كتاب حفظ اللسان . من كتاب الاذكار للامام النووي - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
فض النزاع حول ضريح العارف بالله خضر بن عنان العُمري
بقلم : خالد عنان
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: كبد وقوانص الدجاج.. (آخر رد :هلا حيدر)       :: قبائل التحور FGC1713 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: اصل العرب ومساكنهم (آخر رد :الديباج)       :: سوهاج\ جهينه\الحرافشه (آخر رد :اسماعيل عثمان)       :: شرح نتيجة J-M267 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: ثلاث عينات لبني أسد على التحور FGC2 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: عينة هلالية صريحة من بني دريد تونس FGC7 (آخر رد :أحمد القيسي)       :: الله دليل على وجود الله ! (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: مالا تعرفونه عن سوزان مبارك......... شيء رهيب (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: ادعيه واذكار (آخر رد :هلا حيدر)      



مجلس الاذكار و المأثورات صحيح ما ورد عن محمد افضل الذاكرين (ص) في سنته المطهرة


إضافة رد
  #1  
قديم 08-07-2017, 02:20 PM
ايلاف غير متواجد حالياً
كاتب في الانساب
 
تاريخ التسجيل: 23-01-2011
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 702
افتراضي كتاب حفظ اللسان . من كتاب الاذكار للامام النووي

كتاب حفظ اللّسان
بابُ حفظ اللسان
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌعَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏18‏]‏ وقال اللّه تعالى‏:‏‏{‏إنَّ رَبَّكَلَبالمِرْصَادِ‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏14‏]‏‏.‏ وقد ذكرت ما يَسَّرَهُ اللّهسبحانه وتعالى من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبقَ، وأردتُ أن أضمَّ إليها مايُكره أو يَحرم من الألفاظ ليكونَ الكتابُ جامعاً لأحكام الألفاظ، ومُبيِّناًأقسامَها، فأذكرُ من ذلك مقاصدَ يحتاج إلى معرفتها كلُّ متدين، وأكثرُ ما أذكرهمعروف، فلهذا أترك الأدلة في أكثره، وباللّه التوفيق‏.‏
فصل‏:‏اعلم أنه لكلّ مكلّف أنيحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُوتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أومكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلُها شيء‏.‏
1/874 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْلِيَصْمُتْ‏"‏‏.(1)‏ قلت‏:‏ فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريحفي أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتىشكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم‏.‏ وقد قال الإِمام الشافعي رحمه اللّه‏:‏ إذا أرادالكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتىتظهر‏.‏
2/875 وروينا في صحيحيهماعن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قلتُ يا رسولُ اللّه، أيُّالمسلمين أفضلُ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِوَيَدِهِ‏"‏‏.‏‏.‏ ‏(2)
3/876 وروينا في صحيح البخاري،عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه،عن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْلَهُ الجَنَّةَ‏"‏‏.(3)
4/877 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة،أنه سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏‏"‏إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَاإِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ‏"‏ وفي روايةالبخاري‏:‏ ‏"‏أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ‏"‏ من غير ذكرالمغرب، ومعنى يتبين‏:‏ يتفكر في أنها خير أم لا‏.‏(4)
5/878 وروينا في صحيح البخاري،عن أبي هريرة،عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى مايُلْقِي لَهَا بالاً يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَلَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاًيَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ‏"‏ قلت‏:‏ كذا في أصول البخاري‏"‏يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ‏"‏ وهو صحيح‏:‏ أي درجاته، أو يكون تقديره‏:‏يرفعه، ويُلقي بالقاف‏.‏(5)
6/879 وروينا في موطأ الإِمام مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه،عن بلال بن الحارث المزني رضياللّه عنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنَّ الرَّجُلَلَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما كَانَ يَظُن أنْتَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِيَلْقاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالىما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُإلى يَوْمِ يَلْقَاهُ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ ‏(6)
7/880 وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه،عن سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنهقال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ حدّثني بأمر أعتصم به، قال‏:‏ ‏"‏قُلْ رَبِّيَاللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ‏"‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ ما أخوف ما يخاف عليّ‏؟‏ فأخذبلسان نفسه ثم قال‏:‏ ‏"‏هَذَا‏"‏‏.‏
قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ ‏(7)
8/881 وروينا في كتاب الترمذي،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّكَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّأبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي‏"‏‏.‏‏(8)
9/882 وروينا فيه،عن أبي هريرة قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏مَنْ وَقاهُ اللّه تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَرِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(9)
10/883 وروينا فيه،عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال‏:‏قلتُ يا رسولَاللّه، ما النجاة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَوَابْكِ على خَطِيئَتِكَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(10)
11/884 وروينا فيه،عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُاللِّسَانَ فَتَقُولُ‏:‏ اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ مِنْكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَاسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا‏"‏‏.‏‏(11)
12/885 وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه،عن أُمِّ حبيبة رضي اللّه عنها،عنالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ،إِلاَّ أمْراً بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْراً للّهتَعالى‏"‏‏.‏‏(12)
13/886 وروينا في كتاب الترمذي،عن معاذ رضي اللّه عنه قال‏:‏قلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال‏:‏ لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍوإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ‏:‏ تَعْبُدُ اللَّهَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وَتَصًومُرَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال‏:‏ ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ‏؟‏الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُالنارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا‏{‏تَتَجافَى جُنُوبُهُمْعَنِ المَضَاجعِ‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يَعْمَلُونَ‏}‏ ثم قال‏:‏ ألا أُخْبِرُكَبرأسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول اللّه‏!‏قال‏:‏ رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِالجِهادُ، ثم قال‏:‏ ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسولاللّه‏!‏ فأخذ بلسانه ثم قال‏:‏ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، قلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ فقال‏:‏ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّالنَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُألْسِنَتِهِمْ‏؟‏‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ قلت‏:‏الذِّروة بكسر الذال المعجمة وضمّها‏:‏ وهي أعلاه‏.‏(13)
14/887 وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه،عن أبي هريرة،عن النبيّ صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لايَعْنِيهِ‏"‏ حديث حسن‏.‏ ‏(14)
15/888 وروينا في كتاب الترمذي،عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص؛أن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَمَتَ نَجا‏"(15)‏إسناده ضعيف، وإنما ذكرته لأُبيِّنه لكونهمشهوراً، والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة، وفيما أشرت به كفاية لمن وفّق،وسيأتي إن شاء اللّه في باب الغيبة جُمَل من ذلك، وباللّه التوفيق
وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة، ولا حاجة إليهامع ما سبق، لكن ننبّه على عيونٍ(16) منها‏:‏
بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهمالصاحبه‏:‏ كم وجدت في ابن آدم من العيوب‏؟‏ فقال‏:‏ هي أكثر من أن تُحصى، والذيأحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال‏:‏ما هي‏؟‏ قال‏:‏ حفظ اللسان‏.‏
وروينا عن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي اللّه عنه قال‏:‏ مَنْعَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه‏.‏
وقال الإِمامُ الشافعيُّ رحمه اللّه لصاحبه الرَّبِيع‏:‏ ياربيعُ‏!‏ لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها‏.‏
وروينا عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ ما من شيء أحقُّبالسجن من اللسان‏.‏ وقال غيرُه‏:‏ مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقهعَدَا عليك‏.‏
وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القُشيري رحمه اللّه في رسالتهالمشهورة قال‏:‏ الصمتُ سلامةٌ وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال؛ كما أنالنطق في موضعه أشرفُ الخصال، قال‏:‏ سمعت أبا عليّ الدقاق رضي اللّه عنه يقول‏:‏مَنْ سكتَ عن الحقّ فهو شيطانٌ أخرس‏.‏ قال‏:‏ فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوتَفلِمَا علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس وإظهار صفاتِ المدح،والميل إلى أن يتميزَ بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات، وذلك نعتُ أربابالرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق، ومما أنشدوه في هذاالباب‏:‏
احفظْ لسانَكأيُّها الإِنسانُ * لا يلدغنَّك إنه ثُعبانُ
كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه * قد كانَ هابَ لقاءَهالشجعانُ
(17)
وقال الرِّيَاشِيُّ رحمه اللّه‏:‏
لعمرُك إنَّ فيذنبي لَشُغْلاً * لِنَفْسِي عن ذنوب بني أُمَيَّه
على ربِّي حِسَابُهمُ إليه * تَنَاهَى عِلمُ ذلكَ لا إِليَّهْ
وليسَ بضائري ما قَدْ أتوْهُ * إذا ما اللَّه أصلحَ مالديَّهْ
بابُ تحريم الغِيبَةِوالنَّمِيمَة
اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس،حتى ما يسلمُ منهما إلا القليل من الناس، فلعموم الحاجة إلى التحذير منهما بدأتُبهما‏.‏
فأما الغيبة‏:‏ فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه مما يكره، سواء كان فيبدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه، أو ماله أو ولده أو والده، أوزوجه أو خادمه أو مملوكه، أو عمامته أو ثوبه، أو مشيته وحركته وبشاشته، وخلاعتهوعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ أوأشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك‏.‏ أما البدن فكقولك‏:‏ أعمى أعرج أعمشأقرع، قصير طويل أسود أصفر‏.‏ وأما الدِّيْنُ فكقولك‏:‏ فاسق سارق خائن، ظالممتهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارّاً بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها،لا يجتنبُ الغيبة‏.‏ وأما الدنيا‏:‏ فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحدعليه حقاً، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غيرموضعه، وأما المتعلِّق بوالده فكقوله‏:‏ أبوه فاسق، أو هندي أو نبطي أو زنجي، إسكافبزاز نخاس نجار حداد حائك‏.‏ وأما الخُلُق فكقوله‏:‏ سيء الخلق، متكبّر مُرَاء،عجول جبَّار، عاجز ضعيفُ القلب، مُتهوِّر عبوس، خليع، ونحوه‏.‏ وأما الثوب‏:‏ فواسعالكمّ، طويل الذيل، وَسِخُ الثوب ونحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه‏.‏ وضابطُه‏:‏ذكرُه بما يكره‏.‏
وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي إجماع المسلمين على أن الغيبة‏:‏ذكرُك غيرَك بما يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك‏.‏
وأما النميمة‏:‏ فهي نقلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِالإِفساد‏.‏ هذا بيانهما‏.‏
وأما حكمهما، فهما محرَّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرَ علىتحريمهما الدلائلُ الصريحةُ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَلا يَغْتَبْبَعْضُكُمْ بَعْضاً‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏12‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍلُمَزَةٍ‏}‏ ‏[‏الهمزة‏:‏1‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏هَمَّازٍ مَشّاءٍبِنَمِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏11‏]‏(18)
1/889 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن حذيفة رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ‏"‏‏.‏(19)
2/890 وروينا في صحيحيهما،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما؛أنَّ رسولَ اللّه صلى اللّهعليه وسلم مرّ بقبرين فقال‏:‏ ‏"‏إنَّهُما يُعَذَّبانِ ومَا يُعَذَّبانِ فيكَبير‏"‏ قال‏:‏ وفي رواية البخاري‏:‏ ‏"‏بلى إنَّه كَبيرٌ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَيَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْبَوْلِهِ‏"‏‏.‏(20)
قلتُ‏:‏ قال العلماء‏:‏ معنى وما يُعذّبان في كبير‏:‏ أي في كبير فيزعمهما أو كبير تركه عليهما‏.‏
3/891 وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي،عن أبي هُريرة رضي اللّهعنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ‏؟‏‏"‏قالوا‏:‏ اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قال‏:‏ ‏"‏ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ‏"‏قيل‏:‏ أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُفَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْبَهَتَّهُ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏(21)
4/892 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي بكرة رضي اللّه عنه؛أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال في خطبته يوم النحر بِمنىً في حجة الوداع‏:‏ ‏"‏إنَّ دِماءَكُمْوَأمْوَالَكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فيبَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، ألا هَلْبَلَّغْتُ‏؟‏‏"‏‏.(22)
5/893 وروينا في سنن أبي داود والترمذي،عن عائشة رضي اللّه عنها قالتْ‏:‏قلتُللنبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ حسبُك من صفيّة كذا وكذا ـ قال بعضُ الرواة‏:‏ تعنيقصيرة ـ فقال‏:‏ ‏"‏لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِلَمَزَجَتْهُ‏"‏ قالت‏:‏ وحكيتُ له إنساناً فقال‏:‏ ‏"‏ما أُحِبُّ أني حَكَيْتُإنساناً وأنَّ لي كَذَا وكَذَا‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏(23)
قلتُ‏:‏ مزجته‏:‏ أي خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّةنتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئاً منالأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ‏{‏وَمَا يَنْطقُ عَنِ الهَوَىإنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏3‏]‏ نسألُ اللَّه الكريملطفه والعافية من كل مكروه‏.‏
6/894 وروينا في سنن أبي داود،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفارٌ مِنْ نُحاسٍيَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ‏:‏ مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ‏؟‏قال‏:‏ هَؤُلاءِ الَّذينَ يأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فيأعْرَاضِهِمْ‏"‏‏.‏(24)
7/895 وروينا فيه،عن سعيد بن زيد رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏إنَّ مِن أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِبِغَيْرِ حَقّ‏"‏‏.(25)
8/896 وروينا في كتاب الترمذي،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُوَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُوَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بِحسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُالمُسْلمَ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ ‏(26)
قلتُ‏:‏ ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده، وباللّه التوفيق‏.‏
بابُ بيانِ مُهِمَّاتٍ تتعلّقُ بحدِّالغِيبَة
قد ذكرنا في الباب السابق أن الغيبة‏:‏ ذكرك الإنِسان بما يكره،سواء ذكرته بلفظك أو في كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك‏.‏وضابطُه‏:‏ كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة، ومن ذلك المحاكاة بأنيمشي متعارجاً أو مُطَأْطِئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية هيئة منيَتَنَقَّصُهُ بذلك، فكلُّ ذلك حرام بلا خلاف، ومن ذلك إذا ذَكرَ مُصنفُ كتاب شخصاًبعينه في كتابه قائلاً‏:‏ قال فلان كذا مريداً تنقيصه(27)‏ والشناعةَ عليه، فهو حرام، فإن أرادَ بيانَغلطه لئلا يُقلَّدَ أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترّ به ويُقبل قوله، فهذا ليسغيبة، بل نصيحة واجبة يُثاب عليها إذا أراد ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره‏:‏قال قوم أو جماعة كذا، وهذا غلط أو خطأ أو جَهالة وغفلة، ونحو ذلك فليس غيبة، إنماالغيبة ذكر الإِنسان بعينه أو جماعة معينين‏.‏
ومن الغيبة المحرّمة قولك‏:‏ فعل كذا بعضُ الناس أو بعض الفقهاء، أوبعضُ من يَدّعي العلم، أو بعضُ المفتين، أو بعض مَن يُنسب إلى الصلاح أو يَدّعيالزهدَ، أو بعض مَن مرّ بنا اليوم، أو بعضَ مَن رأيناه، أو نحو ذلك إذا كان المخاطبيفهمه بعينه؛ لحصول التفهيم‏.‏
ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضاًيفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم‏:‏ كيف حال فلان‏؟‏ فيقول‏:‏ اللّهيُصلحنا، اللّه يغفر لنا، اللّه يُصلحه، نسأل اللّه العافية، نحمدُ اللّه الذي لميبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ باللّه من الشرّ، اللّه يُعافينا من قلّة الحياء،اللّه يتوبُ علينا وما أشبه ذلك مما يُفهم منه تنقُّصه، فكل ذلك غيبة محرّمة، وكذلكإذا قال‏:‏ فلان يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو ماله حيلة في هذا، كلُّنانفعلُه، وهذه أمثلة وإلا فضابط الغيبة‏:‏ تفهيمك المخاطب نقص إنسان كما سبق، وكلُّهذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا عن صحيح مسلم وغيرهفي حدّ الغيبة، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏اعلم أن الغيبة كما يحرمعلى المغتاب ذكرها، يحرم على السامع استماعها وإقرارها فيجب على من سمع إنساناًيبتدىء بغيبة محرّمة أن ينهاه إن لم يَخَفْ ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليهالإِنكارُ بقلبه ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإِنكاربلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانهأسكتْ وهو يشتهي بقلبه استمرارُه، فقال أبو حامد الغزالي‏:‏ ذلك نفاقٌ لا يخرجُه عنالإِثم، ولا بدّ من كراهته بقلبه، ومتى اضطرّ إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيهالغيبة وعجز عن الإِنكار أو أنكر فلم يُقبل منه ولم يُمكنه المفارقة بطريق حرم عليهالاستماع والإِصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكرَ اللّه تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه،أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرّه بعد ذلك السماع من غير استماعوإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرّون فيالغيبة ونحوها وجب عليه المفارقة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رأيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فأعْرِضْ عَنْهُمْ حتَّى يخوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏68‏]‏‏.‏
وروينا عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه؛ أنه دُعي إلى وليمة،فحضرَ، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا‏:‏ إنه ثقيل، فقال إبراهيم‏:‏ أنا فعلتُ هذابنفسي حيثُ حضرتُ موضعاً يُغتاب فيه الناس، فخرج ولم يأكلْ ثلاثة أيام‏.‏ ومماأنشدوه في هذا‏:‏
وَسَمْعَكَصُنْ عن سماعِ القبيحِ * كصَوْنِ اللسانِ عن النُّطْقِ بِهْ
فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ * شريكٌ لقائِلِهفانتبِهْ
بابُ بَيانِ ما يَدْفَعُ به الغيبةَ عننفسِه
اعلم أن هذا الباب له أدلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، ولكني أقتصرُمنه على الإِشارة إلى أحرف، فمن كان موفَّقاً انزجرَ بها، ومن لم يكن كذلك فلاينزجر بمجلدات‏.‏
وعمدة الباب أن يعرضَ على نفسه ما ذكرناه من النصوص في تحريمالغيبة، ثم يفكر في قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏18‏]‏ وقوله تعالى‏:‏‏{‏وَتَحْسَبُونَهُهَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏15‏]‏ وماذكرناه من الحديث الصحيح ‏"‏إنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِاللَّه تعالى ما يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ‏"(28)‏ وغير ذلك مما قدّمناه في باب حفظ اللسانوباب الغيبة، ويضمّ إلى ذلك قولهم‏:‏ اللّه معي، اللّه شاهدي، اللّه ناظر إليّ‏.‏
وعن الحسن البصري رحمه اللّه أن رجلاً قال له‏:‏ إنك تغتابني،فقال‏:‏ ما بلغَ قدرُك عندي أن أحكِّمَكَ في حسناتي‏.‏
وروينا عن ابن المبارك رحمه اللّه قال‏:‏ لو كنتُ مُغتاباً أحداًلاغتبتُ والديّ لأنهما أحقُّ بحسناتي‏.‏
بابُ بَيانِ ما يُبَاحُ مِنالغِيبَة
اعلم أنَّ الغيبةَ وإن كانت محرّمة فإنها تُباح في أحوال للمصلحة،والمُجوِّزُ لهَا غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصولُ إليه إلا بها، وهو أحد ستةأسباب‏:‏
الأوّل‏:‏ التظلم، فيجوز للمظلومأن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممّن له ولاية أو له قدرة على إنصافه منظالمه فيذكرُ أن فلاناً ظلمني وفعل بي كذا وأخذ لي كذا، ونحو ذلك‏.‏
الثاني‏:‏ الاستعانة على تغييرالمنكروردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالةالمنكر‏:‏ فلان يعملُ كذا فازجرْه عنه ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوسل إلى إزالةالمنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً‏.‏
الثالث‏:‏ الاستفتاء، بأنيقولَ للمفتي‏:‏ ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا، فهل له ذلك أم لا‏؟‏ وما طريقي فيالخلاص منه وتحصيل حقّي ودفع الظلم عني‏؟‏ ونحو ذلك‏.‏
وكذلك قوله‏:‏ زوجتي تفعلُ معي كذا، أو زوجي يفعلُ كذا ونحو ذلك،فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول‏:‏ ما تقولُ في رجل كان من أمره كذا، أو فيزوج أو زوجة تفعلُ كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلكفالتعيين جائز لحديث هند الذي سنذكره إن شاء اللّه تعالى وقولُها‏:‏ يا رسولاللّه‏!‏ إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيح‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏ ولم ينهها رسولُ اللّه صلى اللّهعليه وسلم‏.‏
الرابع‏:‏ تحذير المسلمين من الشرّونصيحتهم، وذلك من وجوه‏:‏
منها جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماعالمسلمين، بل واجب للحاجة‏.‏
ومنها ما استشارك إنسان في مصاهرته أو مشاركته أو إيداعه أوالإِيداع عنده أو معاملته بغير ذلك وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهةالنصيحة، فإن حصل الغرض بمجرّد قولك لا تصلحُ لك معاملتُه أو مصاهرُته أو لا تفعلْهذا أو نحو ذلك لم تجز الزيادةُ بذكر المساوىء، وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريحبعينه فاذكره بصريحه‏.‏ ومنها إذا رأيتَ مَن يشتري عبداً معروفاً بالسرقة أو الزناأو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختصّبذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيباً وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه‏.‏
ومنها إذا رأيت متفقهاً يتردَّدُ إلى مبتدعٍ أو فاسقٍ يأخذ عنهالعلم خِفْتَ أن يتضرَّرَ المتفقّه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويُشترط أنيقصدَ النصيحةَ، وهذا مما يُغلَطُ فيه، وقد يَحملُ المُتكلمَ بذلك الحسدُ، أويُلَبِّسُ الشيطانُ عليه ذلك، ويُخيَّلُ إليه أنه نصيحةٌ وشفقةٌ، فليتفطَّنْلذلك‏.‏
ومنها أن لا يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكونصالحاً لها،وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليهولاية عامة ليزيلَه ويُولِّي من يَصلحُ، أو يعلم ذلك منه لتعامله بمقتضة حاله ولايغترّ به، وأن يسعى في أن يحثَّه على الاستقامة أو يستبدل به‏.‏
الخامس‏:‏ أن يكون مُجاهراً بفسقه أوبدعتهكالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة الناس وأخذ المُكس، وجبايةالأموال ظلماً، وتولّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به ويحرم ذكره بغيرهمن العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه‏.‏
السادس‏:‏ التعريف، فإذا كانالإِنسان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والأصمّ والأعمى والأحول والأفطس وغيرهم،جاز تعريفه بذلك بنيّة التعريف، ويحرمُ إطلاقُه على جهة النقص، ولو أمكن التعريفبغيره كان أولى‏.‏ فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تُباح بها الغيبة على ماذكرناه‏.‏
وممّن نصّ عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء وآخرونمن العلماء، ودلائلُها ظاهرة من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثرُ هذه الأسبابمجمع على جواز الغيبة بها‏.‏
1/897 روينا في صحيحي البخاريومسلم،عن عائشة رضي اللّه عنها؛ أن رجلاً استأذنَ علىالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أخُوالعَشيرَةِ‏"‏احتجّ به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهلالرِّيَبِ‏.‏(29)
2/898 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏قسمَ رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار‏:‏ واللّه ما أرادَ محمدٌ بهذا وجهَاللّه تعالى، فأتيتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرتُه، فتغيَّرَ وجهُهوقال‏:‏ ‏"‏رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ‏"‏وفي بعض رواياته‏:‏ قال ابن مسعود‏:‏ فقلتُ لا أرفعُ إليه بعد هذاحديثاً‏.(30)
قلتُ‏:‏ احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاه بما يُقال فيه‏.‏
3/899 وروينا في صحيح البخاري،عن عائشةَ رضي اللّه عنها قالت‏:‏قال رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا أظُنُّ فُلاناً وَفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِناشَيْئاً‏"‏‏.‏(31)
قال الليث بن سعد ـ أحد الرواة ـ‏:‏ كانا رجلين من المنافقين‏.‏
4/900 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن زيد بن أرقمَ رضي اللّهعنه قال‏:‏خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفرفأصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُاللّه بن أُبيّ‏:‏ لا تُنفقوا على مَن عند رسول اللّه حتى يَنْفَضُّوا من حوله،وقال‏:‏ لئن رجعنَا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيتُ النبيَّصلى اللّه عليه وسلم فأخبرتُه بذلك، فأرسلَ إلى عبد اللّه بن أُبيّ‏.‏ وذكر الحديث،وأنزل اللّه تعالى تصديقه‏:‏ ‏{‏إذَا جَاءَكَ المُنافِقونَ‏}‏[‏المنافقون‏:‏1‏]‏‏.‏ ‏(32)
وفي الصحيح حديثهند ‏(33)امرأة أبي سفيان وقولها للنبي صلى اللّهعليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن أبا سفيان رجل شحيح‏"‏ إلى آخره‏.
وحديث فاطمة بنت قيس(34) وقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لها‏:‏ ‏"‏أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ،وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ‏"‏‏.
بابُ أمرِ منْ سَمعَ غيبةَ شيخِهِ أو صاحبهِأو غيرِهما
اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإنلم ينزجرْ بالكلام زجرَه بيده، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَالمجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كانَ من أهل الفضلوالصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناه أكثر‏.‏
1/901 روينا في كتاب الترمذي،عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِالنَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ ‏(35)
2/902 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،في حديث عِتبان بكسر العين على المشهور، وحُكِي بضمِّهارضي اللّه عنه في حديثه الطويل المشهور قال‏:‏قام النبيّ صلى اللّه عليه وسلميُصلِّي، فقالوا‏:‏ أين مالك بن الدُّخْشُم‏؟‏ فقال رجل‏:‏ ذلك منافق لا يُحِبّاللَّهَ ورسولَه، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُلْ ذلكَ، ألاتَرَاهُ قَدْ قالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذلكَ وَجْهَاللَّهِ‏؟‏‏"‏‏.‏‏(36)
3/903 وروينا في صحيح مسلم،عن الحسن البصري رحمه اللّه‏:‏أن عائذ بن عمرو وكان منأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخلَ على عُبيد اللّه بن زياد فقال‏:‏‏"‏ أيبنيّ إني سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إنَّ شَرَّ الرِّعَاءالحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال له‏:‏ اجلسْ، فإنما أنتَ مننُخالة أصحابِ محمَّدٍ صلى اللّه عليه وسلم، فقال‏:‏ وهل كانتْ لهم نخالةٌ‏؟‏‏!‏إنما كانت النُّخَالةُ بعدَهم وفي غيرِهم‏"‏‏.‏‏(37)
4/904 وروينا في صحيحيهما،عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه في حديثه الطويل في قصةتوبته قال‏:‏قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو جالسٌ في القوم بتبوك ‏"‏ما فَعَلَكَعْبُ بْنُ مالِكٍ‏؟‏‏"‏ فقال رجلٌ من بني سَلِمة‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ حبسَهبُرداهُ والنظرُ في عِطْفَيْه، فقال له مُعاذُ بن جبل رضي اللّه عنه‏:‏ بئسَ ماقلتَ، واللّه يا رسولَ اللّه‏!‏ ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكتَ رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏.(38)
قلت‏:‏ سَلِمة بكسر اللام؛ وعِطْفاه‏:‏ جانباه، وهو إشارة إلىإعجابه بنفسه‏.‏
5/905 ورويناه في سنن أبي داود،عن جابر بن عبد اللّه وأبي طلحة رضي اللّه عنهمقالا‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما مِن امْرىءٍ يَخْذُلُ امْرَأَمُسْلِماً في مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْعِرْضَهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، ومَا مِنْامْرىِءٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ،وَيُنْتَهَك فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إلا نَصَرَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبنُصْرَتَهُ‏"‏‏.‏(39)
6/906 وروينا فيه،عن معاذ بن أنس،عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنافِقٍ ـ أُراه قال ـ بَعَثَ اللَّهُ تَعالىمَلَكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ نارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَىمُسْلِماً بِشَيْءٍ يُريدُ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتَّىيَخْرُجَ مِمَّا قَالَ‏"‏‏.‏‏(40)
بابُ الغِيْبَةِ بالقَلْبِ
اعلم أن سوء الظنّ حرام مثل القول‏:‏ فكما يحرم أن تحدّث غيركبمساوىء إنسان، يحرم أن تحدّث نفسك بذلك وتسيء الظنّ به، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏12‏]‏‏.‏
1/907 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن رسولَ اللّه صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذِبُالحَدِيثِ‏"‏‏.(41)
والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرة، والمراد بذلك عقدُ القلب(42)‏ وحكمُهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطروحديث النفس إذا لم يستقرَّ ويستمرّ عليه صاحبُه فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنهلا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبتَفي الصحيحعن رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْبِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ أوْ تَعْمَلْ‏"‏(43) قال العلماء‏:‏ المراد به الخواطر التي لاتستقرّ‏.‏ قالوا‏:‏ وسواءٌ كان ذلك الخاطِرُ غِيبة أو كفراً أو غيرَه؛ فمن خطرَ لهالكفرُ مجرّد خَطَرٍ من غير تعمّدٍ لتحصيله، ثم صَرفه في الحال فليس بكافر ولا شيءعليه‏.‏
وقد قدّمنا في باب الوسوسة في الحديث الصحيح أنهم قالوا‏:‏ يا رسولَاللّه‏!‏ يجدُ أحدُنا ما يتعاظمُ أن يتكلَّمَ به، قال‏:‏‏"‏ذلكََ صَرِيحُالإِيمَانِ‏"(44)‏ ‏"‏ وغير ذلك مما ذكرناه هناك وما هو فيمعناه‏.‏
وسببُ العفو ما ذكرناه من تعذّرٍ اجتنابه، وإنما الممكن اجتنابالاستمرار عليه فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراماً‏.‏ ومهما عرضَ لك هذاالخاطرُ بالغيبة وغيرها من المعاصي وجبَ عليك دفعُه بالإِعراض عنه وذكر التأويلاتالصارفة له عن ظاهره‏.‏
قال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء ‏(45)‏:‏ إذا وقع في قلبك ظنّ السوء فهو من وسوسةالشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تُكذِّبه فإنه أفسقُ الفسّاق، وقد قال اللّهتعالى‏:‏‏{‏إنْجاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏6‏]‏ فلايجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمل خلافه، لم تجز إساءةالظنّ؛ ومن علامة إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معه عمّا كان عليه، فتنفرُ منهوتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيّئته، فإنَّ الشيطانَ قد يقرِّبُإلى القلب بأدنى خيالٍ مساوىءَ الناس، ويُلقي إليه أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعةتنبّهك، وإن المؤمن ينظر بنور اللّه تعالى، وإنما هو على التحقيق ناطقٌ بغرورالشيطان وظلمته، وإن أخبرَكَ عدلٌ بذلك فلا تُصدِّقه ولا تُكذِّبه لئلا تُسيءَالظنّ بأحدهما؛ ومهما خطرَ لك سوءٌ في مسلمٍ فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلكيُغيظُ الشيطانَ ويدفعُه عنك فلا يُلقي إليك مثلَه خِيفةً من اشتغالك بالدعاء له،ومهما عرفتَ هفوةَ مسلم بحجّةٍ لا شكّ فيها فانصحْه في السرّ ولا يخدعنَّك الشيطانُفيدعوك إلى اغتيابِه، وإذا وعظتَهُ فلا تعِظْه وأنت مسرورٌ باطّلاعِك على نقصِهفينظرُ إليك بعين التعظيم وتنظرُ إليه بالاستصغار، ولكن اقصدْ تخليصَه من الإِثموأنت حزينٌ كما تحزنُ على نفسك إذا دخلَك نقصٌ، وينبغي أن يكون تركُه لذلك النقصبغير وعظك أحبّ إليك من تركه بوعظك‏.‏ هذا كلام الغزالي‏.‏
قلت‏:‏ قد ذكرنا أنه يجبُ عليه إذا عرضَ له خاطرٌ بسوء الظن أنيقطعَه، وهذا إذا لم تدعُ إلى الفكر في ذلك مصلحةٌ شرعية، فإذا دعتْ جازَ الفكرُ فينقيصته والتنقيب عنها كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في باب مايُباح من الغيبة‏.‏
بابُ كَفَّارةِ الغيْبةِ والتَّوْبَةِمنها
اعلم أن كلّ من ارتكب معصيةً لزمه المبادرةُ إلى التوبة منها،والتوبةُ من حقوق اللّه تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء‏:‏ أن يُقلع عن المعصية فيالحال، وأن يندمَ على فعلها، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها‏.‏
والتوبةُ من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع‏:‏ وهوردّ الظلامة إلى صاحبها، أو طلب عفوه عنها والإِبراء منها؛ فيجبُ على المغتابالتوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حقّ آدمي، ولا بدّ من استحلاله مَناغتابَه، وهل يكفيه أن يقول‏:‏ قد اغتبتُك فاجعلني في حلّ، أم لا بُدَّ أن يبيّنَما اغتابه به‏؟‏ فيه وجهان لأصحاب الشافعي رحمهم اللّه‏:‏ أحدهما يُشترط بيانُه،فإن أبرأه من غير بيانه لم يصحّ؛ كما لو أبرأه عن مال مجهول‏.‏ والثاني لا يُشترط،لأن هذا مما يُتسامحُ فيه فلا يُشترط علمه بخلاف المال‏.‏ والأوّل أظهرُ، لأنالإِنسانََ قد يسمحُ بالعفو عن غيبة دونَ غِيبة؛ فإن كان صاحبُ الغيبةِ ميّتاً أوغائباً فقد تعذّرَ تحصيلُ البراءة منها؛ لكن قال العلماء‏:‏ ينبغي أن يُكثرَالاستغفار له والدعاء ويُكثر من الحسنات‏.‏
واعلم أنه يُستحبّ لصاحب الغِيبة أن يبرئه منها ولا يجبُ عليه ذلكلأنه تبرّعٌ وإسقاطُ حقّ، فكان إلى خِيرته، ولكن يُستحبّ له استحباباً متأكداًالإِبراء، ليخلِّصَ أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هو بعظيم ثواب اللّهتعالى في العفو ومحبة اللّه سبحانه وتعالى، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَالكاظِمِينَ الغَيْظَوَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهِ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏آلعمران‏:‏ 134‏]‏ وطريقهُ في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّرَ نفسَه أن هذا الأمر قدوقعَ، ولا سبيلَ إلى رفعه فلا ينبغي أن أُفوِّتَ ثوابَه وخلاصَ أخي المسلم، وقد قالاللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِن ذلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏43‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏خُذِالعَفْوَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏199‏]‏‏.‏ والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة‏.‏
وفي الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏وَاللَّهُ في عَوْنِالعَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخيهِ‏"‏(46)‏ ‏.‏ وقد قال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ مناسْتُرضي فلم يرضَ فهو شيطان‏.‏ وقد أنشد المتقدّمونَ(47)‏ ‏:‏
قيلَ لي قدأساءَ إليك فلانٌ * ومُقام الفَتَى على الذُّلِّ عَارُ
قلتُ قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْراً * دِيةُ الذنبِ عِندنَاالاعْتذَارُ
فهذا الذي ذكرناهُ من الحثَ على الإِبراء عن الغيبة هو الصواب‏.‏وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ لا أُحَلِّلُ مَن ظلمني، وعن ابنسيرين‏:‏ لم أُحرّمها عليه فأُحلِّلُهَا له، لأن اللّه تعالى حرّم الغيبةَ عليه،وما كنتُ لأُحَلِّلَ ما حرّمه اللّه تعالى أبداً‏.‏ فهو ضعيفٌ أو غلطٌ، فإنالمُبرىءَ لا يحلِّلُ محرّماً، وإنما يُسقط حقاً ثبتَ له، وقد تظاهرت نصوصُ الكتابوالسنّة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصّة بالمسقِط‏.‏ أو يُحمل كلامُ ابنسيرين على أني لا أُبيح غيبتي أبداً، وهذا صحيح، فإن الإِنسانَ لو قال‏:‏ أبحتُعرضي لمن اغتابني لم يَصرْ مباحاً، بل يَحرمُ على كل أحد غِيبتُه كما يَحرم غيبةغيره‏.‏
وأما الحديث‏:‏ ‏"‏أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ كأبي ضَمْضَمٍ، كانَإذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي علىالنَّاسِ‏"‏(48) فمعناه‏:‏ لا أطلبُ مَظلمتي ممّن ظلمني لافي الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مَظلمة كانت موجودة قبل الإِبراء‏.‏فأما يحدثُ بعدَه فلا بدّ من إبراء جديد بعدَها، وباللّه التوفيق‏.‏
بابٌ في النميمة
قد ذكرنا تحريمها ودلائلَها وما جاء في الوعيد عليها وذكرنَا بيانَحقيقتها ولكنه مختصرٌ، ونزيدُ الآن في شرحه‏.‏ قال الإِمام أبو حامد الغزالي رحمهاللّه‏:‏ النميمةُ إنما تُطلق في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه،كقوله‏:‏ فلان يقولُ فيك كذا، وليست النميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشف ما يكرهكشفُه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشفُ بالقولأو الكتابة أو الرمز أو الإِيماء أو نحوها، وسواء كان المنقولُ من الأقوال أوالأعمال، وسواء كان عيباً أو غيره، فَحَقِيْقَةُ النميمة إفشاءُ السرّ وهتكُ السترعمّا يُكره كشفُه، وينبغي للإِنسان أن يسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوال الناس إلا مافي حكايته فائدةٌ لمسلم أو دفعُ معصية، وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسه فذكره فهونميمة‏.‏ قال‏:‏وكلُّ مَنْ حُمِلت إليه نميمة وقيل له‏:‏ قالفيك فلان كذا، لزمه ستة أمور‏:
الأول‏:‏ أن لا يصدقه، لأنالنَّمامَ فاسقٌ وهو مردود الخبر‏.‏
الثاني‏:‏ أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبّحفعله‏.
الثالث‏:‏ أن يبغضَه في اللّهتعالىفإنه بغيض عند اللّه تعالى، والبغضُ في اللّه تعالى واجب‏.‏
الرابع‏:‏ أن لا يظنّ بالمنقول عنهالسوءلقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظنّ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏12‏]‏‏.‏
الخامس‏:‏ أن لا يحملَك ما حُكي لك علىالتجسسوالبحث عن تحقيق ذلك، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏ولاتَجَسَّسُوا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏12‏)‏‏.‏
السادس‏:‏ أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَعنهفلا يحكي نميمته‏.‏
وقد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز رضي اللّه عنه رجلاًبشيء، فقال عمر‏:‏ إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذباً فأنتَ من أهل هذهالآية‏:‏‏{‏إنْجاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏6‏]‏ وإن كنتَصادقاً فأنتَ من أهل هذه الآية‏:‏‏{‏هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏11‏]‏وإن شئتَ عفونا عنك، قال‏:‏ العفو يا أميرَ المؤمنين‏!‏ لا أعودُ إليه أبداً‏.‏
ورفع إنسانٌ رُقعةً إلى الصاحب بن عبّاد يحثُّه فيها على أخذ ماليتيم، وكان مالاً كثيراً، فكتبَ على ظهرها‏:‏ النميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً،والميّتُ رحمه اللّه، واليتيمُ جبرَه اللّه، والمالُ ثَمَّرَهُ اللّه، والساعي لعنهاللّه‏.‏
بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى وُلاةِالأُمور إذا لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مَفْسدةٍ ونحوِهَا
1/908 روينا في كتابي أبي داود والترمذي،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه،قال‏:‏قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يُبَلِّغْني أحَدٌ منْأصْحابِي عَنْ أحَدٍ شَيْئاً، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُالصَّدْرِ‏"‏‏.‏‏(49)
بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِالثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَلاَ تَقْفُ ما لَيْسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ ‏[‏الإِسراء‏:‏36‏]‏‏.‏
1/909 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم؛ ‏"‏اثْنَتانِ في النَّاسِ هُمَا بِهمْ كُفْرٌ‏:‏ الطَّعْنُ فيالنَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على المَيِّت‏"‏‏.‏‏(50)
بابُ النّهي عن الافْتِخَار
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِاتَّقَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏32‏]‏
1/910 وروينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود وغيرهما،عن عياض بن حِمار الصحابي رضي اللّه عنهقال‏:‏قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحَى إليَّأنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحَدٌ على أحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحَدٌ علىأحَدٍ‏"‏‏.‏‏(1)
بابُ النهي عن إظهار الشماتةبالمسلم
1/911 روينا في كتاب الترمذي،عن واثلةَ بن الأسقع رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ فَيَرْحَمُهُ اللَّهُوَيَبْتَلِيكَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(2)
بابُ تَحريمِ احْتِقار المسلمينَ والسُّخْرِيةِمنهم
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذينَ لا يَجدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏79‏]‏ وقالتعالى‏:‏‏{‏ياأيُّها الَّذين آمَنُوا لا يَسخَرُ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ وَلا تَابَزُوا بالألْقابِ‏}‏ الآية‏[‏الحجرات‏:‏11‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ‏}‏‏[‏الهمزة‏:‏1‏]‏‏.‏
وأما الأحاديث الصحيحةُ في هذا الباب فأكثرُ من أن تُحصر، وإجماعُالأمة منعقدٌ على تحريم ذلك، واللّه أعلم‏.‏
1/912 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَ لاَتَدَابَرُوا، وَ لا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِإخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلايَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ـ ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات ـ بِحَسْبِ امْرىءٍمِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِحَرَامٌ‏:‏ دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ‏"‏‏.‏(3)
قلتُ‏:‏ ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده لمن تدبره‏.‏
2/913 وروينا في صحيح مسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ،فقال رجلٌ‏:‏ إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال‏:‏ إنَّاللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُالنَّاسِ‏"‏‏.(4)
قلتُ‏:‏ بَطر الحقّ بفتح الباء والطاء المهملة وهو دفعه وإبطاله،وغمطٌ بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم وآخره طاء مهملة، ويروى غمص بالصاد المهملةومعناهما واحد وهو الاحتقار‏.‏
بابُ غِلَظِ تحريمِ شَهادةِالزُّور
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ‏}‏‏[‏الحج‏:‏30‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ ‏[‏الإِسراء‏:‏36‏]‏‏.‏
1/914 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي بكرة نُفيع بن الحارث رضي اللّه عنه قال‏:‏
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ألا أُنَبِّئُكُمْبأكْبَرِ الكَبائرِ‏؟‏ ـ ثلاثاً ـ قلنا‏:‏ بلى يا رسول اللّه‏!‏ قال‏:‏ الإِشْرَاكُباللَّهِ، وَعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكان متكئاً فجلسَ فقال‏:‏ ألا وَقَوْلُ الزُّوروَشَهادَةُ الزُّورِ‏"‏ فما زال يُكرّرها حتى قلنا‏:‏ ليته سكت‏.‏(5)
قلت‏:‏ والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرته كفاية،والإِجماع منعقد عليه‏.‏
بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِونحوِها
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بالمَنِّ وَالأذَى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏264‏]‏قال المفسرون‏:‏ أي لا تُبطلوا ثوابَها‏.‏
1/915 ـ وروينا في صحيح مسلم،عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُإِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏"‏، قال‏:‏ فقرأها رسولُاللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثَ مَرَّاتٍ، قال أبو ذرّ‏:‏ خابُوا وخَسِروا مَن هميا رسولَ اللّه‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُبالْحَلِفِ الكاذِبِ‏"‏‏.‏(6)
بابُ النَّهي عن اللَّعْن
1/916 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ثابت بن الضحَّاك رضي اللّه عنه، وكان من أصحاب الشجرةقال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَعْنُ المُؤْمِنِكَقَتْلِهِ‏"‏‏.‏‏(7)
2/917 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَلَعَّاناً‏"‏‏.‏(8)
3/918 وروينا في صحيح مسلم أيضاً،عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَالقِيامَةِ‏"‏‏.‏‏(9)
4/919 وروينا في سنن أبي داود والترمذي،عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنهقال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِوَلا بِغَضَبِهِ وَلا بالنَّارِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏(10)
5/920 وروينا في كتاب الترمذي،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعّان وَلاالفاحِشِ وَلا البَذيء‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(11)
6/921 وروينا في سنن أبي داود،عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ العَبْد إذَا لَعَنَ شَيْئاً صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إلىالسَّماءِ فَتُغْلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِفَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِيناً وَشِمالاً، فإذَا لَمْتَجِدْ مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلاً لِذَلِكَ وَإِلاَّرَجَعَتْ إلى قائِلِها‏"‏‏.‏‏(12)
7/922 وروينا في كتابي أبي داود والترمذي،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما؛أنالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ بأهْلٍ رَجَعَتِاللَّعْنَة عَلَيْهِ‏"‏‏.‏‏(13)
8/923 وروينا في صحيح مسلم،عن عمران بن الحصين رضي اللّه عنهما قال‏:‏بينما رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فَضَجِرَتْفلعنتها، فسمعَها رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏خُذُوا ما عَلَيْهاوَدَعُوها فإنَّها مَلْعُونَةٌ‏"‏ قال عمران‏:‏ فكأني أراها الآن تمشي في الناس مايَعرض لها أحد‏.(14)
قلت‏:‏ اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيحإسلامه وصحبته، فلهذا قلت رضي اللّه عنهما‏.‏
9/924 وروينا في صحيح مسلم أيضاً،عن أبي برزة رضي اللّه عنه قال‏:‏بينما جاريةٌ على ناقةٍعليها بعضُ متاع القوم، إذ بصرتْ بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم وتضايقَ بهم الجبلُفقالت‏:‏ حَلْ اللَّهمّ العنها، فقالَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاتُصَاحِبُنا ناقَةٌ عَلَيْها لَعْنَةٌ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏لا تُصَاحِبُنا رَاحِلَةٌعَلَيْها لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى‏"‏‏.‏(15)
قلت‏:‏ حَلْ بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، وهي كلمة تزجر بهاالإِبل‏.‏
فصل‏:‏ في جواز لعن أصحاب المعاصيغير المعينين والمعروفين؛ ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَوَالمُسْتَوْصِلَةَ‏"(16)‏ الحديث، وأنه قال‏:‏‏"‏لَعَنَ اللَّهُ آكِلَالرّبا‏"(17)‏ الحديث، وأنه قال‏:‏‏"‏لَعَنَ اللَّهُالمُصَوِّرِينَ‏"‏ ‏(18)وأنه قال‏:‏ ‏"‏لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَالأرْضِ‏"(19)‏ وأنه قال‏"‏لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُالبَيْضَةَ(20)‏ وأنه قال‏:‏ ‏"‏لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَاللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ‏"‏(21)‏ وأنه قال‏"‏مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاًفَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِأجمَعِينَ‏"‏ ‏(22)وأنه قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَعَصَتِ اللّه وَرَسُولَهُ‏"‏(23)وهذه ثلاث قبائل من العرب، وأنه قال‏:‏‏"‏لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَحُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فجمَلُوها فَباعُوها‏"‏(24)‏ وأنه قال‏:‏‏"‏لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُواقُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ‏"‏(25)‏ وأنه ‏"‏لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساءبالرجال‏"(26)
وجميع هذه الألفاظ في صحيحي البخاري ومسلم بعضها فيهما وبعضها فيأحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار‏.‏
10/925 وروينا في صحيح مسلم،عن جابر‏:‏أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم رأى حِماراً قدوُسِمَ في وجهه فقال‏:‏ ‏"‏لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ‏"‏‏.‏‏(27)
11/926 وفيالصحيحين، أن ابن عمر رضي اللّه عنهما مرَّ بفتيان من قُريش قد نَصبوا طيراً وهميرمونه، فقال ابن عمر‏:‏ لعن اللّه من فعلَ هذا، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُغَرَضاً‏"‏‏.‏‏(28)
فصل‏:‏ اعلم أن لعن المسلم المصونحرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك‏:‏ لعن اللّهالظالمين، لعن اللّه الكافرين، لعن اللّه اليهود والنصارى، ولعن اللّه الفاسقين،لعن اللّه المصوّرين، ونحو ذلك مما تقدَّم في الفصل السابق‏.‏
وأما لعن الإِنسان بعينه ممّن اتَّصَفَ بشيءٍ من المعاصي؛ كيهودي أونصراني أو ظالم أو زانٍ أو مصوّرٍ أو سارقٍ أو آكلِ ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليسبحرام‏.‏ وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنه مات على الكفركأبي لهب وأبي جهل وفرعونَ وهامانَ وأشباههم، قال‏:‏ لأن اللعن هو الإِبعاد عن رحمةاللّه تعالى، وما ندري ما يُتم به لهذا الفاسق أو الكافر‏.‏ قال‏:‏ وأما الذينلعنَهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأعيانهم فيجوزُ أنه صلى اللّه عليه وسلمعَلِمَ موتَهم على الكفر‏.‏ قال‏:‏ ويقربُ من اللعن الدعاء على الإِنسان بالشرّ حتىالدعاء على الظالم؛ كقول الإِنسان‏:‏ لا أصحَّ اللّه جسمَه، ولا سلَّمه اللّه، وماجرى مجراه، وكلُّ ذلك مذمومٌ، وكذلك لعنُ جميع الحيوانات والجماد فكلُّه مذموم‏.‏
فصل‏:‏حكى أبو جعفرُ النحاس عنبعض العلماء أنه قال‏:‏ إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله‏:‏إلاّ أن يكون لا يستحقّ‏.‏
فصل‏:‏ويجوزُ للآمر بالمعروفوالناهي عن المنكر وكلّ مؤدِّب أن يقولَ لمن يخاطبه في ذلك الأمر‏:‏ ويلك، أو ياضعيفَ الحال‏!‏ أو يا قليلَ النظر لنفسه‏!‏ أو يا ظالمَ نفسه‏!‏ وما أشبه ذلك بحيثلا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظُ قذفٍ، صريحاً كان أو كنايةً أو تعريضاً،ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدَّمناه ويكون الغرضُ منه التأديب والزجر،وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس‏.‏
12/927 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أنس رضي اللّه عنه؛أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأىرجلاً يسوقُ بدنةً، فقال‏:‏ ‏"‏ارْكَبْها‏"‏، فقال‏:‏ إنها بدنة، قال‏:‏‏"‏ارْكَبْها‏"‏، قال‏:‏ إنها بدنة، قال في الثالثة‏:‏ ارْكَبْهاوَيْلَك‏"‏‏.‏
13/928 وروينا في صحيحيهما،عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال‏:‏بينا نحن عندرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يَقسم قَسْماً أتاه ذو الخويصرة، رجلٌ من بنيتميم، فقال‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ اعدل، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ‏"‏‏.‏‏(29)(‏ البخاري ‏(‏6163‏)‏ ،ومسلم ‏(‏1064‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏6163‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1064‏)‏"(‏ البخاري ‏(‏6163‏)‏، ومسلم ‏(‏1064‏)‏
14/929 وروينا في صحيح مسلم،عن عديّ بن حاتم رضي اللّه عنه‏:‏أن رجلاً خطبَ عندَ رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ مَنْ يُطع اللّه ورسولَه فقد رشدَ، ومَنْيعصهِمَا فقد غوى، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بِئْسَ الخَطِيبُأنْتَ، قُلْ‏:‏ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏"‏‏.‏(30)
15/930 وروينا في صحيح مسلم، أيضاً،عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما‏:‏أن عبداً لحاطبرضي اللّه عنه جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشكو حاطباً فقال‏:‏ يا رسولَاللّه‏!‏ ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراًوَالحُدَيْبِيَةَ‏"‏‏.(31)
16/931 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،قولَ أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهلابنه عبد الرحمن حين لم يجده عشَّى أضيافه‏:‏ يا غنثر، وقد تقدمبيان هذا الحديث في كتاب الأسماء‏.‏(32)
17/932 وروينا في صحيحيهما‏:‏ أن جابراً صلَّى في ثوب واحدوثيابه موضوعة عنده، فقيل له‏:‏ فعلتَ هذا‏؟‏ فقال‏:‏ فعلته ليراني الجهّالُمثلكُم، وفي رواية‏:‏ ليراني أحمق مثلك‏.
(33)
بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِوالضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُمعهم
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وأمَّا السَّائلَ فَلا تَنْهَرْ‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 9ـ10‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏[‏الأنعام‏:‏52‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْبالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 28‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاخْفِضْ جَناحَكَ للِمُؤْمِنِينَ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏88‏]‏‏.‏
1/933 وروينا في صحيح مسلم،عن عائذ بن عمرو بالذال المعجمة الصحابي رضي اللّه عنه؛أنأبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا‏:‏ ما أخذتْ سيوفُ اللّه منعنق عدوّ اللّه مأخذها، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه‏:‏ أتقولون هذا لشيخ قريشوسيدِهم، فأتى النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فأخبره، فقال‏:‏ ‏"‏يا أبا بَكْرٍ‏!‏لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ‏؟‏ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَرَبَّكَ‏"‏ فأتاهم فقال‏:‏ يا إخوتاه‏!‏ أغضبتُكم‏؟‏ فقالوا‏:‏لا‏.‏ ‏(34)
قلت‏:‏ قوله مأخذَها، بفتح الخاء‏:‏ أي لم تستوفِ حقها من عنقه لسوءفعاله‏.‏
بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُاستعمالُها
1/934 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن سهل بن حُنيف، وعن عائشة رضي اللّه عنهما،
عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْخَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي‏"‏‏.‏‏(35)
2/935 وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح،عن عائشة رضي اللّه عنها،عن النبيّصلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْلِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي‏"‏ ‏(36)‏قال العلماء‏:‏ معنى لَقِسَتْ وجاشت‏:‏ غثت؛قالوا‏:‏ وإنما كُرِه خبثت للفظ الخبث والخبث‏.‏
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي‏:‏ لقست وخبثت معناهما واحد، وإنماكُره خبث للفظ الخبث وبشاعة الاسم منه، وعلَّمهم الأدب في استعمال الحسن منه وهجرانالقبيح، وجاشت بالجيم والشين المعجمة، ولقست بفتح اللام وكسر القاف‏.‏
فصل‏:‏
3/936 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يَقُولُونَ الكَرْمَ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ‏"‏وفي رواية لمسلم ‏"‏لا تُسَمُّوا العِنَب الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ‏"‏وفي رواية ‏"‏فإنَّ الكَرْمَ قَلْب المُؤْمِنِ‏"‏‏.‏‏(37)
4/937 وروينا في صحيح مسلم،عن وائلَ بن حِجر رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تَقُولُوا الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا العِنَبَوالحَبَلَةَ‏"‏‏.‏(38)
قلت‏:‏ الحَبَلة بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضاً بإسكان الباء قالهالجوهري وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنب كرماً، وكانتالجاهليةُ تسمّيه كرماً، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ صلى اللّهعليه وسلم عن هذه التسمية، قال الإِمام الخطابي وغيره من العلماء‏:‏ أشفق النبيُّصلى اللّه عليه وسلم أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمر المتخذة من ثمرها فسلبَهاهذا الاسم، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏
5/938 روينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا قالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَأهْلَكُهُمْ‏"‏‏.‏‏(39)
قلت‏:‏ روي أهلكُهم برفع الكاف وفتحها، والمشهور الرفع، ويُؤيِّدهأنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء في ترجمة سفيان الثوري ‏"‏فَهُوَ مِنْأهْلَكِهمْ‏"‏ قال الإِمام الحافظ أبو عبد اللّه الحميدي في الجمع بين الصحيحين فيالرواية الأولى، قال بعض الرواة‏:‏ لا أدري هو بالنصب أم بالرفع‏؟‏ قال الحميدي‏:‏والأشهر الرفع‏:‏ أي أشدُّهم هلاكاً، قال‏:‏ وذلك إذا قال على سبيل الإزراء عليهموالاحتقار لهم وتفضيل نفسه عليهم، لأنه لا يدري سرّ اللّه تعالى في خلقه، هكذا كانبعضُ علمائنا يقولُ، هذا كلام الحميدي‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ معناه‏:‏ لا يزالُ يعيبُالناسَ ويذكرُ مساويهم ويقول‏:‏ فسدَ النَّاسُ وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهوأهلكُهم‏:‏ أي أسوأ حالاً فيما يَلحقُه من الإِثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربماأدّاه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أن له فضلاً عليهم، وأنه خير منهم فيهلك، هذاكلام الخطابي فيما رويناه عنه في كتابه ‏"‏معالم السنن‏"‏‏.‏
6/939 وروينا في سنن أبي داود رضي اللّه عنهقال‏:‏ حدّثنا القعنبي، عن مالك، عنسهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر هذا الحديث، ثم قال‏:‏قال مالكٌ‏:‏إذا قال ذلك تحزناً لما يرى في الناس قال‏:‏ يعني من أمر دينهم فلا أرى به بأساً،وإذا قال ذلك عجباً بنفسه وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي يُنهىعنه‏.‏ ‏(40)
قلتُ‏:‏ فهذا تفسير بإسناد في نهاية من الصحة وهو أحسن ما قيل فيمعناه وأوجز، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالك رضي اللّه عنه‏.‏
فصل‏:‏
7/940 روينا في سنن أبي داود، بالإِسناد الصحيح،عن حذيفةَ رضي اللّه عنه،عن النبيّصلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تَقُولُوا ما شاءَ اللَّهُ وَشاءَ فُلانٌ،وَلَكِنْ قولُوا ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ما شَاءَ فُلانٌ‏"‏‏.(41)
قال الخطابي وغيره‏:‏ هذا إرشادٌ إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمعوالتشريك، وثم للعطف مع الترتيب والتراخي، فأرشدَهم صلى اللّه عليه وسلم إلى تقديممشيئة اللّه تعالى على مشيئة مَن سواه‏.‏ وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكرهُ أنيقول الرجل‏:‏ أعوذ باللّه وبك؛ ويجوز أن يقول‏:‏ أعوذ باللّه ثم بك؛ قالوا‏:‏ويقول‏:‏ لولا اللّه ثم فلان لفعلت كذا، ولا تقل‏:‏ لولا اللّه وفلان‏.‏
فصل‏:‏ ويُكره أن يقول‏:‏ مُطرنا بنوْءِكذا، فإن قاله معتقداً أن الكوكب هو الفاعل فهو كفر، وإن قالهمعتقداً أن اللّه تعالى هو الفاعل وأن النوْءَ المذكور علامة لنزول المطر لم يكفر،ولكنه ارتكب مكروهاً لتلفظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعملُه، مع أنه مشتركٌبين إرادة الكفر وغيره، وقد قدَّمنا الحديث الصحيح المتعلق بهذا الفصل في باب مايقول عند نزول المطر‏.‏
فصل‏:‏ يحرمُ أن يقولَ إن فعلتُ كذا فأنايهوديّ أو نصراني، أو بريءٌ من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأرادَحقيقة تعليق خروجه عن الإِسلام بذلك صارَ كافراً في الحال وجرتْ عليه أحكامُالمرتدّين، وإن لم يُردْ ذلك لم يكفرْ، لكن ارتكبَ محرّماً، فيجبُ عليه التوبة، وهيأن يُقلعَ في الحال عن معصيته ويندمَ على ما فعل ويَعْزِمَ على أن لا يعودَ إليهأبداً ويستغفر اللّه تعالى ويقول‏:‏ لا إله إلاَّ اللّه محمدٌ رسولُ اللّه‏.‏
فصل‏:‏ يحرم عليه تحريماً مغلّظاً أن يقولَلمسلم‏:‏ يا كافر‏!
8/941 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا قالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ‏:‏ يا كافِرٌ‏!‏ فَقَدْ باءَبِها أحَدُهُما، فإن كانَ كما قال وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ‏"‏‏.‏
9/942 وروينا في صحيحيهما،عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏مَنْ دَعا رَجُلاً بالكُفْرِ أوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّه ـوَلَيْسَ كَذَلِكَ ـ إلاَّ حارَ عَلَيْهِ‏"‏ وهذا لفظ رواية مسلم،ولفظ البخاري بمعناه، ومعنى حارَ‏:‏ رجع‏.‏(42)
فصل‏:‏لو دعا مسلم على مسلمفقال‏:‏ اللَّهمّ اسلبه الإِيمانَ عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء‏؟‏فيه وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتاوى أصحُّهما لايكفر، وقد يُحتجّ لهذا بقول اللّه تعالى إخباراً عن موسى صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏{‏رَبَّنا اطْمِسْعلى أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا‏}‏ الآية‏[‏يونس‏:‏ 88‏]‏، وفي هذا الاستدلال نظر، وإن قلنا إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌلنا‏.‏
فصل‏:‏ لو أكرهَ الكفّار مسلماً على كلمةالكفرفقالها وقلبه مطمئنّ بالإِيمان لم يكفر بنصّ القرآن ‏(‏قالتعالى‏:‏‏{‏إِلاّ مَن أُكره وقلبه مطمئن بالإِيمان‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏106‏]‏‏)‏ وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصونَ نفسَهُ منالقتل‏؟‏ فيه خمسةُ أوجه لأصحابنا، الصحيحُ أن الأفضلَ أن يصبرَ للقتل ولا يتكلّمبالكفر، ودلائلُه من الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة رضي اللّه عنهم مشهورة، والثانيالأفضلُ أن يتكلَّمَ ليصونَ نفسَه من القتل‏.‏ والثالث إن كان في بقائه مصلحةٌللمسلمين بأن كان يرجو النكايةَ في العدوّ أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضلُ أنيتكلَّم بها، وإن لم يكن كذلك فالصبرُ على القتل أفضل‏.‏ والرابع إن كان من العلماءونحوهم ممّن يُقتدى بهم فالأفضلُ الصبر لئلا يغترّ به العوامّ‏.‏ والخامسُ أنه يجبُعليه التكلّم لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏195‏]‏ وهذا الوجه ضعيفجداً‏.‏
فصل‏:‏ لو أكره المسلمُ كافراً علىالإِسلامفنطقَ بالشهادتين، فإن كان الكافرُ حربياً صحّ إسلامه،لأنه إكراه بحقّ؛ وإن كان ذميّاً لم يصِرْ مسلماً لأنّا التزمنا الكفّ عنه،فإكراهُه بغير حق، وفيه قولٌ ضعيفٌ أنه يصيرُ مسلماً لأنه أمره بالحقّ‏.‏
فصل‏:‏ إذا نطقَ الكافرُ بالشهادتين بغيرإكراه، فإن كان على سبيل الحكاية بأن قال‏:‏ سمعتُ زيداً يقول‏:‏ لاإِله إِلاَّ اللّه محمدٌ رسولُ اللّه‏.‏ لم يُحكم بإسلامه، وإن نطقَ بهما بعداستدعاء مسلم بأن قال له مسلمٍ‏:‏ قل لا إِله إلاَّ اللّه محمدٌ رسولُ اللّه،فقالهما، صارَ مسلماً؛ وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً ولا باستدعاء، فالمذهبُالصحيحُ المشهورُ الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يصيرُ مسلماً، وقيل لا يصيرُ لاحتمالالحكاية‏.‏
فصل‏:‏ ينبغي أن لا يُقالللقائم بأمر المسلمين خليفة اللّه، بل يُقال الخليفة، وخليفةُ رسولِ اللّه صلىاللّه عليه وسلم وأميرُ المؤمنين‏.‏
روينا في شرح السنّة للإِمام أبي محمد البغوي رضي اللّه عنه قالرحمه اللّه‏:‏ لا بأسَ أن يُسمَّى القائم بأمر المسلمين أمير المؤمنين والخليفة،وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له‏.‏ قال‏:‏ويُسمَّى خليفة لأنه خلفَ الماضي قبلَه وقام مقامه‏.‏ قال‏:‏ ولا يُسمى أحدٌ خليفةاللّه تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏إني جاعِلٌ في الأرْضِخَلِيفَةً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏30‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏يا دَاوُدَ إنَّاجَعَلْناكَ خَلِيفةً في الأرْضِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏26‏]‏ وعن ابن أبي مُليكة أنرجلاً قال لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏:‏ يا خليفة اللّه‏!‏ فقال‏:‏ أنا خليفةمحمد صلى اللّه عليه وسلم، وأنا راضٍ بذلك‏.‏
وقال رجلٌ لعمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه‏:‏ يا خليفة اللّه‏!‏فقال‏:‏ ويلَك لقد تناولتَ تناولاً بعيداً، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذاالاسم قبلتُ، ثم كَبِرتُ فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتمونيأمورَكم فسمَّيتُوني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك‏.‏
وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعيفي كتابه ‏"‏الأحكام السلطانية‏"‏ أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه خلفَ رسولَاللّه صلى اللّه عليه وسلم في أُمته، قال‏:‏ فيجوز أن يُقال الخليفة على الإِطلاق،ويجوز خليفة رسول اللّه‏.‏
قال‏:‏ واختلفوا في جواز قولنا خليفة اللّه، فجوّزه بعضُهم لقيامهبحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ‏}‏[‏فاطر‏:‏39‏]‏ وامتنع جمهورُ العلماء من ذلك ونسبُوا قائلَه إلى الفجور، هذا كلامالماوردي‏.‏
قلتُ‏:‏ وأوّلُ مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّهعنه، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم‏.‏ وأما ما توهمه بعضُ الجهلة في مسيلمة فخطأٌصريح وجهلٌ قبيح مخالف لإِجماع العلماء، وكُتبهم متظاهرة على نقل الاتفاق على أنأوّل مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏.‏
وقد ذكر الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في كتابه‏"‏الاستيعاب‏"‏ في أسماء الصحابة رضي اللّه عنهم بيان تسمية عمر أمير المؤمنينأوّلاً، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يُقال في أبي بكر رضي اللّه عنه خليفة رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلم‏.‏
فصل‏:‏ يحرمُ تحريماً غليظاًأن يقولَ للسلطان وغيره من الخلق شاهان شاه، لأن معناه ملك الملوك، ولا يُوصف بذلكغير اللّه سبحانه وتعالى‏.‏
10/943 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه عنالنبيّ قال‏:‏ ‏"‏إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَالأمْلاكِ‏"‏ وقد قدّمنا بيان هذا في كتاب الأسماء، وأن سفيانَ بنعيينة قال‏:‏ ملك الأملاك مثل شاهان شاه‏.‏(43)
فصل‏:‏ في لفظ السيد‏.‏ اعلمأن السيد يُطلق على الذي يفوق قومَه ويرتفعُ قدرُه عليهم، ويُطلق على الزعيموالفاضل، ويُطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضبُه، ويُطلق على الكريم وعلى المالكوعلى الزوج، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ بإطلاق سيد على أهل الفضل‏.‏
11/944 فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري،عن أبي بكرةَ رضي اللّه عنه؛أن النبيّصلى اللّه عليه وسلم صَعِدَ بالحسن بن عليّ رضي اللّه عنهما المنبرَ فقال‏:‏‏"‏إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللّه تعالى أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَفِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ‏"‏‏.‏‏(44)
12/945 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه؛أنرسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ رضي اللّهعنه‏:‏ ‏"‏قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ‏"‏ أو ‏"‏خَيْرِكُمْ‏"‏كذا فيبعض الروايات ‏"‏سيّدكم أو خيرِكم‏"‏ وفي بعضها ‏"‏سيّدكم‏"‏ بغير شك‏.‏(45)
13/946 وروينا في صحيح مسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن سعدَ بن عبادة رضي اللّهعنه قال‏:‏ يا رسولَ اللّه‏!‏ أرأيتَ الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلاً أيقتله‏؟‏الحديث، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏انْظُرُوا إلى ما يَقُولُسَيِّدُكُمْ‏"‏‏.(46)‏‏(‏ مسلم ‏(‏1498‏)‏ولفظه‏:‏ ‏ ‏اسمعوا إلى ما يقول سيِّدُكم‏ ‏، قال ابن علاّن‏:‏ وأخرجه مالك فيالموطأ، وأبو داود‏.‏‏)‏ "‏‏(‏ مسلم ‏(‏1498‏)‏ ولفظه‏:‏ ‏ ‏اسمعوا إلى ما يقولسيِّدُكم‏ ‏، قال ابن علاّن‏:‏ وأخرجه مالك في الموطأ، وأبو داود‏.‏‏)‏"‏‏(‏ مسلم‏(‏1498‏)‏ ولفظه‏:‏ ‏"‏اسمعوا إلى ما يقول سيِّدُكم‏"‏، قال ابن علاّن‏:‏ وأخرجهمالك في الموطأ، وأبو داود‏.‏‏)‏
وأما ما وردَ في النهي‏:‏
14/947 فما رويناه بالإِسناد الصحيح في سنن أبي دَاود،عن بريدة رضي اللّه عنه قال‏:‏قالرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سَيِّدٌ، فإنَّهإنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّوَجَلَّ‏"‏‏.‏‏(47)
قلت‏:‏ والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، وياسيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلاً خيّراً، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغيرذلك؛ وإن كان فاسقاً، أو متهماً في دينه، أو نحو ذلك كُره له أن يقال سيّد‏.‏ وقدروينا عن الإِمام أبي سليمان الخطابي في معالم السنن في الجمع بينهما نحو ذلك‏.‏
فصل‏:‏ يُكره أن يقول المملوك لمالكه‏:‏ربي، بل يقول، سيدي، وإن شاء قال‏:‏ مولاي‏.‏ ويُكره للمالك أنيقول‏:‏ عبدي وأمتي، ولكن يقول‏:‏ فتايَ وفتاتي أو غلامي‏.‏
15/948 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه،عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضّىءْ رَبَّكَ، اسْقِرَبَّكَ، وَلْيَقُلْ‏:‏ سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ؛ وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ عبْدِيأمَتِي، وَلْيَقُلْ‏:‏ فَتايَ وَفَتاتِي وَغُلامي‏"‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ ‏"‏وَلايَقُلْ أحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِدي وَمَوْلايَ‏"‏ وفي رواية له‏:‏ ‏"‏لايَقُولَنَّ أحَدُكُمْ عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ، وَلا يَقُلِ العَبْدُرَبي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي‏"‏ وفي رواية له‏:‏ ‏"‏لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ عَبْدِيوَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ، وَلَكِنْلِيَقُلْ غُلامي وَجارِيَتِي وَفَتايَ وَفَتاتِي‏"‏‏.‏
قلتُ‏:‏ قال العلماء‏:‏ لا يُطلق الربُّ بالألف واللام إلاّ علىاللّه تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال‏:‏ ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك‏.‏ومنه قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح في ضالّة الإِبل ‏"‏دَعْهاحتَّى يَلْقاها رَبُّها‏"‏(48) ‏:‏ ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة، ونظائرهفي الحديث كثيرة مشهورة‏.‏
وأما استعمال حملة الشرع ذلك فأمر مشهور معروف‏.‏ قال العلماء‏:‏وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه‏:‏ ربي، لأن في لفظه مشاركة للّه تعالى فيالربوبية‏.‏ وأما حديث ‏"‏حتى يلقاها ربُّها‏"‏ و‏"‏ربّ الصريمة‏"‏ وما في معناهما،فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول ربّالدار وربّ المال‏.‏ وأما قول يوسف صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏اذكرني عند ربك‏}‏‏[‏يوسف‏:‏42‏]‏ فعنه جوابان‏:‏ أحدهما أنه خاطبه بما يعرفه،وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى صلى اللّه عليه وسلم للسامري‏:‏‏{‏وَانْظُرْ إلىإلهك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏97‏]‏ أي الذي اتخذته إلهاً‏.‏ والجواب الثاني أن هذاشرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعُنا بخلافه، وهذالا خلاف فيه‏.‏ وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنابموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا أم لا‏؟‏‏.‏
فصل‏:‏ قال الإمام أبو جعفرالنحاس في كتابه ‏"‏صناعة الكتاب‏"‏‏:‏ أما المولى فلا نعلم اختلافاً بين العلماءأنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين‏:‏ مولاي‏.‏ قلت‏:‏ وقد تقدم في الفصلالسابق جواز إطلاق مولاي، ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلَّم في المولىبالألف واللام، وكذا قال النحاس‏:‏ يقال سيد لغير الفاسق، ولا يقال السيد بالألفواللام لغير اللّه تعالى؛ والأظهر أنه لا بأس بقوله المولى والسيد بالألف واللامبشرطه السابق‏.‏
فصل‏:‏ في النهي عن سبّالريح‏.‏ وقد تقدم الحديثان في النهي عن سبّها وبيانهما في باب مايقول إذا هاجت الريح(49).
فصل‏:‏ يُكره سبّ الحمى‏.‏
16/949 روينا في صحيح مسلم،عن جابر رضي اللّه عنه‏:‏أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليهوسلم دخلَ على أُمّ السائب أو أُمّ المسيب فقال‏:‏ ‏"‏ما لَكِ يا أُمّالسَّائِبِ‏!‏ ـ أو يا أُمّ المسيِّب ـ تُزَفْزِفِينَ‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ الحمّى لاباركَ اللّه فيها، فقال‏:‏ ‏"‏لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذْهِبُ خَطايا بنيآدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ‏"‏‏.‏(50)
قلتُ‏:‏ تزفزفين‏:‏ أي تتحركين حركة سريعة، ومعناه‏:‏ ترتعد، وهوبضم التاء وبالزاي المكرّرة، وروي أيضاً بالراء المكرّرة، والزاي أشهر؛ وممّنحكاهما ابن الأثير؛ وحكى صاحب المطالع الزاي، وحُكي الراء مع القاف؛ والمشهور أنهبالفاءسواء بالزاي أو بالراء‏.‏
فصل‏:‏ في النهي عن سبّالديك‏.‏
17/950 روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح،عن زيد بن خالد الجهني رضي اللّه عنهقال‏:‏
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَسُبُّوا الدّيكَ،فإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ‏"‏‏.‏‏(51)
فصل‏:‏ في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهليةوذمّ استعمال ألفاظهم‏.‏
18/951 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدعابِدَعْوى الجَاهِليَّةِ‏"‏ وفي رواية ‏"‏أوْ شَقَّ أوْ دعا‏"‏بأو‏.(52)
فصل‏:‏ ويُكره أن يُسمَّى المحرَّمُ صفراً،لأن ذلك من عادة الجاهلية‏.‏
فصل‏:‏ يحرمُ أن يُدعىبالمغفرةونحوها لمن مات كافراً، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْد ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏113‏]‏ وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه‏.‏
فصل‏:‏ يحرم سبّ المسلم من غير سبب شرعي يجوّزذلك‏.‏
19/952 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه،عن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ‏"‏‏.‏
ورويناه في صحيح مسلم، وكتابي أبي داود والترمذي،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه‏.‏ وصحّأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏المُسْتَبَّانِ ما قالا، فَعَلىالبادِىءِ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ‏"‏قال الترمذي‏:‏حديث حسن صحيح‏.‏(53)
فصل‏:‏ ومن الألفاظ المذمومةالمستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه، يا حمار‏!‏ يا تيس‏!‏ يا كلب‏!‏ ونحو ذلك؛فهذا قبيح لوجهين‏:‏ أحدهما أنه كذب، والآخر أنه إيذاء؛ وهذا بخلاف قوله‏:‏ ياظالم‏!‏ ونحوه، فإن ذلك يُسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالباً، فقلّإنسانٌ إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها‏.‏
فصل‏:‏ قال النحاس‏:‏ كرهَبعضُ العلماء أن يُقال‏:‏ ما كان معي خَلْقٌ إلاّ اللَّه‏.‏ قلت‏:‏ سبب الكراهةبشاعةُ اللفظ من حيث أن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلاً وهو هنا مُحال، وإنماالمراد هنا الاستثناء المنقطع، تقديرُه ولكن كان اللّه معي، مأخوذ من قوله‏:‏‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ‏}‏ وَيَنْبغي أن يُقال بدلَ هذا‏:‏ ما كان معي أحدٌ إلاَّ اللّهسبحانه وتعالى، قال‏:‏ وكره أن يُقال‏:‏ اجلس على اسم اللّه، وليقلْ اجلس باسماللّه‏.‏
فصل‏:‏ حكى النحّاسُ عن بعضالسلف أنه يُكره أن يقولَ الصائمُ‏:‏ وحقِّ هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجّ لهبأنه إنما يُختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظر، وإنما حجته أنه حلفٌ بغيراللّه سبحانه وتعالى، وسيأتي النهي عن ذلك إن شاء اللّه تعالى قريباً، فهذا مكروهٌلما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومه لغير حاجة، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏
20/953 روينا في سنن أبي داود،عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أو غيره،عن عمران بنالحصين رضي اللّه عنهما قال‏:‏ كنّا نقول في الجاهلية‏:‏ أنعم اللّه بك عيناً،وأنعم صباحاً، فلما كان الإِسلام نُهينا عن ذلك‏.‏ قال عبد الرزاق‏:‏ قال معمر‏:‏يُكره أن يقول الرجل‏:‏ أنعم اللّه بك عيناً، ولا بأس أن يقول‏:‏ أنعم اللّهعينَك‏.‏ قلتُ‏:‏ هكذا رواه أبو داود عن قتادة أو غيره، ومثل هذاالحديث قال أهل العلم‏:‏ لا يُحكم له بالصحة، لأن قتادة ثقة وغيرُه مجهول، وهومحتمل أن يكون عن المجهول فلا يثبتُ به حكم شرعي، ولكن الاحتياط للإِنسان اجتنابهذا اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتجّ بالمجهول، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في النهي أن يتناجى الرجلان إذا كانمعهما ثالث وحده‏.‏
21/954 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَالآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَيُحْزنُهُ‏"‏‏.‏‏(54)
22/955 وروينا في صحيحيهما،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏ إِذَا كانُوا ثَلاَثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنانِ دُونَالثَّالِثِ‏"‏(55)‏ورويناه في سنن أبي داود، وزاد ـ قال أبوصالح الراوي ـ عن ابن عمر‏:‏ قلتُ لابن عمر‏:‏ فأربعة‏؟‏ قال‏:‏ لا يضرّك‏.‏
فصل‏:‏ في نهي المرأة أن تخبرَ زوجَها أوغيرَه بحسنِ بدنِ امرأةٍ أخرى إذا لم تدعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحوذلك‏.
23/956 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُيَنْظُرُ إِلَيْهَا‏"‏‏.‏
(56)
فصل‏:‏ يُكره أن يُقال للمتزوّج‏:‏ بالرِّفاءِوالبنينَ، وإنما يُقال له‏:‏ باركَ اللّه لك وباركَ عليك، كماذكرناه في كتاب النكاح‏.‏
فصل‏:‏روى النَّحاسُ عن أبيبكر محمد بن يحيى ـ وكان أحدَ الفقهاء الأدباء ـ أنه قال‏:‏ يُكره أن يُقال لأحدٍعند الغضب‏:‏ اذكر اللّه تعالى؛ خوفاً من أن يحملَه الغضبُ على الكفر، قال‏:‏ وكذالا يُقال له‏:‏ صلّ على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، خوفاً من هذا‏.‏
فصل‏:‏ من أقبح الألفاظالمذمومة، ما يَعتادُه كثيرون من الناس إذا أرادَ أن يَحلِفَ علىشيءٍ فيتورّع عن قوله‏:‏ واللّه، كراهيةَ الحنث أو إجلالاً للّه تعالى وتصوّناً عنالحلف، ثم يقول‏:‏ اللّه يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوه، وهذه العبارةُفيها خطرٌ، فإن كان صاحبُها متيقناً أن الأمر كما قال فلا بأس بها، وإن كان تشكَّكَفي ذلك فهو من أقبح القبائح لأنه تعرّضَ للكذب على اللّه تعالى، فإنه أخبرَ أناللّه تعالى يعلمُ شيئاً لا يتيقنُ كيف هو‏.‏ وفيه دقيقة أخرى أقبحُ من هذا، وهوأنه تعرّض لوصف اللّه تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّقَ كانكافراً، فينبغي للإنِسان اجتنابُ هذه العبارة‏.‏
فصل‏:‏ ويُكره أن يقولَ في الدّعاء‏:‏ اللَّهماغفر لي إن شئت، أو إن أردتَ، بل يجزمُ بالمسألة‏.‏
24/957 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن رسولَ اللّه صلى اللّهعليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ‏:‏ اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ،اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسألةَ فإنَّهُ لا مُكْرِهَلَهُ‏"‏‏.‏ وفي رواية لمسلم ‏"‏ولَكنْ ليَعْزِمْ وَلْيُعظِمِ الرَّغْبَةَ، فإنَّاللّه لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ‏"‏‏.‏‏(57)
25/958 وروينا في صحيحيهما،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم ‏"‏إذَا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المسألةَ وَلا يَقُولَنَّ اللَّهمَّإنْ شِئْتَ فأعْطِني فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ‏"‏‏.(58)
فصل‏:‏ ويُكره الحلفُ بغير أسماء اللّه تعالىوصفاته، سواءٌ في ذلك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، والكعبة،والملائكة، والأمانة، والحياة، والروح، وغير ذلك‏.‏ ومن أشدِّها كراهة‏:‏ الحلفبالأمانة‏.‏
26/959 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما،عن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بأبائِكُمْ، فَمَنْ كانَحَالِفاً فَلْيَحْلِفْ باللّه أوْ لِيَصمُت‏"‏ وفي رواية في الصحيح ‏"‏فَمَنْ كانَحالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أوْ لِيَسْكُتْ‏"‏‏.(59)
وروينا في النهي عن الحلف بالأمانة تشديداً كثيراً، فمن ذلك‏:‏
27/960 ما رويناه في سنن أبي داود، بإسناد صحيح،عن بُريدة رضي اللّه عنه قال‏:‏قالرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فَلَيْسَمِنَّا‏"‏‏.‏‏(60)
فصل‏:‏ يُكره إكثارُ الحلف في البيع ونحوه وإنكان صادقاً‏.‏
28/961 روينا في صحيح مسلمعن أبي قتادة رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيْعِ فإنَّهُ يُنْفِقُثُمَّ يَمْحَقُ‏"‏‏.‏‏(61)
فصل‏:‏ يُكره أن يُقال قوسُ قزح لهذه التي فيالسماء‏.‏
29/962 روينا في حلية الأولياء لأبي نعيم،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما،أنالنبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا تَقُولُوا قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَشَيْطانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا قَوْسَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فهُوَ أمانٌ لأهْلِالأرْضِ‏"(62)‏قلت‏:‏ قُزح بضم القاف وفتح الزاي، قالالجوهري وغيره‏:‏ هي غير مصروفة وتقولُه العوامّ قدح بالدال وهو تصحيف‏.‏
فصل‏:‏ يُكره للإِنسان إذا ابتُلي بمعصيةٍ أونحوها أن يخبرَ غيرَهبذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى اللّه تعالىفيقلعَ عنها في الحال ويندمَ على ما فعل ويعزم أن لا يعود إلى مثلها أبداً؛ فهذهالثلاثة هي أركان التوبة لا تصحّ إلا باجتماعها، فإن أخبرَ بمعصيته شيخَه أو شبهَهممّن يرجو بإخباره أن يعلِّمه مخرجاً من معصيته، أو ليعلِّمَه ما يَسلمُ به منالوقوع في مثلها، أو يعرِّفَه السببَ الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له أو نحوَ ذلك فلابأسَ به، بل هو حسنٌ، وإنما يُكره إذا انتفتْ هذه المصلحةُ‏.‏
30/963 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال‏:‏سمعتُ رسولَ اللّه صلىاللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏كُلُّ أُمّتِي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَالمُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُل باللَّيْلِ عَمَلاً ثًمَّ يُصْبحُ وَقَدْسَتَرَهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ‏:‏ يا فُلانُ‏!‏ عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَاوكَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِعَلَيْهِ‏"‏‏.‏‏(63)
فصل‏:‏يَحرمُ على المكلّف أن يحدِّث عبدَالإِنسانأو زوجته أو ابنه أو غلامَه ونحوَهم بما يُفسدهم به عليه،إذا لم يكنْ ما يُحدِّثهم به أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏{‏وَتَعَاوَنوا على البِرّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏2‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌعَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏18‏]‏‏.‏
31/964 وروينا في كتابي أبي داود والنسائي،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قالرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِىءٍ أوْمَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا‏"‏‏.‏(64)
قلتُ‏:‏ خبَّبَ بخاء معجمة ثم باء موحدة مكرّرة ومعناه‏:‏ أفسدهوخدعه‏.‏
فصل‏:‏ينبغي أن يُقال فيالمال المخرج في طاعة اللّه تعالى‏:‏ أنفقتُ وشبهُه، فيقال‏:‏ أنفقتُ في حجتيألفاً، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي خِتان أولادي،وفي نكاحي، وشبه ذلك‏:‏ ولا يقولُ ما يقوله كثيرون من العوامّ‏:‏ غَرِمْتُ فيضيافتي، وخسرتُ في حجتي، وضيّعت في سفري‏.‏ وحاصلهُ أن أنفقتَ وشبهه يكونُ فيالطاعات‏.‏ وخسرتُ وغرِمتُ وضيّعت ونحوها يكونُ في المعاصي والمكروهات، ولا تُستعملفي الطاعات‏.‏
فصل‏:‏ مما يُنهى عنه ما يقولُه كثيرون منالناس في الصلاةإذا قال الإِمام‏(‏إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَنَسْتَعينُ‏)‏ فيقول المأموم‏:‏ إياك نعبد وإياك نستعين، فهذا مماينبغي تركه والتحذير منه، فقد قال صاحب ‏"‏البيان‏"‏ من أصحابنا‏:‏ إنَّ هذا يُبطلالصلاة إلا أن يقصد به التلاوة، وهذا الذي قاله وإن كان فيه نظرٌ، والظاهرُ أنه لايُوَافق عليه، فينبغي أن يُجتنبَ، فإنه وإن لم يُبطلِ الصلاةَ فهو مكروهٌ في هذاالموضع، واللّه أعلم‏.‏
فصل‏:‏ مما يتأكد النهيُ عنهوالتحذيرُ منه ما يقولُه العوامّ وأشباهُهم في هذه المكوس التي تُؤخذُ مما يبيع أويشتري ونحوهما، فإنهم يقولون‏:‏ هذا حقّ السلطان، أو عليك حقّ السلطان ونحو ذلك منالعبارات المشتملة على تسميته حقاً أو لازماً ونحو ذلك، وهذا من أشدّ المنكراتوأشنع المستحدثات، حتى قال بعضُ العلماء‏:‏ من سمَّى هذا حقاً فهو كافرٌ خارجٌ عنملّة الإِسلام، والصحيحُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقده حقاً مع علمه بأنه ظلم؛فالصوابُ أن يُقال فيه المكسُ أو ضريبةُ السلطان أو نحو ذلك من العبارات، وباللّهالتوفيق‏.‏
فصل‏:‏ يكره أن يسألُ بوجه اللّه تعالى غير الجنة‏.‏
32/965 روينا في سنن أبي داود،عن جابر رضي اللّه عنه، قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّهعليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يُسألُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلاَّ الجَنَّةُ‏"‏‏.‏(1)
فصل‏:‏ يُكره منعُ من سألَ باللّه تعالى وتشفَّعبه‏.‏
33/966 روينا في سنن أبي داود والنسائي، بأسانيد الصحيحين،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏قالرسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ اسْتَعاذَ باللَّهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْسألَ باللَّهِ تَعالى فأعْطُوهُ، وَمَنْ دَعاكُمْ فأجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَإِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوالَهُ حَتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ‏"‏‏.‏‏(2)
فصل‏:‏الأشهرُ أنه يُكره أنيُقال‏:‏ أطالَ اللّه بقاءَك‏.‏ قال أبو جعفر النحّاس في كتابه ‏"‏صناعةالكتاب‏"‏‏:‏ كَرِهَ بعضُ العلماء قولهم‏:‏ أطالَ اللّه بقاءك، ورخَّصَ فيهبعضُهم‏.‏ قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ أوَّلُ مَن كتب أطالَ اللّه بقاءَك الزنادقة‏.‏وروي عن حماد بن سلمة رضي اللّه عنه أن مكاتبة المسلمين كانت من فلان إلى فلان، أمابعد‏:‏ سلامٌ عليك، فإني أحمدُ اللّه الذي لا إِله إِلاَّ هو، وأسألُه أن يصلِّيَعلى محمد وعلى آل محمد‏.‏ ثم أحدثتِ الزنادقةُ هذه المكاتبات التي أوّلُها‏:‏ أطالَاللَّه بقاءَك‏.‏
فصل‏:‏ المذهبُ الصحيحُ المختارأنه لا يُكره قول الإِنسان لغيره‏:‏ فِداكَ أبي وأُمي، أو جعلني اللّه فداك، وقدتظاهرتْ على جواز ذلك الأحاديثُ المشهورة التي في الصحيحين وغيرهما، وسواءٌ كانَالأبوان مسلمين أو كافرين، وكَرِهَ ذلك بعضُ العلماء إذا كانا مسلمين‏.‏ قالالنحاس‏:‏ وكرهَ مالكُ بن أنس‏:‏ جعلني اللّه فداك، وأجازَه بعضُهم‏.‏ قال القاضيعياض‏:‏ ذهبَ جمهورُ العلماء إلى جواز ذلك، سواءٌ كان المفديُّ به مسلماً أوكافراً‏.‏ قلت‏:‏ وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك مالا يحصى وقد نبهت علىجمل منها في صحيح مسلم
فصل‏:‏ ومما يُذمّ من الألفاظ‏:‏ المِراءوالجِدال والخُصومة‏.‏ قال الإِمام أبو حامد الغزالي‏:‏ المراء‏:‏طعنُك في كلام الغير لإِظهار خَلل فيه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيَّتِكعليه؛ قال‏:‏ وأما الجدالُ فعبارةٌ عن أمر يتعلّقُ بإظهار المذاهب وتقريرها‏.‏
قال‏:‏ وأما الخصومةُ فلِجَاجٌ في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه منمال أو غيره، وتارة يكون ابتداءً وتارة يكون اعتراضاً؛ والمِراء لا يكون إلااعتراضاً‏.‏ هذا كلام الغزالي‏.‏
واعلم أن الجدال قد يكون بحقّ، وقد يكون بباطل، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَلا تُجادِلُواأهْلَ الكِتابِ إِلاَّ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏41‏]‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجادِلْهُمْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏[‏النحل‏:‏125‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَكَفَروا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏4‏]‏ فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِهكان محموداً، وإن كان في مدافعة الحقّ أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلىهذا التفصيل تنزيلُ النصوص الواردة في إباحته وذمّه، والمجادلة والجدال بمعنى، وقدأوضحتُ ذلك مبسوطاً في تهذيب الأسماء واللغات‏.‏
قال بعضُهم‏:‏ ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين ولا أنقصَ للمروءة ولاأضيعَ للذة ولا أشغلَ للقلب من الخصومة‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ لا بُدَّ للإِنسان منالخصومة لاستبقاء حقوقه‏.‏ فالجوابُ ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي أن الذمَّالمتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو غير علمٍ كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ فيالخصومة قبل أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو فيخاصمُ بغير علم‏.‏ ويدخلُ في الذمّأيضاً مَن يطلبُ حَقَّه لكنه لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَللإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة، كلماتٍ تُؤذي، وليس لهإليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملُه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصموكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريق الشرع منغيرلَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذاليس حراماً، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلاً، لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومةعلى حدّ الاعتدال متعذّر، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَالغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته ويُطلقاللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلبحتى أنه يكون في صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه علىالاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء‏.‏ فينبغي أن لا يفتحَعليه بابَ الخصومة إلا لضرورة لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانَه وقلبَه عنآفات الخصومة‏.‏
34/967 روينا في كتاب الترمذي،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال‏:‏قال رسولُ اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كَفَى بِكَ إثْماً أنْ لا تَزَالَمُخَاصِماً‏"‏‏.‏‏(‏ الترمذي ‏(‏1995‏)‏ وقال‏:‏ إنه حديث غريب؛ أيضعيف‏.‏‏)‏
‏.‏ قلتُ‏:‏ القُحَم بضم القاف وفتح الحاءالمهملة‏:‏ هي المهالك‏.‏
فصل‏:‏ يُكره التقعيرُ في الكلامبالتشدّق وتكلّف السجع والفَصاحة والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحونوزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم، وكذلك تكلّف السجع، وكذلك التحريّ فيدقائق الإِعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوامّ؛ بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبتهلفظاً يفهمُه صاحبُه فهماً جليّاً ولا يستثقلُه‏.‏
35/968 روينا في كتابي أبي داود والترمذي،عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضياللّه عنهما؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُالبَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الَّذي يَتَخَلَّل بِلِسانِهِ كما تَتَخَلَّلُالبَقَرَةُ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(3)
36/969 وروينا في صحيح مسلم،عن ابن مسعود رضي اللّه عنه؛أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ‏"‏ قالها ثلاثاً‏.‏ ‏(4)قال العلماء‏:‏ يعني بالمتنطعين‏:‏ المبالغينفي الأمور‏.‏
37/970 وروينا في كتاب الترمذيعن جابر رضي اللّه عنه؛أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلمقال‏:‏ ‏"‏إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ وأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَالقِيَامَةِ أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إليَّ وأبْعَدَكُمْ مِنِّييَوْمَ القِيامَةِ الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ وَالمُتَفَيْقِهُونَ، قالوا‏:‏يا رسول اللّه قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيقهون‏؟‏ قال‏:‏المُتَكَبِّرُون‏"‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن‏.‏ قال‏:‏والثرثار‏:‏ هو الكثير الكلام؛ والمتشدّقُ‏:‏ مَن يتطاولُ على الناس في الكلامويبذو عليهم‏.‏ ‏(5)، وقال‏:‏ هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه،وفي الباب عن أبي هريرة‏.‏
فصل‏:‏ ويُكره لمن صلى العشاءالآخرة أن يتحدَّثَ بالحديث المباح في غير هذا الوقت وأعني بالمُباح الذي استوىفعله وتركه‏.‏ فأما الحديث المحرّم في غير هذا الوقت أو المكروه فهو في هذا الوقتأشدّ تحريماً وكراهة‏.‏ وأما الحديثُ في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحينومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف فلا كراهةَ فيه، بل هو مستحبّ، وقد تظاهرتالأحاديثُ الصحيحةُ به، وكذلك الحديثُ للغدر والأمور العارضة لا بأس به، وقد اشتهرتالأحاديثُ بكل ما ذكرتُه، وأنا أُشيرُ إلى بعضها مختصراً، وأرمزُ إلى كثيرمنها‏.‏‏)‏
واعلم أنه لا يدخلُ في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكنفيها إفراط وإغراب لأن المقصودَ منها تهييج القلوب إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ، ولحسناللفظ في هذا أثر ظاهر‏.‏
38/971 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي بَرزةَ رضي اللّه عنه؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم كان يكرهُ النومَ قبل العِشاء والحديثَ بعدَها‏.(6)
وأما الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قدّمتُها فكثيرةٌ‏.‏
39/972 فمن ذلكحديث ابن عمر في الصحيحين‏:‏أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليهوسلم صلَّى العشاءَ في آخر حياته، فلما سلَّم قال‏:‏ ‏"‏أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْهَذِهِ، فإنَّ على رأسِ مِئَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ على ظَهْرِ الأرْضِاليَوْمَ أحَدٌ‏"‏‏.‏(7)
40/973 ومنهاحديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه، في صحيحيهما؛أنرسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليلُ، ثم خرجَ رسولُاللّه صلى اللّه عليه وسلم فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاته قال لمن حضره‏:‏ ‏"‏علىرِسْلِكُمْ أُعَلِّمْكُمْ، وأبْشِرُوا أنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّه عَلَيْكُمْ أنَّهُلَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ‏"‏ أو قال‏:‏‏"‏ما صَلَّى أحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ‏"‏‏.(8)
41/974 ومنهاحديث أنس في صحيح البخاري؛أنهم انتظروا النبيَّ صلى اللّهعليه وسلم فجاءَهم قريباً من شطر الليل، فصلَّى بهم‏:‏ يعني العشاء قال‏:‏ ثمخطبَنا فقال‏:‏ ‏"‏ ألا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْلَنْ تَزَالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ‏"‏‏.‏
ومنهاحديثابن عباس(9) "‏ رضي اللّه عنهما، في مبيته في بيت خالتهميمونة قوله‏:‏ إن النبيَّ صلى اللّهعليه وسلم صلَّى العشاءَ، ثمدخلَ فحدّثَ أهلَه، وقوله‏:‏ ‏"‏نَامَ الغُلَيْم‏؟‏‏"‏‏.‏(10)
ومنها حديث عبد الرحمن ‏(‏البخاري ‏(‏602‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2057‏)‏ ‏.‏وتقدم برقم 2/733‏) "‏ بن أبي بكر رضي اللّه عنهما في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتىصلّى العشاء، ثم جاء وكلَّمهم، وكلَّم امرأتَه وابنه وتكرّر كلامُهم، وهذانالحديثان في الصحيحين، ونظائرُ هذا كثيرة لا تنحصرُ، وفيما ذكرناه أبلغُ كفاية،وللّه الحمد‏.‏
فصل‏:‏ يُكره أن تُسمَّى العشاء الآخرة العتمة،للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك ويُكره أيضاً أن تُسمَّى المغربعشاء‏.‏
42/975 روينا في صحيح البخاري،عن عبد اللّه بن مُغَفّل المزني رضي اللّه عنه ـ وهوبالغين المعجمة ـ قال‏:‏قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاتَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ على اسمِ صَلاتِكُمُ المَغْرِبِ‏"‏ قال‏:‏ وتقولالأعرابُ‏:‏ هي العشاء‏.(11)
وأما الأحاديث الواردة بتسمية عَتَمَةً كحديث‏:‏‏"‏لو يَعْلَمُونَ ما في الصُّبْحِوَالعَتَمَةِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً‏"‏ ‏(12)عنها من وجهين‏:‏ أحدهما أنها وقعتْ بياناًلكون النهي ليس للتحريم بل للتنزيه‏.‏ والثاني أنه خُوطبَ بها مَن يخافُ أنه يلتبسعليه المراد لو سمَّاها عشاءً‏.‏
وأما تسمية الصبح غداةً فلا كراهة فيه على المذهب الصحيح، وقد كثرتِالأحاديثُ الصحيحةُ في استعمال غداة، وذكر جماعة من أصحابنا كراهة ذلك، وليس بشيء،ولا بأسَ بتسمية المغرب والعشاء عشاءين، ولا بأس بقول العشاء الآخرة‏.‏ وما نُقل عنالأصمعي أنه قال‏:‏ لا يُقال العشاء الآخرة فغلط ظاهر، فقد ثبتَ في صحيح مسلم ‏(13)‏ ؛ أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏أيُّمَا امْرأةٍ أصَابَتْبَخُوراً فَلا تَشْهَدْ مَعَنا العِشاءَ الآخِرَةَ‏"‏‏.
وثبت في ذلك كلامُ خلائقَ لا يُحصون من الصحابة في الصحيحينوغيرهما، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه بشواهده في تهذيب الأسماء واللغات، وباللّهالتوفيق‏.‏
فصل‏:‏ ومما يُنهى عنه إفشاءُالسرّ،والأحاديثُ فيه كثيرة، وهو حرامٌ إذا كان فيه ضررٌ أوإيذاء‏.‏
43/976 روينا في سنن أبي داود والترمذي،عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالحَدِيثِ ثُمَّالْتَفَتَ فَهِيَ أمانَةٌ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(14)
فصل‏:‏ يُكره أن يُسألَ الرجلُ‏:‏ فيم ضربَامرأتَه‏؟‏ من غير حاجة‏.‏
قد روينا في أوّل هذا الكتاب في حفظ اللسان والأحاديث الصحيحة فيالسكوت عمّا لا تظهر فيه المصلحة، وذكرنا الحديث الصحيح‏"‏منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِتَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه‏"(15)
44/977 وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه،عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه،
عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يُسألُ الرَّجُلُ‏:‏فيمَ ضَرَبَ امْرأتَهُ‏"‏‏.‏‏(16)
فصل‏:‏أما الشعر فقدروينا فيمسند أبي يعلى الموصلي(17)‏ ، بإسناد حسن،
عن عائشةرضي اللّه عنهما، قالت‏:‏ سُئل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الشعر فقال‏:‏‏"‏هُوَ كلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ‏"‏قالالعلماء‏:‏ معناه‏:‏ أنَّ الشعرَ كالنثر، لكن التجرّدَ له والاقتصارَ عليهمذمومٌ‏.‏ وقد ثبتَت الأحاديثُ الصحيحةُ بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمعالشعرَ، وأمرَ حسان بن ثابت بهجاء الكفّار‏.‏ وثبتَ أنه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏إنَّ مِنَ الشِّعْرِلَحِكْمَةً‏"‏ ‏(18)وكل ذلك على حسب ما ذكرناه‏.‏
فصل‏:‏ ومما يُنهى عنه الفحشُ، وبذاءةُاللسان؛ والأحاديثُ الصحيحة فيه كثيرة معروفة‏.‏ ومعناه‏:‏ التعبيرُعن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانتْ صحيحةً والمتكلّمُ بها صادق، ويقعُذلك كثيراً في ألفاظ الوقاع ونحوها‏.‏ وينبغي أن يستعملَ في ذلك الكنايات ويعبّرعنها بعبارة جميلة يُفهم بها الغرضُ، وبهذا جاءَ القرآن العزيز والسنة الصحيحةالمكرّمة، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرَّفَثُ إلىنِسائِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏187‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ‏}‏‏[‏النساء‏:‏21‏]‏ وقالتعالى‏:‏‏{‏وَإنْطَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏ والآيات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة‏.‏
قال العلماء‏:‏ فينبغي أن يستعملَ في هذا وما أشبهَه من العباراتالتي يُستحيى من ذكرها بصريح اسمها الكنايات المفهمة، فيُكنّي عن جماع المرأةبالإِفضاءِ والدخولِ والمعاشرةِ والوِقاع ونحوها، ولا يُصرّح بالنّيل والجماعونحوهما، وكذلك يُكنّي عن البول والتغوّط بقضاء الحاجة والذهاب إلى الخلاء، ولايصرّحُ بالخِرَاءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكرُ العيوب كالبرص والبَخَر والصُّنانوغيرها، يعبّر عنها بعبارات جميلة يُفهم منها الغرض، ويُلحق بما ذكرناه من الأمثلةما سواه‏.‏
واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإندعتْ حاجةٌ لغرض البيان والتعليم وخِيفَ أن المخاطَب لا يفهم المجاز، أو يفهمُ غيرَالمراد صرّح حينئذ باسمه الصريح ليحصلَ الإِفهامُ الحقيقي ‏,‏وعلى هذا يحمل ما جاءمن التصريح في الأحاديث بمثل هذا فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا‏,‏ فإن تحصيلالإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرّد الأدب، وباللّه التوفيق‏.‏
45/978 روينا في كتاب الترمذي،عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِوَلا الفاحِشِ وَلا البَذِيء‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏(19)
46/979 وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه،عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسولاللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما كان الفُحْشُ في شَيْءٍ إلاَّ شانَهُ، وَماكانَ الحَياءُ في شَيْءٍ إلاَّ زَانَهُ‏"‏قال الترمذي‏:‏ حديثحسن‏.‏(20)
فصل‏:‏ يحرمُ انتهارُ الوالدوالوالدةوشبههما تحريماً غليظاً، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أنْ لاَتَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاهُ وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَريماً‏.‏ وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كما رَبَّيَاني صَغِيراً‏}‏ الآية‏[‏الإِسراء‏:‏23ـ 25‏]‏‏.‏
47/980 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضياللّه عنهما؛أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مِنَ الكَبائرِ شَتْمُالرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، وهل يشتُم الرجلُ والديه‏؟‏ قال‏:‏نَعَمْ، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّأُمَّهُ‏"‏‏.‏‏(21)
48/981 وروينا في سنن أبي داود والترمذي،عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏كان تحتي امرأةٌ وكنتُ أُحبها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي‏:‏ طلّقْها، فأبيتُ،فأتى عمرُ رضي اللّه عنه النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فذكرَ ذلك له، فقال النبيُّصلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏طَلِّقْها‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسنصحيح‏.‏(22)
بابُ النهي عن الكَذبِ وبيانأقسامهِ
قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنّة على تحريم الكذب في الجملة، وهو منقبائح الذنوب وفواحش العيوب‏.‏ وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوصالمتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمّ بيان ما يُستثنى منه والتنبيهعلى دقائقه، ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته‏:‏
1/982 وهو ما رويناه في صحيحيهماعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ‏:‏ إذا حَدّثَ كَذَبَ، وَإِذَاوَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمن خَانَ‏"‏‏.‏‏(23)
2/983 وروينا في صحيحيهماعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما؛أنالنبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاًخالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْنِفاقٍ حتَّى يَدَعَها‏:‏ إِذَا اؤتُمِن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَاعاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ‏"‏ وفي رواية مسلم ‏"‏إذا وعدَ أخلفَ‏"‏ بدل‏"‏وإذا اؤتُمِن خان‏"‏‏.‏‏(24)
وأما المستثنى منه‏:‏
3/984 فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أُمّ كلثوم رضي اللّه عنها؛أنهاسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُبَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِّي خَيْراً أوْ يَقُولُ خَيْراً‏"‏ هذا القدر فيصحيحيهما‏.‏ وزاد مسلم في رواية له‏:‏ قالت أُمّ كلثوم‏:‏ ولم أسمعه يُرخِّصُ فيشيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ـ يعني‏:‏ الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجلامرأته والمرأة زوجها‏.‏ ‏(25)‏فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة،وقد ضبط العلماءُ ما يُباح منه‏.‏
وأحسنُ ما رأيتُه في ضبطه، ما ذكرَه الإِمامُ أبو حامد الغزاليفقال‏:‏ الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يُمكن التوصلُ إليهبالصدق والكذب جميعاً، فالكذبُ فيه حرامٌ لعدم الحاجة إليه، وإن أمكنَ التوصل إليهبالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجبٌإن كان المقصود واجباً، فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه‏:‏ وجبَ الكذبُ بإخفائه،وكذا لو كان عندَه أو عندَ غيره وديعة وسأل عنها ظالمٌ يُريدُ أخذَها وجبَ عليهالكذب بإخفائها، حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه فأخذَها الظالمُ قهراً، وجبَ ضمانُهاعلى المُودع المُخبر، ولو استحلفَه عليها، لزمَه أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه، فإنحلفَ ولم يورّ، حنثَ على الأصحّ، وقيل لا يحنثُ، وكذلك لو كان مقصودُ حَرْبٍ أوإصلاحِ ذاتِ البين أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا يحصل إلابكذب، فالكذبُ ليس بحرام، وهذا إذا لم يحصل الغرضُ إلا بالكذب، والاحتياطُ في هذاكلّه أن يورّي؛ ومعنى التورية أن يقصدَ بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباًبالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارةَ الكذبفليس بحرام في هذا الموضع‏.‏ قال أبو حامد الغزالي‏:‏ وكذلك كل ما ارتبط به غرضٌمقصودٌ صحيح له أو لغيره، فالذي له مثلُ أن يأخذَه ظالمٌ ويسألَه عن ماله ليأخذَهفله أن ينكرَه، أو يسألَه السلطانُ عن فاحشةٍ بينَه وبينَ اللّه تعالى ارتكبَها فلهأن ينكرَها ويقول ما زنيتُ، أو ما شربتُ مثلاً‏.‏
وقد اشتهرتِ الأحاديث بتلقين الذين أقرّوا بالحدود الرجوع عنالإِقرار‏.‏ وأما غرضُ غيره، فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرَهُ ونحو ذلك،وينبغي أن يُقابِلَ بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدق؛ فإن كانتالمفسدةُ في الصدق أشدّ ضرراً فله الكذبُ، وإن كان عكسُه، أو شكّ، حَرُمَ عليهالكذبُ؛ ومتى جازَ الكذبُ فإن كان المبيحُ غرضاً يتعلّقُ بنفسه فيستحبّ أن لايكذبَ، ومتى كان متعلقاً بغيره لم تجز المسامحةُ بحقّ غيره؛ والحزمُ تركه في كلموضعٍ أُبيحَ إلا إذا كان واجباً‏.‏
واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإِخبار عن الشيء، بخلافما هو، سواء تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل وإنما يأثمُ في العمد،ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏"‏مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأمَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ‏"‏ ‏(26)
بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِالإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته
قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَوَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً‏}‏ ‏[‏الإِسراء‏:‏36‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌعَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 18‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏14‏]‏‏.‏
1/985 وروينا في صحيح مسلم،عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة رضي اللّهعنه؛أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْيُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ‏"‏(27)‏ورواه مسلم من طريقين‏:‏ أحدهما هكذا‏.‏والثاني عن حفص بن عاصم، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مرسلاً لم يذكر أبا هريرة،فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهبالصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقه والأصول والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديثإذا روي من طريقين أحدهما مرسلٌ والآخر متصلٌ، قدّم المتصل وحكم بصحة الحديث، وجازالاحتجاج به في كل شيء من الأحكام وغيرها‏.‏ واللّه أعلم‏.‏
2/986 وروينا في صحيحمسلم،عن عمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه قال‏:‏ بحسبِالمرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ‏.‏ وروينا في صحيح مسلم، عن عبد اللّه بنمسعود رضي اللّه عنه مثله‏.(28)
والآثارُ في هذا الباب كثيرة‏.‏
3/987 وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح،عن أبي مسعود، أو حذيفة بن اليمان،قال‏:‏سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏بِئْسَ مَطِيَّةُالرَّجُلِ زَعَمُوا‏"‏‏.‏‏(29)
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما رويناه عنه في معالم السنن‏:‏أصلُ هذا الحديث أن الرجلَ إذا أرادَ الظعن في حاجة والسير إلى بلد ركب مطية وسارحتى يبلغ حاجته، فشبّهَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ما يقدِّمُ الرجلُ أمامَ كلامهويتوصل به إلى حاجته من قولهم‏:‏ ‏(‏زعموا‏)‏ بالمطيّة، وإنما يُقال‏:‏ ‏(‏زعموا‏)‏في حديث لا سند له ولا ثبت، إنما هو شيء يُحكى على سبيل البلاغ، فذمّ النبيّ صلىاللّه عليه وسلم من الحديث ما هذا سبيلُه، وأمر بالتوثق فيما يحكيه والتثبت فيه،فلا يَرويه حتى يكون معزوّاً إلى ثبت، هذا كلامُ الخطابي، واللّه أعلم‏.‏
بابُ التعريض والتورية
اعلم أن هذا الباب من أهمّ الأبواب، فإنه مما يكثرُ استعمالُهوتعمُّ به البلوى، فينبغي لنا أن نعتني بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأملَهويعملَ به، وقد قدَّمنا في الكذب من التحريم الغليظ، وما في إطلاق اللسان من الخطر،وهذا البابُ طريقٌ إلى السلامة من ذلك‏.‏ واعلم أن التوريةَ والتعريضَ معناهما‏:‏أن تُطلقَ لفظاً هو ظاهرٌ في معنى وتريدُ به معنىً آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنهخلافُ ظاهره، وهذا ضربٌ من التغرير والخداع‏.‏ قال العلماء‏:‏ فإن دعتِ إلى ذلكمصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ على خداعِ المخااطب أو حاجة لا مندوحةَ عنها إلا بالكذب فلابأس بالتعريض، وإن لم يكن شيءٌ من ذلك فهو مكروهٌ وليس بحرام، إلا أن يُتوصَل بهإلى أخذ باطل أو دفع حقّ، فيصيرُ حينئذ حراماً، هذا ضابطُ الباب‏.‏
فأما الآثار الواردةُ فيه، فقد جاء من الآثار ما يُبيحه وما لايُبيحه، وهي محمولةٌ على هذا التفصيل الذي ذكرناه‏.‏ فمما جاء في المنع‏:‏
1/988 ما رويناه في سنن أبي داود، بإسناد فيه ضعفٌ لكن لم يُضَعِّفهأبو داود، فيقتضي أن يكون حسناً عنده كما سبق بيانه،عن سفيان بن أسد ـ بفتح الهمزة ـ رضي اللّه عنه قال‏:‏
سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏كَبُرَتْخِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِكاذِبٌ‏"‏‏.‏(30)
وروينا عن ابن سيرين رحمه اللّه أنه قال‏:‏ الكلامُ أوسعُ من أنيكذب ظريفٌ‏.‏ مثال التعريض المباح ما قاله النخعي رحمه اللّه‏:‏ إذا بلغ الرجلَعنك شيءٌ قلتَه فقل‏:‏ اللّه يعلم ما قلتُ من ذلك من شيء، فيتوهم السامعُ النفيَومقصودُك اللّه يعلم الذي قلتُه‏.‏ وقال النخعيُّ أيضاً‏:‏ لا تقلْ لابنك‏:‏ أشتريلك سكراً، بل قل‏:‏ أرأيتَ لو اشتريت لك سكراً‏؟‏ وكان النخعي إذا طلبه رجلٌ قالللجارية‏:‏ قولي له اطلبه في المسجد‏.‏ وقال غيره‏:‏ خرج أبي في وقت قبل هذا‏.‏وكان الشعبي يخطّ دائرة ويقول للجارية‏:‏ ضعي أصبعك فيها وقولي‏:‏ ليس هو هاهنا‏.‏ومثل هذا قول الناس في العادة لمن دعاهُ لطعام أنا على نيّة؛ موهماً أنه صائمومقصودُه على نيّة ترك الأكل؛ ومثلُه‏:‏ أبصرتَ فلاناً‏؟‏ فيقول ما رأيتُه‏:‏ أي ماضربتُ رئته‏.‏ ونظائرُ هذا كثيرة‏.‏ ولو حلف على شيء من هذا وورَّى في يمينه لميحنثْ، سواء حلفَ باللّه تعالى أو حلفَ بالطلاق أو بغيره، فلا يقعُ عليه الطلاق ولاغيره، وهذا إذا لم يحلّفه القاضي في دعوى؛ فإن حلَّفَه القاضي في دعوى فالاعتباربنيّة القاضي إذا حلَّفه باللّه تعالى، فإن حلّفه بالطلاق بالاعتبار بنيّة الحالف،لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق فهو كغيره من الناس، واللّه أعلم‏.‏
قال الغزالي‏:‏ ومن الكذب المحرّم الذي يُوجب الفسقَ ما جرتْ بهالعادةُ في المبالغة كقوله‏:‏ قلتُ لك مِئة مرّة، وطلبتُك مِئةَ مرّة ونحوه بأنه لايُراد به تفهيم المرات بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبَه إلا مرّة واحدة كانكاذباً، وإن طلبه مرّات لا يُعتاد مثلُها في الكثرة لم يأثم، وإن لم يبلغْ مئة مرّةوبينهما درجات يتعرّضُ المبالغُ للكذب فيها‏.‏
قلت‏:‏ ودليل جواز المبالغة وأنه لا يُعدّ كذباً‏:‏
2/989 مارويناه في الصحيحين،أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أمَّا أبُو الجَهْمِفَلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاويَةُ فَلا مالَ لَهُ‏"‏‏(31)(‏ البخاري ‏(‏5321‏)‏ ،ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ، وقد تقدم في باب ما يباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏5321‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ، وقد تقدم في باب ما يباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏5321‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ، وقد تقدم في باب مايباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏5321‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ،وقد تقدم في باب ما يباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏5321‏)‏ ،ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ، وقد تقدم في باب ما يباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏"(‏البخاري ‏(‏5321‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1480‏)‏ ، وقد تقدم في باب ما يباح من الغيبة رقم 317 ص 529‏.‏‏)‏ ومعلوم أنه كان له ثوب يلبسه‏.‏ وأنه كان يضعُ العصا في وقت النوموغيره، وباللّه التوفيق‏.‏
بابُ ما يقولُه ويفعلُه مَنْ تكلَّمَ بكلامٍقبيح
قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَ إمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللَّهِ‏}‏ ‏[‏فصّلت‏:‏36‏]‏وقال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَالشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذَا هُمْ مُبْصِرونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 201‏]‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏.‏ أُولَئِكَ جَزَاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَنعْمَ أجْرُ العامِلِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 135ـ136‏]‏‏.‏
1/990 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن النبيّ صلى اللّه عليهوسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حَلِفِهِ باللاَّتِ والعُزَّى فَلْيَقُلْ‏:‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ‏:‏ تَعالَ أُقامِرْكَفَلْيَتَصَدَّقْ‏"‏‏.‏‏(‏ البخاري ‏(‏4860‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1647‏)‏ ،ويُفيد الحديث‏:‏
أـ حرمة الحلف بالأصنام، فإن مَن حلف بها معظِّماً لها كان كافراًويجب عليه تجديد إيمانه‏.‏
ب ـ حرمة الدعوة إلى القمار، وأن كفارة ذلك التوبة منها، والإِسراعإلى التصدّق بما تيسر له‏.‏‏)">
واعلم أن مَن تكلم بحرام أو فعله وجب عليه المبادرة إلى التوبة،ولها ثلاثة أركان‏:‏ أن يقلع في الحال عن المعصية، وأن يندمَ على ما فعل، وأن يعزمَأن لا يعود إليها أبداً، فإن تعلَّق بالمعصية حق آدمي وجب عليه مع الثلاثة رابع،وهو ردّ الظلامة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منها، وقد تقدم بيان هذا، وإذا تابَمِنْ ذنبٍ فينبغي أن يتوبَ من جميع الذنوب؛ فلو اقتصرَ على التوبة من ذنب صحَّتتوبتُه منه؛ وإذا تابَ من ذنب توبةً صحيحةً كما ذكرنا ثم عاد إليه في وقت أثمبالثانيووجب عليه التوبة منه، ولم تبطلْ توبتُه من الأوّل؛ هذا مذهبُ أهل السنّةخلافاً للمعتزلة في المسألتين، وباللّه التوفيق‏.‏
بابٌ في ألفاظٍ حُكي عن جماعةٍ من العلماءكراهتُها وليستْ مكروهةً
اعلم أن هذا البابَ مما تدعو الحاجةُ إليه لئلا يغترّ بقولٍ باطلٍويعوّل عليه‏.‏
واعلم أن أحكامَ الشرع الخمسة، وهي‏:‏ الإِيجابُ، والندبُ،والتحريمُ، والكراهةُ، والإِباحة، لا يثبتُ شيء منها إلا بدليل، وأدلة الشرعمعروفة، فما لا دليلَ عليه لا يُلتفتُ إليه ولا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس بحجة ولايُشتغل بجوابه؛ ومع هذا فقد تبرعَ العلماءُ في مثل هذا بذكر دليلٍ على إبطاله،ومقصودي بهذه المقدمة أنّ ما ذكرتُ أن قائلاً كرهَه ثم قلت‏:‏ ليس مكروهاً، أو هذاباطلٌ أو نحو ذلك، فلا حاجةً إلى دليل على إبطاله وإن ذكرتُه كنتُ متبرّعاً به،وإنما عقدتُ هذا الباب لأُبيِّن الخطأَ فيه من الصواب لئلا يُغترّ بجلالة مَن يُضافإليه هذا القول الباطل‏.‏
واعلم أني لا أُسمّي القائلين بكراهة هذه الألفاظ لئلا تسقطَجلالتُهم ويُساء الظنّ بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوالباطلة نُقلت عنهم، سواء أصحّتْ عنهم أم لم تصحّ، فإن صحَّتْ لم تقدحْ في جلالتهمكما عرف، وقد أُضيف بعضُها لغرض صحيح بأن يكونَ ما قاله محتملاً فينظر غيري فيه،فلعلّ نظره يُخالف نظري فيعتضدُ نظرُه بقول هذا الإِمام السابق إلى هذا الحكم،وباللّه التوفيق‏.‏
فمن ذلك ما حكاهُ الإِمامُ أبو جعفر النحاس في كتابه ‏"‏شرح أسماءاللّه تعالى سبحانه‏"‏ عن بعض العلماء أنه كره أن يُقال‏:‏ تصدّق اللّه عليكَ،قال‏:‏ لأن المتصدّقَ يرجو الثواب‏.‏ قلتُ‏:‏ هذا الحكم خطأ صريح وجهلٌ قبيح،والاستدلال أشدُّ فساداً‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم ‏(32)عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في قصرالصلاة‏:‏ ‏"‏صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فاقْبَلُواصَدَقَتَهُ‏"‏‏.‏
فصل‏:‏ومن ذلك ما حكاهُالنحَّاسُ أيضاً عن هذا القائل المتقدّم أنه كره أن يُقال‏:‏ اللَّهمّ أعتقني منالنار، قال‏:‏ لأنه لا يعتق إلا مَن يطلب الثواب‏.‏ قلتُ‏:‏ وهذه الدعوى والاستدلالمن أقبح الخطأ وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحةالمصرّحة بإعتاق اللّه تعالى مَن شاء من خلقه لطال الكتاب طولاً مُمِلاًّ، وذلككحديث‏"‏مَنْ أعْتَقَرَقَبَةً أعْتَقَ اللَّهُ تَعالى بِكُلِّ عُضْو مِنْها عُضْواً مِنْهُ مِنَالنَّارِ‏"‏(33)‏ وحديث‏"‏ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ تَعالىفِيهِ عَبْداً مِنَ النّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة‏"‏(34)
فصل‏:‏ومن ذلك قولُ بعضهم‏:‏يُكره أن يقولَ افعلْ كذا على اسم اللّه، لأن اسمَه سبحانه على كلِّ شيءٍ‏.‏ قالالقاضي عياض وغيرُه‏:‏ هذا القول غلط، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة‏:‏ أن النبيّ صلىاللّه عليه وسلم قال لأصحابه في الأضحية‏:‏‏"‏اذْبَحُوا على اسْمِ اللّه‏"(35) أي قائلين باسم اللّه‏.‏
فصل‏:‏ ومن ذلك ما رواهالنحاسُ عن أبي بكر محمد بن يحيى قال‏:‏ وكان من الفقهاء الأدباء العلماء، قال‏:‏لا تقلْ‏:‏ جمعَ اللّه بيننا في مستقرُ رحمته، فرحمةُ اللّه أوسعُ من أن يكون لهاقرار؛ قال‏:‏ لا تقلْ‏:‏ ارحمنا برحمتك‏.‏ قلت‏:‏ لا نعلمُ لما قاله في اللفظينحجة، ولا دليلَ له فيما ذكره، فإن مرادَ القائل بمستقرّ الرحمة‏:‏ الجنة، ومعناه‏:‏جمعَ بيننا في الجنة التي هي دار القرار ودار المقامة ومحل الاستقرار، وإنما يدخلهاالداخلون برحمة اللّه تعالى، ثم من دخلَها استقرّ فيها أبداً، وأمِنَ الحوادثوالأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمة اللّه تعالى، فكأنه يقول‏:‏ اجمع بيننا في مستقرّنناله برحمتك‏.‏
فصل‏:‏ومن ذلك ما حكاهُالنحَّاسُ عن هذا المذكور، قال‏:‏ لا تقل‏:‏ توكّلتُ على ربي الربّ الكريم، وقل‏:‏توكلت على ربي الكريم‏.‏ قلتُ‏:‏ لا أصلَ لما قال‏.‏
فصل‏:‏روى النحّاسُ عن أبيبكر المتقدم قال‏:‏ لا يقلْ‏:‏ اللهمَّ أجِرْنا من النار ولا يقل‏:‏ اللهمْ ارزقناشفاعةَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فإنما يُشفعُ لمن استوجبَ النار‏.‏ قلتُ‏:‏ هذاخطأ فاحش وجَهالة بيّنة، ولولا خوفُ الاغترار بهذا الغلط وكونه قد ذكرَ في كتبمصنفه لما تجاسرتُ على حكايته، فكم من حديث في الصحيح جاء في ترغيب المؤمنينالكاملين بوعدهم شفاعة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، لقوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏مَنْ قالَ مِثْلَ مايَقُولُ المُؤَذِّنُ حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتي‏"‏(36)‏ وغير ذلك‏.‏
ولقد أحسن الإِمام الحافظُ الفقيه أبو الفضل عِياض رحمه اللّه فيقوله‏:‏ قد عُرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح رضي اللّه عنهم شفاعةَ نبيِّناصلى اللّه عليه وسلم ورغبتهم فيها قال‏:‏ وعلى هذا لا يُلتفت إلى كراهة مَن كَرِهَذلك لكونها لا تكونُ إلا للمذنبين، لأنه ثبتَ في الأحاديث في صحيح مسلم(37)‏ وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهمالجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة؛ قال‏:‏ ثمّ كل عاقل معترفبالتقصير، محتاجٌ إلى العفو، مشفقٌ من كونه من الهالكين؛ ويلزمُ هذا القائل أَنْ لايدعوَ بالمغفرة والرحمة، لأنهما لأصحاب الذنوب، وكلُّ هذا خلافُ ما عُرف من دعاءالسلف والخلف‏.‏
فصل‏:‏ ومن ذلك ما حُكي عنجماعة من العلماء أنهم كرهوا أن يُسمَّى الطوافُ بالبيت شوطاً أو دوراً، قالوا‏:‏بل يُقال للمرّة الواحدة طوفة، وللمرتين طوفتان، وللثلاث طوفات، وللسبع طواف‏.‏قلتُ‏:‏ وهذا الذي قالوه لا نعلمُ له أصلاً، ولعلَّهم كرهوه لكونه من ألفاظالجاهلية، والصوابُ المختار أنه لا كراهةَ فيه‏.‏
2/991 فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏أمرهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يرملوا ثلاثةَ أشواط ولم يمنعْه أنيأمرَهم أن يرملوا الأشواطَ كلَّها إلا الإِبقاء عليهم‏.‏(38)
فصل‏:‏ومن ذلك‏:‏ صُمنارمضانَ، وجاء رمضانُ، وما أشبه ذلك إذا أُريد به الشهر‏.‏ واختلف في كراهته؛ فقالجماعة من المتقدمين‏:‏ يُكره أن يُقال رمضان من غير إضافة إلى الشهر، رُوي ذلك عنالحسن البصري ومجاهد‏.‏ قال البيهقي‏:‏ الطريق إليهما ضعيف؛ ومذهبُ أصحابنا أنهيُكره أن يُقال‏:‏ جاء رمضانُ، ودخل رمضانُ، وحضر رمضانُ، وما أشبه ذلك مما لاقرينة تدلّ على أن المرادَ الشهرُ، ولا يُكره إذا ذُكر معه قرينة تدلّ على الشهر،كقوله‏:‏ صمتُ رمضانَ، وقمتُ رمضانَ، ويجبُ صومُ رمضان،، وحضرَ رمضانُ الشهرالمبارك، وشبه ذلك، هكذا قاله أصحابنا ونقله الإِمامان‏:‏ أقضى القضاة أبو الحسنالماوردي في كتابه ‏"‏الحاوي‏"‏ وأبو نصر الصباغ في كتابه ‏"‏الشامل‏"‏ عن أصحابنا،وكذا نقله غيرُهما من أصحابنا عن الأصحاب مطلقاً، واحتجُّوا بحديث‏:‏
3/992 رويناه في سنن البيهقي،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال‏:‏قال رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَقُولُوا رَمَضَانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْماءِاللَّهِ تَعالى، وَلَكِنْ قُولُوا‏:‏ شَهْرُ رَمَضَانَ‏"‏وهذاالحديث ضعيف ضعَّفه البيهقيُّ والضعف عليه ظاهر، ولم يذكرْ أحدٌ رمضانَ في أسماءاللّه تعالى مع كثرة مَنْ صنَّف فيها‏.‏ والصوابُ واللّه أعلم، ما ذهب إليه الإِمامأبو عبد اللّه البخاري في صحيحه وغير واحد من العلماء المحقِّقين أنه لا كراهةَمطلقاً كيفما قال، لأن الكراهةَ لا تثبتُ إلا بالشرع، ولم يثبتْ في كراهته شيء، بلثبتَ في الأحاديث جواز ذلك، والأحاديث فيه من الصحيحين وغيرهما أكثر من أن تُحصر‏.‏
ولو تفرَّغتُ لجمع ذلك رجوتُ أن يبلغ أحاديثه مئين، لكن الغرضَ يحصلبحديث واحد، ويكفي من ذلك كله‏:‏
4/993 ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم،عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛أن رسولَاللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُالجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ"(39)‏ منها صوم رمضان، وأشباهُ هذا كثيرةٌمعروفة‏.‏
فصل‏:‏ ومن ذلك ما نُقل عن بعضالمتقدمين أنه يُكره أن يقولَ‏:‏ سورة البقرة، وسورة الدخان، والعنكبوت، والروم،والأحزاب، وشبه ذلك؛ قالوا‏:‏ وإنما يُقال السورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورةالتي يُذكر فيها النساء وشبه ذلك‏.‏ قلتُ‏:‏ وهذا خطأ مخالف للسنّة، فقد ثبت فيالأحاديث استعمال ذلك فيما لا يُحصى من المواضع كقوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏الآيَتانِ مِنْ آخِرِسُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتَاه‏"(40) وهذا الحديث في الصحيحين وأشباهُه كثيرة لاتنحصر‏.‏
فصل‏:‏ومن ذلك ما جاء عنمُطرف رحمه اللّه أنه كره أن يقول‏:‏ إن اللّه تعالى يقول في كتابه؛ قال‏:‏ وإنمايُقال‏:‏ إن اللّه تعالى قال‏:‏ كأنه كره ذلك لكونه لفظاً مضارعاً، ومقتضاهُ الحالُأو الاستقبالُ، وقول اللّه تعالى هو كلامُه، وهو قديم‏.‏ قلتُ‏:‏ وهذا ليس بمقبول،وقد ثبتَ في الأحاديث الصحيحة استعمالُ ذلك من جهات كثيرة، وقد نبَّهتُ على ذلك فيشرح صحيح مسلم، وفي كتاب آداب القرّاء، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏واللّه يقولالحقّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏4‏]‏‏.‏
وفي صحيح مسلم ‏(41)،عن أبي ذرّ قال‏:‏ قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏"‏يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏160‏]‏‏.‏

__________________
بسم الله الرحمن الرحيم
لإِيلافِ قُرَيْشٍ(1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ(2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(4)
صدق الله العظيم
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب الاذكار النووية . للامام النووي . كاملا د ايمن زغروت مجلس الاذكار و المأثورات 8 08-07-2017 01:21 PM
تحفة السلطان في النسب والنسب القاسمي : السيد حسين الحسينى الزرباطى. (1) ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين 23 03-09-2016 12:22 AM
موقف الشيخ الغزالي من السنة النبوية ,,, حسن جبريل العباسي الاسلام باقلامنا 26 15-04-2016 12:47 AM
كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي "كاملا" محمد محمود فكرى الدراوى موسوعة الفرق و المذاهب ( الملل والنحل ) 3 26-12-2015 08:00 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:02 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه