كتاب السلام و الاستئذان . من كتاب الاذكار للامام النووي - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
فض النزاع حول ضريح العارف بالله خضر بن عنان العُمري
بقلم : خالد عنان
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: كبد وقوانص الدجاج.. (آخر رد :هلا حيدر)       :: قبائل التحور FGC1713 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: اصل العرب ومساكنهم (آخر رد :الديباج)       :: سوهاج\ جهينه\الحرافشه (آخر رد :اسماعيل عثمان)       :: شرح نتيجة J-M267 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: ثلاث عينات لبني أسد على التحور FGC2 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: عينة هلالية صريحة من بني دريد تونس FGC7 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: الله دليل على وجود الله ! (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: مالا تعرفونه عن سوزان مبارك......... شيء رهيب (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: ادعيه واذكار (آخر رد :هلا حيدر)      



مجلس الاذكار و المأثورات صحيح ما ورد عن محمد افضل الذاكرين (ص) في سنته المطهرة


إضافة رد
  #1  
قديم 08-07-2017, 02:12 PM
ايلاف غير متواجد حالياً
كاتب في الانساب
 
تاريخ التسجيل: 23-01-2011
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 702
افتراضي كتاب السلام و الاستئذان . من كتاب الاذكار للامام النووي

كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
قال اللّه سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا على أنْفُسِكُم تحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً‏}‏‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها‏}‏‏[‏النساء‏:‏86‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتَّى تَسْتأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا على أهْلِها‏}‏‏[‏النور‏:‏27‏]‏
وقال تعالى‏:‏‏{‏وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواكما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏59‏]‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ‏}‏‏[‏الذاريات‏:‏24‏]‏
واعلم أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتاب والسُّنّة والإِجماع‏.‏ وأماأفراد مسائله وفروعه فأكثرُ من أن تُحصر، وأنا أختصرُ مقاصدَه في أبواب يسيرة إنشاء اللّه تعالى، وبه التوفيق والهداية والإِصابة والرعاية‏.‏
بابُ فضلِ السَّلامِ والأمرِبإفشائه
1/599 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما؛
أنَّ رجلاً سأل رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ أيُّ الإِسلامخَيْرٌ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرأُ السَّلام على مَنْ عَرَفْتَوَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ‏"‏‏.‏‏(1)
2/600 وروينا في صحيحيهما،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال‏:‏ اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ‏:‏ نَفَرٍمِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّهَا تَحِيَّتُكَوَتَحِيَّةُ ذُرّيَّتِكَ، فقال‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا‏:‏ السَّلامُعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ، فَزَادُوهُ‏:‏ وَرَحْمَةُاللَّهِ‏"‏‏.‏‏(2)
3/601 وروينا في صحيحيهما،عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال‏:‏ أمرنا رسولُاللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبع‏:‏ بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتشميتِالعاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنِ المظلومِ، وإفشاءِ السَّلامِ، وإبرارِالقَسَم‏.‏هذا لفظ إحدى روايات البخاري‏.‏(3)
4/602 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُواحتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ‏؟‏أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ‏"‏‏.‏‏(4)
5/603 وروينا في مسند الدارمي وكتابي الترمذي وابن ماجه، وغيرهابالأسانيد الجيدة،عن عبداللّه بن سلام رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏‏"‏يا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُواالأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَبِسَلامٍ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث صحيح‏.‏(5)
6/604 وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني،عن أبي أُمامةَ رضي اللّه عنه قال‏:‏أمَرَنَا نبيُّنا صلى اللّه عليه وسلم أن نُفشيَ السَّلامَ‏.‏ ‏(6)
7/605 وروينا في موطأ الإِمام مالك رضي اللّه عنه،عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة،
أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعب أخبرَه أنه كان يأتي عبدَ اللّه بنعمر فيغدو معه إلى السوق، قال‏:‏ فإذَا غدوْنا إلى السوق لم يمرّ بنا عبدُ اللّهعلى سَقَّاطٍ ولا صاحبِ بَيْعَةٍ ولا مِسكين ولا أحدٍ إلاَّ سلَّم عليه؛ قالالطُّفيلُ‏:‏ فجئتُ عبدَ اللّه بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى السوق، فقلتُ له‏:‏ ماتصنعُ بالسوق وأنتَ لا تقفُ على البيْعِ ولا تسألُ عن السِّلعِ ولا تسومُ ولا تجلسُفي مجالس السوق‏؟‏ قال‏:‏ وأقولُ اجلسْ بنا هاهنا نتحدّثْ، فقال لي ابن عمر‏:‏ ياأبا بطن ـ وكان الطفيلُ ذا بطن ـ إنما نغدو من أجل السلام نُسَلِّم على مَنلقيناه‏.‏ ‏(7)
8/606 وروينافي صحيح البخاري عنه، قال‏:‏ وقال عمّار رضي اللّه عنه‏:‏ ثلاثٌ من جَمعهنّ فقدجمعَ الإِيمانَ؛ الإِنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ منالإِقتار‏.‏
(8)
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعاً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم‏.‏
قلت‏:‏ قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا، فإنَّالإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى اللّه تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع مانهاه عنه، وأن يؤدّي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضاً نفسهفلا يوقعها في قبيح أصلاً‏.‏ وأما بذلُ السلام للعالم فمعناه لجميع الناس، فيتضمنأن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع من السلام عليهبسببه‏.‏ وأما الإِنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق باللّه تعالى والتوكل عليهوالشفقة على المسلمين إلى غير ذلك، نسأل اللّه تعالى الكريم التوفيق لجميعه‏.‏
بابُ كيفيّة السَّلام
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُاللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحداً، ويقولُالمجيب‏:‏ وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَركاتُه، ويأتي بواو العطففي قوله‏:‏ وعليكم‏.‏
وممّن نصّ على أن الأفضل في المبتدىء أن يقول ‏"‏السلام عليكم ورحمةاللّه وبركاته‏"‏ الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ في كتابه ‏"‏الحاوي‏"‏في كتاب السِّيَر، والإِمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب ‏"‏صلاة الجمعة‏"‏وغيرها‏.‏
1/607 ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي،عن عمران بن الحصين رضي اللّهعنهما قال‏:‏ ‏"‏جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليكم،فردّ عليه ثم جلس، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ عَشْرٌ، ثم جاء آخر فقال‏:‏السلام عليكم ورحمة اللّه، فردّ عليه ثم جلس، فقال‏:‏ عِشْرُونَ، ثم جاء آخرفقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاتُه، فردّ عليه فجلس، فقال‏:‏‏"‏ثلاثُونَ‏"‏‏.‏ فقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏
وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس رضي اللّه عنه، زيادةعلى هذا، قال‏:‏ ‏"‏ثم أتى آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ومغفرته،فقال‏:‏ أرْبَعُونَ، وقال‏:‏ هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ‏"‏‏.‏(9)
2/608 وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان رجلٌيمرّ بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يَرعى دوابّ أصحابه فيقول‏:‏ السلام عليك يا رسولاللّه‏!‏ فيقول له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وَعَلَيْكَ السَّلامُوَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ‏"‏، فقيل‏:‏ يارسول اللّه‏!‏ تُسَلِّم على هذا سلاماً ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك‏؟‏ قال‏:‏‏"‏وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بأجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَرَجُلاً‏؟‏‏"‏‏.‏‏(10)
قال أصحابنا‏:‏ فإن قال المبتدىء‏:‏ السلام عليكم، حصل السَّلامُ،وإن قال‏:‏ السلام عليكَ، أو سلام عليكَ، حصل أيضاً‏.‏ وأما الجواب فأقلّه‏:‏وعليكَ السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال‏:‏ عليكم السَّلام أجزأه ذلكوكان جواباً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نصّ عليه إمامنا الشافعي رحمهاللّه في ‏"‏الأُم‏"‏ وقال به جمهور من أصحابنا‏.‏ وجزم أبو سعد المتولّي منأصحابنا في كتابه ‏"‏التتمة‏"‏ بأنه لا يجزئه ولا يكون جواباً، وهذا ضعيف أو غلط،وهو مخالفٌ للكتاب والسنّة ونصّ إمامنا الشافعي‏.‏
أما الكتاب فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏69‏]‏ وهذا وإن كان شرعاً لِما قَبْلنا فقد جاءشرعنا بتقريره، وهو حديث أبي هريرة الذي قدَّمناه ‏(11)‏ في جواب الملائكة آدم صلى اللّه عليه وسلم،فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أخبرنا ‏"‏أن اللّه تعالى قال‏:‏ هي تحيتك وتحيةذرّيتك‏"‏ وهذه الأمة داخلة في ذرّيته، واللّه أعلم‏.‏
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب‏:‏ عليكم لم يكن جواباً،فلو قال‏:‏ وعليكم بالواو فهل يكون جواباً‏؟‏ فيه وجهان لأصحابنا؛ ولو قالالمبتدىء‏:‏ سلام عليكم، أو قال‏:‏ السلام عليكم، فللمُجيب أن يقول في الصورتين‏:‏سلام عليكم، وله أن يقول‏:‏ السلام عليكم، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏قالُوا سَلاماً، قالَسَلامٌ‏}‏ قال الإِمام أبو الحسن الواحديّ من أصحابنا‏:‏ أنت في تعريفالسلام وتنكيره بالخيار؛ قلت‏:‏ ولكن الألف واللام أولى‏.‏
فصل‏:‏
3/609 روينا في صحيح البخاري،عن أنس رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم؛أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّمعليهم سلَّمَ عليهم ثلاثاً‏.‏ ‏(12)
قلت‏:‏ وهذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الجمعُ كثيراً، وسيأتيبيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب الحاوي فيها إن شاء اللّه تعالى‏.‏
فصل‏:‏ وأقل السَّلامالذي يصيربه مؤدّياً سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يُسْمعه لميكن آتياً بالسلام، فلا يجب الردّ عليه‏.‏ وأقلّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفعصوتَه بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الردّ، ذكرهما المتوليوغيره‏.‏
قلت‏:‏ والمستحبّ أن يرفع صوته رفعاً يسمعه به المسلَّم عليه أوعليهم سماعاً محققاً، وإذا تشكك في أنه يسمعهم زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أماإذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنّة أن يخفضَ صوتَه بحيث يَحصل سماعُ الأيقاظولا يستيقظ النيام‏.‏
4/610 روينا في صحيح مسلم،في حديث المقداد رضي اللّه عنه الطويل، قال‏:‏ كنّا نرفعللنبيّ صلى اللّه عليه وسلم نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلّم تسليماً لايُوقظ نائماً ويُسمِع اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاءالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسلَّم كما كان يُسلِّم‏.‏ واللّهأعلم‏.(13)
فصل‏:‏ قال الإِمام أبو محمدالقاضي حسين، والإِمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا‏:‏ ويُشترط أن يكونالجواب على الفور، فإن أخَّرَه ثم ردّ لم يعدّ جواباً، وكان آثماً بترك الردّ‏.‏
بابُ ما جاء في كَراهةِ الإِشارة بالسَّلامباليد ونحوها بلا لفظ
1/611 روينا في كتاب الترمذي،عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تَشَبَّهُواباليَهُودِ وَ لا بالنَّصَارَى، فإنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشارَةُ بالأصَابِعِ،وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالكَفّ‏"‏ قال الترمذي‏:‏إسناده ضعيف‏.‏ ‏(14)
2/612 قلت‏:‏ وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذيعن أسماءَ بنت يزيد‏:‏ أن رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم مرّ في المسجد يوماً، وعُصبَة من النساء قُعود، فأشار بيدهبالتسليم‏.‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن، فهذا محمول على أنه صلى اللّهعليه وسلم جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلّ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقالفي روايته‏:‏ فسلَّمَ علينا‏.‏(15)
بابُ حُكْمِ السَّلاَم
اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ علىالكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهمكان أفضل‏.‏ قال الإِمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب ‏"‏السير‏"‏ منتعليقه‏:‏ ليس لنا سنّة على الكفاية إلا هذا‏.‏ قلت‏:‏ وهذا الذي قاله القاضي منالحصر يُنكر عليه، فإن أصحابنا رحمهم اللّه قالوا‏:‏ تشميتُ العاطسِ سنّةٌ علىالكفاية كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء اللّه تعالى‏.‏ وقال جماعة من أصحابنا بلكلهم‏:‏ الأُضحية سنّةٌ على الكفاية في حقّ كل أهل بيت، فإذا ضحَّى واحد منهم حصلالشِّعار والسنّة لجميعهم‏.‏ وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحداًتعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّواحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهمفهو النهاية في الكمال والفضيلة، وكذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن‏.‏ واتفق أصحابناعلى أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط الردّ عنهم، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصرواعلى ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا‏.‏
1/613 روينا في سنن أبي داود،عن عليّ رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏يُجْزِىءُ عَنِ الجَماعَةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ،ويُجْزِىءُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ‏"(16)‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحاتالربانية 5/305‏)‏"‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏الفتوحات الربانية 5/305‏)‏
2/614 وروينا في الموطأ، عن زيد بن أسلم أن رسولَ اللّه صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ القَوْمِ أَجْزَأ عَنْهُمْ‏"‏قلت‏:‏ هذا مرسل صحيح الإِسناد‏.‏(17)
فصل‏:‏ قال الإِمام أبو سعدالمتولي وغيره‏:‏ إذا نادى إنسان إنساناً من خلف ستر أو حائط فقال‏:‏ السلام عليكيا فلان‏!‏ أو كتب كتاباً فيه‏:‏ السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسلرسولاً وقال‏:‏ سلّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول، وجب عليه أن يردّ السلام؛وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضاً أنه يجب على المكتوب إليه ردّ السلام إذا بلغهالسلام‏.‏
3/615 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قال لي رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم ‏"‏هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلامَ‏"‏ قالت‏:‏ قلتُ‏:‏وعليه السلام ورحمة اللّه وبركاته‏.‏ هكذا وقع في بعض رواياتالصحيحين ‏"‏وبركاته‏"‏ ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولة، ووقع في كتابالترمذي ‏"‏وبركاته‏"‏ وقال‏:‏ حديث حسن صحيح، ويُستحبّ أن يرسلَ بالسلام إلى مَنغاب عنه‏.‏ ‏(18)
فصل‏:‏إذا بعث إنسان مع إنسانسلاماً، فقال الرسول‏:‏ فلان يسلّم عليك، فقد قدّمنا أنه يجب عليه أن يردّ علىالفور، ويستحبّ أن يردّ على المبلِّغ أيضاً، فيقول‏:‏ وعليك وعليه السلام‏.‏
4/616 وروينا في سنن أبي داود،عن غالب القطان، عن رجل قال‏:‏ حدّثني أبي عن جدي قال‏:‏
بعثني أبي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ائته فأقرئهالسلام، فأتيته فقلت‏:‏ إن أبي يُقرئك السلام، فقال‏:‏ ‏"‏عَلَيْكَ السَّلامُ وَعلىأبِيكَ السَّلامُ‏"‏(19)، وإسناده ضعيف لوجود مجاهيلفيه‏.‏‏)‏قلت‏:‏ وهذا وإن كان رواية عن مجهول، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائليُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم‏.‏
فصل‏:‏ قال المتولي‏:‏ إذا سلمعلى أصمّ لا يسمع فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصلالإِفهام ويستحقّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب‏.‏ قال‏:‏ وكذا لوسلّم عليه أصمّ وأراد الرد فيتلفظ باللسان ويشير بالجواب ليحصل به الإِفهام ويسقطعنه فرض الجواب‏.‏ قال‏:‏ ولو سلّم على أخرس فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض لأنإشارته قائمة مقام العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحقّ الجواب كماذكرنا‏.‏
فصل‏:‏ قال المتولي‏:‏ لوسلَّم على صبيّ لا يجب عليه الجواب، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قالهصحيح، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب‏.‏ قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي‏:‏ ولوسلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب عليه الرد‏؟‏ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إنقلنا يصحّ إسلامُه كان سلامُه كسلام البالغ فيجب جوابُه‏.‏ وإن قلنا لا يصحّ إسلامهلم يجب ردّ السلام لكن يُستحبّ‏.‏ قلت‏:‏ الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام لقولاللّه تعالى‏:‏‏{‏وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْرُدُّوها‏}‏ ‏[‏النساء 86‏]‏ وأما قولهما إنه مبنيّ على إسلامه، فقالالشاشي‏:‏ هذا بناء فاسد، وهو كما قال واللّه أعلم‏.‏ ولو سلم بالغ على جماعة فيهمصبيّ فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرُه، فهل يسقط عنهم‏؟‏ فيه وجهان‏:‏ أصحُّهما ـوبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي ـ لا يسقط لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرضفلم يسقط به كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة‏.‏ والثاني هو قول أبي بكرالشاشي، صاحب المستظهري، من أصحابنا أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال ويسقط عنهمطلب الأذان‏.‏ قلت‏:‏ وأما الصلاة على الجنازة فقد اختلف أصحابُنا في سقوط فرضهابصلاة الصبيّ على وجهين مشهورين‏:‏ الصحيحُ منهما عند الأصحاب أنه يسقط، ونصّ عليهالشافعي، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ إذا سلّم عليه إنسان ثملقيه على قرب يُسنّ له أن يُسلِّم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر، اتفق عليه صحابنا،ويدل عليه‏:‏
5/617 ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه في حديثالمسيء صلاته؛ أنه جاء فصلَّى، ثم جاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسلَّم عليه،فردّ عليه السلام، وقال‏:‏ ‏"‏ارْجِعْ فَصَلّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلّ‏"‏ فرجعَفَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، حتى فعلَ ذلك ثلاثَمرّاتٍ‏.(20)
6/618 وروينا في سنن أبي داود،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْحالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَة أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْعَلَيْهِ‏"‏‏.‏‏(21)
7/619 وروينا في كتاب ابن السنيّ،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان أصحابُ رسولِ اللّه صلىاللّه عليه وسلم يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكَمة فتفرّقوا يميناً وشمالاًثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ‏.(22)
فصل‏:‏ إذا تلاقى رجلان فسلَّم كلُّ واحدٍمنهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسينوصاحبه أبو سعد المتولّي‏:‏ يَصير كلُّ واحد منهما مبتدئاً بالسلام فيجب على كلِّواحد منهما أن يردَّ على صاحبهِ‏.‏ وقال الشاشي‏:‏ هذا فيه نظر‏.‏ فإن هذا اللفظيَصلح للجواب، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جواباً، وإن كان دفعة لم يكن جواباً،وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب‏.‏
فصل‏:‏ إذا لقي إساناً فقال المبتدىء‏"‏وعليكم السلام‏"‏قال المتولي‏:‏ لا يكون ذلك سلاماً، فلا يستحقّجواباً، لأنّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء‏.‏ قلت‏:‏ أما إذا قال‏:‏ عليك، أو عليكمالسلام، بغير واو، فقطع الإِمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطَب بهالجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر‏.‏ وقدجزم أيضاً إمام الحرمين به فيجب فيه الجواب لأنه يُسمَّى سلاماً، ويحتمل أن يُقالفي كونه سلاماً وجهان كالوجهين لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة ‏"‏عليكمالسلام‏"‏ هل يحصل به التحلّل أم لا‏؟‏ الأصحّ أنه يحصل، ويحتمل أن يُقال‏:‏ إن هذالا يستحق فيه جواباً بكل حال‏.‏
8/620 لما رويناهفي سنن أبي داود والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عنأبي جزي الهجيميّ الصحابي رضي اللّه عنه، واسمه جابر بن سليم‏,‏ وقيل سليم بن جابر(23) قال‏:‏ لقيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم في بعض سكك المدينة وعليه ثوب قِطْري وهو بكسر القاف وسكون المهملة،فقلت‏:‏ عليك السلام يا رسول اللّه‏!‏ فقال‏:‏ ‏ ‏عليك السلام تحيّةالموتى، قل السلام عليكم‏ ‏ قالها مرّتين أو ثلاثاً قال الحافظ بعد تخريجه‏:‏ حديثصحيح أخرجه النسائي‏)‏ " ؛ ، قال‏:‏ أتيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت‏:‏عليك السلام يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏"‏لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْكالسَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى‏"‏(24)
قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولايكون المراد أن هذا ليس بسلام، واللّه أعلم‏.‏ وقد قال الإِمام أبو حامد الغزالي فيالإِحياء‏:‏ يكره أن يقول ابتداء ‏"‏عليكم السلام‏"‏ لهذا الحديث، والمختار أنهيُكره الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجواب لأنه سلام‏.‏
فصل‏:‏ السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبلكل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلكمشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل‏.‏
9/621 وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي،عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ قالرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ‏"فهو حديث ضعيف، قال الترمذي‏:‏ هذا حديث منكر‏.‏ ‏(25)
فصل‏:‏ الابتداء بالسلام أفضللقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسَّلامِ‏"‏ ‏(26)(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏‏)‏"(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ ‏.‏ فينبغي لكل واحد من المتلاقينأن يحرص على أن يبتدىء بالسلام‏.‏
10/622 وروينا في سنن أبي داود، بإسناد جيد،عن أبي أُمامة رضي اللّه عنه قال‏:‏
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ أوْلَى النَّاسِباللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ‏"‏ وفي رواية الترمذي عن أبي أُمامة‏:‏ قيل‏:‏يا رسول اللّه‏!‏ الرجلان يلتقيان أيّهما يبدأ بالسلام‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أوْلاهُماباللّه تعالى‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ ‏(27)
بابُ الأحوالِ التي يُستَحَبُّ فيها السَّلامُ، والتي يُكرهُ فيها، والتييُباح
اعلم أنّا مأمورون بإفشاء السلام كما قدّمناه، لكنه يتأكد في بعضالأحوال ويخفّ في بعضها‏.‏ ونُهي عنه في بعضها، فأما أحوال تأكده واستحبابه فلاتنحصر، فإنها الأصل فلا نتكلف التعرّض لأفرادها‏.‏
واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدّمنا فيكتاب أذكار الجنائز كيفية السلام على الموتى‏.‏ وأما الأحوال التي يُكره فيها أويخفّ أو يُباح فهي مستثناة من ذلك فيحتاج إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلَّمعليه مشتغلاً بالبول أو الجماع أو نحوهما فيُكره أن يُسلَّم عليه، ولو سلَّم لايستحقّ جواباً، ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً، ومن ذلك من كان مُصلياً أو مؤذناًفي حال أذانه أو إقامته الصلاةَ، أو كان في حمام أو نحو ذلك من الأمور التي لايُؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكلُ واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه فيهذه الأحوال لم يستحقّ جواباً‏.‏ أما إذا كان على الأكل وليست اللقمةُ في فمه فلابأسَ بالسلام، ويجبُ الجواب‏.‏ وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يُسلّم ويجبالجواب‏.‏ وأما السلام في حال خطبة الجمعة فقال أصحابنا‏:‏ يُكره الابتداء به لأنهممأمورون بالإِنصات للخطبة، فإن خالفَ وسلَّم فهل يُرَدّ عليه‏؟‏ فيه خلاف لأصحابنا،منهم مَن قال‏:‏ لا يُرَدّ عليه لتقصيره، ومنهم مَن قال‏:‏ إن قلنا إن الإِنصاتَواجبٌ لا يردّ عليه، وإن قلنا إن الإِنصاتَ سنّة رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولايردّ عليه أكثر من واحد على كل وجه‏.‏
وأما السَّلامُ على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإِمام أبو الحسنالواحدي‏:‏ الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه كفاه الردّبالإِشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة، هذا كلام الواحدي،وفيه نظر؛ والظاهر أن يُسلّم عليه ويجب الردّ باللفظ‏.‏ أما إذا كان مشتغلاًبالدعاء مستغرقاً فيه مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يُقال هو كالمشتغل بالقراءة علىما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يُكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشقّ عليهأكثر من مشقة الأكل‏.‏ وأما الملبِّي في الإِحرام فيُكره أن يُسلَّم عليه، لأنهيُكره له قطعُ التلبية، فإن سلَّم عليه ردَّ السلامَ باللفظ، نصّ عليه الشافعيوأصحابنا رحمهم اللّه‏.‏
فصل‏:‏قد تقدمت الأحوالُ التييُكره فيها السلام، وذكرنا أنه لا يستحقّ فيها جواباً فلو أراد المسلَّم عليه أنيتبرع بردّ السلام هل يشرع له، أو يُستحبّ‏؟‏ فيه تفصيل؛ فأما المشتغل بالبول ونحوهفيُكره له ردُّ السلام، وقد قدَّمنا هذا في أول الكتاب؛ وأما الأكل ونحوه فيُستحبّله الجواب في الموضع الذي لا يجب؛ وأما المصلِّي فيحرم عليه أن يقول‏:‏ وعليكمالسلام، فإن فعلَ ذلك بطلتْ صلاتُه إن كان عالماً بتحريمه، وإن كان جاهلاً لم تبطلعلى أصحّ الوجهين عندنا، وإن قال عليه السلام بلفظ الغَيبة لم تبطل صلاتُه لأنهدعاءٌ ليس بخطاب‏.‏ والمستحبُّ أن يردّ عليه في الصلاة بالإِشارة ولا يتلفظ بشيء،وإن ردّ بعد الفراغ من الصلاة باللفظ فلا بأس‏.‏ وأما المؤذّن فلا يُكره له ردُّالجواب بلفظه المعتاد، لأن ذلك يسير لا يُبطلُ الأذانَ ولا يُخلّ به‏.‏
بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليهومَنْ يُردّ عليه ومن لا يُرَدّ عليه
اعلم أنَّ الرجلَ المسلمَ الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يُسَلِّمويُسَلَّم عليه، فيُسنّ له السلام، ويجب الردّ عليه‏.‏ قال أصحابنا‏:‏ والمرأةُ معالمرأة كالرجل مع الرجل‏.‏ وأما المرأة مع الرجل؛ فقال الإِمام أبو سعد المتوليّ‏:‏إن كانت زوجته أو جاريتَه أو محرَماً من محارمه، فهي معه كالرجل، فيستحبّ لكل واحدمنهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه؛ وإن كانت أجنبيةً،فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتان بها لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ لم يجزلها ردّ الجواب، ولم تسلّم هي عليه ابتداءً، فإن سلَّمتْ لم تستحق جواباً فإنأجابها كُره له، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجلردّ السلام عليها؛ وإذا كانت النساء جمعاً فيُسلِّم عليهنَّ الرجل، أو كان الرجالُجمعاً كثيراً فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز، إذا لم يخف عليه ولا عليهنّ ولاعليها أو عليهم فتنة‏.‏
1/623 روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها،عن أسماءَ بنت يزيدَ رضي اللّه عنهاقالت‏:‏ مرَّ علينا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نسوة فسلَّمعلينا‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبيداود‏.‏ وأما رواية الترمذي ففيها عن أسماء‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلممرّ في المسجد يوماً وعصبةٌ من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم‏.‏(1)
2/624 وروينا في كتاب ابن السنيّ،عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه‏:‏ أن رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم مرّ على نسوة فسلّم عليهنّ‏.‏ ‏(2)
3/625 وروينا في صحيح البخاريعن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه، قال‏:‏ كانتْ فيناامرأةٌ‏.‏ وفي رواية‏:‏ كانتْ لنا عجوزٌ تأخذُ من أصول السِّلق فتطرحُه في القِدْروتكركرُ حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا نُسلِّم عليها فتقدمهإلينا‏.(3) قلت‏:‏ تكركر معناه‏:‏ تطحن‏.‏
4/626 وروينا في صحيح مسلم،عن أُمّ هانىء بنت أبي طالب رضي اللّه عنها قالت‏:‏ أتيتُالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يومَ الفتح وهو يغتسلُ، وفاطمة تسترُه، فسلَّمتُ‏.‏وذكرت الحديث‏.(4)
فصل‏:‏وأما أهل الذمّة فاختلفأصحابُنا فيهم، فقطعَ الأكثرون بأننه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام‏.‏ وقال آخرون‏:‏ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلَّمُوا هم على مسلم قال في الردّ‏:‏ وعليكم، ولايزيدُ على هذا‏.‏
وحكى أقضى القضاة الماورديّ وجهاً لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهمبالسلام، لكنْ يقتصرُ المسلِّم على قوله‏:‏ السلام عليك، ولا يذكرُه بلفظ الجمع‏.‏
وحكى الماوردي وجهاً أنه يقول في الردّ عليهم إذا ابتدأوا‏:‏ وعليكمالسلام، ولكن لا يقول ورحمة اللَّه، وهذان الوجهان شاذان ومردودان‏.‏
5/627 روينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنَّ رسولَ اللّه صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لاتَبْدأوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذَالقيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقٍ فاضْطَرُوهُ إلى أضْيَقِهِ‏"‏‏.‏‏(5)
6/628 وروينا في صحيح البخاري ومسلم،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا‏:‏وَعَلَيْكُمْ‏"‏‏.‏‏(6)
7/629 وروينا في صحيح البخاري،عن ابن عمرَ رضي اللّه عنهما؛ أن رسول صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فإنَّمَا يَقُولُ أحَدُهُم‏:‏السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ‏:‏ وَعَلَيْكَ‏"‏وفي المسألة أحاديثكثيرة بنحو ما ذكرنا، واللّه أعلم‏.‏
قال أبو سعد المتولي‏:‏ ولو سلَّم على رجل ظنَّه مسلماً فبان كافراًيستحَبّ أن يستردّ سلامَه فيقول له‏:‏ رُدّ عليّ سلامي؛ والغرض من ذلك أن يوحشهويظهرَ له أنه ليس بينهما ألفة‏.‏ورُوي أن ابن عمر رضي اللّه عنهما سلَّم على رجلٍ، فقيلإنه يهودي، فتبعه وقال له‏:‏ ردّ عليّ سلامي(7)
قلت‏:‏ وقد روينا في موطأ مالك ‏(8)‏ رحمه اللّه أن مالكاً سُئل عمّن سلَّم علىاليهوديّ أو النصراني هل يستقيله ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ لا، فهذا مذهبُه‏.‏ واختاره ابنالعربي المالكي‏.‏
قال أبو سعد‏:‏ لو أراد تحية ذميّ فعلَها بغير السلام بأن يقول‏:‏هداك اللّه، أو أنعم اللّه صباحك‏.‏ قلت‏:‏ هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذااحتاج إليه فيقول‏:‏ صُبِّحْتَ بالخير أو بالسعادة أو بالعافية، أو صبَّحَك اللّهبالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرّة أو ما أشبه ذلك‏.‏ وأما إذا لم يحتج إليهفالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسطٌ له وإيناس وإظهار صورة ودّ، ونحن مأمورونبالإِغلاظ عليهم ومنهيّون عن ودّهم فلا نظهره، واللّه أعلم‏.‏
فرع ‏:‏ إذا مرّ واحدٌ على جماعة فيهم مسلمون أومسلم وكفّار، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم‏.‏
8/630 روينا في صحيح البخاري ومسلم،عن أُسامةَ بن زيد رضي اللّه عنهما؛ أن النبيَّ صلى اللّهعليه وسلم مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثانواليهود، فسلَّم عليهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏.(9)
فرع ‏:‏ إذا كتب كتاباً إلى مشرك وكتبَ فيهسلاماً أو نحوَهفينبغي أن يكتب‏:‏
9/631 ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،في حديث أبي سفيان رضي اللّه عنه فيقصة هرقل‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتبَ‏:‏ ‏"‏من محمدٍ عبدِ اللّهورسولِه، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على مَن اتَّبعَالهُدى‏"‏‏.‏‏(10)
فرع ‏:‏ فيما يقولُ إذا عَادَ ذَميّاً‏.‏ اعلمأن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذميّ، فاستحبَّها جماعة ومنعها جماعة؛وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال‏:‏ الصوابُ عندي أن يُقال‏:‏ عيادة الكافر في الجملةجائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة، قلت‏:‏ هذاالذي ذكره الشاشيُّ حسن‏.‏
10/632 فقد روينا في صحيح البخاري،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُمالنبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فمرضَ، فأتاه النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم يعودُه،فقعدَ عند رأسه، فقال له‏:‏ ‏"‏أسْلِمْ‏"‏ فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال‏:‏ أطعْأبا القاسم، فأسلم، فخرجَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول‏:‏ ‏"‏الحَمدُلِلَّهِ الَّذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ‏"‏‏.‏(11)
11/633 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن المسيِّب بن حَزْن والد سعيد بنالمسيِّب رضي اللّه عنه قال‏:‏ لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم، فقال‏:‏ يا عَمّ‏!‏ قُلْ لا إِلهَ إِلاَّاللَّهُ‏"‏ وذكر الحديث بطوله‏.‏(12)
قلتُ‏:‏ فينبغي لعائد الذميّ أن يرغّبه في الإِسلام، ويبيِّن لهمحاسنَه، ويحثَّه عليه، ويحرّضه على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حال لا ينفعه فيهاتوبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها‏.‏
فصل‏:‏ وأما المبتدعُ وَمَنْ اقترف ذنباً عظيماً ولم يَتُبْ منه،فينبغي أن لا يسلِّم عليهم ولا يردّ عليهم السلام، كذا قاله البخاريوغيره من العلماء‏.‏ واحتجّ الإمام أبو عبد اللّه البخاري في صحيحه في هذهالمسألة‏:‏
12/634 بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،في قصة كعب بن مالك رضي اللّه عنه حينتخلَّف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، فقال‏:‏ ونهى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلمعن كلامنا، قال‏:‏ وكنتُ آتي رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأُسلِّم عليهفأقولُ‏:‏ هل حرّكَ شَفتيه بردّالسلام أم لاقال البخاري‏:‏ وقال عبدُ اللّه بنعمرو‏:‏ لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر‏.(13)‏ قلتُ‏:‏ فإن اضّطُر إلى السلام على الظلمة،بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلّم، سلّمعليهم‏.‏ قال الإِمام أبو بكر بن العربي‏:‏ قال العلماء‏:‏ يسلِّم، وينوي أن السلاماسم من أسماء اللّه تعالى، المعنى‏:‏ اللّه عليكم رقيب‏.‏
فصل‏:‏ وأما الصبيان فالسنّة أن يسلِّمعليهم‏.‏
13/635 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أنس رضي اللّه عنه‏,‏ أنه مرّ على صبيانٍ فسَّلمَعليهم وقال‏:‏ كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يفعله‏.‏ وفي رواية لمسلم عنه‏:‏ أنرسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ على غِلمانٍ فسلَّم عليهم‏.(14)
14/636 وروينا في سنن أبي داود وغيره، بإسناد الصحيحين،عن أنس، أن النبيَّ صلى اللّه عليهوسلم مرّ على غلمانٍ يَلعبون فسلَّم عليهم ورويناهُ في كتاب ابن السنيّ وغيره، قالفيه فقال‏:‏ ‏"‏السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا صِبْيانُ‏"‏‏.(15)
بابٌ في آدابٍ ومسائلَ منالسَّلام
1/637 روينا في صحيح البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على المَاشِي، وَالمَاشِي علىالقاعِدِ، وَالقَلِيلُ على الكثير‏"‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ ‏"‏يُسَلِّمُ الصَّغيرُعلى الكَبيرِ، وَالمَاشِي على القاعِدِ، وَالقَلِيلُ علىالكَثِيرِ‏"‏‏.‏‏(16)
قال أصحابُنا وغيرُهم من العلماء‏:‏ هذا المذكور هو السنّة، فلوخالفوا فسلَّم الماشي على الراكب، أو الجالس عليهما لم يُكره، صرّح به الإِمام أبوسعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يُكره‏.‏ ابتداء الكثيرين بالسلام علىالقليل، والكبير على الصغير، ويكونُ هذا تركاً لما يستحقّه من سلام غيره عليه، وهذاالأدبُ هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا وَرَدَ على قعود أو قاعد؛ فإنالواردَ يبدأُ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً،وسمَّى أقضى القضاة هذا الثاني سنّة، وسمّى الأوّل أدباً وجعلَه دون السنّة فيالفضيلة‏.‏
فصل‏:‏ قال المتولي‏:‏ إذا لقي رجلٌ جماعةًفأراد أن يخصّ طائفة منهم بالسلام كره، لأن القصد من السلامالمؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سبباً للعداوة‏.‏
فصل‏:‏ إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقةكثيراً ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فقد ذكرَ أقضى القضاةالماورديّ أن السلام هنا إنما يكونُ لبعض الناس دون بعض‏.‏ قال‏:‏ لأنه لو سلَّمعلى كلّ مَن لقي لتشاغل به عن كل مهمّ، ولخرج به عن العُرْف‏.‏ قال‏:‏ وإنما يُقصدبهذا السلام أحدُ أمرين‏:‏ إما اكتساب ودّ، وإما استدفاع مكروه‏.‏
فصل‏:‏ قال المتولّي‏:‏ إذا سلَّمتْ جماعةٌعلى رجل فقال‏:‏ وعليكم السلام، وقصد الردّ على جميعهم سقط عنه فرضُالردّ في حقّ جميعهم، كما لو صلَّى على جنائزَ دفعةً واحدةً فإنه يُسقط فرضَ الصلاةعلى الجميع‏.‏
فصل‏:‏ قال الماوردي‏:‏ إذا دخل إنسانٌ علىجماعة قليلة يعمُّهم سلامٌ واحد، اقتصر على سلام واحد على جميعهم،وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدب، ويكفي أن يردّ منهم واحدٌ، فمن زاد منهم فهوأدب‏.‏ قال‏:‏ فإن كان جمعاً لا ينتشرُ فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الحفل؛فسنّة السلام أن يبتدىء به الداخل في أوّل دخوله إذا شاهدَ القومَ ويكون مؤدياًسنّة السلام في حقّ جميع مَن سمعه، ويدخلُ في فرض كفاية الردّ جميعُ مَن سمعه، فإنأرادَ الجلوس فيهم سقط عنه سنّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أراد أن يجلسفيمن بعدَهم ممّن لم يسمع سلامه المتقدّم ففيه وجهان لأصحابنا‏:‏ أحدُهما أن سنّةالسلام عليهم قد حصلت بالسلام على أوائلهم لأنهم جمع واحد، فلو أعاد السلام عليهمكان أدَباً، وعلى هذا أيُّ أهل المسجد ردّ عليه سقط به فرض الكفاية عن جميعهم‏.‏والوجه الثاني أن سنّة السلام باقية لمن لم يبلغهم سلامه المتقدم إذا أراد الجلوسفيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض ردّ السلام المتقدم عن الأوائل بردّ الأواخر‏.‏
فصل‏:‏ ويستحبّ إذا دخل بيته أن يُسلِّم وإنلم يكن فيه أحد، وليقل‏:‏ السَّلامُ عَلَيْنا وعلى عِبادِ اللَّهِالصَّالِحِينَ‏.‏ وقد قدَّمنا ‏(17)‏ في أول الكتاب بيان ما يقوله إذا دخلبيته‏.‏ وكذا إذا دخل مسجداً أو بيتاً لغيره ليس فيه أحد يُستحبّ أن يُسلِّم وأنيقول‏:‏ السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُعَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ‏.‏
فصل‏:‏ إذا كان جالساً مع قوم ثم قامليفارقهم، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم‏.‏
2/638 فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بالأسانيدالجيدة،عن أبي هريرة رضياللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا انْتَهَىأحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فإذَا أَرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ،فَلَيْسَتِ الأُولى بأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديثحسن‏.‏ ‏(18)
قلت‏:‏ ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة ردّ السلام على هذاالذي سلَّم عليهم وفارقهم، وقد قال الإِمامان‏:‏ القاضي حسين وصاحبه أبو سعدالمتولّي‏:‏ جرتْ عادةُ بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاءٌ يُستحبّجوابه ولا يجب؛ لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وهذا كلامُهما،وقد أنكره الإِمام أبو بكر الشاشي - الأخير من أصحابنا - وقال‏:‏ هذا فاسد، لأنالسَّلامَ سنّةٌ عند الانصراف كما هو سنّة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذيقاله الشاشي هو الصواب‏.‏
فصل‏:‏ إذا مرّ على واحد أو أكثر وغلبَ علىظنه أنه إذا سلَّم لا يردّ عليه، إما لتكبّر الممرور عليه، وإمالإِهماله المارّ أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلِّم ولا يتركه لهذاالظنّ، فإنّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المارّ أن يُسلّم ولم يؤمر بأنيحصل الردّ مع أن الممرور عليه قد يُخطىء الظنّ فيه ويردّ‏.‏ وأما قول مَن لا تحقيقعنده‏:‏ إن سلامَ المارّ سبب لحصول الإِثم في حقّ الممرور عليه فهو جهالة ظاهرةوغباوة بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات،ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلاً كونهمنكراً، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه وتعريفنا له قبحهيكون سبباً لإِثمه إذا لم يقلع عنه، ولا شكّ في أنُّا لا نترك الإِنكار بمثل هذا،ونظائر هذاكثيرة معروفة، واللّه أعلم‏.‏
ويُستحبّ لمن سلّم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجّه عليه الردّ بشروطهفلم يرد؛ أن يحلِّله من ذلك فيقول‏؟‏ أبرأته من حقّي في ردّ السلام، أو جعلتُه فيحِلٍّ منه ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حقّ هذا الآدمي، واللّه أعلم‏.‏
3/639 وقد روينا في كتاب ابن السنيعن عبد الرحمن بن شبل الصحابي رضي اللّه عنه، قال‏:‏
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ أجَابَ السَّلامَفَهُوَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَيْسَ مِنَّا‏"‏‏.‏
ويُستحبّ لمن سلَّم على إنسان فلم يرد عليه أن يقول له بعبارةلطيفة‏:‏ ردُّ السلام واجبٌ، فينبغي لك أن تردّ عليّ ليسقطَ عنك الفرضُ، واللّهأعلم‏.‏
باب الاستئذان
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَبُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا على أهْلها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏27‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏‏[‏النور‏:‏59‏]‏‏.‏
1/640 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلاَّفَارْجِعْ‏"‏‏.
ورويناه في الصحيحين أيضاً، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنهوغيره، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏.‏(19)
2/641 وروينا في صحيحيهما،عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِالبَصَرِ‏"‏‏.
وروينا الاستئذان ثلاثاً من جهات كثيرة‏.‏ والسنّة أن يُسلِّم ثميستأذن فيقوم عند الباب بحيث لا ينظرُ إلى مَن في داخله، ثم يقول‏:‏ السلام عليكم،أأدخل‏؟‏ فإن لم يجبْه أحدٌ قال ذلك ثانياً وثالثاً، فإن لم يجبْه أحدٌ انصرف‏.‏(20)
3/642 وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح،عن ربعيّ بن حِراش، بكسر الحاءالمهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل، قال‏:‏ حدّثنا رجل من بني عامر استأذنعلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو في بيت، فقال‏:‏ أألجُ‏؟‏ فقالَ رسولُ اللّهصلى اللّه عليه وسلم لخادمه‏:‏ ‏"‏اخْرُجْ إلى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ،فَقُلْ لَهُ‏:‏ قُلْ‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ‏؟‏‏"‏ فسمعه الرجلُ فقال‏:‏السلام عليكم، أأدخلُ‏؟‏ فأذنَ له النبيُّ صلى اللّه عليه وسلمفدخلَ‏.(21)
4/643 وروينا في سنن أبي داود والترمذي،عن كَلَدَة بن الحَنْبل الصحابي رضياللّه عنه، قال‏:‏ أتيتُ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فدخلتُ عليه ولم أسلِّم،فقالَ النبيُّ‏:‏ ‏"‏ارْجِعْ فَقُلْ‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْأَأَدْخُلُ‏؟‏‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(22)‏‏)‏قلت‏:‏ كَلَدة بفتح الكاف واللام‏.‏والحَنْبل بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة ثم لام‏.‏
وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح‏.‏ وذكرالماوردي فيه ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها هذا‏.‏ والثاني تقديم الاستئذان على السلام،والثالث وهو اختياره، إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّمالسلام، وإن لم تقع عليه عينه قدَّم الاستئذان‏.‏ وإذا استأذن ثلاثاً فلم يُؤذن لهوظنَّ أنه لم يسمع فهل يزيدُ عليها‏؟‏ حكى الإِمام أبو بكر بن العربيّ المالكي فيهثلاثة مذاهب‏:‏ أحدُها يعيده‏.‏ والثاني لا يعيده‏.‏ والثالث إن كان بلفظ الاستئذانالمتقدم لم يعدْه، وإن كان بغيره أعاده؛ قال‏:‏ والأصحُّ أنه لا يعيدُه بحال، وهذاالذي صحَّحه هو الذي تقتضيه السنّة، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلامأو بدقّ الباب فقيل له‏:‏ مَنْ أنتَ‏؟‏أن يقول‏:‏ فلانُ بن فلان،أو فلانٌ الفلاني، أو فلانٌ المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريفالتامّ به، ويُكره أن يقتصر على قوله أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعضالمحبّين، وما أشبه ذلك‏.‏
5/644 روينا في صحيحي البخاري ومسلم فيحديث الإِسراء المشهور، قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثُمَّ صَعِدَ بي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِالدُّنْيا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ‏:‏ مَنْ هَذَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ جِبْرِيلُ، قيلَ‏:‏وَمَنْ مَعَكَ‏؟‏ قالَ‏:‏ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِوالثَّالِثَةِ وَسائِرِهنَّ، وَيُقالُ في بابِ كُلِّ سمَاءٍ‏:‏ مَنْ هَذَا‏؟‏فَيَقُولُ‏:‏ جبْرِيلُ‏"‏‏.‏(23)
6/645 وروينا في صحيحيهما،حديثَ أبي موسى لما جلسَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم علىبئر البستان؛ جاء أبو بكر فاستأذن، فقال‏:‏ مَنْ‏؟‏ قال‏:‏ أبو بكر، ثم جاء عمرفاستأذن، فقال‏:‏ مَن‏؟‏ قال‏:‏ عمر، ثم عثمان كذلك‏.(24)
7/646 وروينا في صحيحيهما أيضاً،عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ أتيتُ النبيّ صلى اللّهعليه وسلم فدققتُ البابَ، فقال‏:‏ ‏"‏مَنْ ذَا‏؟‏ فَقلتُ‏:‏ أنا، فقال‏:‏ أنَاأنَا‏"‏ كأنه كرهها‏.(25)
فصل‏:‏ ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف إذا لميعرفه المخاطب بغيره، وإن كان فيه صورة تبجيل له بأن يكنّي نفسه، أويقول أنا المفتي فلان، أو القاضي، أو الشيخ فلان، أو ما أشبه ذلك‏.‏
8/647 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أمّ هانىء بنت أبي طالب رضي اللّه عنها، واسمها فاختةعلى المشهور، وقيل فاطمة، وقيل هند، قالت‏:‏ أتيتُ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم وهويغتسل وفاطمةُ تستُره، فقال‏:‏ ‏"‏مَنْ هَذِهِ‏؟‏‏"‏ فقلتُ‏:‏ أنا أُمّهانىء‏.(26)
9/648 وروينا في صحيحيهما،عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه، واسمه جُندب، وقيل بُرَيْرٌبضمّ الباء تصغير برّ، قال‏:‏ خرجتُ ليلةً من الليالي فإذا رسولُ اللّه صلى اللّهعليه وسلم يمشي وحدَه، فجعلتُ أمشي في ظلّ القمر، فالتفتَ فرآني فقال‏:‏ ‏"‏مَنْهَذَا‏؟‏‏"‏ فقلت‏:‏ أبو ذرّ‏.‏ ‏(27)
10/649 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي قتادة الحارث بن رِبعي رضي اللّه عنه في حديثالميضأة المشتمل على معجزات كثيرة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى جمل منفنون العلوم، قال فيه أبو قتادة‏:‏ فرفع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأسه فقال‏:‏‏"‏مَنْ هَذَا‏؟‏‏"‏‏(28)‏ قلت‏:‏ أبو قتادة‏.‏ قلت‏:‏ ونظائر هذاكثيرة، وسببه الحاجة، وعدم إرادة الافتخار‏.‏
ويقرب من هذا‏:‏
11/650 ما رويناه في صحيح مسلمعن أبي هريرة، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصحّ،قال‏:‏
قلتُ‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ ادعُ اللّه أن يهديَ أُمّ أبيهريرة‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر الحديثَ إلى أن قال فرجعتُ فقلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ قد استجاباللّه دعوتك وهدى أُمّ أبي هريرة‏.(29)
بابُ في مسائل تتفرّعُ على السَّلام
مسألة‏:‏ قال أبو سعد المتولّي‏:‏ التحيّة عندالخروج من الحمّامبأن يُقال له‏:‏ طابَ حمّامُك، لا أصل لها؛ ولكنروي أن عليّ رضي اللّه عنه قال لرجل خرج من الحمّام‏:‏ طَهَرْتَ فلا نَجِسْتَ‏.‏قلت‏:‏ هذا المحلّ لم يصحُّ فيه شيء، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودةوالمؤالفة واستجلاب الودّ‏:‏ أدام اللّه لك النعيم ونحو ذلك من الدعاء فلا بأسبه‏.‏
مسألة‏:‏ إذا ابتدأ المارُّ الممرور عليهفقال‏:‏ صبَّحكَ اللّه بالخير، أو بالسعادة، أو قوّاك اللّه، ولاأوحشَ اللّه منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناسُ في العادة، لم يستحقّجواباً؛ لكن لو دعا له قبالة ذلك كان حسناً، إلا أنْ يَتْرُكَ جوابَه بالكلية زجراًفي تخلّفه وإهماله السلام، وتأديباً له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام‏.‏
فصل‏:‏ إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلكلزهده وصلاحه أو علمه أو شرفهوصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينيةلم يُكره بل يُستحبّ؛ وإن كان لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنياونحو ذلك فهو مكروه شديد الكراهة‏.‏ وقال المتولّي من أصحابنا‏:‏ لا يجوز، فأشارإلى أنه حرام‏.‏
1/651 روينا في سنن أبي داود،عن زارع رضي اللّه عنه، وكان في وفد عبد القيس قال‏:‏فجعلْنا نتبادرُ من رواحلنا فنقبِّلُ يدَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلمورجلَه‏.(1)
قلتُ‏:‏ زارع بزاي في أوّله وراء بعد الألف، على لفظ زَارع الحنطةوغيرها‏.‏
2/652 وروينا في سنن أبي داود أيضاً،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قصةً قال فيها‏:‏ فدنونا ـيعني من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ـ فقَبَّلنا يده‏.‏(2)
وأما تقبيل الرجُل خدَّ ولده الصغير، وأخيه، وقُبلة غير خدّه منأطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسُنّةٌ‏.‏ والأحاديثفيه كثيرة صحيحة مشهورة وسواء الولد الذكر والأنثى‏.‏ وكذلك قبلته ولد صديقه وغيرهمن صغار الأطفال على هذا الوجه‏.‏ وأما التقبيلُ بالشهوة فحرام بالاتفاق‏.‏ وسواءفي ذلك الوالد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي‏.‏
3/653 وروينا في صحيحي البخاريومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قَبَّلَ النبيّصلى اللّه عليه وسلم الحسنَ بن عليّ رضي اللّه عنهما وعنده الأقرعُ بن حابسالتميمي‏.‏ فقال الأقرعُ‏:‏ إن لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً، فنظرَ إليهرسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ لا يَرْحَمُ لايُرْحَمُ‏"‏‏.‏‏(3)
4/654 وروينا في صحيحيهما،عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قدم ناسٌ من الأعراب علىرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا‏:‏ تُقَبِّلُونَ صبيانَكم‏؟‏ فقالوا‏:‏نعم، قالوا‏:‏ لكنَّا واللّه ما نُقَبِّلُ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏أوَ أمْلِكُ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى نَزَعَ مِنْكُمُالرَّحْمَةَ‏؟‏‏"‏ هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ‏.‏ ‏(4)
5/655 وروينا في صحيح البخاري وغيره،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ أخذَ رسولُ اللّه صلى اللّهعليه وسلم ابنَه إبراهيم فقَبّله وشمّه‏.‏(5)
6/656 وروينا في سنن أبي داود،عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال‏:‏ دخلتُ مع أبيبكر رضي اللّه عنه أوّلَ ما قَدِمَ المدينةَ، فإذا عائشةُ ابنته رضي اللّه عنهامضطجعةٌ قد أصابَها حُمَّى، فأتاها أبو بكر فقال‏:‏ كيف أنتِ يا بنيّة‏؟‏‏!‏وقبَّلَ خدَّها‏.(6)
7/657 وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه، بالأسانيدالصحيحة،عن صفوان بن عَسَّالالصحابيّ رضي اللّه عنه، وعَسَّال بفتح العين وتشديد السين المهملتين، قال‏:‏ قاليهوديّ لصاحبه‏:‏ اذهب بنا إلى هذا النبيّ، فأتيا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلمفسألاه عن تسعِ آياتٍ بيِّناتٍ، فذكرَ الحديثَ إلى قوله‏:‏ فقبّلوا يدَه ورجلَهوقالا‏:‏ نشهدُ أنك نبيٌّ‏.(7)
8/658 وروينا في سنن أبي داود، بالإِسناد الصحيح المليح،عن إِياس بن دَغْفَل قال‏:‏ رأيتُ أبانضرة قَبّل خدّ الحسن بن عليّ رضي اللّه عنهما‏.‏ ‏(8)
قلت‏:‏ أبو نَضْرَةَ بالنون والضاد المعجمة‏:‏ اسمه المنذر بن مالكبن قطعة، تابعي ثقة‏.‏ ودَغْفَل بدال مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم فاءمفتوحة ثم لام‏.‏
وعن ابن عمر(9)‏ رضي اللّه عنهما أنه كان يقبّل ابنه سالماًويقول‏:‏ اعجبوا من شيخ يُقَبِّلُ شيخاً‏.‏
وعن سهل بن عبد اللّه التستري السيد الجليل أحد أفراد زهّاد الأمةوعبّادها رضي اللّه عنه أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول‏:‏ أخرج لي لسانكَالذي تُحدِّثُ به حديثَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأُقَبِّله فيقبِّلُه‏.‏وأفعالُ السلف في هذا الباب أكثر من أن تُحصر، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالحللتبرّك، ولا بأس بتقبيل الرجُل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه‏.‏
9/659 روينا في صحيح البخاري،عن عائشة رضي اللّه عنها في الحديث الطويل في وفاة رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت‏:‏ دخلَ أبو بكر رضي اللّه عنه فكشفَ عن وجه رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم أكبَّ عليه فقَبّله، ثم بكى‏.(10)
10/660 وروينا في كتاب الترمذي،عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قدِمَ زيدُ بنُ حارثةَالمدينةَ ورسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيتي، فأتاه فقرعَ البابَ، فقامَإليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يجرّ ثوبَه، فاعتنقه وقبَّله‏.قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(11)
وأما المعانقةُ وتقبيلُ الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوهفمكروهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمد البغويّ وغيره من أصحابنا‏.‏
ويدلّ على الكراهة‏:‏
11/661 ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ قالرجل‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ الرجل منّا يَلقى أخاه أو صديقه أينحني له‏؟‏ قال‏:‏‏"‏لا‏"‏ قال‏:‏ أفيلتزمه ويقبّله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا‏"‏ قال‏:‏ فيأخذه بيدهويصافحُه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نَعَمْ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(12)
قلت‏:‏ وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة، وأنه لا بأس به عندالقدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وهو في غير الأمرد الحسن الوجه؛فأما الأمردُ الحسنُ فيحرم بكلّ حال تقبيله، سواء قدم مَن سفر أم لا‏.‏ والظاهر أنمعانقته كتقبيله، أو قريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبِّلوالمقبَّل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحدُهما صالحاً، فالجميعُ سواء‏.‏ والمذهبُالصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهوحرام كالمرأة لكونه في معناها ‏(13)
فصل‏:‏ في المصافحة‏:‏ اعلم أنهاسنّة مجمعٌ عليها عند التلاقي‏.‏
12/662 روينا في صحيح البخاري،عن قتادة قال‏:‏ قلتُ لأنس رضي اللّه عنه أكانتِالمصافحةُ في أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.(14)
13/663 وروينا في صحيح البخاري ومسلم فيحديث كعب بن مالك رضي اللّه عنه فيقصة توبته قال‏:‏ فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه يُهرول، حتى صافحنيوهنّأني‏.(15)
14/664 وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ قالرسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِفَيتَصافَحانِ إِلاَّ غُفرَ لَهُما قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا‏"(16)
15/665 وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه،عن البراء رضي اللّه عنه قال‏:‏ قالرسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ إلاَّ غُفرَلَهُما قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا‏"‏‏.‏‏(17)
16/666 وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ قالرجلٌ‏:‏ يا رسولَ اللّه‏!‏ الرجلُ منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له‏؟‏، قال‏:‏‏"‏لا‏"‏ قال‏:‏ أفيلتزمه ويقبله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا‏"‏ قال‏:‏ فيأخذ بيده ويصافحه‏؟‏قال‏:‏ ‏"‏نَعَمْ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ وفي الباب أحاديثكثيرة‏.‏(18)
17/667 وروينا في موطأ الإِمام مالك رحمه اللّه،عن عطاء بن عبد اللّه الخراسانيّقال‏:‏ قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ،وَتَهَادَوْا تَحابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْناءُ‏"‏ قلت‏:‏ هذا حديثمرسل‏.‏(19)
واعلم أن هذه المصافحة مستحبّة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناسُمن المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصلَ له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لابأس به، فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافَظوا عليها في بعض الأحوال، وفرّطوا فيهافي كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي وردالشرع بأصلها‏.‏
وقد ذكر الشيخ الإِمام أبو محمد عبد السلام رحمه اللّه في كتابه‏"‏القواعد‏"‏ أن البدع على خمسة أقسام‏:‏ واجبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومستحبّة،ومباحة‏.‏ قال‏:‏ ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر، واللّهأعلم‏.‏
قلت‏:‏ وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظرَإليه حرام كما قدَّمنا في الفصل الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا‏:‏ كلّ مَن حَرُمَالنظرُ إليه حَرُمَ مسُّه، بل المسّ أشدّ، فإنه يحلّ النظر إلى الأجنبية إذا أرادأن يتزوّجها، وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسُّها فيشيء من ذلك، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ ويُستحبّ مع المصافحة، البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرةوغيرها‏.‏
18/668 روينا في صحيح مسلم،عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال لي رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أنْتَلْقَى أخاكَ بِوَجْهِ طَلِيقٍ‏"‏‏.‏(20)
19/669 وروينا في كتاب ابن السني،عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال‏:‏ قال رسولُاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ المُسْلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيا فَتَصَافَحَاوَتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ تَنَاثَرَتْ خَطاياهُما بَينَهُما‏"‏ وفي رواية‏"‏إذَا الْتَقَى المُسْلِمانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ تَعالىوَاسْتَغْفَرَا، غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا‏"‏‏.‏‏(21)
20/670 وروينا فيه،عن أنس رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ يَسْتَقْبِلُ أحَدُهُماصَاحِبَهُ فَيُصَافِحَهُ فَيُصَلِّيانِ على النَّبِيّ صلى اللّه عليه وسلم إِلاَّلَمْ يَتَفَرَّقَا حتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبهُمَا ما تَقَدَّمَ منْها وَماتَأخَّرَ‏"‏‏.‏‏(22)
21/671 وروينا فيه،عن أنس أيضاً، قال‏:‏ ما أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم بيدِ رجلٍ ففارقه حتى قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً وَفيالآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ‏"‏‏.‏‏(23)
فصل‏:‏ ويُكره حنْيُ الظهر في كل حال لكلأحد، ويدلّ عليه ما قدَّمنا في الفصلين المتقدمين من حديث أنس،وقوله‏:‏ أينحني له‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا‏"‏ وهو حديث حسن كما ذكرناه ولم يأت له معارضفلا مصيرَ إلى مخالفته، ولا يغترّ بكثرة مَن يفعله ممّن ينسب إلى علم أو صلاحوغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُفَانْتَهُوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏7‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏63‏]‏‏.‏
وقد قدَّمنا في كتاب الجنائز(24) ، عن الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه مامعناه‏:‏ اتّبعْ طُرُقَ الهدى، ولا يضرّك قلّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولاتغترّ بكثرة الهالكين، وباللّه التوفيق‏.‏
فصل‏:‏ وأما إكرام الداخلبالقيام، فالذي نختاره أنه مستحبّ لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أوصلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة، أو له ولادة أو رحم مع سنّ ونحو ذلك، ويكونهذا القيام للبِرّ والإِكرام والاحترام لا للرياء والإِعظام، وعلى هذا الذي اخترناهاستمرّ عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءاً جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوالالسلف وأفعالهم الدّالة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها وأوضحت الجواب عنه، فمنأشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعة ذلك الجزء رجوت أن يزول إشكاله إن شاء اللّهتعالى، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ يستحبّ استحباباً متأكداً زيارة الصالحينوالإِخوانوالجيران والأصدقاء والأقارب وإكرامهم وبرّهم وصلتهم، وضبطذلك يختلف باختلاف أحواله ومراتبهم وفراغهم‏.‏ وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجهلا يكرهونه وفي وقت يرتضونه‏.‏ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، ومنأحسنها‏:‏
22/672 ما رويناه في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم‏:‏ ‏"‏أن رجلاً زارَ أخاً له في قرية أخرى، فأرصدَ اللّه تعالى على مَدْرَجتِهمَلَكاً، فلما أتى عليه قال‏:‏ أين تُريد‏؟‏ قال‏:‏ أُريدُ أخاً لي في هذه القرية،قال‏:‏ هل لكَ عليه من نعمة ترُبُّها‏؟‏ قال‏:‏ لا، غيرَ أني أحببتُه في اللّهتعالى، قال‏:‏ فإني رسولُ اللّه إليك بأن اللّه تعالى قد أحبَّكَ كما أحببتَهفيه‏"‏‏.(25)
قلت‏:‏ مدرجتُه بفتح الميم والراء‏:‏ طريقه‏.‏ ومعنى تَرُبُّها‏:‏أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يُربِّي الرجلُ ولدَه‏.‏
23/673 وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه،عن أبي هريرة أيضاً قال‏:‏ قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ عادَ مَرِيضاً، أوْ زَارَ أخاً لَهُ فياللَّهِ تَعالى، نادَاهُ مُنادٍ بأنْ طِبْتَ وَطابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَالجَنَّةِ مَنزِلاً‏"‏‏.‏(26)
فصل‏:‏ في استحباب طلب الإِنسان من صاحبهالصالح أن يزورَه، وأن يكثرَ من زيارته‏.‏
24/674 روينا في صحيح البخاري،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال‏:‏ قال النبيّ صلىاللّه عليه وسلم لجبريل صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَناأكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا‏؟‏ فنزلتْ‏{‏وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّبِأمْرِ رَبِّكَ، لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وَما خَلْفَنا‏}‏[‏مريم‏:‏64‏]‏ ‏(27)
بابُ تَشْمِيتِ العَاطسِ وحُكم التَّثَاؤُب
1/675 روينا في صحيح البخاري،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ العُطاسَ، وَيَكْرَهُ التَثاؤُبَ، فإذاعَطَسَ أحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى كان حَقّاً على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُأنْ يَقُولَ لَهُ‏:‏ يَرْحَمُكَ اللَّهُ‏.‏ وأمَّا التَّثاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِنَالشَّيْطان، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطاعَ، فَإن أحدَكم إذاتَثاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطانُ‏"‏‏.‏(28)
قلتُ‏:‏ قال العلماء‏:‏ معناه أن العطاسَ سببه محمود، وهو خفّةالجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه لأنه يُضعف الشهوةويُسَهِّلُ الطاعة، والتثاؤب بضدّ ذلك، واللّه أعلم‏.‏
2/676 وروينا في صحيح البخاري،عن أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُل‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُأخُوهُ أوْ صَاحبُهُ‏:‏ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فإذَا قالَ لَهُ‏:‏ يَرْحَمُكَاللَّهُ، فَلْيَقُلْ‏:‏ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ‏"‏ قال العلماء‏:‏بالكم‏:‏ أي شأنكم‏.(29)
3/677 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ عَطَسَ رجلان عند النبيّ صلىاللّه عليه وسلم، فشمّت أحدَهما ولم يشمّت الآخر، فقال الذي لم يشمّته‏:‏ عَطَسَفلان فشمّته، وعطستُ فلم تشمّتني، فقال‏:‏ ‏"‏هَذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعالى،وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى‏"‏‏.‏‏(30)
4/678 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَاللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَتَعالى فَشَمِّتُوهُ، فإنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلاتُشَمِّتُوهُ‏"‏‏.‏‏(31)
5/679 وروينا في صحيحيهما،عن البراء رضي اللّه عنه قال‏:‏ أمَرَنا رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع‏:‏ أمَرَنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة،وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وردّ السلام، ونصر المظلوم، وإبرارالقسم‏.(32)
6/680 وروينا في صحيحيهما،عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ‏:‏ رَدُّ السَّلامِ، وَعِيادَةُالمَرِيض، وَاتِّباعُ الجَنائِز، وإجابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العاطِس‏"‏ وفيرواية لمسلم ‏"‏حَقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ سِتٌّ‏:‏ إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْعَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ،وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه تَعالى فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ،وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ‏"‏‏.‏‏(33)
فصل‏:‏ اتفق العلماء على أنه يُستحبّ للعاطسأن يقولَ عقب عطاسه‏:‏ الحمد للّه، فلو قال‏:‏ الحمد للّه ربّالعالمين كان أحسن، ولو قال‏:‏ الحمد للّه على كل حال كان أفضل‏.‏
7/681 روينا في سنن أبي داود وغيره، بإسناد صحيح،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عنالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ‏:‏الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ، وَلْيَقُلْ أخُوهُ أوْ صَاحِبُهُ‏:‏ يَرْحَمُكَاللَّه، وَيَقُولُ هُوَ‏:‏ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُبَالَكُمْ‏"‏‏.‏‏(34)
8/682 وروينا في كتاب الترمذي،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما؛ أن رجلاً عَطَسَ إلى جنبهفقال‏:‏ الحمدُ للّه والسَّلام على رسول اللّه، فقال ابن عمر‏:‏ وأنا أقول‏:‏الحمدُ للّه والسلامُ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وليس هكذا علّمنا رسولُاللّه صلى اللّه عليه وسلم، علّمنا أن نقول‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّحالٍ‏"‏‏.‏
قلت‏:‏ ويُستحبّ لكل مَن سمعه أن يقول لَه‏:‏ يرحمك اللّه، أويرحمكم اللّه، أو رحمكم اللّه، ويُستحبّ للعاطس بعد ذلك أن يقول‏:‏ يهديكم اللّهويُصلح بالكم، أو يغفر اللّه لنا ولكم(35) (36)
9/683 وروينا في موطأ مالك، عنه،عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما؛ أنه قال‏:‏ إذاعَطَسَ أحدُكم فقيل له‏:‏ يرحمُك اللّه، يقول‏:‏ يرحمنا اللّه وإياكم، ويغفرُ اللّهلنا ولكم‏.‏ ‏(37)
وكل هذا سنّة ليس فيه شيء واجب، قال أصحابنا‏:‏ والتشميتُ وهو قولهيرحمك اللّه سنّة على الكفاية لو قاله بعضُ الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أنيقوله كلُّ واحد منهم؛ لظاهر قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح الذيقدّمناه ‏"‏كانَ حَقّاً على كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُوْلَ لَهُ‏:‏يَرْحَمُكَ اللَّهُ‏"‏ هذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا‏:‏ واختلفأصحابُ مالك في وجوبه، فقال القاضي عبد الوهاب‏:‏ هو سنّة، ويُجزىء تشميتُ واحد منالجماعة كمذهبنا، وقال ابن مُزَيْنٍ‏:‏ يَلزم كلَّ واحد منهم، واختاره ابن العربيالمالكي‏.‏
فصل‏:‏ إذا لم يحمد العاطس لايُشَمَّتُ؛ للحديث المتقدم‏.‏ وأقلُّ الحمد والتشميت وجوابِه أنيرفعَ صوتَه بحيث يُسمِعُ صاحبَه‏.‏
فصل‏:‏ إذا قال العاطسُ لفظاً آخرَ غير الحمدللّه لم يستحقّ التشميت‏.‏
10/684 روينا في سنن أبي داود والترمذي،عن سالم بن عبيد الأشجعي الصحابي رضياللّه تعالى عنه قال‏:‏ بينا نحنُ عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ عَطَسَرجلٌ من القوم، فقال‏:‏ السلام عليكم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏وَعَلَيْكَ وَعَلى أُمِّكَ، ثم قال‏:‏ إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِاللَّهَ ـ فذكر بعض المحامد ـ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ‏:‏ يَرْحَمُكَاللَّهُ، وَلْيَرُدَّ ـ يعني عليهم ـ يَغْفِرُ اللَّهُ لَناوَلَكُمْ‏"‏‏.‏‏(38)
فصل‏:‏ إذا عَطَسَ في صلاته يُستحبّ أنيقول‏:‏ الحمد للّه، ويُسمع نفسَه، هذا مذهبنا‏.‏ ولأصحاب مالكثلاثة أقوال‏:‏ أحدُها هذا، واختاره ابن العربي‏.‏ والثاني يحمد في نفسه، والثالثقاله سحنون‏:‏ لا يحمَد جهراً ولا في نفسه‏.‏
فصل‏:‏السنّة إذا جاءَه العطاسُ أن يضعَ يدَهأو ثوبَه أو نحو ذلك على فمه وأن يخفضَ صوتَه‏.‏
11/685 روينا في سنن أبي داود والترمذي،عن أبي هريرةَ رضي اللّه عنه قال‏:‏كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا عطَس وضعَ يدَه أو ثوبَه على فِيه، وخفضّأو غضّ بها صوتَه‏.‏ ـ شكّ الراوي أيّ اللفظين قال ـقال الترمذي‏:‏حديث صحيح‏.‏(39)
12/686 وروينا فيكتاب ابن السني،عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما، قال‏:‏ قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَكْرَهُ رَفْعَالصَّوْتِ بالتَّثاؤُبِ والعُطاسِ‏"‏‏.‏‏(40)
13/687 وروينا فيه،عن أُمّ سلمة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّهصلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏التَّثاؤُبُ الرَّفِيعُ وَالعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُمِنَ الشَّيْطانِ‏"‏‏.‏(41)
فصل‏:‏ إذا تَكرّرَ العطاسُ من إنسانمتتابعاً، فالسنّة أن يشمِّته لكل مرّة إلى أن يبلغ ثلاث مرّات‏.‏
14/688 روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي،عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه؛
أنه سمعَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، وَعَطَسَ عندَه رجلٌ، فقالله‏:‏ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، ثم عَطَسَ أخرى فقال له رسولُ اللّه صلى اللّه عليهوسلم‏:‏ ‏"‏الرَّجُلُ مَزْكُومٌ‏"‏ هذا لفظ رواية مسلم‏.‏ وأما رواية أبي داودوالترمذي فقالا‏:‏ قال سلمة‏:‏ عَطَسَ رجل عندَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلموأنا شاهدٌ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَرْحَمُكَ اللَّهُ‏"‏ ثمعَطَسَ الثانية أو الثالثة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَرْحَمُكَاللَّهُ، هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسنصحيح‏.‏(42)
15/689 وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي،عن عبيد اللّه بن رفاعة الصحابيّ رضياللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يُشَمَّتُ العاطِسُثَلاثاً، فإنْ زَادَ فإنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ وَإنْ شِئْتَ فَلا‏"فهو حديث ضعيف، قال فيه الترمذي‏:‏ حديث غريب وإسناده مجهول‏.‏(43)
16/690 وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله،وباقي إسناده صحيحعن أبيهريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏‏"‏إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتهُ جَلِيسُهُ، وَإِنْ زَاد على ثَلاثَةفَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلاثٍ‏"‏‏.‏‏(44)
واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي‏:‏ قيل يقال له فيالثانية‏:‏ إنك مزكوم، وقيل يقال له في الثالثة، وقيل في الرابعة، والأصحّ أنه فيالثالثة‏.‏ قال‏:‏ والمعنى فيه أنك لست ممّن يُشمَّت بعد هذا، لأن هذا الذي بكزكامٌ ومرض لا خفّة العطاس‏.‏ فإن قيل‏:‏ فإذا كان مرضاً فكان ينبغي أن يُدعى لهويُشمّت، لأنه أحقّ بالدعاء من غيره‏؟‏ فالجواب أنه يُستحبّ أن يُدعى له لكن غيردعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكونمن باب التشميت‏.‏
فصل‏:‏ إذا عَطَسَ ولم يحمد اللّه تعالى فقدقدَّمنا أنه لا يُشمّت، وكذا لو حمد اللّه تعالى ولم يسمعه الإِنسانلا يشمّته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضُهم دون بعض فالمختار أنه يُشمّته من سمعه دونغيره‏.‏
وحكى ابن العربي خلافاً في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعواتشميتَ صاحبهم، فقيل يشمّته لأنه عرف عطاسه وحمده بتشميت غيره، وقيل لا، لأنه لميسمعه‏.‏
واعلم أنه إذا لم يحمد أصلاً يُستحبّ لمن عنده أن يذكِّره الحمد،هذا هو المختار‏.‏
وقد روينا في معالم السنن للخطابي نحوه عن الإِمام الجليل إبراهيمالنخعي، وهو باب النصيحة والأمر بالمعروف، والتعاون على البرّ والتقوى، وقال ابنالعربي‏:‏ لا يفعل هذا وزعم أنه جَهْلٌ من فاعله‏.‏ وأخطأ في زعمه، بل الصواباستحبابه لما ذكرناه، وباللّه التوفيق‏.‏
فصل‏:‏ فيما إذا عَطَسَ يهوديٌّ‏.‏
17/691 روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بالأسانيد الصحيحة،عن أبي موسى الأشعري رضي اللّهعنه قال‏:‏ كان اليهودُ يتعاطسُونَ عندَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يَرْجُونأن يقولَ لهم‏:‏ يرحمُكُم اللَّهُ فيقولُ‏:‏ ‏"‏يَهديكُم اللَّهُ وَيُصْلِحُبالَكُمْ‏"‏‏:‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏(1)
فصل‏:‏ روينا في مسند أبي يعلىالموصلي(2)، وهو حديث ضعيف، وأخرجه الطبراني والدارقطنيفي الأفراد، والبيهقي وقال‏:‏ إنه منكر، وقال غيره‏:‏ إنه باطل ولو كان سنده كالشمس
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ حَدَّثَ حَدِيثاً فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقُّ‏"‏كل إسناده ثقات مُتقنون إلا بقية بن الوليد فمختلف فيه، وأكثرُ الحفاظ والأئمةيحتجّون بروايته عن الشاميين، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي
فصل‏:‏ إذا تثاءب فالسنّة أن يردّ مااستطاعللحديث الصحيح الذي قدّمناه‏.‏ والسنّة أن يضع يده على فيه‏.‏
18/692 لما رويناه في صحيح مسلم،عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ علىفَمِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ‏"‏‏.‏‏(3)
قلتُ‏:‏ وسواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحبّ وضعُ اليدعلى الفم، وإنما يكره للمصلّي وضعُ يده على فمه في الصلاة إذا لم تكن حاجة كالتثاؤبوشبهه، واللّه أعلم‏.‏
بابُ المَدْحِ
اعلم أنَّ مدح الإِنسان والثناءَ عليه بجميل صفاته قد يكون في وجهالممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضورِه فلا منعَ منه إلا أن يُجازفالمادحُ ويدخل في الكذب فيحرُم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحاً، ويُستحبُّ هذاالمدح الذي لا كذبَ فيه إذا ترتب عليه مصلحةٌ ولم يجرّ إلى مفسدة بأن يبلغَالممدوحَ فيفتتن به، أو غير ذلك‏.‏ وأما المدحُ في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديثتقتضي إباحتَه أو استحبابه، وأحاديث تقتضي المنع منه‏.‏ قال العلماء‏:‏ وطريق الجمعبين الأحاديث أن يُقال‏:‏ إن كان الممدوحُ عنده كمالُ إيمان وحسنُ يقين ورياضةُ نفسومعرفةٌ تامة بحيث لا يفتتن ولا يغترّ بذلك ولا تلعبُ به نفسُه فليس بحرام ولامكروه، وإن خيف عليه شيءٌ من هذه الأمور كُرِهَ مدحُه كراهةً شديدة‏.‏
فمن أحاديث المنع‏:‏
1/693 ما رويناه في صحيح مسلمعن المقداد رضي اللّه عنه؛ أن رجلاً جعلَ يمدحُ عثمانَ رضياللّه عنه، فعمدَ المقدادُ فجثا على ركبتيه، فجعلَ يحثو في وجهه الحصباءَ، فقال لهعثمانُ‏:‏ ما شأنُك‏؟‏ فقال‏:‏ إنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏إِذَا رأيْتُم المَدَّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْالتُّرابَ‏"‏‏.‏(4)
2/694 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمع النبيُّ صلىاللّه عليه وسلم رجلاً يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحَةِ، فقال‏:‏‏"‏أَهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ‏"‏‏.‏
قلتُ‏:‏ قوله يُطْريه‏:‏ بضم الياء وإسكان الطاء المهملة وكسر الراءوبعدها ياء مثناة تحت‏.‏ والإِطراء‏:‏ المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ، وقيل‏:‏ هوالمدح‏.‏(5)
3/695 وروينا في صحيحيهما،عن أبي بكرة رضي اللّه عنه؛ أن رجلاً ذُكِرَ عندَ النبيّصلى اللّه عليه وسلم، فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ـ يقوله مراراً ـ إنْ كانَ أحَدُكُمْمادِحاً لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ‏:‏ أحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَرَى أنَّهُكَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يُزَكِّي على اللَّهِأحَداً‏"‏‏.‏‏(6)
وأماأحاديث الإِباحةفكثيرةٌ لاتنحصر، ولكن نُشير إلى أطراف منها‏:‏
فمنهاقوله صلىاللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح لأبي بكر رضي اللّه عنه ‏"‏ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِاللَّهُ ثالِثُهُما‏؟‏‏"‏(7)‏ وفي الحديث الآخر‏"‏لَسْتَ مِنْهُم(8) ‏"‏ أي لستَ من الذين يُسبلون أُزرَهمخيلاء‏.‏ وفي الحديث الآخر‏"‏يا أبا بَكْرٍ‏!‏ لا تَبْكِ، إنَّ أمَنَّ النَّاسِعَليَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنتُ مُتَّخِذاً مِنْأُمَّتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلاً‏"‏(9)‏ وفي الحديث الآخر‏"‏أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُم‏"‏ ‏(10)(‏البخاري ‏(‏3666‏)‏ ، ومسلم‏(‏1027‏)‏ ‏(‏86‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏3666‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1027‏)‏ ‏(‏86‏)‏ أي منالذين يُدْعون من جميع أبواب الجنة لدخولها‏.‏ وفي الحديث الآخر‏"‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُبالجَنَّةِ‏"‏ ‏(11)‏ وفي الحديث الآخر‏"‏اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَنَبيٌّ وَصِدّيقٌ وَشَهِيدَانِ ‏"(12) ‏"‏‏.‏
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرأيْتُقَصْراً، فَقُلْتُ‏:‏ لِمَنْ هَذَا‏؟‏ قالُوا‏:‏ لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُفَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ‏"‏ ‏(13)‏ فقال عمر رضي اللّه عنه‏:‏بأبي وأمي يا رسول اللّه‏!‏ أعليك أغار‏؟‏‏.‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏ياعُمَرُ‏!‏ ما لَقِيَكَالشَّيْطانُ سَالِكاً فَجَّاً إِلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَفَجِّكَ‏"‏ ‏(14)‏ ‏.‏
وفي الحديث الآخر ‏"‏افْتَحْ لِعُثْمانَ وَبَشِّرْهُبالجَنَّةِ‏"‏(15)
وفي الحديث الآخرقال لعليّ‏:‏ ‏"‏أنْتَ مِنِّي وأنامِنْكَ‏"‏(16)
وفي الحديث الآخرقال لعليّ‏:‏ ‏"‏أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّيبِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى‏؟‏‏"(17)
وفي الحديث الآخرقال لبلال ‏"‏سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ فيالجَنَّةِ‏"‏ ‏(18)
وفي الحديث الآخرقال لأُبيّ بن كعب ‏"‏لِيَهْنَأْكَ العِلْمُ أباالمنْذِرِ‏"‏ ‏(19)(‏مسلم ‏(‏810‏)‏ ، وفيه‏:‏ ‏‏ليهنكَ‏ ‏ وأبو داود ‏(‏1460‏)‏ "(‏مسلم ‏(‏810‏)‏ ، وفيه‏:‏ ‏"‏ليهنكَ‏"‏ وأبوداود ‏(‏1460‏)‏
وفي الحديث الآخرقال لعبد اللّه بن سَلاَم ‏"‏أنْتَ على الإِسْلامِ حتَّىتَمُوتَ‏"‏ ‏(20)
وفي الحديث الآخرقال للأنصاري ‏"‏ضَحِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أوْعَجِبَ مِنْ فِعَالِكُما‏"(21)
وفي الحديث الآخرقال للأنصار ‏"‏أنْتُمْ مِنْ أحَبّ النَّاسإِليَّ‏"(22)
وفي الحديث الآخرقال لأشجّ عبد القيس‏:‏ ‏"‏إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِيُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى وَرَسُولُهُ‏:‏ الحِلْمَ وَالأناة‏"(23)
وكلّ هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لمأضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه صلى اللّه عليه وسلم في الوجه كثيرة‏.‏ وأما مدحالصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقتدى بهم رضي اللّه عنهمأجمعين فأكثر من أن تُحصر، واللّه أعلم‏.‏
قال أبو حامد الغزالي في آخر كتاب الزكاة من الإِحياء‏:‏ إذا تصدقإنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن يَنظر، فإن كان الدافعُ ممّن يُحِبّ الشكر عليهاونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكرظلم، وإن علم من حاله أنه لا يُحِبّ الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهرصدقته‏.‏ وقال سفيان الثوري رحمه اللّه‏:‏ مَن عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس‏.‏ قالأبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب‏:‏ فدقائق هذه المعاني ينبغي أنيلحظها من يُراعي قلبَه، فإن أعمالَ الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطانوشماتة له، لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه‏:‏ إن تعلممسألة منه أفضل مِنْ عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر ، وبالجهل به تموتعبادة العمر كله وتتعطل، وباللّه التوفيق‏.‏
بابُ مدح الإِنسان نفسه وذكرمحاسنه
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏32‏]‏ اعلمأن ذكرَ محاسن نفسه ضربان‏:‏ مذموم، ومحبوب، فالمذمومُ أن يذكرَه للافتخار وإظهارالارتفاع والتميّز على الأقران وشبه ذلك؛ والمحبوبُ أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلكبأن يكون آمراً بمعروف أو ناهياً عن منكر أو ناصحاً أو مشيراً بمصلحة أو معلماً أومؤدباً أو واعظاً أو مذكِّراً أو مُصلحاً بين اثنين أو يَدفعُ عن نفسه شرّاً أو نحوذلك، فيذكر محاسنَه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد مايذكُره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك،وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص كقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏"‏أنا النَّبِي لاكَذِبْ‏"‏"‏أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم‏"‏ ‏"‏أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُالأرْضُ‏"‏ ‏:‏أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ‏"‏‏"‏إني أبِيتُ عنْدَربي‏"‏وأشباهه كثيرة، وقال يوسف صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏‏{‏اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏55‏]‏ وقال شعيبصلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏{‏سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏[‏القصص‏:‏27‏]‏‏.‏
1/696 وقالعثمان رضي اللّه عنه حين حُصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال‏:‏ ألستم تعلمونأنَّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِفَلَهُ الجَنَّةُ‏؟‏‏"‏ فجهّزتهم، ألستم تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة فَلَهُ الجَنَّةُ‏"‏ فحفرتها‏؟‏ فصدّقوه بماقاله‏.(24)
2/697 وروينا في صحيحيهما،عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه قال حين شكاه أهلالكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وقالوا‏:‏ لا يُحسن يصلي، فقال سعد‏:‏واللّه إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل اللّه تعالى، ولقد كنّا نغزو معرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وذكر تمام الحديث‏.(25)
3/698 وروينا في صحيح مسلم،عن عليّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ والذي فلق الحبَّة وبرأَالنسمةَ، إنه لعهدُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إليّ ‏"‏أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ولايبغضني إلا منافق‏"‏‏.‏(26)
قلتُ‏:‏ بَرَأَ مهموز معناه خلق؛ والنسمة‏:‏ النفس‏.‏
4/699 وروينا في صحيحيهما،عن أبي وائل قال‏:‏ خطبنا ابنُ مسعود رضي اللّه عنهفقال‏:‏ واللّه لقد أخذتُ من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة،ولقد علمَ أصحابُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أني مِنْ أعلمهم بكتاب اللّهتعالى وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحداً أعلمُ منّي لرحلتُ إليه‏.(27)
5/700 وروينا في صحيح مسلم،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه سئل عن البدنة إذاأزحفت، فقال‏:‏ على الخبير سقطتَ ـ يعني نفسَه ـ وذكر تمامالحديث‏.(28)
ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا، وباللّهالتوفيق‏.‏
بابٌ في مسائل تتعلَّق بما تقدَّم
مسألة‏:‏ يُستحبّ إجابةُ مَن ناداك بلبّيكوسعديك أو لبّيك وحدها، ويُستحبّ أنْ يقول لمن ورد عليه مرحِّباً،وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلاً جميلاً‏:‏ حفظك اللّه وجزاك اللّه خيراً،وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة‏.‏
مسألة‏:‏ ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمهأو صلاحهأو نحو ذلك‏:‏ جعلني اللّه فداكَ، أو فِداكَ أبي وأُمي وماأشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصاراً‏.‏
مسألة‏:‏ إذا احتاجتْ المرأة إلى كلام غيرالمحارم في بيع أو شراءأو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامهفيها فينبغي أن تفخِّمَ عبارتَها وتغلظها(29)‏ ولا تليِّنها مخافةً من طمعه فيها‏.‏
قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه ‏"‏البسيط‏"‏‏:‏قال أصحابنا‏:‏ المرأة مندوبة إذا خاطبتِ الأجانبَ إلى الغِلْظة في المقالة، لأنذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبتْ مَحرماً عليها بالمصاهرة، ألا ترىأن اللّه تعالى أوصى أُمّهات المؤمنين وهنّ محرّمات على التأبيد بهذه الوصية، فقالتعالى‏:‏ {‏يا نساءَ النَّبيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏[‏الأحزاب‏:‏32‏]‏ قلتُ‏:‏ هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قالهأصحابنا‏.‏ قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا‏:‏ طريقُها في تغليظه أن تأخذظهرَ كفّها بفيها وتُجيب كذلك، واللّه أعلم‏.‏ وهذا الذي ذكره الواحديُّ من أنالمحرّم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا؛ لأنه كالمَحرمبالقرابة في جواز النظر والخلوة‏.‏ وأما أُمَّهاتُ المؤمنين فإنهنّ أُمّهاتٌ فيتحريم نكاحهنّ ووجوب احترامهنّ فقط، ولهذا يحلّ نكاح بناتهنّ، واللّه أعلم‏.‏

__________________
بسم الله الرحمن الرحيم
لإِيلافِ قُرَيْشٍ(1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ(2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(4)
صدق الله العظيم
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب عمدة الطالب في انساب ال ابي طالب . ابن عنبة د ايمن زغروت مكتبة الانساب و تراجم النسابين 4 01-06-2017 04:48 PM
مختصر أصول العشائر العراقية مجاهد الخفاجى مجلس قبائل العراق العام 67 29-11-2016 06:28 PM
روابط لما يقارب (500) كتاب عربي الشافعي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 6 02-09-2016 11:05 PM
كتاب نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب القلقشندي على نجيب مجلس قبائل مصر العام 2 21-05-2016 10:05 PM
مريم البتول عليها السلام في القرآن الكريم أبو مروان الاسلام باقلامنا 1 10-03-2015 06:54 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:01 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه