فقه الدعوة في صلح الحديبية - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
الاصول العامرية لبني عداس غجر الجزائر
بقلم : النوميدي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: تاريخ هذيل و ديارها و جيرانها و فخوذها (آخر رد :ابن هذيل)       :: عــرب الهنادي السلمية (آخر رد :شادي الطحاوي)       :: نسب آل بوعينين (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: نسب قبيلة سنحان (آخر رد :الحناوي)       :: ما هي جماجم العرب و ما تعريفها (آخر رد :الحناوي)       :: قبائل تهامة قحطان الستة (آخر رد :الارشيف)       :: الحجر بن الهنوء بن الأزد (آخر رد :الارشيف)       :: عوامر بني خثعم (آخر رد :الارشيف)       :: قبيلة شمر فخر طيئ (آخر رد :الارشيف)       :: قبيلة العجمان الهمدانية في النسب (آخر رد :الارشيف)      



مجلس السيرة النبوية دروس و عبر , على صاحبها ازكى الصلاة و التسليم و قصص الانبياء عليهم السلام


إضافة رد
قديم 27-06-2017, 09:13 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي فقه الدعوة في صلح الحديبية

فقه الدعوة في صلح الحديبية
إعداد: د. سليمان بن قاسم العيد
جامعة الملك سعود – كلية التربية
قسم الثقافة الإسلامية
1423هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:-
فإن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) بالدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} ([1])، والحكمة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم([2])، وهي أيضاً إصابة الحق بالعلم والعدل([3]). وعلى هذا الأساس فإن الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه هي سلوكها بأحسن الطرق وأعدلها. وقد تجلت حكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعوية في مواقف كثيرة، منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو خلاف ذلك، ومن تلك المواقف الدعوية التي لم تظهر الحكمة فيها لبعض صحابته (رضي الله عنهم) في بداية الأمر (صلح الحديبية)([4]). ومحاولة لبيان أوجه الحكمة الدعوية في هذا الصلح اخترت هذا البحث الموسوم بـ (فقه الدعوة في صلح الحديبية).
أهمية الموضوع
إن لصلح الحديبية أهمية كبرى في تاريخ الدعوة الإسلامية، ولذلك فقد سماه الله سبحانه وتعالى فتحاً مبيناً بقوله:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}([5])، والفتح المراد هنا هو الحديبية، ففي البخاري عن أنس (رضي الله عنه)â$¯RÎ)$sYóstFsùy7s9$[s÷Gsù$YZÎ7Bá قال: الحديبية([6]). وفيه أيضاً عن البراء (رضي الله عنه) قال: ((تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية))([7]).وقال جابر: ((ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية))([8]). فقد كان هو السبب المباشر في فتح مكة، وكان فتح مكة سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً، حتى سمي العام التاسع الذي يلي الفتح عام الوفود([9]). قال النووي في الصلح: ((وثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا))([10]). فمعرفة الحكمة الدعوية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الصلح الذي كانت له تلك النتائج الباهرة التي سيأتي بيانها -إن شاء الله تعالى- في ثمار الصلح أمر مهم.
مشكلة البحث
تكمن مشكلة البحث بعدم إدراك كثير من الناس الحكمة الدعوية من الصلح، كيف لا وقد خفيت في بداية الأمر على كبار الصحابة كعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)([11]).
منهج البحث
المنهج المستخدم في هذا البحث هو المنهج الاستقرائي القائم على استقراء النصوص الواردة في الصلح، ومن ثم تحليلها والخروج منها بالفقه الدعوي.
تقسيم البحث
ينقسم البحث إلى مقدمة وتمهيد وأربعة مباحث وخاتمة ، على النحو التالي:-
مقدمة
تمهيد
المبحث الأول : أسباب الصلح
المبحث الثاني : كتابة الصلح وبنوده
المبحث الثالث : المصلحة الدعوية في بنود الصلح
المبحث الرابع : ثمار الصلح الدعوية
الخاتمة
مراجع البحث
الفهرس

تمهيد

تنوعت مواقف النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعوية ما بين حرب وسلم، وصلح ومهادنة([12])، ومن تلك المواقف الدعوية التي كان لها الأثر الكبير والنتيجة الباهرة (صلح الحديبية). فيحسن قبل الشروع في صلب الموضوع إلقاء الضوء على مكان الصلح، وزمانه، ومدته، وعدد من شهد الحديبية.
مكان الصلح
المكان الذي جرى فيه الصلح هو (الحُدَيْبِية)، وقد سمي بها، ويقال (صلح الحديبية). قال الحموي في معجمه: (الحديبية) بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء اختلفوا فيها، فمنهم من شددها، ومنهم من خففها، فروي عن الشافعي (رضي الله عنه) أنه قال: الصواب تشديد الحديبية، وتخفيف الجِعرانة، وأخطأ من نص على تخفيفها، وقيل: كلٌ صوابٌ، أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخففونها. وهي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك، وقيل: شجرة حدباء صغرت، وسمي المكان بها. وبين الحديبية ومكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم وهو أبعد الحل من البيت.([13])
وقال ابن بليهد في وصف الحديبية: فإن جزت وادي فاطمة أتيت الموضع الذي يقال له اليوم "الشميسي" وكان يقال له في الزمن القديم الحديبية.([14])
وقال عتيق البلادي: هو المكان الذي نسبت إليه إحدى غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) تقع غرب مكة على بعد (22كيلاً) على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى "الشميسي" لأنه يقال : أن رجلاً يدعى الشميسي حفر بئراً هناك فغلب اسمه عليها، وبالقرب منها من الغرب أقامة أمانة العاصمة حدائق تعرف بـ"حدائق الحديبية".([15])
وقال حافظ الحكمي: أفادت النقول أن الحديبية تقع في الناحية الغربية من مكة، لكن الواقع أن الحديبية لا تحاذي مكة من الجهة الغربية، بل تنحرف على جهة الشمال.([16])
زمانه
كانت الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي، وابن كثير، وابن حجر، والعيني. فقد قال النووي: ((وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة))([17]).
وقال ابن كثير: ((كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف))([18]).
وقال ابن حجر: ((كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف))([19]).
وأما العيني فقال: ((وكان خروجه من المدينة يوم الإثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف))([20]).
وقد شذ ابن الديبع فقال: كانت في السنة الخامسة([21]). ولا مستند له في ذلك([22]).
ومن حيث الشهر فقد كانت في شهر ذي القعدة، ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك (رضي الله عنه) حينما سئل، كم اعتمر النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ قال: ((أربع، عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون...)) الحديث([23]).
وقد حكى ابن كثير والعيني الإجماع على أنها في ذي القعدة، كما تبين في كلام كل منهما المتقدم.
وقد ورد بروايات لم تثبت أنها كانت في شوال.([24])
وأما اليوم فقد كان في يوم الإثنين، قال الواقدي ((وخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المدينة يوم الإثنين لهلال ذي القعدة))([25]).
وقال ابن سعد: ((وركب راحلته القصواء وخرج، وذلك يوم الإثنين))([26]).
وقال القسطلاني: ((وخرج (صلى الله عليه وسلم) يوم الإثنين ))([27]).
وحكى الإجماع على ذلك العيني في كلامه المتقدم. وقال الشيخ حافظ الحكمي: ((ولم أر في كتب المغازي أو غيرها أحداً يذكر خلاف ذلك))([28]).
عدد أهل الحديبية
جاء في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب (رضي الله عنه): ((كنا أربع عشرة مائة))([29])، كما جاء عدد آخر في روايات متعددة عند البخاري وغيره، وقد أشار إليها ابن حجر في الفتح، حيث قال: عن البراء كنا أربع عشرة مائة، وفي رواية زهير عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، أو أكثر، ووقع في حديث جابر الذي بعده من طريق سالم بن أبي الجعد عنه أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ومن طريق قتادة قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر أنهم كانوا أربع عشرة مائة، فقال سعيد: حدثني جابر أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر كانوا ألفاً وأربعمائة، ومن طريق عبد الله ابن أبي أوفى كانوا ألفاً وثلاثمائة، ووقع عند بن أبي شيبة من حديث مجمع بن حارثة كانوا ألفا وخمسمائة. والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفاً وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفاً وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء ألفاً وأربعمائة أو أكثر. واعتمد على هذا الجمع النووي، وأما البيهقي فمال إلى الترجيح... وأما قول عبد الله بن أبي أوفى ألفا وثلاثمائة فيمكن حمله على ما يتحقق هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة والزيادة عليها من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطاً من قول جابر: "نحرنا البدنة عن عشرة" وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلاً... والله أعلم([30]).
مدته
لم يأت في رواية البخاري المطولة([31]) تحديد للمدة، ولكن جاء التحديد في رواية ابن إسحاق، وقد اختلفت أقوال أهل العلم عن هذه المدة، ففي تلخيص الحبير: وقال البيهقي: والمحفوظ أن المدة كانت عشر سنين، كما رواه ابن إسحاق. وروى في الدلائل عن موسى ابن عقبة وعروة في آخر الحديث فكان الصلح بينه وبين قريش سنتين. وقال: هو محمول على أن المدة وقعت هذا القدر، وهو صحيح، وأما أصل الصلح فكان على عشر سنين. قال ورواه عاصم العمري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنها كانت أربع سنين، وعاصم ضعفه البخاري وغيره.([32])
وقال ابن حجر: ((هذا القدر الذي ذكره ابن إسحاق أنه مدة الصلح هو المعتمد، وبه جزم ابن سعد، وأخرجه الحاكم من حديث علي نفسه. ووقع في مغازي ابن عائذ في حديث ابن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة، ويجمع بينهما بأن الذي قاله ابن إسحاق هي المدة التي وقع الصلح عليها، والذي ذكره ابن عائذ وغيره هي المدة التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش... وأما ما وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم والأوسط للطبراني من حديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح))([33]).

المبحث الأول
أسباب الصلح

قبل الحديث عن السبب المباشر للصلح لابد من الإشارة إلى سبب الخروج إلى الحديبية أصلاً، فلقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك كان بسبب رؤيا رآها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وذلك أنه رأى أنه وأصحابه دخلوا البيت الحرام وحلق بعضهم وقصر البعض.
وممن ذهب إلى ذلك الواقدي([34])، واليعقوبي([35])، والمقريزي([36])، والزرقاني([37])، والشيخ محمد بن عبدالوهاب([38]) وغيرهم.
كما درج بعض المفسرين على جعل سبب نزول قوله تعالى:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} ([39]) هي تلك الرؤيا المشار إليها، فقد روى ابن جرير في تفسيره عن ابن زيد قال: قال لهم النبي (صلى الله عليه وسلم): ((إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين، فلما نزل بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقالوا: أين رؤياه؟ فقال الله: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) فقرأ حتى بلغ (ومقصرين لا تخافون)))([40]).
وروي أيضاً عن قتادة قال: رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق الله رؤياه فقال لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين. حتى بلغ (لا تخافون)([41]). ويؤيد هذا الرأي (أن الرؤيا كانت قبل الخروج) ما ورد عند البخاري من حدبث المسور بن مخرمة ومروان، أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما جرى الصلح: ألست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟))([42]) فظاهر سؤال عمر (رضي الله عنه) أن الحديث كان قبل الخروج، وعليه فإن الخروج كان على أثر الرؤيا.
وفي رواية ابن إسحاق كان الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون([43]). وعليه فإن الرؤيا كانت قبل الخروج.
وعند الواقدي ((أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم))([44]).
وقال ابن كثير: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام. ([45]).
وهناك من ذهب إلى أن الرؤيا كانت بعد الخروج إلى الحديبية، كما روى ابن جرير عن مجاهد في قوله (الرؤيا بالحق) قال: (( أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين فقال أصحابه حين نحر بالحديبية أين رؤيا محمد صلى الله عليه وسلم))([46]). وعلى هذا القول فلا تكون الرؤيا سبباً في الخروج.
وذهب بعض أهل العلم إلى الجمع بين القولين، باعتبار الرؤيا بالحديبية رؤيا ثانية، قال الزرقاني: (( وأما ما رواه الفريابي، وعبد بن حميد، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أري النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو بالحديبية أنه يدخل مكة... فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيراً له من الله ثانياً، فلا يصح جعلها سبباً لخروجه من المدينة))([47]).
ولما عزم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الخروج استنفر العرب، ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب، ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً ([48]).
وفي حديث البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان ((أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة))([49]).
كما جاء في الرواية نفسها أنه قد بعث عيناً له من خزاعة([50])، وسار النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى كان بغدير الأشطاط([51])، أتاه عينه قال: ((إن قريشاً جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش([52])، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك)). فدل ذلك على شدة خوف قريش من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كل هذا وهو لا يريد حرباً، إنما جاء معظماً للبيت الذي هم يعظمونه، وأظهر هذه النية لهم بما فعله من الإحرام وسوق الهدي.
كما تصور لنا رواية البخاري المطولة لغزوة الحديبية([53]) أحداثاً جرت بين خروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبين سهيل بن عمرو، ومن ذلك إرسالها لخالد بن الوليد عيناً على المسلمين، ولقد علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك فقال محذراً لأصحابه: ((إن خالد بن الوليد بالغميم([54]) في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين فواللهما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة([55]) الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش)).
ولما خافت قريش على نفسها طفقت ترسل الرسل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قال: (( والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)).
وكان أول رسول جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله (صلى الله عليه وسلم)([56]) من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي([57]) نزلوا أعداد([58]) مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل([59])، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم([60]) الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم([61]) مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا([62])، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بديل سأبلغهم ما تقول.
فتبين من هذا الحوار قوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين وأنهم لا يخافون الأعداء، ولو اجتمعوا لحربهم، وقد رغبهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالسلم وأبدى استعداده التام للحرب والتضحية في سبيل الله إلى أقصى حد.
لما بَلغت قريشاً الرسالة اختلف رأيهم في شأنها، فالسفهاء أعرضوا عنها، ولم يرغبوا سماعها، أما عقلاؤهم، فرغبوهم بقبول ما اقترحه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم. ولم يُحسم الموقف في هذه المرة، فلزم أن يذهب رسول آخر.
وكان الرسول في هذه المرة عروة بن مسعود _وهو ممن أشار عليهم بقبول العرض_ فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) نحواً من قوله لبديل. إلا أن عروة بن مسعود لجأ إلى سلاح آخر، وهو الطعن في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليفقد الثقة فيهم، حيث قال: ((إني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً ([63] من الناس، خليقاً أن يفروا ويدعوك)). ومعنى ذلك أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن علها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة فإنهم يأنفون الفرار في العادة، وما درى عروة أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيم النبي (صلى الله عليه وسلم).
ولم يحتج الأمر أن يدافع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن صحابته، بل الصحابة تحدثوا عن أنفسهم، فقال له أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): ((امصص بظر اللات([64]) أنحن نفر عنه وندعه)) ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل رأى عروة بن مسعود شدة حب الصحابة لقائد الدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحرصهم عليه، والدفاع عنه، حتى من مس اليد، والأبعد من ذلك ما تنخم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له.
كل هذه المشاهد وغيرها أثارت الرعب في قلب عروة، حتى رجع إلى قومه وقال لهم: ((أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) محمداً))([65]).
وجاء في مسند الإمام أحمد أن عروة قال: ((ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء، فروا رأيكم...))([66]). وعروة بن مسعود هذا له المنزلة والشهرة في أوساطهم،
حتى قال بعض المفسرين: المراد بالآية {
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (
[67]))) الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود([68])، لذا فإن كلامه لا بدأن يكون له الوقع الخاص في نفوسهم.
ونتيجة لذلك فلقد رغبهم مرة ثانية بقبول عرض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم. إلا أن الأمر لم يُحسم أيضاً في هذه المرة، فاحتاج إلى رسول ثالث.
وكان الرسول في هذه المرة رجلاً من بني كنانة([69])، فلما أشرف على النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له)) واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. وهكذا فقد عرف قائد الدعوة كيف يُستقبل ذلك الرسول بما فيه صالح الدعوة، إلا أن قريشاً -وللمرة الثالثة- لم تحسم الأمر، فاحتاجت إلى رسول رابع.
فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((هذا مكرز، وهو رجل فاجر)) فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وسلم) فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، وهو الرسول الخامس، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((لقد سهل لكم من أمركم)). ويبدو أن قريشاً بعد أولئك الرسل كلهم، وما علمته من قوة المسلمين، مالت إلى قبول الصلح الذي عرضه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بداية الأمر. ولقد ورد في بعض الروايات أن قريشاً طلبت من سهيل بن عمرو أن يذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليصالحه([70]). ومن الجدير ذكره أن موقف النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يتغير من أول الأمر، وقريش هم الذين نزلوا على ما عرضه بعد ما عرفوا ما عرفوا.
ويضاف إلى ذلك كله، ما حصل من بيعة الصحابة (رضي الله عنهم)لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبية، تلك البيعة التي تسمى (بيعة الرضوان)، أو (بيعة الشجرة)، والتي كانت لأهلها شرفاً خاصاً، فقد وصفهم الباري سبحانه وتعالى بقوله:{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}([71]). ووصفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنهم خير أهل الأرض كما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبية: ((أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربع مائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة))([72]). وكانت البيعة على الموت، أو على الصبر في روايتين كلاهما في البخاري.
إذاً فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج مسالماً لا يريد حرباً، وجعل على ذلك علامات ظاهرة، وهي الإحرام، وسوق الهدي، إلا أنه مع ذلك حسب حسابه وأعد عدته لو لزمت الحرب، فإن الأعداء لا يؤمن شرهم، فالسلم لمن أراد السلم جاداً، والحرب لمن أراد الحرب. وفي هذا الصنيع من قائد الدعوة تنبيه على ضرورة الإعداد للحرب حتى في وقت السلم. فلا تلقي الأمة بزمامها، وتهمل سلاحها معتمدة في ذلك على السلم.

المبحث الثاني
كتابة الصلح وبنوده

كيفية كتابة الصلح
كانت قريش – والحال كذلك – قد أُرغمت على كتابة الصلح إرغاماً، فلم تكن الكتابة إلا بعد مجيء الرسول الخامس إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو سهيل ابن عمرو، وقد أرسلته قريش لما رأت أنه لابد من النزول على ما أشار به عليها محمد (صلى الله عليه وسلم). ولقد جاءت الأحاديث النبوية مبينة كيف جرت كتابة الصلح بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسهيل بن عمرو.
وجاءت رواية البخاري مفصلة كيفية كتابة الصلح، فإنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لقد سهل لكم من أمركم، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي (صلى الله عليه وسلم) الكاتب، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): اكتب باسمك اللهم. ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد ابن عبد الله. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً...))([73]) .
هكذا جاءت هذه الرواية مفصلة لما دار في كتابة الصلح بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسهيل بن عمرو، وفيها الكثير من الحكم الدعوية التي تخفى على بعض الناس.
ولنا أن نتساءل هل كان تنازل سول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بعض ما أراده من الكتابة فيه غضاضة على المسلمين؟ لا والله، ولو كان كذلك ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو المؤيد بالوحي من ربه سبحانه وتعالى، والذي لا ينطق عن الهوى إن إلا وحي يوحى.
إن النبي (صلى الله عليه وسلم) وافقهم في هذه الأمور للمصلحة الدعوية المهمة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما (بسم الله الرحمن الرحيم) و (وباسمك اللهم) فمعناهما واحد، فهي لم تخرج عن الابتداء بالبسملة، وليس في ترك وصف الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك. وكذا قوله: محمد بن عبد الله هو أيضاً رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا في ترك وصفه (صلى الله عليه وسلم) هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه. وإنما المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم، ونحو ذلك([74]).
ثم قد يضاف إلى ذلك أيضاً أنه يحسن استخدام العبارات المشتركة بين الطرفين والتي لا غضاضة فيها على المسلمين، كما غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تلك العبارات، مع الحرص على تحقيق المعنى المراد، فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكد اتصافه بالرسالة لو لم يدون في ذلك الكتاب، إشارة إلى أن ما ذهب إليه لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً.
وهذا الإجراء من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما وراءه من الحكمة الدعوية لم يدركها بعض الصحابة (رضي الله عنهم)، وظنوا أن ذلك تنازلاً لقريش، وهذا الذي دعا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول مقالته، حيث قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا...؟ أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟)) وقال نحواً من ذلك لأبي بكر الصديق (رضي الله عنه).
بنود الصلح
جاء في تحديد بنود الصلح روايات متعددة تختلف فيما بينها زيادة ونقصاً وإجمالاً وتفصيلاً، ولكنها في مجملها تعطي صورة لما دار فيه من الاتفاق، وسأسوق بإذن الله تعالى بعضاً من تلك الروايات التي جاءت لتحديد البنود المتفق عليها، ومن ثم أصل إلى جملة البنود في ذلك الصلح.
الرواية الأولى:
ما جاء في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب (رضي الله عنهما) قال :
((ثم صالح النبي (صلى الله عليه وسلم) المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء، على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان(
[75]) السلاح السيف والقوس ونحوه))([76]).
الرواية الثانية:
ما جاء في صحيح البخاري أيضاً عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج معتمرا،ً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً عليهم، إلا سيوفا،ً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج فخرج))([77]).
الرواية الثالثة:
ما جاء في مسند الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: وادع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المشركين يوم الحديبية على ثلاث: من أتاهم من عند النبي (صلى الله عليه وسلم) لن يردوه، ومن أتى إلينا منهم ردوه إليهم، وعلى أن يجيء النبي (صلى الله عليه وسلم) من العام المقبل وأصحابه، فيدخلون مكة معتمرين فلا يقيمون إلا ثلاثاً، ولا يدخلون إلا جلب السلاح: السيف والقوس ونحوه))([78]).
الرواية الرابعة:
ما جاء في سنن أبي داود من رواية ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: ثم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا أغلال..))([79]).
وجاء عند ابن هشام من رواية ابن إسحاق عن الزهري: ((... وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه))([80]).
الرواية الخامسة:
جاء في سنن البيهقي من حديث ابن إسحاق قال حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: فدعت قريش سهيل بن عمرو، فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، ولا يكونن في صلحه إلا أن عامه هذا لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة، فخرج سهيل بن عمرو من عندهم، فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مقبلاً قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه) وسلم جرى بينهما القول حتى وقع الصلح، على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامهم ذلك، حتى إذا كان العام المقبل قدمها خلوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثاً، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب، والسيوف، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، وأنه من أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال))([81])
والروايات في ذلك كثيرة جداً إلا أن هذه الروايات المختارة تشمل جميع البنود التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين.
من مجموع الروايات السابقة يمكن الوصول إلى جملة البنود الوارة في الصلح على النحو والتالي:-
1- وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
2-من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً من محمد لم يردوه عليه.
3-أن يرجع عنهم عامهم هذا، ولا يدخلوا مكة. إذا كان العام المقبل خلوا بينهم وبين مكة فدخلوها، وأقاموا بها ثلاثاً، وأنهم لا يدخلونها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب.
4- من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل.
5-أن بيننا عيبة مكفوفة
6- لا إسلال ولا إغلال.
موقف الصحابة (رضي الله عنهم) من الصلح:
جاء في رواية البخاري التصريح بأن المسلمين استنكروا الصلح، حيث قالوا: ((سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً))([82]) وكانوا على رأي عمر في ذلك، وظهر من الرواية أن الصديق (رضي الله عنه)لم يكن في ذلك موافقاً لهم، بل كان قلبه على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وتمثل موقف عمر (رضي الله عنه) بقوله لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا... أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟)) وقال نحواً من ذلك لأبي بكر الصديق (رضي الله عنه).
والدنية النقيصة والحالة الناقصة، قال العلماء: لم يكن سؤال عمر (رضي الله عنه) وكلامه المذكور شكاً، بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه (رضي الله عنه)، وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر (رضي الله عنه) لعمر بمثل جواب النبي (صلى الله عليه وسلم) فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله، وبارع علمه، وزيادة عرفانه، ورسوخه في كل ذلك، وزيادته فيه كله على غيره (رضي الله عنه).([83])
وكانت إجابة النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر بقوله: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قال عمر: قلت أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف )).
وكان جواب أبي بكر لعمر نظير جواب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفيه دلالة على أن أبا بكر كان أكمل الصحابة، وأعرفهم بأحوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى. وجاء في قصة الهجرة([84]) أن ابن الدغنة وصف أبا بكر الصديق بنظير ما وصفت به خديجة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء من كونه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق، وغير ذلك، ولما كانت صفاتهما متشابهة من الابتداء استمر ذلك إلى الانتهاء. ([85])
ولكن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما اتضحت له المصلحة الدعوية في ذلك الصلح أخذ يحاسب نفسه على مراجعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد جاء في رواية البخاري قول عمر ((فعملت لذلك أعمالاً))، المراد به الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءً، وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله أعمالاً، ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق، من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به([86]). وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا،ً وصمت دهراً([87]). وقال السهيلي: ما حصل من عمر توقف منه ليقف على الحكمة في القصة وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره قصته في الصلاة على عبد الله بن أبي، إن كان في الأولى لم يطابق اجتهاده الحكم، بخلاف الثانية، وهي هذه القصة، وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه، بل هو مأجور، لأنه مجتهد فيه.([88])
ويضاف إلى ذلك من الفوائد الدعوية في موقف أبي بكر وعمر في هذا الصلح: التكامل بين رجال الدعوة، في المواقف والآراء. ويؤكد هذا التكامل ما جاء في قصة استخلاف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين كان أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) يستشير الناس في عمر حين دعا عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) فقال: أخبرني عن عمر. فقال: إنه أفضل من رأيك فيه من رجل، إلا أنه فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه.([89])
وهذا مما يدل على التوازن بين الشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) في سياسة الأمة وطريق الدعوة.

المبحث الثالث
المصلحة الدعوية في بنود الصلح
البند الأول: وقف الحرب

جاء ذكر المدة في صحيح البخاري من غير تحديد لقدرها، وأما التحديد فجاء من رواية ابن إسحاق بعشر سنين، وهذا القدر المحدد بعشر سنين هو الذي رجحه كثير من أهل العلم، كما سبق بيانه .([90])
والذي جاء في رواية ابن إسحاق: (( وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ))([91]).
ومن الجدير ذكره أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما عرض عليهم ترك الحرب مدة رغبهم في ذلك، وبين لهم ما يجنونه من المنافع حتى إمكانية انتصارهم عليه، حين قال: ((فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا))وبين ذلك ابن حجر بقوله: وقوله: ويخلوا بيني وبين الناس أي من كفار العرب، والتقدير فإن ظهر غيرهم علي كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني، وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا، أي استراحوا، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة، أي قووا. ووقع في رواية ابن إسحاق: وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، وإنما ردد الأمر مع أنه جازم بأن الله تعالى سينصره ويظهره، لوعد الله تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم، وفرض الأمر على ما زعم الخصم، ولهذه النكتة حذف القسم الأول، وهو التصريح بظهور غيره عليه، لكن وقع التصريح به في رواية ابن إسحاق، ولفظه: فإن أصابوني كان الذي أرادوا ([92]).
و لابد من العلم أن الحرب في الدعوة الإسلامية ليست هدفاً لذاتها، ولا يُلجأ إليها إلا بعد عدة مراحل، ويدل على ذلك ما ورد في صحيح مسلم من حديث بريدة عن أبيه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء([93]) شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ))([94]).
وتتمثل هذه الخطوات بالمخطط الآتي:-


الجزية

القتال

الدعوة إلى الهجرة

يكونون كأعراب المسلمين المسلمين

الدعوة إلى الإسلام

أجابوا

أجابوا

أجابوا

لم يجيبوا

لم يجيبوا

لم يجيبوا

بداية

نهاية












كما أن للحرب في الدعوة الإسلامية أهدافاً سامية وغايات عالية، فمن ذلك ما يلي:-
1- ليكون الدين لله، ويدل على ذلك قوله سبحانه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}([95]). أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان([96]). ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله))([97]). وكذلك ما ورد في صحيح البخاري من حديث أبي موسى، قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضباً، ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل))([98]).
2- إزالة الفتنة عن الناس، ويدل على ذلك قوله سبحانه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}([99])، والمقصود في الفتنة الكفر أو الشرك، ويدخل فيها ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين، ليصدوهم عن دينهم. ويدل على ذلك قوله سبحانه:{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}([100]). ويدخل في الفتنة أيضاً وضع العوائق التي تحول بين الناس وبين دعوة الحق، ويكون القتال في هذه الحال لإزالة تلك العوائق، حتى تصل دعوة الحق إلى الناس.
3- الدفاع عن المسلمين، ورد اعتداء المعتدين، ويدل على ذلك قوله سبحانه:{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}([101]).
وقوله:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ([102]).
وإذا كانت هناك فرصة لتجنب الحرب لمصلحة الدعوة، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) يغتنمها، كما في هذا الصلح، وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رغبته في البعد عن الحرب، أولاً حين خرج محرماً من المدينة لا يريد قتالاً، وثانياً حينما قيل له إن الناس قد جمعوا لك الأحابيش، قال: ((والله لا يعطوني خطة يعظمون فيها حرمات الله ... )) وذلك إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى ترك الحرب لو تركوها، وكان في تركها مصلحة.
ولا بد هنا من وقفة موجزة حول وصف الخطة، فقد وصفها النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: ((يعظمون فيها حرمات الله )) وذلك يعني ترك القتال في الحرم، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((يسألونني فيها صلة الرحم)) هي من جملة حرمات الله، وقيل المراد بالحرمات حرمة الحرم والشهر والإحرام، وفي الثالث نظر، لأنهم لو عظموا الإحرام ما صدوه عن البيت. وقال الخطابي: معنى تعظيم حرمات الله في هذه القصة: ترك القتال في الحرم، والجنوح إلى المسالمة، والكف عن إراقة الدماء([103]).
هذا هو وصف الصلح الذي يريد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبوله، وهو الصلح الجاد الذي في منفعة للطرفين، وليس فيه ظلم ولا هضم للحقوق. أما غير ذلك فليس مقبولاً بتاتاً، فإن قادة الدعوة ورجالها لا يقبلون تلك المصالحات التي يكون فيها ظلم، وجور، واستخفاف بحقوق المسلمين.
وقد بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حالة عدم رغبتهم بالصلح النافع الخيار الآخر، وهو الحرب، ولم يبين لهم هذا الخيار من منطق ضعف وعدم جزم، بل من منطق قوة وحزم، وتدل على ذلك عبارته: ((وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره)). وجاء في هذه العبارة مؤكدات عدة، وهي القسم، ونون التوكيد في موضعين، وعدم ترك القتال حتى الموت، وإظهار الثقة بنصر الله. و(السالفة) هي صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل، لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه، وقال الداودي: المراد الموت، أي حتى أموت وأبقى منفرداً في قبري، ويحتمل أن يكون أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم، وقال ابن المنير: لعله (صلى الله عليه وسلم) نبه بالأدنى على الأعلى، أي أن لي من القوة بالله، والحول به ما يقتضي أن أقاتل عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع وجود المسلمين وكثرتهم، ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله تعالى ([104]).
وفي وقف الحرب وجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرصة لتوسيع نطاق الدعوة، فقد بعث جملة من الرسائل الدعوية إلى الملوك وغيرهم([105]).
كما وجد أيضاً فرصة لمواجهة أعداء الدعوة من اليهود، حيث خرج بعد نحو من شهرين فقط من الصلح لمحاربة اليهود في غزوة خيبر.

البند الثاني: رد من جاء محمداً (صلى الله عليه وسلم) من المشركين وعدم رد من جاء قريشاً من المسلمين

جاء في رواية البخاري: أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه .([106])
ولمسلم من حديث أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن قريشاً صالحت النبي (صلى الله عليه وسلم) على أنه من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً([107]).
و في رواية ابن إسحاق على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشاً ممن يتبع محمداً لم يردوه عليه.([108])
وكان هذا البند شاقاً على المسلمين، حتى قال المسلمون في ذلك: ((سبحان الله! كيف يرد على المشركين وقد جاء مسلماً))([109]). وتطبيقاً لهذا الشرط رد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال في تلك المدة إلا رده ([110]).
وقد حبس أبو جندل بمكة، ومنع من الهجرة، وعذب بسبب الإسلام، فلما رُد أخذ ينادي : أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما قد لقيت! فاعتذر إليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وطمأنه قائلاً : يا أبا جندل، أصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً. فوثب عمر مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب، قال: ويدني قائمة السيف منه، يقول عمر رجوت أن يأخذه مني فيضرب به أباه، فضن الرجل -أي بخل- بأبيه، ونفذت القضية. قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما أن الله قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاماً لأبي جندل إلى الهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية.
والوجه الثاني أنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك، وإن عذبه أو سجنه، فله مندوحة بالتقية أيضاً، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله، يبتلي به صبر عباده المؤمنين([111]).
وكذلك ما كان من شأن أبي بصير([112]) ومن لحق به من المسلمين (رضي الله عنهم)، كما ورد في رواية البخاري: ((ثم رجع النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال: أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد([113])، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: قُتل والله صاحبي([114])، وإني لمقتول([115])، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ويل أمه، مِسْعَر حرب لو كان له أحد([116])، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر([117])، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) إليهم))([118]).
دلت هذه الرواية على مالحق بالمشركين من الضرر من ذلك البند، فالبند في حقيقته نصر للمسلمين ،حتى اضطرت قريش بعد ذلك أن تتنازل عنه لتسلم على رجالها وأموالها.
وأن الدولة الإسلامية في بداية نشأتها بحاجة إلى الرجال الأقوياء في إيمانهم، فإن من يسلم من كفار قريش، ويرد إلى المشركين في ذلك ابتلاء وامتحان له من الله سبحانه وتعالى بصدق إيمانه، فإن من صبر واحتسب فإن الله سبحانه وتعالى سيجعل له مخرجاً.
وأما من جاء قريشاً من أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإن ذلك يعني أنه مرتد عن الإسلام، وبقاء مثل هذا بين المسلمين فيه ضرر على الدعوة وأهلها. والأمة ليس لها حاجة في المرتدين. فكون قريش تقبلهم ولا تردهم على محمد (صلى الله عليه وسلم) ليس فيه أي ضرر على المسلمين، بل فيه نفع لهم.
وأما النساء فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يردهن إلى المشركين تنفيذاً لأمر ربه سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}([119]).
والنساء المؤمنات اللاتي جئن مؤمنات إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهن أم كلثوم بنت عقبة ممن خرج، ومن المؤمنات المذكورات أميمة بنت بشر، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية ، وبروع بنت عقبة، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، وكان ممن خرج من النساء في تلك المدة بنت حمزة بن عبد المطلب.([120])
والظاهر أنه لم يرتد أحد من النساء، وفي ذلك يقول ابن حجر: ما نعلم أن أحداً من المهاجرات ارتدت بعد ايمانها([121]).

البند الثالث: تأجيل العمرة إلى العام المقبل

كان من بنود الصلح (أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتمر في هذا العام، وأن يعتمر من قابل)([122]).
لقد كان الدافع إلى خروج المسلمين من المدينة هو زيارة البيت الذي طال عهدهم به، واشتاقت نفوسهم إليه، وكان ذلك إثر رؤيا رآها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فبشر أصحابه بذلك.
وكان لهذا القصد من زيارة البيت علامة ظاهرة، وهي الإحرام، وسوق الهدي، علماً بأن العرب في ذلك الزمان -وبالأخص قريش- كانت تعظم البيت من غير إسلام، فكان حري بها أن تعين على تعظيم البيت، ولا تصد عنه أحداً، وهذا التوجه هو ما أشار به الحليس حين رأى البدن، كما ورد في رواية مسند الإمام أحمد أنه رجع إلى قومه فقال لهم: ((يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحل صده: الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله))([123]).
وكانت العودة من غير زيارة البيت أمراً شاقاً على صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويدل عليه مقولة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم):((أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف)).
ولا شك أن الصحابة (رضي الله عنه) كانت نفوسهم تتشوق لهذا البيت وأداء العمرة حيث رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم([124]).
ومما يدل على شدة رغبة الصحابة (رضي الله عنهم) ما جاء في رواية البخاري: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً))([125]).
وفي توقف الصحابة (رضي الله عنهم) في تنفيذ الأمر قال ابن حجر: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك، لأنه كان زمان وقوع النسخ. ويحتمل أن يكونوا ألهتهم صورة الحال، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور. ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم. وشكا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك لأم سلمة. قالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم، زاد ابن إسحاق: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تكلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، وأنه هو يستمر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال. وعرف النبي (صلى الله عليه وسلم) صواب ما أشارت به ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به، إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر([126]).
التزم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتنفيذ هذا البند مع مشقته على النفوس، فقوم تغلغل في قلوبهم حب البيت العتيق ديناً، ومنهم من ألف العيش في جواره يطوف به متى شاء، لا يصده عنه صاد، ولا يمنعه عنه مانع، وهم المهاجرون من أهل مكة.
رجع المسلمون من دون عمرة، وعلى حسب الاتفاق جاؤوا في العام المقبل لذلك، ودخلوا مكة، وبقوا فيها ثلاثة أيام، والمشركون يرقبون الوضع، فلما كان يوم الثالث قالوا لعلي هذا آخر يوم من شرط صاحبك، فأمره أن يخرج فأخبره بذلك فقال نعم فخرج.
ولابد أن نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام أوفى الناس بالمواثيق، وأشد الناس بها التزاماً، ولا يعني سؤال المشركين لعلي الخروج أنهم تأخروا عن تنفيذ ذلك، ويبين النووي هذا الأمر فيقول: (( فإن قيل كيف أحوجوهم إلى أن يطلبوا منهم الخروج ويقوموا بالشرط، فالجواب أن هذا الطلب كان قبل انقضاء الأيام الثلاثة بيسير، وكان عزم النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه على الارتحال بعد انقضاء الثلاثة فاحتاط الكفار لأنفسهم، وطلبوا الارتحال قبل انقضاء الثلاثة بيسير، فخرجوا عند انقضائها وفاء))([127]).
إن الوفاء بالعهود والمواثيق من الأخلاق الحميدة التي تحبها النفوس، ولا شك أن وفاء المسلمين بهذا الشرط، وخروجهم من البيت العتيق مع حبهم الشديد له،وأحقيتهم به، يترك في نفوس المشركين أثراً طيباً يضاف إلى الآثار الأخرى المترتبة على هذا الصلح المبارك مما يجعل أولئك يعرفون قدر الإسلام ومكانة المسلمين، وما يتمتعون به من خلق نبيل ووفاء بالعهود والمواثيق.
وفي الجانب الثاني من البند هو حالة السلاح وقت الدخول، وهو (ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح([128]) قال العلماء: وإنما شرطوا هذا لوجهين أحدهما أن لا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين. والثاني أنه إن عرض فتنة أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة.([129])
وقد وافق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هذا الجانب من الشرط، وذلك أن دخول مكة على الحالة الأخرى ليس لهم فيه حاجة، وليسوا أهل خيلاء أو تفاخر بإظهار السلاح، فإن جنود الدعوة أهل تواضع وذل لله سبحانه وتعالى، وحتى في حال دخولهم البلاد فاتحين منتصرين، فحالهم هنا حال المتواضعين الشاكرين لله سبحانه وتعالى، كما كانت حال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عندما فتح أعظم البلدان (مكة)([130]) .
وأما من حيث مدة البقاء في الثلاثة أيام فقال العلماء: سبب هذا التقدير أن المهاجر من مكة لا يجوز له أن يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وهذا أصل في أن الثلاثة ليس لها حكم الإقامة، وأما ما فوقها فله حكم الإقامة ([131]) . والمدة ولو كانت قصيرة فإنها كافية للمسلمين لأداء النسك الذي جاؤوا من أجله وهو العمرة.

البند الرابع: دخول القبائل الأخرى في الحلف

جاء في رواية ابن إسحاق: وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.([132])
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم وأنك عامك هذا فلا تدخل مكة علينا، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الراكب: السيوف، ولا تدخلها بغيره([133]).
إن طرفي الصلح هما المسلمون من جهة، وكفار قريش من جهة أخرى، وأما القبائل الأخرى فكانت علاقتها بهذا الصلح بالاختيار، فمن أرادت الدخول في حلف المسلمين فلها ذلك، ومن أرادت الدخول في حلف قريش فلها ذلك.
ونجد هنا قبيلتين دخلتا في هذا الحلف اختياراً وهما خزاعة التي دخلت في عقد محمد وعهده، وبنو بكر التي دخلت في عقد قريش وعهدها، وهاتان القبيلتان بينهما من قبل شيء من العداوة والثأر.
ثم دخول هاتين القبيلتين في هذا الحلف هو الذي حمل كفار قريش على نقض العهد، فكان فتح مكة على إثره. فقد روى البيهقي عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: كان في صلح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فدخلت خزاعة في عقد محمد (صلى الله عليه وسلم)، ودخلت بنو بكر في عقد قريش، فمكثوا في الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشرة شهراً، ثم إن بني بكر الذين دخلوا في عقد قريش وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلاً بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة، وقالت قريش: هذا ليل، وما يعلم بنا محمد، ولا يرانا أحد، فأعانوا بني بكر بالسلاح والكراع، وقاتلوا خزاعة معهم، للضغن([134]) على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وركب عمرو بن سالم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك يخبره الخبر، فلما قدم عليه أنشده:
اللهم إني ناشـد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هـجداً فقتلونا ركعاً وسـجداً
فانصر رسول الله نصراً أعتدا
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): نصرت يا عمرو بن سالم. ثم أمر الناس فتجهزوا، وسأل الله أن يعمي على قريش خبرهم حتى يبغتهم في بلادهم. وفي رواية: أن أبا بكر قال له: يا رسول الله، ألم تكن بينك وبينهم مدة؟ قال: ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب([135])؟. وفيه فقال أبو بكر يا رسول الله أوليس بيننا وبينهم مدة قال إنهم غدروا، ونقضوا العهد، فأنا غازيهم. ثم ذكر الحديث([136]).
ثم لابد أن نعلم أن المسلمين لم يطلبوا هذا البند، من أجل أن يتقووا على قريش لمقاتلتهم، إنما الذي عرض ذلك على ظاهر الرواية هم أهل مكة فقبلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكانت فيها نهايتهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فقد ظنوا أن ذلك الحلف فيه مصلحة لهم، فكانت فيه نهايتهم.

البند الخامس: أن بينهم عيبة مكفوفة

جاء من ضمن بنود الصلح: وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة.([137])
والعَيْبَة ما يجعل فيه الثياب مكفوفة أي مشدودة ممنوعة، أي أمراً مطوياً في صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم الحرب وغيرها والمحافظة على العهد الذي وقع بينهم([138]).
ومن المعلوم أنه عند وجود عداوة بين طائفتين أن هذه الحال لا تخلو من أن يتحدث كل فريق عن الفريق المقابل بما من شأنه أن يكون عيباً أو تهديداً أو وعيداً أو انتقاداً، وهذا يسمى بالمصطلح المعاصر بالحرب الكلامية.
وهذا النوع من السلوك ربما لا يغني شيئاً إلا انشغالاً بالكلام والتصريحات. وهو مما يزيد في شدة العداوة بين الطرفين. وموقف المسلمين من غيرهم ليس موقفاً عدوانياً صرفاً، بل هو محكوم بهذا الدين، فمن دعي إلى هذا الدين وآمن به أصبح ولياً. ومن صد عنه وعادى أهله أصبح عدواً.
وتوقف الحرب العسكرية بين الطرفين بعهد لا يستقيم إلا بتوقف الحرب الكلامية، حتى لا تكون سبباً في نقض العهد، وإثارة الحرب مرة أخرى.
ويضاف إلى ذلك أمر أهم في الدعوة الإسلامية، وهو أن لها هدفاً آخر من وراء توقف الحرب بين الطرفين، وهو نشر الدعوة بالطريقة السلمية، فتوقف الحرب الكلامية بينهم مما يقرب المدعوين إلى الدعاة، وكذلك الدعاة من المدعوين، ويبعد أسباب النفرة بين الطرفين، فيكون الجو مهيأًً لاستقبال الدعوة.
ثم لا ننسى أن المسلمين ليس من طبيعتهم أصلاً اللجوء إلى هذا الأسلوب من المواجهات. إلا في حدود ما تقتضيه المصلحة. ومن الأدب العام لهذه الأمة المسلمة ما وجه به نبيها وقائد مسيرتها محمد (صلى الله عليه وسلم): ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)).
ولا يعني الكف عن ذلك الولاء والمحبة لهم، بل تكون العلاقة القلبية على حالها، فهي من قبل المسلمين مقيدة بعقيدتهم، فالمحبة والولاء للمؤمنين، والبغض والعداء للكافرين.
وقد جاء الإعلان من الله سبحانه وتعالى بالبراءة من المشركين بقوله: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ([139]). وأن هذه البراءة لا تزول بمجرد الصلح، بل لابد لزوالها من الإيمان بالله وحده لا شريك له، كما في قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ([140])، فالتوبة تكون مما هم عليه من الشرك، ويدخلون في الإيمان ويقومون بلوازمه من الصلاة والزكاة ونحوها.

البند السادس: أنه لا إسلال ولا إغلال

جاء في بنود الصلح من رواية ابن إسحاق: وأنه لا إسلال ولا إغلال.([141]) أي لا سرقة ولا خيانة، فالإسلال من السلة وهي السرقة، والإغلال الخيانة، تقول أغل الرجل أي خان، أما في الغنيمة فيقال: غل بغير ألف. والمراد أن يأمن بعضهم من بعض في نفوسهم وأموالهم سراً وجهراً. وقيل: الإسلال من سل السيوف، والإغلال من لبس الدروع ووهاه أبو عبيد([142]).
وعلى المعنى الأول من السرقة والخيانة فإن المسلمين بعيدون عن ذلك من غير عهد، فقد جاء دينهم يحرم عليهم هذه الأمور.
ففي الســرقة جاء التهديد والوعيــد والحد على السارق، كما في قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([143])
وفي الخيانة جاء النهي الشديد عنها في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}([144]). وقد جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) الخيانة وعدم الأمانة من صفات قوم يأتون بعد صحابته، فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((إن بعدكم قوماً يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن))([145]). وفي حديث آخر عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))([146]).
فالمسلم من غير عهد يجب أن يبتعد عن هذه الأمور، والداعية بشكل خاص هو أبعد الناس عن ذلك، فكيف برسول الله (صلى الله عليه وسلم) خير البشرية، وصحابته الكرام خير الأمة، فهم أكمل الناس تطبيقاً لهذا الدين.
إذاً يمكن القول أن هذا البند ينصرف إلى المشركين فهم الذين يتوقع منهم ذلك، فلا دين يعصمهم، ولا عادات تردعهم، خاصة إذا علمنا أن السرقة والخيانة كانت فاشية عند بعضهم في ذلك الزمان.
إذاً فهذا البند فيه مصلحة دعوية كبرى، فإن المسلمين من جهتهم يأمنون الكفار في هذا الأمر، وأما كفار قريش فإن هذا البند لن يعطيهم شيئاً جديداً، لأن المسلمين في الأصل ليسوا أهل سرقة ولا خيانة حتى من غير عهد.

المبحث الرابع
ثمار الصلح الدعوية

كان الصلح في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عزاً لهم، ومصلحة كبرى للدعوة، وكان بمثابة النصر للدولة الإسلامية، ولقد سماه الله سبحانه تعالى فتحاً، (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) قال ابن كثير: أي بيناً ظاهراً، والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع الإيمان([147]). وانتشر الإسلام بسببه بشكل أوسع في الجزيرة العربية وما حولها، ومن أبرز ثمار هذا الصلح الدعوية ما يلي:-
1-فتح مكة، يعد فتح مكة من أهم ثمار صلح الحديبية،فإنه لما كان الصلح ونقضه المشركون كان ذلك سبباً مباشراً لدخول المسلمين إلى مكة وفتحها، قال ابن حجر في الفتح: المراد بالفتح هنا الحديبية، لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام، والوصول إلى المدينة، من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما ثم تبعت الأسباب بعضها بعضاً إلى أن كمل الفتح([148]).وقال النووي: ومن ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي (صلى الله عليه وسلم) كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم، وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي (صلى الله عليه وسلم) مفصلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك، فما زلت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش فلما أسلمت قريش، أسلمت العرب في البوادي. ([149]).
2-اعتراف قريش بمكانة المسلمين، كفريق قوي تبرم معه المعاهدات. وقد رضوا منم بهذا الصلح أن يكفوا عنهم، قال موسى بن عقبة: قال رجل عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا([150]).
3-استراحة المسلمين من الحرب، التي شغلتهم واستهلكت قوتهم، وهذه الحروب التي خاضها المسلمون كلها طاعة لله سبحانه وتعالى، وفيها من الخير الكثير. إلا أن الحرب لها تبعاتها، ولها تكاليفها في النفس والمال. واستراحة المسلمين منها في فترة -ولو كانت وجيزة- فيه خير لهم لأمور أخرى، للاستعداد لها في حروب قادمة.
4-بذل الجهد في الدعوة إلى الإسلام في ظل الأمن والسلام.
5-تفرغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمخاطبة قادة بعض الدول، كقيصر، وكسرى، والنجاشي، والمقوقس، وأمراء الأعراب، ودعوتهم إلى الإسلام. ومنها ما يلي:-
كتابه إلى هرقل (عظيم الروم)، الذي أرسل به دحية بن خليفة الكلبي (رضي الله عنه) ، جاء فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولـيت فـإن عـليـك إثم الأريسـيين([151])، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}([152]))). ([153])
وكتابه إلى كسرى (عظيم فارس)، الذي أرسل به عبدالله بن حذافة السهمي، وجاء فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإن عليك إثم المجوس))([154]).
وكتابه إلى النجاشي (ملك الحبشة)، الذي أرسل به عمرو بن أمية الضمري.
وكتابه إلى المقوقس (ملك مصر والإسكندرية)، الذي أرسل به حاطب ابن أبي بلتعة، إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة التي بعث بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الملوك وغيرهم، والهدف منها دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى([155]).
6-أتاح هذا الصلح الفرصة للمسلمين والمشركين أن يختلط بعضهم ببعض، فيطلع المشركون على محاسن الإسلام([156]). وفي هذا يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتحاً قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمِن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكلم أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك([157]).
7-تفرغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمحاربة عدو آخر من أعداء الدعوة، وهم اليهود، حيث خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد نحو من شهرين إلى غزوة خيبر. ففتحها الله على نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وغنم المسلمون غنائم كثيرة في هذه الغزوة، قال ابن حجر: المراد بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} ([158])فتح خيبر على الصحيح، لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين، وعن مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واقفاً عند كراع الغميم، وقد جمع الناس قرأ عليهم: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الآية، فقال رجل: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده، إنه لفتح ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية([159]).
8-ازدياد عدد المسلمين في هذه الفترة زيادة كبيرة، يقول الزهري في هذا: وقال الزهري لقد كان الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض، وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف([160]). ويقول أيضاً: ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك([161]). وقال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). خرج من المدينة إلى الحديبية في ألف وأربعمائة - في قول جابر بن عبدالله - ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.([162]).


الخاتمة

بعد البحث والتأمل في ذلك الصلح المبارك (صلح الحديبية) الذي جعله الله سبحانه وتعالى فتحاً لهذه الأمة أدركنا جانباً من حكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعوية في تعامله مع المشركين في هذا الصلح، وتبين ذلك ابتداءً من خروجه إلى الحديبية، حيث نوى السلم، واستعد للحرب في حال وقوعها. ومروراً بالرسائل الشفوية التي وجهها على قريش قبل بداية الصلح، مما كان له الأثر البالغ في جعل قريش تتنازل عن كبريائها، وتطلب الصلح مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وكذلك ما كان من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أثناء كتابة الصلح من التنازل عن عبارات لم يوافق عليها المشركون، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعلم أن تنازله عن ذلك ليس فيه غبن للمسلمين، ثم ما تبع ذلك كله من تلك البنود الواردة التي وافق عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعاقبتها الحميدة للإسلام والمسلمين، في حين أن بعض صحابته (رضي الله عنهم) على مكانتهم وجلالة قدرهم دخل في نفوسهم في بداية الأمر شيء بسبب ذلك الصلح حين خفيت عليهم الحكمة من ورائه.
ومن خلال هذا البحث يمكن التوجه ببعض التوصيات على النحو التالي:-
1-التعمق في دراسة الحكمة الدعوية في جوانب مختلفة من سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم).
2-الاعتناء باختيار المفاوضين في أمور الصلح من أهل الحكمة والنظر البعيد.
3-التسليم لقادة الدعوة الموثوقين في الأمور المهمة، والتنازل عن الاجتهادات والآراء الشخصية في هذه المسائل.
4-عند خفاء الحكمة في إجراء معين من أمور الدعوة وتساؤل الناس عن ذلك يحسن بقائد الدعوة تجليتها وإيضاحها لإقناع الناس بها.
5-الثقة بنصر الله سبحانه وتعالى وعدم الاستعجال في جني ثمار الجهود الدعوية.
وفي الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، والحكمة في الدعوة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مراجع البحث ومصادره

1-ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، تحقيق وضبط علي شيري ، ط1 (دار إحياء التراث ، بيروت ، 1408هـ).
2-الإمام أحمد، المسند، ط5 (المكتب الإسلامي ، بيروت ، 1405هـ) .
3-أحمد بن علي المقريزي، إمتاع الأسماع ،نشر (مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة) .
4-أحمد محمد القسطلاني، المواهب اللدنية، تحقيق صالح أحمد الشامي . ط1 (المكتب الإسلامي، بيروت، 1412هـ) .
5-الألباني، صحيح سنن أبي داود، ، ط1 (المكتب الإسلامي، بيروت ، 1409هـ) .
6-الألباني، صحيح سنن الترمذي ، ط1 (المكتب الإسلامي، بيروت ، 1408هـ) .
7-البخاري، الجامع الصحيح، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط1 (المطبعة السلفية، القاهرة ، 1400 ) .
8-ابن بليهد، صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار، نشر (مطبعة السنة المحمدية، 1371هـ) .
9-البيهقي، السنن الكبرى، ط1 (دار المعارف، حيدر أباد ، 1356)
10-الترمذي، السنن، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر ، نشر(دار إحياء التراث العربي) .
11-الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، ط3 (دار العلم للملايين، بيروت ، 1404هـ) .
12-حافظ الحكمي، مرويات غزوة الحديبية ، (الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة)
13-الحاكم، المستدرك على الصحيحين، نشر (دار المعرفة ، بيروت) .
14-ابن حجر ، فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، تصحيح وتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، نشر(رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، الرياض) .
15-ابن حجر العسقلاني، تلخيص الحبير (القاهرة)
16-الحموي، معجم البلدان ، نشر(دار صادر ، بيروت) .
17-أبو داود، السنن، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس ، ط1 (دار الحديث ، بيروت ، 1388هـ).
18-ابن الديبع الشيباني، حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، تحقيق عبدالله الأنصاري (مطبعة محمد هاشم الكتبي ، دمشق)
19-الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق : عدنان صفوان داودي . ط1(دار القلم، دمشق، 1412هـ) .
20-الزرقاني، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية. ط1 (درا الكتب، بيروت، 1417هـ)
21-الزيلعي ، نصب الراية، ، نشر(دار الحديث) .
22-ابن سعد، الطبقات الكبرى، نشر(دار صادر ، بيروت ) .
23-السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ، نشر (دار الفكر العربي ، القاهرة ) .
24-ابن أبي شيبة، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ط2 (الدار السلفية ، الهند ، 1399هـ) .
25-الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، ط1 (دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1407هـ).
26-الطبري، جامع البيان، ط2 (الحلبي، مصر، 1373هـ) .
27-أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي، عون المعبود ، (دار الكتاب العربي، بيروت) .
28-أبو عبيد البكري الأندلسي، معجم ما استعجم، ط1 (القاهرة، 1364).
29-عتيق البلادي، نسب حرب، ط2 (دار مكة، مكة المكرمة، 1399هـ) .
30-عمر كحالة، معجم قبائل العرب، ط6( مؤسسة الرسالة، بيروت، 1412هـ) .
31-العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، نشر(دار إحياء التراث العربي ، بيروت).
32-ابن قدامة، الكافي، تحقيق الدكتور عبدالله التركي، ط2(وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، 1419هـ) .
33-ابن قدامة، المغني، تحقيق الدكتور عبدالله التركي والدكتور عبدالفتاح محمد الحلو، ط2(دار علم الكتب، الرياض، 1417هـ).
34-القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن، ، نشر (دار الكتب العلمية ، 1413 ) .
35-ابن القيم ، زاد المعاد، ط3 (مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1402 هـ).
36-ابن كثير، البداية والنهاية، ط4 (مكتبة المعارف ، بيروت ، 1402هـ).
37-ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط1 (دار الفكر) .
38-محمد بن عبدالوهاب، مختصر سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) .
39-مسلم، صحيح مسلم، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، نشر (رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، الرياض ، 1400هـ) .
40-ابن منظور، لسان العرب، نشر(دار صادر، بيروت) .
41-الندوي، السيرة النبوية ، ط7 (دار الشروق ، جدة ، 1408هـ).
42-النووي، المجموع. تحقيق محمود مطرحي. ط1(درا الفكر، بيروت، 1417) .
43-النووي، شرح صحيح مسلم، ط2 (دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1392هـ).
44-ابن هشام ، السيرة النبوية، تحقيق وضبط مصطفى السقا وغيره ، نشر(دار المعرفة ، بيروت) .
45-الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نشر(دار الكتب العلمية بيروت ، 1408هـ) .
46-الواقدي ، المغازي، (عالم الكتب)
47-اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، (دار صادر، بيروت، 1412هـ)

محتويات البحث

تقديم............................................. .......................... 2
تمهيد............................................. .......................... 5
مكان الصلح .................................................. ............. 5
زمانه............................................. ........................... 6
عدد أهل الحديبية.......................................... .................. 7
مدته.............................................. .......................... 8
المبحث الأول : أسباب الصلح............................................. . 10
المبحث الثاني: كتابة الصلح وبنوده........................................... 18
كيفية كتابة الصلح............................................. ............ 18
بنود الصلح .................................................. ............. 20
الرواية الأولى .................................................. ............ 20
الرواية الثانية........................................... .................... 20
الرواية الثالثة........................................... .................... 21
الرواية الرابعة........................................... .................... 21
الرواية الخامسة........................................... .................. 21
موقف الصحابة (رضي الله عنهم) من الصلح ................................. 23
المبحث الثالث : المصلحة الدعوية في بنود الصلح ............................. 26
البند الأول .................................................. ............. 26
البند الثاني............................................ ..................... 32
البند الثالث .................................................. ............. 36
البند الرابع............................................ ..................... 40
البند الخامس............................................ ................... 42
البند السادس............................................ .................. 44
المبحث الرابع : ثمار الصلح الدعوية.......................................... 46
الخاتمة........................................... .......................... 51
مراجع البحث ومصادره........................................... .......... 52

([1]) سورة النحل، الآية 125.
([2]) ابن منظور، لسان العرب 12/141 مادة [حكم] .
([3]) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة [حكم] ص 249 .
([4]) سيأتي إيضاح هذا إن شاء الله عند الحديث عن موقف الصحابة (رضي الله عنهم) من الصلح.
([5]) سورة الفتح الآية الأولى .
([6]) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، حديث رقم 4172 .
([7]) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، حديث رقم 4150.
([8]) الطبري، جامع البيان 26/70 . والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 16/173. و ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 4/182 .
([9]) انظر : ابن هشام، السيرة النبوية 2/559 .
([10]) شرح صحيح مسلم 12/140
([11]) انظر الكلام على هذا الأمر عند الحديث عن موقف الصحابة (رضي الله عنهم) من الصلح .
([12]) الهُدْنَة: هي المصالحة بعد الحرب.(ابن منظور، لسان العرب 13/434 مادة [هدن] ) . وقال ابن قدامة : ومعنى الهدنة أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض، وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز (المغني 13/154، وانظر الكافي لابن قدامة أيضاً 5/573) .
([13]) معجم البلدان 2/229 . وانظر : النووي، شرح صحيح مسلم 2/60 . وابن حجر، فتح الباري 5/334. وأبو عبيد الأندلسي، معجم ما استعجم 2/384 . ط1 (القاهرة، 1364) .
([14]) صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار 2/138.
([15]) نسب حرب، ص 530 .
([16]) مرويات غزوة الحديبية، ص19 .
([17]) المجموع 7/72 . تحقيق محمود مطرحي.
([18]) البداية والنهاية 4/164.
([19]) تلخيص الحبير 4/90.
([20]) عمدة القاري 14/6 .
([21]) حدائق الأنوار ومطالع الأسرار 2/609.
([22]) حافظ الحكمي، مرويات غزوة الحديبية ص 28 .
([23]) الجامع الصحيح، كتاب العمرة، 1778.
([24]) انظر : حافظ الحكمي، مرويات غزوة الحديبية ص30-33 .
([25]) مغازي الواقدي 2/573 .
([26]) الطبقات الكبرى 2/95 .
([27]) المواهب اللدنية 1/489 .
([28]) مرويات غزوة الحديبية ص 33.
([29]) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، حديث رقم 4150 .
([30]) فتح الباري 7/440 .
([31]) الجامع الصحيح، كتاب الشروط، حيث رقم 2731، 2732 .
([32]) تلخيص الحبير 4/130 . وانظر نصب الراية 3/388 .
([33]) فتح الباري 5/343 .
([34]) مغازي الواقدي 2/572 .
([35]) تاريخ اليعقوبي 2/54 .
([36]) إمتاع الأسماع 1/274 .
([37])شرح الزرقاني على المواهب اللدنية3/170 .
([38]) مختصر سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ص 261 .
([39]) سورة الفتح، الآية 27 .
([40]) جامع البيان 26/107.
([41]) الطبري، جامع البيان 26/107 .
([42]) الجامع الصحيح، كتاب الشروط، حديث رقم 2731-2732 .
([43]) ابن هشام، السيرة النبوية 2/318 . وانظر بن حجر، فتح الباري 5/346 .
([44]) ابن حجر، فتح الباري 5/346 .
([45]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 4/201.
([46]) الطبري، جامع البيان 26/107.وقال الشيخ حافظ الحكمي : سند هذا الحديث حسن إلى مجاهد، لكنه مرسل (مرويات غزوة الحديبية، ص 23) .
([47]) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 2/170.
([48]) ابن هشام، السيرة النبوية 2/308 .
([49]) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، حديث رقم 4179.
([50]) قبيلة من الأزد، من القحطانية، وهم بنو عمرو بن ربيعة، كانت منازلهم بأنحاء مكة في مر الظهران، كانت لهم ولاية البيت قبل قريش . (عمر كحالة، معجم قبائل العرب 1/338.
([51]) غدير الاشطاط قريب من عسفان، وغدير بفتح الغين المعجمة، والاشطاط بشين معجمة وطائين مهملتين جمع شط وهو جانب الوادي كذا جزم به صاحب المشارق، ووقع في بعض نسخ أبي ذر بالظاء المعجمة فيهما. (ابن حجر، فتح الباري 5/333) .
([52]) الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش، قيل: تحت جبل يقال له الحبشي أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم، والتحبش التجمع، والحباشة الجماعة، وروى الفاكهي من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت أن ابتداء حلفهم مع قريش كان على يد قصي بن كلاب. (ابن حجر، فتح الباري 5/334)
([53]) الجامع الصحيح، كتاب الشروط، حديث رقم 2731-2732 .
([54]) الغَمِيم هو الكلأ الأخضر تحت اليابس، قال ابن حجر : هو غير كراع الغميم الوارد في الصيام، والغميم هنا هو قريب من مكان بين رابغ والجحفة . (الحموي، معجم البلدان 4/214 . وابن حجر، فتح الباري 5/335).
([55]) أي غبرة .
([56]) العيبة ما يوضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والأمانة على سره. (ابن حجر، فتح الباري 5/337) .
([57]) اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين في مكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما . (المرجع السابق 5/338) .
([58]) الأَعداد بالفتح هو جمع عِدّ ، وهو الماء الذي لا انقطاع له . (ابن حجر، فتح الباري 5/338) .
([59]) العوذ جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها، والمراد أنهم خرجوا معهم بالإبل ذوات الألبان، ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار . (المرجع السابق 5/338) .
([60]) أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، إما أضعفت قوتهم، أو أضعفت أموالهم . (المرجع السابق 5/338) .
([61]) أي جعلت بيني وبينهم مدة بترك الحرب بيننا وبينهم فيها . (المرجع السابق 5/338) .
([62]) أي استراحوا. (المرجع السابق 5/338) .
([63]) وفي رواية (أوباشاً) أي أخلاطاً . (ابن حجر، فتح الباري 5/340).
([64]) البظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة واللات اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك لكن بلفظ الأم فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار (ابن حجر، فتح الباري 5/340) .
([65]) البخاري، الجامع الصحيح ، كتاب الشروط، حديث رقم 2731، 2732.
([66]) المسند 4/324 .
([67]) سورة الزخرف، الآية 31 .
([68]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/127.
([69]) وهو الحليس بن علقمة كما جاء في مسندالإمام أحمد 4/324.
([70]) انظر الرواية الخامسة من روايات بنود الصلح .
([71]) سورة الفتح، الآية 18 .
([72]) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، حديث رقم 4154 . ومسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1856 .
([73]) الجامع الصحيح،كتاب الشروط، حديث رقم 2731، 2732 .
([74]) انظر: النووي، شرح صحيح مسلم 12/139 .
([75]) قال أبو إسحاق السبيعي: جلبان السلاح هو القراب وما فيه، والجلبان بضم الجيم قال القاضي في المشارق: ضبطناه جُلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة قال وكذا رواه الأكثرون، وصوّبه ابن قتيبة وغيره، ورواه بعضهم بإسكان اللام، وكذا ذكره الهروى وصوبه هو وثابت، ولم يذكر ثابت سواه، وهو ألطف من الجراب، يكون من الأدم يوضع فيه السيف مغمداً، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه في الرحل (النووي، شرح صيح مسلم 12/136، وابن حجر ، فتح الباري 5/305).
([76]) الجامع الصحيح ، كتاب الصلح، حديث رقم 2700 . ومسلم، كتاب الجهاد والسير،حديث رقم 1783.
([77]) الجامع الصحيح، كتاب المغازي ، حديث رقم 4252 .
([78]) المسند 4/302
([79]) كتاب الجهاد، حديث رقم 2766 . وحسنه الألباني، صحيح سنن أبي داود 2/532.
([80]) ابن هشام، السيرة النبوية 2/317 . وأورده ابن كثير من حديث الزهري في البداية والنهاية 4/168 .
([81]) السنن الكبرى 9/222 .
([82]) الجامع الصحيح، كتاب الشروط حديث رقم 2731، 2732.
([83]) انظر: النووي، شرح صحيح مسلم 12/141.
([84]) الجامع الصحيح ، كتاب المناقب، حديث رقم 3905 .
([85]) انظر: ابن حجر ، فتح الباري 5/346 .
([86]) ابن هشام ، السيرة النبوية 2/317 .
([87]) الواقدي، المغازي 2/607 .
([88]) ابن حجر، فتح الباري 5/346 .
([89]) انظر : الطبري ، تاريخ الأمم والملوك 2 / 352 ، 353 . وابن الأثير ، الكامل في التاريخ 2 / 79 ، 80. والسيوطي ، تاريخ الخلفاء ص 144 .
([90]) راجع ص 8 .
([91]) راجع روايات بنود الصلح.
([92]) فتح الباري 5/338.
([93]) الغنيمة ما كسبه المسلمون من أموال المشركين بحرب، وأما الفيء ما يؤخذ من العدو من مال ومتاع بغير حرب . (انظر : ابن منظور، لسان العرب 12/446) .
([94]) كتاب الجهاد والسير، حديث رقم 1731 .
([95]) سورة البقرة، الآية 193 .
([96]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1/228 .
([97]) كتاب الإيمان، حديث رقم 25 .
([98]) كتاب العلم، حديث رقم 123 .
([99]) سورة البقرة، الآية 193 .
([100]) سورة النساء، الآية 75 .
([101]) سورة البقرة، الآية 190 .
([102]) سورة الحج، الآية 39 .
([103]) انظر : ابن حجر، فتح الباري 5/336 .
([104]) ابن حجر، فتح الباري 5/339 .
([105]) سيأتي ذكر بعضها في الثمار إن شاء الله .
([106]) راجع روايات بنود الصلح.
([107]) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم 1784 .
([108]) راجع روايات بنود الصلح
([109]) كما في رواية البخاري ، كتاب الشروط، حديث رقم 2731، 2732 .
([110]) انظر ابن حجر، فتح الباري 5/344 .
([111]) انظر : ابن حجر، فتح الباري 5/344 .
([112]) بفتح الموحدة وكسر المهملة: رجل من قريش، هو عُتْبة بضم المهملة وسكون المثناة، وقيل فيه: عبيد، بموحدة مصغر -وهو وهم- ابن أسيد بفتح الهمزة على الصحيح ابن جارية بالجيم الثقفي، حليف بني زهرة (ابن حجر، فتح الباري 5/348 ) .
([113]) أي مات .
([114]) وفي رواية ((قتل صاحبكم صاحبي)) .
([115]) بمعنى إن لم تمنعوني .
([116]) وصف له بالإقدام على الحرب لو كان معه رجال يعينونه .
([117]) سيف البحر أي ساحله، وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل، وهو قريب من بلاد بني سليم . (ابن حجر، فتح الباري 5/350) .
([118]) الجامع الصحيح، كتاب الشروط، حديث رقم 2731، 2732 .
([119]) سورة الممتحنة، الآية 10 .
([120]) انظر : ابن حجر، فتح الباري 5/348 .
([121]) الفتح 5/351 .
([122]) راجع روايات بنود الصلح .
([123]) المسند 4/324 .
([124]) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 5/346 .
([125]) الجامع الصحيح ، كتاب الشروط، حديث رقم 2731، 2732 .
([126]) فتح الباري 5/347 .
([127]) النووي، شرح صحيح مسلم 12/139 .
([128]) سبق بيان معناه ص 20 .
([129]) النووي ، شرح صحيح مسلم 12/136 .
([130]) انظر : ابن هشام ، السيرة النبوية 2/405 .
([131]) انظر : النووي ، شرح صحيح مسلم 12/136 .
([132]) راجع روايات بنود الصلح .
([133]) ابن هشام السيرة النبوية 2/317 . وابن حجر، فتح الباري 5/344 .
([134]) الضغن بمعنى الحقد (الجوهري، الصحاح، 6/2154 .
([135]) السنن الكبرى 9/233 . وانظر: الهيثمي، مجمع الزوائد 6/162 . و ابن أبي شيبة، المصنف 14/482 .
([136]) نصب الراية 3/390 .
([137]) راجع روايات بنود الصلح .
([138]) ابن حجر، فتح الباري 5/333 . والعظيم أبادي، عون المعبود 7/452 .
([139]) سورة التوبة، الآية 3 .
([140]) سورة التوبة، الآية 11 .
([141]) راجع روايات بنود الصلح.
([142]) ابن حجر، فتح الباري 5/344. وعون المعبود 7/452 .
([143]) سورة المائدة، الآية 38 .
([144]) سورة الأنفال، الآية 27 .
([145]) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الشهادات، حديث رقم 2651 .
([146]) أخرجه الأمام أحمد 3/414 . ، والترمذي في سننه 3/564 . وقال : هذا حديث حسن غريب . وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/19 : صحيح . وأخرجه أبو داود في سننه 3/805 .
([147]) تفسير القرآن العظيم 4/183 .
([148]) فتح الباري 7/441 .
([149]) شرح صحيح مسلم 12/128 .
([150]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/173 .
([151]) المقصود بهم الأتباع الذين لم يسلموا تقليداً له .
([152]) سورة آل عمران، الآية 64 .
([153]) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث رقم 7 .
([154]) ابن القيم، زاد المعاد 3/688 .
([155]) انظر نصوص هذه الكتب وغيرها عند ابن القيم، زاد المعاد 3 / 688 وما بعدها .
([156]) انظر : الندوي، السيرة النبوية ص280-282 .
([157]) ابن هشام السيرة النبوية 2/322 .
([158]) سورة الفتح ، الآية 18 .
([159]) أخرجه الإمام أحمد 3/420 . وأبو داود في سننه 3/413 . وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/586 : حسن . وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/131 . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
([160]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 16/173 .
([161]) ابن هشام السيرة النبوية 2/322 .
([162]) المرجع السابق، المكان نفسه .
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صلح الحديبية . السيرة النبوية . د علي الصلابي القلقشندي مجلس السيرة النبوية 0 30-06-2017 01:11 AM
اساليب المشركين في محاربة الدعوة . د علي الصلابي القلقشندي مجلس السيرة النبوية 0 29-06-2017 03:34 PM
- الصومال في العصور القديمة والوسطى. أبوعبد العزيزالقطب مجلس قبائل الصومال 3 27-10-2016 05:47 AM
الدعوة العباسية ودورها في نهاية الدولة الأموية ,,, حسن جبريل العباسي مجلس الاشراف العباسيين العام 1 23-11-2013 05:08 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:47 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه