير المسلمين أن يجعلوا الخلافة خلافتين .. خلافة للدين , وأخرى للدنيا , كما لم يقع في تفكيرهم أن يعزلوا الخلافة عن الدنيا , ويجعلوها خلافة للدين وحده , لم يقع شيء من هذا في تفكير المسلمين , على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم .. وأنت تعلم كيف تعددت هذه الفرق .. من سنية , وشيعة , وخوارج , وكيف تفرقت تلك الفرق حتى كانت الخوارج والشيعة عشرات الفرق .


وهذه الفرق جميعها كانت تتقاتل بالرأي , كما كانت تقتتل بالسيف .. ومع هذا فإن أحداً لم ينْح " بالخلافة " أو الخليفة منحى الدين أو الدنيا , وإنما ظل الدين وظلت الدنيا الى يد " الخليفة " , وفي سلطانه .



فمن أين جاءت الى الاسلام فكرة فصل الدين عن الدولة ؟ ومن أي باب دخل على المسلمين هذا التفكير ؟ .


يرى الفيلسوف " إقبال " أن فكرة فصل الدين عن الدولة قد ولدت في أعقاب الخلافة العثمانية , بعد أن ضعف شأن الخلافة .. وغليت على الخلفاء المنازع العصبية , والاهواء الذاتية ممثلة بالحزب الوطني التركي وأفكاره المستوردة .

يتبع بحول الله " هل المجتمع بحاجة الى الخلافة " ؟

التعديل الأخير تم بواسطة الشريف ابوعمر الدويري ; 14-04-2016 الساعة 07:08 AM
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-04-2016, 07:32 AM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

ألخلافة ... والدين !!!

هذا العنصر الديني الذي امتزج بالخلافة الاسلامية , وكان بعض ألوانها منذ يومها الأول – هذا العنصر الديني – ما هو ؟ , أهو أصل من أصول الخلافة حتى إذا انفصل عنها لم يكن لها مقام في الحياة ؟ أم أنه شيئٌ طارىء عليها .. إذا افتقدته يوماً لم تفقد وجودها وحياتها ؟ .

وللإجابة على هذا يجب أن نقرر :
أولاً : أن الحكم ضرورة لازمة في حياة المجتمع الانساني .. تطلبه المجتمعات كما تطلب الأمن , والسلام , بل كما تطلب الحياة .. إذ لا حياة , ولا أمن , ولا سلام لمجتمع انساني لا يقوم عليه حاكم ...
ثانياً : أن أي حكم إنما يلوّن بما في المجتمع من آراء , ومذاهب , ومعتقدات , وأن قانون الجماعة الذي تُساس به إنما هو نسيج عواطفها ووجدانها , ونضيج آرائها , ومذاهبها في الحياة .. يستوي في ذلك أرقى الشعوب وأعرقها حضارة ومدنية , مع أبعد الشعوب عن مجال الحضارة والمدنية ...


فكل حكم – أياً كان – حضارياً , أو بدائياً .. ديموقرطياً , أو ديكتاتورياً .. اشتراكياً , أو رأسمالياً .. إنما ياخذ صورته من الآراء والمذاهب والمعتقدات التي يعيش فيها المجتمع الذي يدين بهذا الحكم , ويخضع له , وهيهات أن يخضع مجتمع لغير الآراء التي يدين بها إلا في ظروف استثنائية طارئة , كأن يُفرض عليه حكم أجنبي , أو نحو ذلك ...


إذا تقرر هذا – ولا خلاف عليه فيما نظن – فإن الخلافة الاسلامية , وهي ضرب من ضروب الحكم , وأسلوب من أساليبه , لا بد أن تخضع لهذه المقررات : فيكون الاسلام الذي هو عقيدة مجتمع الخلافة لوناً بارزاً من ألوانها .. إذ كان الدين – من حيث هو دين يجمع بين طرفي الدنيا والآخرة – مستولياً على النصيب الأوفر من تفكير الانسان ,ومشاعره ووجدانه .


وإذن فالحاكم المسلم الذي يحكم مجتمعاً يدين بالاسلام لا يمكن ان يجرّد اسلوب الحكم من سلطان الدين عليه , وعلى كل شأن من شؤون حياته , كما لا يمكن ان يوجه سياسته وجهة متحررة تحريراً كاملاً من مقررات الدين ومعطياته , وإلا عزل نفسه عن المجتمع , فكان في جانب , والناس والحياة في جانب آخر .. وإذا صح القول بأن الناس على دين ملوكهم ! فإنه يصح أن يقال : إن الملوك على دين من يملكون , إذا أرادوا أن يسكن لهم الناس ويُلقون اليهم بالمودة والولاء ...


( محمد إقبال ) الفيلسوف المسلم يقول :
- طبيعة أي عمل مهما كان دنيوياً في فحواه , إنما تشكلها النزعة العقلية التي تسيطر على القائم بهذا العمل .
- فما وراء العمل من تفكير لا تراه العين هو الذي يشكل آخر الأمر طبيعته .
- والعمل يكون دنيوياً , أو طالحاً , إذا صدر عن روح بعيدة عما للحياة من مزيج لا نهاية لعناصره .
- ويكون روحانياً إذا صدر بوحي من هذا المزيج .
- والحقيقة في نظر الاسلام هي بعينها .. تبدو ديناً إذا نظرنا اليها من ناحية .. وتبدو دولة إذا نظرنا اليها من ناحية أخرى .


أرجو أن تقرأ هذا الذي يقوله " اقبال " , هنا مرة أخرى , أو أكثر ! فإنهن كلمات لهن دلالات مشرقة واعية في تحديد النظرة الى الخلافة الاسلامية , وفي ضبط ميزانها الذي توزن به بين أنظمة الحكم .
ألدين ... والدولة !!!
بهذا الميزان الذي وضعه " افبال " بين يديك في تلك المقررات السابقة , يزن " الخلافة " ويترجم الدولة التي يدل عليها مؤشر هذا الميزان .. فيقول بعد هذا :
- ليس صحيحاً أن يقال إن الدين والدولة جانبان , أو وجهان لشيء واحد .
- فالاسلام حقيقة مفردة لا تقبل التحليل .
- وهو – الاسلام – يبدو في صورة أو أخرى بحسب اختلاف نظرك اليه .
- وهذا الأمر بعيد الأثر .. وتوضيحه توضيحاً وافياً يزج بنا في بحث فلسفي عميق .
حسبنا أن نقول إن الخطأ القديم – في مفهوم الخلافة , أو مفهوم الدين – نشأ عن تفريغ وحدة الانسان الى حقيقتين , منفصلتين , متمايزتين , تتصلان إحداهما بالأخرى على وجه ما , ولكنهما أساسياً متضادتان ... هذا هو مبعث الخطأ !!!
- والحق هو أن المادة هي الروح مضافة الى الزمان المكاني .


- والوحدة التي نسميها " الانسان " هي جسم إذا نظرت الى عملها بالنسبة لما نسميه بالعالم الخارجي , وهي عقل أو نفس إذا نظرت الى عملها باعتبار ما له من غاية , والى المثل الأعلى الذي يستهدفه هذا العمل .
لعلّ من الخير أن نقف عند هذا القول وقفة تأمّل لنتأكد من فهم مراميه ومقاصده التي قصد اليها هذا الفيلسوف , وأرادها :


فأوّلاً : الدين والدنيا وجهان لشيء واحد .. هذا الشيء هو دين ودنيا معاً .. ننظر اليه من جانب فإذا هو دين .. وننظر اليه من جانب آخر فإذا هو دنيا .. ولست بمستطيع أن ترى الدين كائناً وحده , غير قائم على " فرش " من الدنيا !!! ولست بمستطيع كذلك أن ترى الدنيا دنيا خالصة غير " مشبعة " بالدين , أو ملونة به .


ثانياً : الدين حقيقة مفردة لا تقبل التحليل .. ومعنى هذا أن ما يحمل الدين من مبادىء وتعاليم لا يمكن ان تحلل تحليلا كيميائيا , أو حسابياً .. فيكون بعضها للدين , وبعضها الآخر للدنيا , أو يكون جانب منها للروح , وجانب آخر للجسد .


وذلك .. لأنه ليس من طبيعة حقائق الدين أن تنقسم , وتوزع , كما أنه ليس هناك ما يمكن أن تتوزع اليه , إذا كان من طبيعتها ان تتوزع – وهو أمر غير ممكن – فحقائق الدين تتوجه الى الانسان على أنه كيان واحد , ليس روحاً , وليس جسداً , وإنما روح وجسد معاً , وحقائق الدين تتجه الى تنظيم وجود الانسان .. وللانسان وجود واحد يجمع بين الدنيا والآخرة .


نعود بعد هذا الى " اقبال " فنصحبه في اتجاهه هذا مرحلة أخرى , يحدثنا فيها عن الاسلام ومقامه في الحياة , وإمكانياته التي يفتح للناس مجال العمل فيها , فيقول " اقبال " :
- وروح التوحيد " الاسلام " بوصفه فكرة قابلة للتنفيذ , هو : المساواة , والاتحاد , والحرية .
- والدولة في نظر الاسلام .. هي محاولة تبذل بقصد تحويل هذه المبادىء المثالية الى قوى مكانية زمانية .. هي إلهام لتحقيق هذه المبادىء في نظام انساني معيّن .
- والدولة في الاسلام .. ليست " ثيوقراطية " أي دينية إلا بهذا المعنى وحده , لا بمعنى أن على رأسها خليفة الله على الارض , يستطيع دائماً أن يستر إرادته المستندة وراء عصمته المزعومة .


- وقد غاب هذا الاعتبار عن أنظار نقّاد الاسلام .
- فالحقيقة القصوى في نظر الاسلام روحية , ووجودها يتحقق في نشاطها الدنيوي .
- والروح تجد فرصتها في : الطبيعي , والمادي , والدنيوي .
- فكل ما هو دنيوي إذن , هو طاهر , وديني .. في جذور وجوده .
- وأعظم خدمة أداها التفكير العصري الاسلامي , بل في حقيقة الأمر الى كل دين , هي تمحيص ما أسميه مادياً أوطبيعياً تمحيصاً أظهر أن المادي فحسب لا يكون له حقيقة الى أن نكشف عن أصله متأصلاً فيما هو روحاني .


- فليس ثمة دنيا دنسة , وكل هذه الكثرة من الكائنات المادية إنما هي مجال تحقق الروح وجودها فيه .
- فالكل أرض طهور , ولقد صور النبي عليه الصلاة والسلام هذا المعنى أجمل تصوير بقوله " ( جعلت لنا الأرض كلها مسجداً ) .


- فالدولة في نظر الاسلام ليست إلا محاولة لتحقيق الروحانية في بناء المجتمع الانساني .. وبهذا المعنى تكون كل دولة ليست مؤسسة على مجرد السيادة والسلطان , بل تهدف الى تحقيق المبادىء المثالية .. دولة " ثيوقراطية " أي دينية ...

يتبع بحول الله الخلافة والدين - 2
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-04-2016, 07:06 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

هل المجتمع الاسلامي في حاجة إلى الخلافة ؟

والخلافة التي نتحدث عنها هنا هي " الخلافة " كما نتصورها وكما صورناها من قبل , وهي هذا الحكم الذي يقوم في المجتمع الاسلامي , على أساس ديني ودنيوي .
وأنا أعلم أن كثيراً من الناس سيلقّون هذا الرأي لقاء غير كريم , يرجمونه بأفواههم , ويسلقونه بألسنتهم , ويجتمعون – على بعد ما بينهم من خلاف فيه – لمحاربته والتشويش عليه , فأولائك الذين يُعرفون عند أنفسهم , أو يعرفهم الناس " بالتقدميين أو العصريين " , سيقولون : ما لنا ولهذا الثوب البالي الذي عفى عليه الزمن , نتزيّا به اليوم , ونخرج به على الناس عراة أو شبه عراة ؟ .
كيف ينظر العالم الينا ؟ وماذا يقول عنا ؟ وهو يرانا في تلك المرقّعات وفي هذه الخِرَق البالية ؟ .. " خلافة " ؟ أو " خليفة " ؟ ما هذا ؟ وهل جاء يوم البعث ؟ وهل أخرجت الارض أثقالها ؟ .
ثم ما وراء هذه " الخلافة " ؟ الدين ؟ وسدنة الدين ؟ وأصحاب الملابس الفضفاضة الضريحية ؟ والعمائم الضخمة من بيض , وحمر , وخضر , وسود ؟ .
ما هذا " الكرنفال " الذي يراد لنا أن نغرق فيه ؟ وأن نمثل على مسرحه تلك الحياة الهزيلة , التي يحياها الهازلون , والمهرجون ؟ .
إن الحياة تخطو خطوات سريعة الى الامام , ونحن نهوي الى الوراء هُوِيّاً بعيداً , ونتخذ من أكفان الموتى أكفاناً لنا في الحياة ؟ .
لا ... لا ... إن ذلك لن يكون أبداً !
إننا لم نجد وجودنا , ولم نستشعر السلامة والعافية إلا حين تخففنا من هذه الأثقال التي آذت ظهورنا , وأثقلت خطونا , وجعلتنا من مخلفات الحياة التي يطؤها الناس بالأقدام ؟ .
إن الدين ما لبس أمّة إلا ولبستها الذلّة والمهانة والاستكانة .. وما خلعت أمّة أسمال الدين , وألقت به بعيداً عنها إلا خلعت الحياة عليها خلع القوة والعزّة والسيادة .. والسعادة .
هذه أوروبا وأمريكا .. نَفضَت الدين عنها , فملكت الارض , وكادت تبلغ السماء طولا , وإنها لم تخرج من ظلام القرون الوسطى إلا حين تنبّه فيها هذا الإحساس الذي باعد بينها وبين الدين .. ولو أنها ظلت على ولائها وخضوعها للدين وللكنيسة لما خرجت من ظلمات القرون الوسطى هذه , ولتراكمت عليها ظلمات فوق ظلمات .
فما لنا وللدين إذن ؟ دعوا لنا حياتنا نحياها كما يحيا الناس .. ولا على من يريد الدين أن يَرِدَ موارده كيف شاء , ومتى شاء , وأن يعبَّ من صفوه وكدره ما يريد ..!!
إن الدين أمر شخصي .. شهوة من شهوات النفس , أو نزعة من نزعات العقل , أونزغة من نزغات الشيطان .. أو وسوسة من وساوس الضمير .. وليس هناك ما يحجز الانسان عن شهوات نفسه , أو نزعات فكره , أو نزغات شيطانه , أو وساوس ضميره , ما دام ذلك كله لا يمَسُّ أحداً غيره .. فللمرء أن يلبس من أثواب الدين ما يشاء , في داخل حدوده الشخصية , وكيانه الذاتي .. أما إذا خرج الى الحياة , وعاش في الناس , فينبغي أن يطرح هذه الأثواب جانباً , وأن يلبس للحياة وللناس زيَّ الدنيا الذي لا خيط من خيوط الدين فيه .
هذا بعض ما يلقى به هذا الرأي الداعي الى " الخلافة " الاسلامية أولائك العصريون , أو المتعصرون .. فإنه لا أثقل على قلوبهم , ولا أزكم لأنوفهم من الدين , وريح الدين ...!
وكذلك الدينيّون والمتدينون ...
لا يحمدون هذه الدعوة التي تدعو الى التفكير في " الخلافة " , ولا يجدون فيها انتصاراً لجانب الدين الذي جارت عليه الدنيا , وألجأته الى الانسحاب في زوايا الزوايا من بيوت الله .
ذلك أنهم يخشون على الدين إذا هو خرج من هذه الزوايا المتحصّن بها , والتقى الحياة , ودار مع الناس في دنياهم , شاهَ وجهه , وتبدّلت معالمه , وضَمَر وجوده , وهان على الناس شأنه ...
وخيرٌ للدين أن يظل محتفظاً بكيانه المضمر في كتاب الله , وفي سنة رسوله , وفي قلوب المؤمنين به , من أن ينزل الى هذا المعترك الصاخب المائج فيتبدد ويضيع ...!!
ونقول للدنيويين , والدينيين : مهلاً .. مهلاً ..
لا تفزعنكم كلمة " الخلافة الاسلامية " هنا ..
فالاسلام – كما عرفتم – ليس عقيدة تعيش في ضمير الانسان .. وإنما هو عقيدة وشريعة .. تملأ ضمير الانسان , وتعبىء مشاعره , وتحدد سلوكه في الحياة ...
الاسلام " حياة " متكاملة .. تملأ وجود الانسان كله , وتحيط به ! وحيث يكون مسلمون , يكون مجتمع اسلامي فإن الدين يملأ عليهم وجودهم , ويلقاهم حيث كانوا , في المسجد , في المصنع , وفي البيت , وفي الحقل , وفي السرّ , وفي العلَن .. ولن يستطيع " المسلم " في أي حال من أحواله أن يعزل الاسلام عنه إلا إذا خلع نفسه منه جملة , وخرج خروجاً كاملاً من هذا الدين .. وهنا لا حساب بين الاسلام وبينه ...
إن الاسلام ليس ثوباً يلبسه الانسان في حال , ثم إذا شاء خلْعه خَلَعَه يوماً أو بعض يوم , كما يخلع ملابس نومه , ليرتدي الثوب الذي يخرج به الى الناس .. ثم يعود فيلبس ثوب الاسلام من جديد كما يلبس ملابس النوم .. كلا .. ثم كلا ...
الاسلام – كدين – ليس ثوباً ينزع ويلبس , وإنما هو روح قائم في كيان الانسان , وحياة ممسكة بوجوده ...
فالذين ينكرون على الدين مقامه في الحياة , إنما ينكرون أمراً واقعاً .. والذين يحاولون أن يعزلوا أنفسهم عن الدين يحاولون محالاً !! وإن خرجوا على مقررات الدين , واستباحوا حماه , فإن أقل ما يبقى لديهم من الدين أنهم ينتسبون اليه , ويحملون اسمه .. فيقولون : نحن مسلمون , وهذا – على ما به من بُعد عن حقيقة الدين , وما فيه من انخلاع روحي عنه – راية يستظل المسلم بظلها , ويجتمع مع المسلمين عليها , وذلك من شانه أن يشيع في كيان هذا المسلم – الذي يحمل اسم الاسلام – عواطف اسلامية , تقوى حيناً وتضعف حيناً حتى يدخل في الاسلام ظاهراً أو باطناً , أو ينفصل عنه ظاهراً أو باطناً , أو يموت تحت راية الاسلام , دون أن يشهد تحتها مشهداً من مشاهده , أو يوماً من أيامه ...

ويتبع بحول الله" شبهة وردها "
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
موجز تاريخ قبيلة "البرنو" ايلاف مجلس قبائل السودان العام 2 27-01-2017 06:48 PM
كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي "كاملا" محمد محمود فكرى الدراوى موسوعة الفرق و المذاهب و الملل و النحل (على مذهب اهل السنة) 3 26-12-2015 08:00 PM
مؤجز تاريخ قبيلة البرنو ايلاف مجلس قبائل افريقيا 0 13-09-2015 12:31 PM
هؤلاءعلمونى (1) محمد جلال كشك محمد محمود فكرى الدراوى مجلس الادباء العرب ( المستطرف من كل فن مستظرف ) 2 06-03-2015 03:24 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 09:37 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه