العورة في الاسلام . بقلم الشيخ محمد الامين - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
أتود ان تكون من السابقين المقربيين ؟
بقلم : د فتحي زغروت
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: أتود ان تكون من السابقين المقربيين ؟ (آخر رد :جعفر المعايطة)       :: دعاء الاستخارة وكيفية صلاة الاستخارة (آخر رد :ايبور)       :: اسيوط/ (آخر رد :ايمن عمر ناجي)       :: نسب عائلة ال حشيش بلبصيلية ادفو اسوان (آخر رد :رؤوف على طه ابراهيم)       :: حياكم الله (آخر رد :بنت المطر)       :: سؤال بخصوص بعض قبائل عتيبة (آخر رد :بنت المطر)       :: أريد جواب لهذه السؤال مع الدليل (آخر رد :بنت المطر)       :: سؤال بخصوص قبيلة الحشابرة من الطفحة (آخر رد :بنت المطر)       :: قصيدة موثقه تتحدث عن قبيلة الثبته وانساب بعض القبائل لها .. (آخر رد :بنت المطر)       :: هل هذا الكلام صحيح (آخر رد :بنت المطر)      




إضافة رد
قديم 23-07-2017, 02:59 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي العورة في الاسلام . بقلم الشيخ محمد الامين

العورة في الاسلام

عورة الرجل


اختلف العلماء في تحديد عورة الرجل. فمنهم من قال أنها من السرة إلى الركبتين (أي أن الفخذ عورة)، و قال الآخرون أنها السوءتان فقط (أي الفخذ ليس بعورة). ودليلهم قوله –سبحانه وتعالى–: ]لباساً يواري سوآتكم[ وقوله: ]بدت لهما سوآتهما[ وقوله –جل وعلى–: ]ليريهما سوءآتهما[. جاء في "مراتب الإجماع" (1|347) عن "النيِّر": «وأجمعوا أن ما يجب على الرجل ستره في الصلاة: القبلُ والدّبر». وقد أثبت ابن حزم في المحلى (3|215) أن قول جمهور السلف هو أن الفخذ ليس بعورة. لكن التشديد تدرج بمرور الزمن، فصار مذهب جمهور المتأخرين أن الفخذ عورة. بل إن بعض المذاهب تفرض الحجاب الكامل على الشاب الوسيم! لا أقول هذه الكلام من باب التندر! راجع حاشية ابن عابدين (1|285) واقرأ قوله: «إذا بلغ الغلام مبلغ الرجال ولم يكن صبيحاً، فحكمه حكم الرجال في الساتر في الصلاة. وبعكس الصبيح، فحكمه حكم النساء من فرقه إلى قدمه!!!!».
أدلة من قال بأن الفخذ عورة:
يستدلون بحديث: مَرَّ النَّبِيُّ r بِجَرْهَدٍ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدِ انْكَشَفَ فَخِذُهُ فَقَال «إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ». و الحديث أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و علّقه البخاري في صحيحه بصيغة تمريض و ضعّفه في تاريخه (2|248) للاضطراب في إسناده. والحديث كذلك فيه زرعة، وهو مجهول. والحديث عن أبي أيوب (الذي أخرجه الدارقطني) ضعيف لأن فيه سعيد بن راشد وعباد بن كثير، وهما متروكان. وحديث «الركبة من العورة» ضعيف: فيه عقبة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي. وفيه النضر، وهو مجهول يروي أحاديث منكرة، قال ابن حبان: «لا يحتج بحديثه». وحديث «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركتبه» ضعيف لأن فيه عباد بن كثير وهو متروك. وحديث «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» أخرجه أبو داود وأنكره، وقد ضعّفه أبو حاتم لأن فيه ابن جريج وقد دلّسه عن ضعيف. وحديث «الفخذ عورة» أخرجه أحمد والترمذي، وفيه أبي يحيى القتات، وهو ضعيف له مناكير كثيرة. ولا يصح في الباب شيء.
أدلة من يقول بأن الفخذ ليس بعورة:
عن أنس: «أن رسول الله r غزا خيبر. فصلينا عندها صلاة الغداة بِغَلَسٍ. فركب نبي الله r، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة. فأجرى نبي الله r في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لَتَمَسُّ فخِذ نبي الله r. ثم حَسَرَ الإِزَارَ عن فخِذه حتى إني أَنْظُرُ إلى بَيَاضِ فَخِذِ نبي الله r. فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر"...». أخرجه البخاري (1|145) واللفظ له، ومسلم (3|1426).
قوله «حَسَرَ الإِزَارَ» أي كشف. والحديث عند مسلم بلفظ «فانحسر الإزار» ومال الإسماعيلي إلى ترجيحها. قال ابن حجر في الدراية (2|227): «لا فرق في نظري بين الروايتين من جهة أنه r لا يُقَرّ على ذلك لو كان حراماً (أي بسبب عُصمته r). فاستوى الحال بين أن يكون حسره باختياره أو انحسر بغير اختياره». وظاهر سياق أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز يدل على استمرار ذلك، لأنه بلفظ «فأجرى رسول اللّه r في زقاق خيبر، وأن ركبتي لتمس فخذ نبي اللّه، وإني لأرى بياض فخذيه». هذا بالإضافة لقوله «وأن ركبتي لتمس فخذ نبي اللّه» لأن ظاهره أن المس كان بدون الحائل. ومسّ العورة بدون حائل لا يجوز.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (4|1866 #2401): حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قال يحيى بن يحيى أخبرنا وقال الآخرون حدثنا: إسماعيل –يعنون ابن جعفر– عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان –ابني يسار– وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: «كان رسول الله r مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فَخِذَيْهِ أو ساقيه. فاستأذن أبو بكر فَأَذِنَ له، وهو على تلك الحال، فتحدث. ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث. ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله r وسوى ثيابه –قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد– فدخل فتحدث». فلما خرج قالت عائشة: «دخل أبو بكر فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبَالِهِ. ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك!». فقال: «ألا أستحي من رَجُلٍ تستحي منه الملائكة؟». وأخرج الإمام أحمد في مسنده (6|62 #24375) بإسنادٍ صحيح: حدثنا مروان (بن معاوية الفزاري، ثقة) قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بن سَيَّارٍ (وقيل اسمه عبد الله، ثقة) قال: سمعت عائشة بنت طلحة (ثقة) تذكر عن عائشة أم المؤمنين: «أن رسول الله r كان جالساً كاشفاً عن فخذه. فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله... الحديث».
الحديث استدل به من قال أن الفخذ ليست بعورة. و المعارضون لهذا الحديث يرفضون الاحتجاج به للتردد الواقع في رواية مسلم التي ذكرناها ما بين الفخذ والساق، و الساق ليس بعورة إجماعاً. و هذا لا يرد الحديث لما ورد في رواية أحمد و هي الصحيحة. والتردد عند مسلم هو من يحيى بن أيوب، كما يظهر من رواية أبي يعلى في مسنده (8|240). فقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (15|336 #6907) من غير وجه عن إسماعيل: «كاشفاً عن فخذيه، فاستأذن أبو بكر»، أي بلا تردد. و واعترض البعض بأن هذه الواقعة خاصة بالنبي r لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك. وأقول: أن دعوى الخصوصية في هذا غير معقولة. إذ كيف يَأمُر غيره بالحياء وهو في المكان الأعلى من ذلك؟! ولذلك فالمعتمد أن فخذ الرجل ليس من العورة لا في الصلاة ولا في خارجها. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق؟ قال: «إن بدت عورته يعيد، وإن كان الفخذ فلا». قلتُ لأحمد: ما العورة؟ قال: «الفرج والدبر». انظر فتح الباري لابن رجب (2|412).
و الخلاصة أن الشافعي و أبو حنيفة وجمهور المتأخرين قد ذهبوا إلى أن الفخذ عورة. أما مالك وأحمد وابن حزم وجمهور المتقدمين فذهبوا إلى أن العورة هي القبل و الدبر فقط. و الله أعلم.


توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-07-2017, 03:01 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

عورة المرأة أمام الرجال الأجانب


قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (6|364) في المرأة: «كلها عورة إلا الوجه والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم –وهو قول الأوزاعي وأبي ثور–: "على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها". وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (ومن يكون هذا؟!): "كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها"». ثم رواه بإسناده عنه ثم قال: «قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة، ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به. وأجمعوا على أنها لا تصلي متنقبة ولا عليها أن تلبس فقازين في الصلاة. وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة. وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه. وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! وقد رُوِيَ نحو قول أبي بكر بن عبد الرحمن عن أحمد بن حنبل».
ثم قال ابن عبد البر: «اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. فروي عن ابن عباس وابن عمر: "إلا ما ظهر منها: الوجه والكفان". وروي عن ابن مسعود: "ما ظهر منها الثياب"، قال: "لا يبدين قرطا ولا قلادة ولا سوارا ولا خلخالا إلا ما ظهر من الثياب"». ثم روى عن أبي هريرة وعن أمنا عائشة مثل ما روى عن ابن عباس. ثم قال: «واختلف التابعون فيها أيضا على هذين القولين. وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب. فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها». وقد ذكر قريباً من هذا في الاستذكار (2|201) فليراجع. ومعنى الكلام أن جماهير الصحابة والفقهاء يقولون بأن وجه المرأة وكفيها ليسا عورة، ويجوز للمرأة إبدائهما في صلاتها وغير صلاتها. وأن قول من يزعم بأن المرأة عورة كلها، هو قول خارج عن أقاويل أهل العلم.
قال الشوكاني في نيل الأوطار (6|245) (بعد ذكر حديث أسماء): «وهذا فيه دليل لمن قال إنه يجوز نظر الأجنبية]. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية». فقد حكى القاضي عياض عن جماهير العلماء أن المرأة لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، وقيد ذلك ابن رسلان (شافعي متأخر) بعدم كثرة الفساق.
روى ابن جرير في تفسيره (18|119) بإسناد صحيح عن التابعي العابد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182هـ) قال: «{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} من الزينة: الكحل والخضاب والخاتم. هكذا كانوا يقولون، وهذا يراه الناس». تأمل قوله "وهذا يراه الناس"، فهذا يدل على جريان العمل من الناس على ذلك. وعلى هذا جرى العمل منذ أيام الصحابة والتابعين إلى عصر ابن عبد البر إلى عصر القاضي عياض فما بعده.
قال ابن جرير في تفسيره: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: "عنى بذلك: الوجه والكفان". يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن: على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها. إلا ما روي عن النبي أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً، كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة، كما ذلك للرجال. لأن ما لم يكن عورة، فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوماً أنه مما استثناه الله –تعالى ذِكرُه– بقوله: {إلا ما ظهر منها} لأن كل ذلك ظاهر منها». وقال ابن كثير في تفسيره عن هذا التفسير: «وهذا هو المشهور عند الجمهور». وهو مذهب الأئمة الأربعة.
مذاهب الأئمة الأربعة

1– مذهب الحنفية
اتفق الحنفية المتقدمون على جواز كشف المرأة لوجهها ويديها، وبعضهم أجاز كذلك كشفها لقدميها وذراعيها إلى المرافق. وما جاز كشفه فقد جاز النظر إليه بغير شهوة. قال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2|392): «أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي r. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى».
وجاء في "المبسوط" للإمام محمد بن الحسن الشيباني (3|56): «وأما المرأة الحرة التي لا نكاح بينه وبينها ولا حرمة ممن يحل له نكاحها، فليس ينبغي له أن ينظر إلى شيء منها مكشوفاً، إلا الوجه والكف. ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وإلى كفها. ولا ينظر إلى شيء غير ذلك منها. وهذا قول أبي حنيفة. وقال الله تبارك وتعلى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. ففسر المفسرون أن ما ظهر منها: الكحل والخاتم. والكحل زينة الوجه، والخاتم زينة الكف. فرخص في هاتين الزينتين. ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وكفها، إلا أن يكون إنما ينظر إلى ذلك اشتهاء منه لها. فإن كان ذلك، فليس ينبغي له أن ينظر إليها».
وقال شمس الأئمة السرخسي في كتابه المبسوط (10|152) عن النظر إلى الأجنبية: «... فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها. ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة (يعني لا لكونه عورة) وعامة محاسنها في وجهها، فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء... ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها».
قال شيخ الإسلام في فتاواه (22|114): «القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى. فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة، قالت: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قالت: "الْفَتْخُ" حَلَقٌ من فِضةٍ تكون في أصابع الرجْلين. رواه ابن أبي حاتم. فهذا دليلٌ على أن النساء كُنّ يُظهرن أقدامهن. أوّلاً: كما يُظهِرن الوجه واليدين، كنّ يُرخين ذُيولَـهُـن. فهي إذا مشت، قد يظهر قدمها. ولم يكنّ يمشين في خِفافٍ وأحذية. وتغطية هذا في الصلاة فيه حرجٌ عظيم. وأم سلمة قالت: "تصلي المرأة في ثوبٍ سابِغٍ يغطي ظهر قدميها". فهي إذا سجدت، قد يبدو باطن القدم...».
و سبب الخلاف في مسألة قدم المرأة هو في قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} هل القدم مما ظهر منها أم لا؟ قال الإمام السّرخسي الحنفي في كتابه المبسوط (10|153): «لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك، فكذلك إلى وجهها وكفها. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضاً. وهكذا ذكر الطحاوي، لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال، وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة، وربما لا تجد الخف في كل وقت. وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضاً، لأنها في الخَبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيض».
قال الزمخشري (معتزلي العقيدة حنفي الفقه، 538هـ) في "الكشاف" (1|838): «فإن قلتَ‏:‏ لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة؟ قلتُ‏:‏ لأن سترها فيه حرج. فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن. وهذا معنى قوله‏:‏ {‏إلا ما ظهر منها} يعني إلا ما جرت العادة والجِبلةُ على ظهوره والأصل فيه الظهور». قال ابن مودود الموصلي (683هـ) في "الاختيار لتعليل المختار" (4|156): «وأما القدم، فروي أنه ليس بعورة مطلقاً لأنها تحتاج إلى المشي فيبدو، ولأن الشهوة في الوجه واليد أكثر، فلأن يحل النظر إلى القدم كان أولى».
يقول ابن نجيم (970هـ) في "البحر الرائق" (8|351) معلقاً على كلام الزيلعي وشارحاً لمتن النسفي: «ولا بأس بالنظر إلى شعر الكافرة». نقل ذلك عن الْغِيَاثِيَّةِ، وهو في التَّتَارْخَانِيَّة كذلك.
قال أبو سعيد الخادمي (من علماء القرن الثاني عشر) في "البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية": «[فإن كانت المنظورة] إليها [حرة أجنبية غير محرم]. والكافرة كالمسلمة. وعن الخانية: لا بأس في شعرها [للناظر يحرم النظر إليها سوى وجهها وكفيها] وفي القدم روايتان، والأصح كونها عورة. وأما ظهر الكف فعورة. وفي التتارخانية: نظر وجه الأجنبية ليس بحرام، لكن يكره بغير حاجة. وعن أبي يوسف: يجوز النظر إلى ذراعيها، لا سيما عند استئجارها للخبز. وكذا النظر إلى ثيابها مباح. ولا بأس بمصافحة العجائز، ولا بأس في معانقتها من وراء الثياب إن كانت غليظة. ولا (بأس) بالنظر في صغيرة غير مشتهاة، والمس كذلك [مطلقاً] بشهوة أو بغيرها. كذا فسر، لكن مخالف لصريح ما في المنتقى من قوله. ولا إلى الحرة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن أمن الشهوة. وأيضا في التتارخانية: فإن علم الشهوة أو شك، فليجتنب بجهد. لكن في النصاب عن الخصاف أن أبا بكر الأعمش (هو البلخي فقيه حنفي) خرج إلى الرستاق، وكانت النساء في شط نهر كاشفات الذراع والرءوس، فذهب إلى أن خالطهن، ولم يتحام عن النظر إليهن. فقيل له: "كيف هذا؟". فقال: "لا حرمة لهن، لهتكهن حرمة أنفسهن". ومثل ما روي عن عمر t: أتى النائحة حتى هجم عليها في منزلها، فضربها بالدرة حتى سقط خمارها. فسئل عن ذلك فقال: "لا حرمة لها" في الشريعة. ولذلك جوز نظر المحتسب عند تعزيرهن، سيما عند كشف رءوسهن أو ذراعهن أو قدمهن، فيندفع ما يورد أن نظرهن منكر آخر». (ولينظر كذلك الدر المختار للحصفكي 3|214).
فالخلاصة أن مذهب بعض الحنفية هو جواز كشف المرأة لمواضع الوضوء عند الحاجة، أي لوجهها ويديها وقدميها وذراعيها إلى المرافق، أما الشعر فلا لجواز المسح عليه كما يجوز المسح على العمامة، وكذلك لإمكانية المسح عليه من تحت الخمار. وهذا مذهب قوي له أدلته. أخرج أبو داود من طريق أسامة بن زيد (لا بأس به) وأحمد من طريق خارجة بن الحارث المزني (جيد) كلاهما عن ابن خربوذ (ثقة) عن أم صبية الجهنية قالت: «اختلفت يدي ويد رسول الله r في الوضوء من إناء واحد». قال العراقي في طرح التثريب: «وليست أم صبية هذه زوجة ولا محرما».
وأخرج البخاري (#186) من طريق مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: «كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله r جميعاً». ورواه أبو داود من طريق حماد عن أيوب عن نافع، بزيادة: «من الإناء الواحد جميعا». ومن طريق عبيد الله عن نافع، بلفظ: «كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله r من إناء واحد ندلي فيه أيدينا». قال ابن حجر: «ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة. وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضئون جميعا في موضع واحد، هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة. والزيادة المتقدمة في قوله "من إناء واحد" ترد عليه. وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب. وقد أجاب ابن التين عنه بما حكاه عن سحنون أن معناه كان الرجال يتوضئون ويذهبون ثم تأتي النساء فيتوضئن، وهو خلاف الظاهر من قوله "جميعاً". قال أهل اللغة: "الجميع ضد المفترق". وقد وقع مصرحا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث، من طريق معتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أنه أبصر النبي r وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر منه».
وأما من قال بأن هذا قبل الحجاب (أي قبل السنة الخامسة للهجرة) فهو قول ضعيف، لأن الفقيه ابن عمر لم يذكر ذلك (مع ضرورة التنبيه عليه لو كان صحيحاً). بل صيغة الحديث (كانوا يتوضئون في زمان الرسول...) يدل على استمرارية ذلك الفعل في ذلك الزمان دون توقف.

2– مذهب الشافعية
قال الإمام الشافعي في كتابه "الأم" (1|89): « وكل المرأة عورة، إلا كفيها ووجهها. وظهر قدميها عورة». وذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (7|85) وفي "الآداب": عن الشافعي في تفسير قول الله {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه}، قال: «إِلا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا». وهو في مختصر المزني (264هـ) أيضاً وطبعا ذكره في باب "التَّرْغِيبُ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ" (8|264) وليس في باب الصلاة. وقال البغوي الشافعي (516هـ) في "شرح السنة" (9|23): «فإن كانت أجنبية حرة، فجميع بدنها عورة في حق الرجل. لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها، إلا الوجه واليدين إلى الكوعين. وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة»، أي لا يجب عليها تغطية وجهها عند الفتنة. وقال الواحدي (ت:468هـ) في تفسيره "الوجيز": فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذراع. وقد ذكر النووي في المجموع (3|167) رواية عن المزني (صاحب الشافعي) أن القدمان ليستا بعورة.

3– مذهب المالكية
جاء في "الموطأ" رواية يحيى (2|935): «سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال. قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله». قال الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (7|252) عقب هذا النص: «يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها». قال ابن القطان في النظر في أحكام النظر (ص143) بعد أن ذكر هذا النص عن مالك: «وهذا نص قوله. وفيه إباحة إبدائها وجهها وكفيها للأجنبي. إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا. وقد أبقاه الباجي على ظاهره». وقد جاء في كتاب "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد عن مالك أنه سئل عما يظهر من وجه المرأة، فأدار عمامته تحت ذقنه وفوق حاجبيه معلناً بذلك جواز ظهور دائرة الوجه.
وقال مالك لما سأله سحنون (240هـ) في "المدونة" (2|334) عن المرأة التي ظاهَرَها زوجها وصارت أجنبية عنه: «ولا يصلح له أن ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها. قال (سحنون 240هـ): قلت لمالك: أفينظر إلى وجهها؟ فقال (مالك): نعم، وقد ينظر غيره أيضاً إلى وجهها». وفي مختصر خليل (776هـ) (ص20): «ومع أجنبي غير الوجه والكفين»، وتبعه شراح خليل مثل العبدري (897هـ) والخرشي (1101هـ) والدردير (1201هـ) وغيرهم.
قال القاضي المالكي عياض: «ولا خلاف أن فرض ستر الوجه مما اُخْتُصَّ به أزواج النبي r». وخالفه الألباني فذهب إلى أن أمهات المؤمنين لم يُفرض عليهن ستر الوجه، وإن كُن يسترنه.

4– مذهب الحنابلة
اختلفت الروايات عن الإمام أحمد. فقد جاء عنه –في إحدى الروايات– أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، سواء في الصلاة أم خارج الصلاة. وهذا القول مخالفٌ لإجماع العلماء في عدم وجوب تغطية المرأة وجهها وكفيها في الصلاة (وقد سبق رد ابن عبد البر عليه)، فلعله أراد الاستحباب. ولا يقال أنه قد سبقه ابن مسعود t، فليس هذا بصحيح. وقال شيخ الإسلام (ص26): «وابن مسعود t لما قال "الزينة الظاهرة هي الثياب" لم يقل "إنها (أي المرأة) كلها عورة حتى ظفرها". بل هذا قول أحمد، يعني به أنها تستره في الصلاة». ونقل ابن المنذر في الأوسط (7|306) عن الإمام أحمد نصه: «إذا صلت (المرأة) لا يُرى منها شيء ولا ظفرها، تغطي كل شيء»، ونقله أبو داود الحنبلي في "مسائل الإمام أحمد" (ص40) بلفظ: « إذا صلت المرأة لا يرى منها ولا ظفرها، تغطي كل شيء منها».
وبالنسبة للصلاة فقد جاء عن الإمام أحمد أن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وهذه هي الرواية المشهورة التي اختارها الخرقي واعتمدها ابن قدامة المقدسي. جاء في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل" للإمام المرداوي (1|452): «الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة». وأما خارج الصلاة ففي المذهب الحنبلي قولين كذلك كما سبق، واختار ابن مفلح (ت 763) القول الموافق للجمهور. قال في "الآداب الشرعية" (1|316): «قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة، فلا ينبغي الإنكار عليهن إذا كشفن عن وجوههن في الطريق». وابن مفلح هو تلميذ شيخ الإسلام وقد قال ابن القيم فيه: «ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح». ومن قبله بوّب المجد بن تيمية: "باب أن المرأة عورة إلا الوجه وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالباً". وقال الموفق ابن قدامة في المغني (1|637): «لو كان الوجه والكفان عورة، لما حرم سترهما (يعني أثناء الإحرام)، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء».



تفسير آية الحجاب وآية الخمار وآية القواعد


آية الحجاب

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا (لما سلف منهن لترك الستر) رَحِيْمَاً (بهن إذ سَتَرهن)[
قال بعض المعاصرين: «إن قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} لا يستلزم ستر الوجه لغةً ولا عرفاً. ولم يرد باستلزامه ذلك دليلٌ من كتابٍ ولا سنة ولا إجماع. وقول بعض المفسرين: "إنه يستلزمه" معارضٌ بقول بعضهم "إنه لا يستلزمه". وبهذا سقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه». واختلفوا كثيراً في معنى الجلباب. والصواب أنه كل ما تستتر به المرأة من كساء أو غيره. والإدناء التقريب. يقال أدناني أي قربني. وضمن معنى الإرخاء أو السدل. وفي "الكشاف": معنى يدنين عليهن أي يرخين عليهن. ومن للتبعيض. والمراد بالبعض جزأ منه. أي معنى الآية: يُسدِلن عليهنّ مِن بعض ثيابهن. ونساء المؤمنين قد تشمل الإماء، لأنهن يتزوجن. ولكن الشائع هو إطلاقها على المرأة الحرة. فإماء المؤمنين غير داخلات في حُكم الآية. وعلى هذا إجماع الصحابة.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى (15|448): «قوله ]قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن[ الآية، دليلٌ على أن الحجاب إنما أمر به الحرائر دون الإماء. لأنه خص أزواجه وبناته، ولم يقل وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك. ثم قال: ]ونساء المؤمنين[. والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين، كما لم يدخل في قوله ]نسائهن ما ملكت أيمانهن[ حتى عطف عليه في آيتي النور والأحزاب. وهذا قد يقال إنما ينبئ على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث. وإلا فمن قال هي فيهما أو في الذكور، ففيه نظر. وأيضاً فقوله للذين يؤلون من نسائهم، وقوله ]الذين يظاهرون منكم من نسائهم[، إنما أريد به الممهورات دون المملوكات. فكذلك هذا. فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن. وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن. فهذا مع ما في الصحيح من أنه لما اصطفى صفية بنت حيى، وقالوا: "إن حَجّبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه"، دَلّ على أن الحجاب كان مُختصّاً بالحرائر. وفي الحديث دليلٌ على أن أموّة المؤمنين لأزواجه دون سراريه». وقال كذلك (15|372): «والحجابُ مختصٌّ بالحرائر دون الإماء، كما كانت سُنّةُ المؤمنين في زمن النبي وخلفائه: أن الحُرَّةَ تحتَجِبُ، والأَمَة تبرُز. وكان عمر t إذا رأى أَمَةُ مُختَمِرة، ضرَبها وقال: "أتتشبهين بالحرائر؟"».
وأجمع المفسرون كلهم على أن الحجاب جاء للتفريق بن المرأة الحرة والمملوكة فقط. وأن الأَمَة لا يجوز لها الحجاب بعكس الحرة. واتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك. وإليك بعض أقوالهم:
أخرج ابن جرير الطبري (#21865) من طريق سعيد بن بشير الأزدي (صدوق)، عن قتادة (من أئمة البصرة) في تفسير هذه الآية قال: «أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب. {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}. قال: قد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء».
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة (ابن إياس t): «أن دعاراً من دُعَّارِ أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل، فينظرون النساء ويغمزونهن. وكانوا لا يفعلون ذلك بالحرائر، إنما يفعلون ذلك بالإماء. فانزل الله هذه الآية {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} إلى آخر الآية».
وأخرج ابن جرير في تفسيره (22|46) وابن مردويه عن عطية بن سعد العوفي (ضعيف) عن ابن عباس t في الآية، قال: «كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهم من جلابيبهن. وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها».
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير (#21864) وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ]يدنين عليهن من جلابيبهن[ قال: «يتجلببن بها فيعلمن أنهن حرائر، فلا يعرض لهن فاسقٌ بأذىٌ من قولٍ ولا ريبة».
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي مالك (غزوان الغفاري الكوفي، تابعي ثقة عالمٌ بالتفسير) قال: «كان نساء النبي r يخرُجن بالليل لحاجتهن. وكان ناسٌ من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذَين. فقيل ذلك للمنافقين، فقالوا إنما نفعله بالإماء. فنزلت هذه الآية ]يا أيها النبي...[ فأمر بذلك حتى عُرفوا من الإماء». وقال الحافظ ابن سعد الطبقات الكبرى (8|176): أخبرنا محمد بن عمر (الواقدي) حدثنا أبو جعفر الرازي وهشيم (ثقة) عن حصين (ثقة) عن أبي مالك، ثم بمثل قوله السابق.
أخرج الجصاص في أحكام القرآن (5|245): حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع (هو الحسن بن يحيى بن الجعد، ثقة) قال أخبرنا عبد الرزاق (ثقة) قال أخبرنا معمر (ثقة) عن الحسن (إمام البصرة) قال: «كن إماء بالمدينة يقال لهن: "كذا وكذا"، يخرُجن فيتعرض بهن السفهاء، فيؤذونهن (أي بالغزل). وكانت المرأة الحرة تخرج، فيَحسبون أنها أَمَة، فيتعرضون لها، فيؤذونها. فأمر الله المؤمنات أن {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن} أنهن حرائر {فلا يؤذين}». وجاء من طريق الحسن بن يحيى (إن كان ابن جعد فحديثه جيد، وإن كان ابن كثير فهو ضعيف) عن عبد الرزاق (ثقة اختلط في آخر عمره) عن معمر (ثقة ثبت) عن الحسن البصري (من كبار أئمة التابعين) قال: «كن إماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا، كن يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذوهن (أي بالغزل والكلام). فكانت المرأة الحرة تخرج، فيحسبون أنها أمّة، فيتعرضون لها ويؤذونها. فأمر النبي المؤمنات أن {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن} من الإماء أنهن حرائر {فلا يؤذين}».
وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة بدليل أن الآية نزلت عند زواج الرسول r بأمنا زينب r. فقد أخرج البخاري و مسلم في صحيحهما أن أنس بن مالك قال: «أصبح رسول الله r عروسا بزينب بنت جحش، وكان تزوجها بالمدينة. فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار. فجلس رسول الله، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم. حتى قام رسول الله، فمشى فمشيت معه، حتى بلغ باب حجرة عائشة. ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم. فرجع، فرجعت الثانية، حتى بلغ حجرة عائشة. فرجع، فرجعت، فإذا هم قد قاموا. فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب».


آية الخمار في سورة النور

]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[ (النور:30)
]وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ (النور:31)


توقيت نزول الآية

الراجح و الله أعلم أن نزول آيات الحجاب في سورة الأحزاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ...} كان قبل نزول آيات سورة النور {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ...}. حيث ابتدأ الله تشريع الحجاب بسورة الأحزاب، و انتهى بسورة النور. ولا خلاف في أن سورة الأحزاب نزلت عند غزوة الأحزاب في سنة خمس للهجرة. فإن كانت غزوة الأحزاب قبل غزوة بني المصطلق، فمعناه أن أحكام الحجاب في الإسلام بدأت بالتعليمات التي وردت في سورة الأحزاب ثم تممت بالأحكام التي وردت في سورة النور.
يقول ابن سعد في الطبقات الكبرى (2|63-65) أن غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان في سنة خمس، و وقعت بعدها غزوة الأحزاب (غزوة الخندق) في ذي القعدة من السنة نفسها! و أكبر شهادة تؤيد ابن سعد في هذا البيان أن الطرق المروية عن أمنا عائشة t بشأن قصة الإفك قد جاء في بعضها ذكر المجادلة بين سعد بن عبادة t و سعد بن معاذ t.
لكن يقول إمام السِّيَر ابن إسحاق في الجانب الآخر: إن غزوة الأحزاب وقعت في شوال من سنة خمس، و غزوة بني المصطلق في شعبان من سنة ست. كذا نقله عنه ابن هشام في السيرة النبوية (3|165)، وفي طبعة دار الجيل (4|252)، وفي طبعة مؤسسة علوم القرآن (3|289).
و يؤيد ابن إسحاق في هذا البيان ما ورد عن عائشة و غيرها من الروايات المعتمد بها و هي أكثر قوة و كثرة. و تدل هذه الروايات على أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت قبل قصة الإفك، أي في سورة الأحزاب. و توضح الروايات أن النبي r كان قد تزوج بأمنا زينب بنت جحش r قبل ذلك في ذي القعدة من سنة خمس، و جاء ذكره في سورة الأحزاب. كما تفيد هذه الروايات أن حمنة أخت زينب بنت جحش قد شاركت في رمي أمنا عائشة r، لأنها ضرة أختها. و الظاهر أنه لابد من أن تمضي مدة من الزمن و لو يسيرة على صلة الضرارة بين امرأتين حتى تنشأ في القلوب مثل هذه النزاعات. فهذه الأمور كلها مما يؤيد رواية ابن إسحاق و يقويها.
و ما هناك شيء يمنعنا قبول رواية ابن إسحاق إلا مجيء ذكر سعد بن معاذ في زمن الإفك. و كان سعد بن معاذ –كما تفيد جميع الروايات المعتمدّ بها– ممن قتل في غزوة بني قريظة التي تلت غزوة الأحزاب. فمن المستحيل أن يكون سعد بن معاذ حياً سنة ست. إلا أن هذه المشكلة تزول بأن الروايات المروية عن أمنا عائشة جاء في بعضها ذكر سعد بن معاذ، و في بعضها الآخر ذكر أسيد بن حضير مكان سعد. و الرواية الأخيرة تتفق تمام الاتفاق مع الحوادث المروية عن عائشة في شأن قصة الإفك. و إلا فلو سلمنا أن تكون غزوة بني المصطلق و قصة الإفك وقعتا قبل غزوة الأحزاب و غزوة بني قريظة، لمجرد أن نجعلهما تتفقان مع حياة سعد بن معاذ في زمن الإفك، لاستحال علينا أن نجد حلاً لمشكلة عظيمة أخرى: و هي أنه من اللازم إذن أن تكون آية الحجاب و نكاح زينب قد وقعتا قبل غزوة بني المصطلق و قصة الإفك، مع أن القرآن والروايات الصحيحة تشهد بأن نكاح زينب والآية التي فيها حكم الحجاب من الحوادث الواقعة بعد غزوة الأحزاب و غزوة بني قريظة.
فبناءً على ذلك قطع ابن حزم في جوامع السيرة (ص147) و ابن القيم في زاد المعاد (3|265)، و غيرهما من العلماء المحققين بصحة رواية ابن إسحاق، و رجّحوها على رواية ابن سعد. و ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام من أن نزول آيات الحجاب في سورة الأحزاب كان قبل قصة الإفك و قبل آيات الحجاب في سورة النور. وهذا هو الأظهر، و الله أعلم.


تفسير الصحابة للآية

أخرج البخاري في صحيحه عن أمنا عائشة t قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله ]وليضربن بخمرهن على جيوبهن[ شققن مروطهن فاختمرن بها». وعنها كذلك أنها قالت: «لما نزلت هذه الآية ]وليضربن بخمرهن على جيوبهن[أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها». وأخرج عنها ابن أبي حاتم أنها قالت: «لما نزلت هذه الآية ]يدنين عليهن من جلابيبهن[ خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغِربان من السَّكِينَة وعليهن أكسية سود يلبَسْنها». شبهت أغطية شعر الرأس في سوادها بلون الغراب.
أقول: واتفاق الصحابة على تفسير واحد للآية حجة. والآية نزلت بعد الآية التي في سورة الأحزاب بسنة (أي في السنة السادسة بعد الهجرة)، فهي مكمّلةٌ لها. والمقصود من الآية هو تغطية جيب المرأة وهو فتحة صدرها. حيث كانت النساء يغطين رؤوسهن منذ السنة الخامسة، لكن كانت المرأة تترك شقاً في ثوبها من عند الرقبة إلى أسفل الصدر (أي بين ثدييها)، حتى تستطيع إرضاع ولدها. فلذلك قد تبدو فتحة صدرها (أي جيبها) من هذا الشق. ولذلك أمرها الله أن تغطي (أي تخمِّر) هذا الجيب. قال شيخ الإسلام: «والجيب هو شق في طول القميص». والآية في كل حال موضحة لآية الأحزاب شارحة لها. أما خمار الرأس فليس من الضرورة أن يكون أسوداً، ولو أنه أستر بالنظر لرقة أقمشة أهل المدينة آنذاك.
فبدأت الآية بأمر المؤمنات أن يغضضن من أبصارهن. و "من" أي من بعض أبصارهن. والسبب أوضحناه في ما نقلناه من جواز نظر المرأة للرجل بدون شهوة. ثم أمرهن بحفظ فروجهن. فهذا عورة مغلظة لا يجوز أن يراها أحد لا من المحارم ولا من النساء، اللهم إلا الزوج بما استثنى الله في سورة المؤمنون وبما جاء في الحديث الصحيح. قال أبو العالية: «كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا، إلا هذه الآية: {ويحفظن فروجهن}، أن لا يراها أحد».


معنى الزينة

اختلف العلماء في تحديد ما هي الزينة المقصودة بالآية، على ثلاثة أقوال:
1– الزينة هي الحلي نفسها أي الزينة المكتسبة. وما ظهر منها هو الكحل والخاتم، وقيل الثياب. وهذا تفسير يؤيده ما تعارف الناس عليه في تعريفهم للحلي. ولكنه لا يصح هنا لأن إبداء تلك الحلي جائزٌ في أي حال. ويستدلون بتفسير عبد الله بن مسعود t. فقد روى شعبة وسفيان الثوري (وهما أثبت الناس) عن أبي إسحاق السبيعي (ثقة سمع منه الثوري قبل اختلاطه) عن أبي الأحوص (هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي: صحابي) عن عبد الله بن مسعود: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، قال: «الثياب». إسناده صحيح. وقد روي عنه بخلاف ذلك. روى ذلك حجاج بن أرطأة الأعور (ضعيف مدلس) عن أبي إسحاق. وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم (ضعيف) ثنا الفريابي (ثقة) عن إسرائيل (ثقة) عن أبي إسحاق. وحديج بن معاوية (ضعيف) عن أبي إسحاق. وزهير بن معاوية (ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد اختلاطه) عن أبي إسحاق. وكل ذلك لا يتقوى ليعارض رواية الثوري وشعبة عن أبي إسحاق.
ويستشهدون بقوله تعالى ]خذوا زينتكم عند كل مسجد[، إذ ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أنها نزلت في المشركين الذين كانوا يطوفون في المسجد الحرام عراة. فصح أن معنى الزينة هو الثياب التي تستر العورة، لا الثياب الفاخرة. وقد ذكر ذلك ابن خُزيمة في صحيحه (4|208). قلت: إن كانت الزينة في الآية الثانية معناها الثياب، فلا يعني هذا أن الزينة لا تعني في القرآن إلا الثياب. قال الله تعالى: ]المال والبنون زينة الحياة الدنيا[.
ثم لو فرضنا أن المقصود بالزينة هنا الثياب، لما استقام معنى الآية. إذ لصار المعنى لا يبدين ثيابهن إلا ما ظهر منها! فما معنى الاستثناء الأخير؟ أليس بهذا التفسير الخاطئ يصبح استثناء ما ظهر منها لا فائدة منه؟ وحاشى كلام ربنا –سبحانه وتعالى– من ذلك. فإن الاستثناء في الآية يفهم منه قصد الرخصة والتيسير. ومعلومٌ أن ظهور الثياب الخارجية كالعباءة والملاية ونحوهما، أمر اضطراري لا رخصة فيه ولا تيسير.
وماذا يفعل أنصار هذا التأويل بقوله تعالى في حق أمهات المؤمنين (في سورة النور 60) أن يخرجن ]غير متبرجات بزينة[. فكيف يفسرونها وهم يقولون بأن الزينة هي الثياب؟! وأما لو زعموا أن الزينة هي الحلي لكان تحريمهم لذلك مخالفاً لما اتفق عليه علماء المسلمين من جواز لبس المرأة للحلي. وكانت النساء يخرجن لصلاة العيد في حليهن، فيعظهن رسول الله r فيلقين من حليهن ويتصدقن بها. ولم ينهاهن رسول الله r عن لبس الحلي. بل إنهم عاجزون عن تفسير قوله تعالى ]ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن[. لأن معناه سيكون: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ثيابهن!! وهذا تفسير لا يقوله عاقل.
قال المحدث العلامة الألباني في كتابه "جلباب المرأة المسلمة": «مناط الحكم إذن في الآية ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة ـ فهذا مما لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضاً اتفاقاًـ وإنما هو فيما ظهر دون إذن من الشارع الحكيم. فإذا ثبت أن الشرع سمح للمرأة بإظهار شيء من زينتها –سواء كان كفا أو وجها أو غيرهما– فلا يعترض عليه بما كنا ذكرناه من القصد، لأنه مأذون فيه كإظهار الجلباب، تماما كما بينت آنفا».
وقال أيضا في نفس الكتاب: «قلت: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية {إلا ما ظهر منها} إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها. فلا يجوز معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود –الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة– لأمرين اثنين:
الأول: أنه أطلق الثياب. ولا قائل بهذا الإطلاق، لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة، كما تفعله بعض السعوديات كما تقدم. فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها.
الثاني: أن هذا التفسير –وإن تحمس له بعض المتشددين– لا ينسجم مع بقية الآية وهي: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن...}. فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية، كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفاً ثم كرروه، فهو هو. فإذا كان الأمر كذلك، فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟! ولذلك قال أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن (3|316): "وقول ابن مسعود في أن {ما ظهر منها} هو الثياب، لا معنى له. لأنه معلوم أنه ذكر الزينة، والمراد العضو الذي عليه الزينة. ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها؟ فعلمنا أن المراد مواضع الزينة، كما قال في نسق الآية بعد هذا: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}، والمراد موضع الزينة. فتأويلها على الثياب لا معنى له، إذ كان مما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها، كما يراها إذا لم تكن لابستها"».

2– قيل: المراد بالزينة مواضعها، لا الزينة نفسها. لأن النظر إلى أصل الزينة مباحٌ مطلقاً. فالرأس موضع التاج، والوجه موضع الكحل، والعنق والصدر موضعا القلادة، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملوج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم، والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب. واستثنى الأحناف الظهر والبطن والفخذ لأنها ليست بموضع للزينة، وجعلوها عورة للمرأة عن باقي النساء. فالذي ظهر من هذه الزينة هو الكحل والخاتم (أي الوجه واليدين) وقيل الخلخال كذلك (أي القدمين). وهذا فيه إشكال، إذ أن الكحل موضع العينين أو أعلى الوجه، لا الوجه كله. ودليل هذا التفسير القول الضعيف المنسوب لابن عباس t، والقول الحسن المنسوب لأمنا عائشة t، وقولٌ لأنس t، صححه ابن حزم، وما جاء عن بعض التابعين.
فقد أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (4|332) والبيهقي في سننه الكبرى (7|85) والطبري (19|156): من طريق مسلم الملائي بن كيسان الأعور (ضعيف) عن سعيد بن جُبَيْر عن بن عباس: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، قال: «الكحل والخاتم». وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (2|225): من طريق خصيف (ضعيف) عن عكرمة (ثقة) عن بن عباس، نحوه. وقد روى ابن وهب (كما في التمهيد 6|368) عن جرير بن حازم (ثقة عن غير قتادة) قال: حدثني قيس بن سعد أن أبا هريرة كان يقول في قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: «القلب والفتحة». قال جرير بن حازم: «القلب: السوار. والفقخة: الخاتم».
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (3|546): حدثنا وكيع (إمام ثقة) عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ (حسن الحديث) عن أم شبيب (ثقة) عن عائشة قالت: «الْقُلْبُ وَالْفَتْخَةُ». زاد البيهقي في السنن الكبرى (7|85): وضَمَّت طرف كمها. القلب: السوار، كما في "لسان العرب". والفتخة: الخاتم يلبس في أصابع اليد أو الرجل، وقيل هو الخلخال الذي لا يجرِس. وطرف الكم ينتهي عند المعصم، فثبت أن المراد هو الكف لا الخاتم نفسه.
وقد انتصر لهذا الرأي الزّمخشري في تفسيره الكشاف إذ قال: «الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب. فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب. وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر. لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليُعلم أن النظر إليها إذا، لم يحل، لملابستها تلك المواقع».
وقوله تعالى ]ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن[ –على هذا التفسير– فيه أن المقصود من الزينة هو موضعها وهو الساقين، وليس المقصود هو الخلخال. قلت: هذا مخالف للآية، إذ لو كان كذلك، لقال الله تعالى "ولا يكشفن عن أرجلهن"! لكنه منع الضرب على الأرض بهن، حتى لا تلفت النظر إليها، فيعرف الناس وينتبهون إلى الزينة الظاهرة التي تبديها وهي الوجه والكفين وقوام المرأة. وليس المقصود أن لا يعرفوا أنها تخفي خلخالاً في رجلها تحت الثياب!

3– الزينة هي جسم المرأة نفسه وما فيه من مفاتن ومحاسن. وما ظهر منها هو الوجه والكفان وربما الرجلان. ويكون إبداء الزينة جائز لكل محرم ولنسائهن ولمن استثنتهم الآية، إلا العورة المغلظة –وهي الفرج– فعليها حفظها إلى من الزوج كما هو مستثنى في سورة المؤمنون، وكما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وأما قوله تعالى ]ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن[ فالمقصود أن تكون المرأة مقتصدة في مشيها، لا تحاول أن تلفت الأنظار إليها. ولذلك لا يجوز لها لبس الخلخال ولا الكعب العالي الذي يصدر صوتاً أثناء مشيها بالطريق. واستثنى الأحناف البطن والظهر والفخذين من الزينة الجائز إبدائها أمام المحارم. وليس معهم دليلٌ على ذلك الاستثناء. بل إن ذلك يفتح إشكالاً أكبر وهو إن لم تكن هذه المواضع من الزينة، فما الدليل على تحريم النظر إليها؟ و لِمَ لَمْ يستثنوا الساقين والرجلين من الزينة طالما أن دليلهم هو العقل دون النص؟!

ودليل هذا التفسير أقوالٌ صحيحة لجمعٍ من الصحابة. قال ابن حزم في المحلى (3|221): «وقد روينا عن ابن عباس في {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: "الكف والخاتم والوجه". وعن ابن عمر: "الوجه والكفان". وعن أنس: "الكف والخاتم". وكل هذا عنهم في غاية الصحة. وكذلك أيضا عن عائشة، وغيرها من التابعين». سبق ذكر أثر عائشة، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (3|546):
  • حدثنا شبابة بن سوار (ثقة) قال نا هشام بن الغاز (ثقة) قال نا نافع (ثقة ثبت) قال ابن عمر: «الزينة الظاهرة: الوجه والكفان».
  • حدثنا زياد بن الربيع (ثقة) عن صالح الدهان (هو ابن إبراهيم: ثقة) عن جابر بن زيد (ثقة مُفسّر) عن ابن عباس: ]ولا يبدين زينتهن[ قال: «الكف و رُقْعة الوجه». قال الشيخ الألباني: «وهذا إسناد صحيح، لا يضعفه إلا جاهل أو مُغرض».
  • وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (44|432): ثنا الأشج، ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها[ قال: «وجهها وكفاها، والخاتم». وقال أبو بكر المروزي في "جزء يحيى بن معين": حدثنا يحيى بن معين، حدثنا ابن نمير بنحوه.
ولذلك يرى ابن حزم الظاهري إباحة كشف المرأة لوجهها وكفيها، ويذكر قول الله تعالى: ]وليضربن بخمرهن على جيوبهن[ قال: «لو كان ستر الوجه واجباً لقال: "وليضربن بخمرهن على وجوههن"!». وقال في المحلى (3|216): «فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب. وهذا نصٌّ على ستر العورة والعنق والصدر. وفيه نصٌّ على إباحة كشف الوجه. لا يمكن غير ذلك أصلاً».




آية القواعد

قال الله تعالى في سورة النور (60:24): ]وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[.
القواعد: أي العُجَّز اللواتي قَعِدْنَ عن التصرف من السِّن، وقعدن عن الولد والمحيض. وقوله تعالى ]يضعن ثيابهن[ أي كل الثياب، ليس فيه تبعيض. ومن عجائب المفسرين ما قاله الطبري (رغم جلالته في هذا الشأن): «فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن، يعني جلابيبهن، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب». وهذا غلط، لأنه نفى أن يضع النساء الثياب بل جعل ذلك لما هو يلبس فوق الثياب، وهذا بخلاف ما قاله الله تعالى. فإن الله –عز وجل– يقول:]يضعن ثيابهن[، والطبري –رحمه الله– يقول: لا يضعن ثيابهن ولكن يضعن ما يلبسن من فوق الثياب. وحجته هو تفسير عبد الله بن مسعود t للثياب بالجلباب. وليست هذه بحجة له لأن الجلباب هو من الثياب بلا شك في لغة العرب.
أخرج الطبري في تفسيره قال:
· حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان (الثوري)، عن علقمة بن مرثد (ثقة)، عن ذر (زر بن حبيش أبو مريم الأسدي، ثقة مخضرم)، عن أبي وائل، عن عبد الله، في قوله: { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال: الجلباب أو الرداء. شك سفيان.
· حدثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان (الثوري، ثقة ثبت)، عن الأعمش (سليمان بن مهران، ثقة يدلس)، عن مالك بن الحارث (السلمي، ثقة)، عن عبد الرحمن بن يزيد (النخعي)، عن عبد الله: { ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال: الرداء.
· حدثنا محمد بن المثنى (ثقة)، قال: ثنا محمد بن جعفر (ثبت)، قال: ثنا شعبة (إمام ثقة ثبت)، عن الحكم (بن عتيبة، ثقة ثبت يرسل)، قال: سمعت أبا وائل (شقيق بن سلمة الأسدي، ثقة ثبت مخضرم) قال: سمعت عبد الله يقول في هذه الآية: { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال: «الجلباب». قال الطبري: حدثنا يحيى بن سعيد (ثبت)، عن شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، مثله.
قلت والقول الأخير (أي الجلباب) هو الصواب في هذه المسألة، وإسناده صحيح كالشمس. والجلباب اختلف العلماء واللغويون كثيراً في تفسيره، كما تجده في تفسير قوله تعالى ]يدنين عليهن من جلابيبهن[ وكما تجده في معاجم اللغة العربية. فقيل بأنه غطاء الرأس، وقيل بأنه الثوب الذي تلبسه المرأة، وقيل بأنه أي نوع من الثياب، وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده. قال ابن القطان الفاسي في "النظر في أحكام النظر" (2|35): «الثياب المذكورة هي الخمار (غطاء الشعر) والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال (أي يجوز أن تكشف شعرها للرجال)... وهذا قول ربيعة بن عبد الرحمن، وهذا هو الأظهر. فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوبٍ، إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج...» إلى آخر كلامه، وهو نفيس جداً. وقد أيد هذا الشيخ الألباني في كتابه "الإفحام..." ونقل عن ابن عباس t في تفسير: ]ثيابهنَّ[ أنه: «الخمار»، وقال: «وهو الأصح عن ابن عباس».
قال الحنابلة: العجوز التي لا يشتهى مثلها، لا بأس بالنظر إلى ما يظهر منها غالباً، لقوله تعالى: ]والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا[. وفي معنى العجوز الشَّوْهَاءُ التي لا تُشْتَهَى، ومن ذهبت شهوته من الرجال لِكِبَرٍ أو عُنَّةٍ أو مرض لا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَالْخَصِيُّ والشيخ وَالْمُخَنَّثُ الذي لا شهوة له، فحُكمه حُكم ذَوِي المحارم في النَّظر، لقوله تعالى: ]أو التابعين غير أولي الإربة[.
قال الزمخشري في تفسيره "الكشاف" في تفسير هذه الآية: «فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: (التبرج هو) تَكَلُّف إظهار ما يجب إخفاؤه. من قولهم: سفينة بارج، لا غطاء عليها. والبرج: سعة العين، يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء. إلاّ أنه (أي التبرج) اختصّ بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. والعرب تقول: امرأة واضع للتي كَبُرَتْ، فوضعت خمارَها (أي غطاء رأسها)، ثم استثنى عليهن في وضع الثياب أَلاَّ يقصدنَ به التَّبَرُّجَ وإبداءَ الزينة. فرُبَّ عجوزٍ يبدو منها الحِرْصُ على أَنْ يظهر لها جمال. والتبرج: طلب البُدُوِّ والظهورِ للعين، ومنه: بُرُوجٌ مُشَيَّدة. ثم ذكر تعالى أَنَّ تَحَفُّظَ الجميعِ مِنْهُنَّ، واستعفافَهُنَّ عن وضع الثياب، والتزامهنَّ ما يلتزم الشَّوَابُّ من الستر، أفضلُ لَهُنَّ وخير. وقوله تعالى: {واللّه سميع عليم} أي: سميع لما يقولُ كُلُّ قائلة وقائلة عليم بمقصد كل أحد، وفي هاتين الصفتين توعد وتحذير».

تخريج بعض أحاديث الباب


المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان

هو حديث عبد الله بن مسعود t عن النبي r قال: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان...». رواه الترمذي (117) وابن خزيمة (1685) وابن حبان (5598،5599). والحديث ضعيف لأن كل طرقه المرفوعة فيها قتادة –وهو مدلس من الطبقة الثالثة– وقد عنعن بها. لذلك رجّح ابن خزيمة في صحيحه (3|94) أن لا يكون قتادة قد سمع هذا الحديث. والطرق التي ليس بها قتادة، رجح الدارقطني (5|314) وقفها. ولفظه الموقوف من قول ابن مسعود كما عند الطبراني (9|185): «إنما النساء عورة. وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرف لها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِه».


إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها

أخرج أبو داود في سننه (#4104) بإسناده إلى الوليد بن مسلم (ثقة يدلس) عن سعيد بن بشير (صدوق) عن قتادة (ثقة مدلس) عن خالد بن دريك (ثقة) (مرسلاً) عن عائشة t: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله r وعليها ثيابٌ رقاق، فأعرض عنها رسول الله r، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم تصلح أن يري منها إلا هذا وهذا». وأشار إلى وجهه وكفيه. قال أبو داود: «هذا مرسل (أي منقطع باصطلاح المتأخرين): خالد بن دريك لم يدرك عائشة t». قلت: سعيد بن بشير ليس بالقوي. وتفرده بهذا الإسناد يضعفه، إذ قد خالفه من هو أوثق منه.
فقد أخرج أبو داود في "المراسيل" (1|310 #437): حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن داود حدثنا هشام (ثقة) عن قتادة أن رسول الله r قال: «إن الجارية (أي المرأة الصغيرة السن) إذا حاضت (أي وصلت لسن البلوغ)، لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل». وهذا صحيح إلى قتادة لكنه معضل (أي ليس فيه ذكر الصحابي)، ولا تنطبق عليه شروط الإمام الشافعي لقبول المرسل، لأن قتادة من صغار التابعين وليس من كبارهم. فغالب مراسيله عن تابعين، لا عن صحابة. ولولا ذلك لقبلنا تحسين الحديث. وله شاهد أخرجه البيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ فيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحفظ يقبل التلقين.
والحق أن الحديث الثاني يضعف الأول، ولا يقويه كما ظن بعض المعاصرين. فهذا الحديث مما يحتاج إليه، فأين أصحاب قتادة الثقات عنه لو كان مُسنداً؟ إنما رووه مرسلاً، وتفرد ابن بشير بوصله إلى ابن دريك ثم مرسلاً أيضاً إلى عائشة t. وابن بشير على ضعف حفظه المعروف، فإنه لم يحفظ هذا الحديث كذلك. أولاً بدلالة تفرده به ومخالفته لأصحاب قتادة الثقات. وثانياً أن ابن بشير قد اضطرب في الحديث فرواه مرة أخرى عن أم سلمة t، كما ذكر ابن عدي في الكامل (3|373).
ثم أين ذهب الرواة عن عائشة t وأسماء t وباقي نساء الصحابة عن هذا الحديث الذي هو مما يحتاجون للسؤال عنه، فيرويه متصلاً وليس منقطعاً بلا سند؟! ومراسيل قتادة ليست بشيء عند أهل الحديث. فقد جاء في جامع التحصيل (1|90) للحافظ المنذري: «قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح، ويقول هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه».
فهذا الحديث ضعيف، ولا أعلم أحد قواه من المتقدمين إلا البيهقي في سننه (2|226) –رغم ضعف سنده– بحجة موافقته لمذهب جمهور الصحابة، محاولاً نصر المذهب الشافعي. ولكن شروط الشافعي في قبول المرسل كما نص عليها في كتابه الرسالة (ص461)، لا تنطبق على هذا الحديث كما أسلفنا. نعم، قد يصلح كشاهد، ولكنه لا ينهض ليكون حجة بنفسه. وهو –على أية حال– خاصٌّ بالمرأة الحرة. أما الأمة فقد تواتر منع عمر t للإماء من تغطية رؤوسهن (دون إنكارٍ من الصحابة). فهو إجماعٌ سكوتي منهم. لأن الحكمة من الحجاب –بنص القرآن– هو لتمييز المرأة الحرة من الأمة. ولا يثبت في حجاب المرأة الحرة أي حديثٍ مرفوع.

العنوهن فإنهن ملعونات!

عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله r يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال –يركبون على السروج– كأشباه الرجال. ينزلون على أبواب المسجد. نساؤهم كاسيات عاريات. على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف. العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت ورائكم أمة من الأمم، لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم».
حديثٌ ضعيفٌ رواه الإمام أحمد (2|223) وابن حبان (13|64) والطبراني في الصغير (2|257) والأوسط (9|131) والحاكم في مستدركه (4|483). كلهم من طريق فيه عبد الله بن عياش بن عباس القتباني، وهو ضعيف. قال الذهبي «عبد الله وإن كان قد احتج به مسلم، فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة!». والصواب أن مسلم لم يخرج له إلا حديثاً واحداً في الشواهد لا في الأصول، كما أشار ابن حجر في التهذيب (5|307).

عمل المرأة خارج منزلها

لقد ولّى عمر بن الخطاب t مسؤولية الحسبة في أسواق المدينة للشفاء بنت عبد الله العدوية t (وهي صحابية جليلة من المهاجرات الأوائل). وولّى سمراء بنت نهيك الأسدية على سوق مكة t، وكانت تمر في الأسواق تمنع الغش التجاري، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب على ذلك بسوطٍ كان معها من كان يغش في البيع والكيل. وهذا المنصب هو ما يسمى في الشرع قضاء الحسبة.
وعن أبي بلج يحيى بن أبي سُليم قال: «رأيت سمراء بنت نهيك –وكانت قد أدركت النبي r– عليها درع غليظ وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر». أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9|264) (24|311 #785) بإسنادٍ جوّده الألباني، وقال الهيثمي (9|264): ورجاله ثقات. وذكر الإمام ابن عبد البر في الاستيعاب (4|1863 #3386) في ترجمة الصحابية الجليلة سمراء بنت نهيك الأسدية t: «أدركَت رسول الله r وعمّرت. وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوطٍ كان معها».
وقال في الاستيعاب (1868) عن الشفاء t: «كان عمر يقدّمها في الرأي، ويرضاها، ويُفضّلها (وهذا دليل على مشروعية دخول النساء لمجلس الشورى). وربما ولاها شيئاً من أمر السوق». وذكره ابن حجر كذلك في تهذيب التهذيب (12|379). وذكرها الإمام ابن حزم في جماهره (156) في النسب في بني رزاح بن عدي بن كعب فقال: «الشفاء بنت عبد الله أم سليمان بن أبي حثمة. كان عمر رضي الله تعالى عنه استعملها على السوق». وقال في المحلى (9|429 #1804): «وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه ولّى الشفاء (بنت عبد الله العدوية)، –امرأة من قومه– السوق»، واستدل بذلك على مشروعية تولي المرأة الحكم.
أما قول الرسول r: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» فهو إنما يعني الخلافة أو الإمامة العظمى فحسب. فالخليفة أو الحاكم يجب أن يكون رجلاً، أما فيما عدا ذلك، فالمرأة الصالحة لها حق ولاية أي أمر من أمور المسلمين. وقد قال الرسول r: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وذكر الحديث الذي أخرجه البخاري (#6719) أنواع الرعاة ومسؤولياتهم، فذكر المرأة: «والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم». فضلا عن أنه لم يرد نص في القرآن أو السنة، يحرم على المرأة تولي أمور المسلمين فيما عدا الخلافة. ولذلك قال الإمام ابن جرير الطبري: «يجوز أن تقضي المرأة فيما تقبل شهادتها فيه».
وذهب ابن حزم إلى أن المرأة إذا تفقهت في الدين وجب على الرجال أن يأخذوا عنها. وقال في الإحكام (3|337): «فهؤلاء أزواج النبي r وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين، وقامت الحجة بنقلهن. ولا خلاف بين أهل نحلتنا في ذلك». ونقل الشوكاني إجماع المسلمين على جواز قبول روايتها للحديث. فالمرأة تستطيع أن تتولى القضاء والإفتاء، وأن ترأس الرجال في عملهم، وأن تُدرّسهم.
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-07-2017, 03:01 PM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

عورة المرأة أمام النساء

اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال:
1– القبل والدبر كما هي عورة الرجل أمام الرجل. ودليلهم قوله تعالى ]وليحفظن فروجهن[. وهذا مذهب أحمد بن حنبل وابن حزم. وهو القول الصحيح إن شاء الله. جاء في "مراتب الإجماع" (1|343): «والعورة بإجماع: القبلُ والدّبر».
2– بين السرة والركبة. ودليلهم حديثٌ ضعيف. وهذا هو مذهب مالك والشافعي، وقال به بعض الحنابلة. وهو قول جمهور الفقهاء.
3– أضاف الأحناف لذلك البطن والظهر بحجة عقلية.
4– كل بدنها عدا الأطراف، أي عدا الرأس والذراعين والساقين. وهو رأي لبعض المعاصرين كالمودودي (ويبدو أنه يعتبر الرأس عورة أيضاً!). وهو قولٌ شاذٌّ غريب.
وقد ذهبنا إلى القول الأول لقوة أدلته وسلامته من المعارض. واحتج مخالفونا علينا بعدة أدلة أهمها:
1– تفسير موضوع على ابن عباس رواه ابن جرير (9|307): من طريق عبد الله بن صالح (كاتب الليث، ضعيف) عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة (مرسلاً)، عن ابن عباس t قال: ]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها[، قال: «الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطها وقلادتها وسوارها. فأما خلخالها وعضداها ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها».
قلت هذه الرواية من كتاب، وهي صحيفة علي بن أبي طلحة الهاشمي، التي رواها عن عبد الله بن صالح جمع غفير من أئمة أهل الحديث. وهي لا تصح لعدة أسباب كثيرة، أوضحناها في بحثنا عن تخريج الأسانيد المروية عن ابن عباس t في التفسير.
هذا إضافة للنكارة الشديدة في هذا الأثر في أنه لم يعمل به أحد من فقهاء السلف، وكونه مخالفاً للمشهور عن ابن عباس t. وقد بيّن ذلك الشيخ الألباني بالتفصيل في كتابه "الرد المفحم، على من خالف العلماء و تشدد و تعصب، و ألزم المرأة بستر وجهها و كفيها وأوجب، و لم يقتنع بقولهم: إنه سنة و مستحب".
2– واحتجوا بحديث عبد الله بن مسعود r: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان...». ونقول لهم أن الحديث ضعيف لأن كل طرقه المرفوعة فيها قتادة وهو مدلس وقد عنعن بها. والطرق التي ليس بها تدليس قتادة، رجح الدارقطني (5|314) وقفها. وليس فيه دلالةٌ أصلاً على ما تريدون.
3– واحتجوا بحديثٍ موضوع عن أبي أيوب الأنصاري t مرفوعاً: «ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة». قالوا: هذا الحديث نص صريح في تحديد العورة، وهو عامٌّ للرجال والنساء، فليس في الحديث تحديد، فيُحمل على العموم.
قلنا: هذا لا يصح البتة. فقد رواه الدارقطني في سننه (1|231) (والبيهقي كذلك) من طريق سعيد بن راشد عن عباد بن كثير عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي أيوب t. وسعيد بن راشد وعباد بن كثير متروكان، فسقط هذا الحديث.
4– أخرج أبو داود في سننه (4|64 #4113): حدثنا محمد بن عبد الله بن الميمون ثنا الوليد عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى عورتها». قلت الوليد بن مسلم مدلّس تدليس تسوية عن شيخه الأوزاعي. وقد جاء من طريق في سنن البيهقي (2|226) التصريح بالتحديث عن الأوزاعي. واحتمال أن يكون الوليد قد أسقط راوياً ضعيفاً بين الأوزاعي وعمرو بن شعيب ضعيف، لكنه موجود. وعلى أية حال فمعنى الحديث صحيح وإن ضَعُف سنده. وليس فيه تحديد لعورة المرأة.
لكن أخرجه أبو داود والبيهقي (2|228) والدارقطني في سننه (1|230) من وجه آخر من طرق عن داود بن سوار عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r قال: «إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة». وهذا المتن رواه الثقات بألفاظ مختلفة عن سوار بن داود، مما يدل على قلة حفظه لهذا الحديث. فهذا المتن المضطرب ضعيف لا يصلح ليعارض المتن الذي يرويه الأوزاعي. وابن داود هذا فيه ضعف، قال عنه الدارقطني: «لا يتابع على أحاديثه، فيعتبر به». وقد ذكره ابن حبان في الثقات (6|422) ويقصد العدالة، وقال عنه: «يخطئ». ووثقه ابن معين، وهو قد يتساهل في توثيق من لم تكن له رواية إلا الحديث أو الحديثين. وقال عنه الذهبي في الميزان (3|14): «يضعف»، وقال (7|358): «فيه لين». وأشار العقيلي وابن عدي والبيهقي إلى اضطرابه في هذا الحديث.
والحديث جاء أيضاً عند البيهقي (#3053) من طريق الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب به، ولا يصح، فالخليل ضعيف ساقط، وليث مختلط لم يتميز حديثه، فيكفي علة واحدة من هاتين العلتين لرده. وأحسن لفظ لهذا الحديث هو لفظ الأوزاعي، وليس فيه ما يريدون.
5– واحتجوا بأحاديث ضعيفة وأباطيل تنهى عن دخول الحمامات. وقالوا أن ذلك دليلٌ على وجوب تغطية غالب الجسم. وأنه لو كانت عورة المرأة أمام المرأة هي السوءتين فقط، لأُجيز للمرأة أن تدخل الحمام. وإليك أهم تلك الأحاديث التي استدلوا بها:
1) احتجوا بحديثٍ باطلٍ أخرجه أبو داود (4|39): من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي (ضعيف الحفظ) عن عبد الرحمن بن رافع (مجهول) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات. فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر. وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء».
2) واحتجوا بحديث منقطع عن ابن عباس t قال، قال رسول الله r: «احذروا بيتاً يقال له الحمام». قلنا الحديث له إسنادٌ ظاهره الصحة. ولذلك اغتر به بعض العلماء فصححه. ولكن الصواب فيه أنه مرسل كما أثبت ذلك أبو حاتم في علله (2|240) والبيهقي في السنن الكبرى (7|309) والبزّار.
3) واحتجوا بما رواه أبو داود والترمذي وعبد الرزاق من طريق أبي المليح الهذلي أن نساء من أهل حمص أو من أهل الشام دخلن على عائشة فقالت: «أنتن اللاتي يدخلن نساءكن الحمامات؟ سمعت رسول الله r يقول: «ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها». وهذا حديث مرسل، ولا نعرف ممن سمعه أبو المليح هذا.
4) واحتجوا بما أخرجه الحاكم والطبراني في الأوسط (2|194) من طريق إسحاق بن راهوية عن معاذ بن هشام (صدوق ربما وهم) عن أبيه عن عطاء (بن السائب، اختلط وتلقن) عن أبي الزبير (مدلس) عن جابر t قال: قال رسول الله r: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل حليلته الحمام. ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر.......الخ». قال الطبراني: «يقال إن عطاء الذي روى عنه هشام الدستوائي هذا الحديث هو: عطاء بن السائب. ولم يرو هذا الحديث عنه إلا هشام. ولا عن هشام إلا ابنه. تفرد به إسحاق».
5) واحتجوا بما أخرجه الحاكم من طريق أبي صالح كاتب الليث (منكر الحديث) عن الليث عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن جبير عن محمد بن ثابت بن شرحبيل (فيه جهالة) أن عبد الله بن يزيد الخطمي حدثه عن أبي أيوب الأنصاري t أن رسول الله r قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفة ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم جارة ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر من نسائكم فلا تدخل الحمام». وهذا حديثه أعله الهيثمي بضعف أبي صالح. قلت: وكذلك جهالة ابن شرحبيل.
6) واحتجوا بما أخرجه أحمد وأبو يعلى و الطبراني و الحاكم من طريق دراج أبي السمح عن السائب: أن نساء دخلن على أم سلمة t، فسألتهن من أنتن؟ قلن: من أهل حمص. قالت: من أصحاب الحمامات؟ قلن: وما بها بأس؟ قالت: سمعت رسول r: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها فقد خرق الله عنها سترها». أخرجوه من طريق دراج أبي السمح (متروك كما قال الحافظ الدارقطني) عن السائب (مجهول). فهذا إسناده مظلمٌ لا تقوم به حجة.
7) واحتجوا بحديث مظلمٍ عن أم الدرداء t قالت: خرجت من الحمام، فلقيني النبي r فقال: «من أين يا أم الدرداء؟». فقلت: من الحمام. فقال: «والذي نفسي بيده، ما من امرأة تنزع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها، إلا هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل». وهذا حديث موضوع. سرد ابن الجوزي أسانيده ثم قال في العلل المتناهية (1|341): «هذا حديث لا يصح. قد سبق في كتابنا أن ابن لهيعة ذاهب الحديث. فأما زبان، فقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وأما سهل بن معاذ، فقال يحيى: ضعيف. وقال ابن حبان: لست أدري التخليط منه أو من زبان. وأما أبو صخر، فاسمه حميد بن زياد، ضعفه يحيى. وهذا الحديث باطل، لم يكن عندهم حمامات زمن رسول الله r».
8) وأخرج الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن عباس t عن النبي r قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام (إلا بمئزر). ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل حليلته الحمام....الخ». وهذا الحديث كفانا الترمذي بيان ضعفه فقال في سننه (5|113): «هذا حديث حسن غريب. لا نعرفه من حديث طاووس عن جابر، إلا من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل (أي البخاري): ليث بن أبي سليم صدوق وربما يهم في الشيء. قال محمد بن إسماعيل وقال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره. فلذلك ضعفوه».
9) وهناك أحاديث ضعيفة أخرى، ولا حجة لهم فيها. ولذلك قال الحافظ الحازمي في كتابه الاعتبار (187): «باب النهي عن دخول الحمام ثم الإذن فيه بعد ذلك». ثم قال في آخره: «وأحاديث الحمام كلها معلولة (يعني المرفوعات)، وإنما يصح فيها عن الصحابة رضي الله عنهم». وقد ضعفها كذلك الحافظ عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى له (1|244). وقال الذهبي: «أحاديث الحمام لم يتفق على صحة شيء منها». وقال المنذري: «أحاديث الحمام كلها معلولة. وإنما يصح منها عن الصحابة». قال العجلوني في كشف الخفاء (2|566) في الخاتمة في باب الأحاديث الموضوعة: «وباب النهي عن دخول الحمام لم يصح فيه شيء».
10) واحتجوا بأثرٍ موقوفٍ على عمر بن الخطاب t ينهى فيه نساء المسلمين على دخول الحمامات. وقالوا: هذا النهي دليلٌ على أن المرأة يجب عليها أن تستتر من المرأة الأخرى وتغطي غالب جسمها. لأنه لا يجوز لها الدخول إلى الحمام إلا لضرورة.
قلنا: هذا الأثر جاء من عدة طرق كلها ضعيف. فقد رواه عبد الرزاق (1|295 #1134) عن ابن المبارك عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي –قال ابن الأعرابي: وجدت في كتاب غيري عن قيس بن الحارث– قال: «كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بلغني...» فذكره. ورواه عبد الرزاق أيضاً (1136) من طريق إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن قيس بن الحارث قال: كتب عمر بن الخطاب t إلى أبي عبيدة فذكره.
ولكن رواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال كتب عمر بن الخطاب t إلى أبي عبيدة t فذكره، فزاد فيه عن أبيه، وجعله من رواية الحارث بن قيس. ورواه سعيد بن منصور أيضاً عن عيسى بن يونس عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي قال: «كتب عمر بن الخطاب t... الحديث». ورواه ابن جرير كذلك عن عيسى بن يونس بمثله.
ففي رواية ابن المبارك عند عبد الرزاق وعيسى بن يونس عند سعيد بن منصور وابن جرير عن عبادة بن نسي مرسلاً. وزاد إسماعيل بن عياش كما في رواية سعيد بن منصور عن عبادة عن أبيه عن الحارث بن قيس، ونسي والد عبادة مجهول. وأسقطه في رواية عبد الرزاق. فيكون الأثر منقطعاً بين عبادة وقيس بن الحارث، كما أنه جعله من رواية الحارث بن قيس بدل قيس بن الحارث. وهذا كله يدل على اضطراب إسماعيل في روايته لهذا الأثر. بينما الأثبات رووه عن عبادة (ت 118هـ) مرسلاً. فيكون مدار الحديث على "نسي" المجهول. وقد رجح ذلك أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (8|510).
وأخرجه عبد الرزاق (#1133) من طريق سليمان بن موسى، وهو ضعيف قال عنه البخاري: «عنده مناكير». ومتن هذه الرواية مضطرب في كل الروايات فلا يمكن تقويتها أو تصحيحها. قال الإمام أحمد (في رواية عبد الملك الميموني): «وعمر كتب إلى أهل الشام : امنعوا نساءهم أن يدخلوا مع نسائكم الحمامات»، ثم قال: «ليس له ذاك الإسناد».
11) ويشبه هذا ما أخرجه عبد الرزاق (#1135) عن محمد بن عبيد الله (العرزمي، ضعيف) عن أم كلثوم قالت: «أمرتني عائشة فطليتها بالنورة. ثم طليتها بالحناء على إثرها، ما بين فرقها إلى قدمها في الحمام، من حصنٍ كان بها. فقلت لها: "ألم تكوني تنهي النساء؟". فقالت: "إني سقيمة. وأنا أنهى الآن أن تدخل امرأة الحمام، إلا من سقم"». وفي "لسان العرب" لإبن المنظور: «النُّورَةُ من الحجر الذي يحرق ويُسَوَّى منه الكِلْسُ ويحلق به شعر العانة». قلت: هذا الأثر ضعيف ليس لهم به حجة.
فثبت بذلك أنه لا دليل لهم على ما يقولون. ]إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[. والصواب الذي لا شكّ فيه أن عورة المرأة أمام المرأة والمحارم هي كعورة الرجل أمام غيره (إن أمنت الشهوة). فإن قيل هل يجوز أن تخرج المرأة على النساء في الحفلات وغيرها وهي لم تستر سوى قبلها ودبرها؟ فنحن نقول لهؤلاء المشاغبين: هل يجوز عندكم أن يخرج الرجل على الرجال والنساء في الحفلات وغيرها وهو لم يستر سوى قبله ودبره؟ هل ترون أن من قال بأن عورة الرجل هي مجرد سوءتيه (وهم جمهور السلف) كانوا يقصدون ذلك؟! فكل جوابٍ أجابونا به، يكون جواباً على شبهتهم، والحمد لله رب العالمين.
وأما نحن فهذه أدلتنا:
1– قال الله تعالى في سورة النور (30): ]وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن. ويحفظن فروجهن. ولا يبدين زينتهن، إلا ما ظهر منها. وليضربن بخمرهن على جيوبهن. ولا يبدين زينتهن، إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء. ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون[.
وفي الآية دليلٌ على أنه يجوز أن تبدي المرأة أمام محارمها وأمام النساء المسلمات ما تبديه أمام زوجها. وهذا يشمل كل جسدها إلا الفرجين لقوله تعالى ]ويحفظن فروجهن[. وأجاز رؤية ذلك للزوج استثناءً كما في أوائل سورة المؤمنين.
قال ابن حزم في المحلى (10|32): «وجائز لذي المحرم أن يرى جميع جسم حريمته –كالأم والجدة والبنت وابنة الابن والخالة والعمة وبنت الأخ وامرأة الأب وامرأة الابن– حاش الدبر والفرج فقط. وكذلك النساء بعضهن من بعض. وكذلك الرجال بعضهم من بعض. برهان ذلك قول الله تعالى {ولا يبدين زينتهن يخفين من زينتهن}. النور الآية. فذكر الله عز وجل في هذه الآية زينتهن زينة ظاهرة تبدي لكل أحد وهي الوجه والكفان على ما بينا فقط، وزينة باطنة حرم عز وجل إبداءها إلا لمن ذكر في الآية. ووجدناه تعالى قد ساوى في ذلك بين البعولة والنساء والأطفال وسائر من ذكرنا في الآية. وقد أوضحنا في كتاب الصلاة أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين. فحكم العورة سواء فيما ذكرنا، إلا ما لا خلاف فيه من أنه لا يحل لغير الزوج النظر إليه: الفرج والدبر. ولم نجد لا في قرآن ولا سنة ولا معقول فرقاً بين الشعر والعنق والذراع والساق والصدر وبين البطن والظهر والفخذ، إلا أنه لا يحل لأحد أن يتعمد النظر إلى شيء من امرأة لا يحل له -لا الوجه ولا غيره- إلا لقصة تدعو إلى ذلك لا يقصد منها منكر بقلب أو بعين. وقد روينا عن طاوس كراهة نظر الرجل إلى شعر ابنته وأمه وأخته، ولا يصح عن طاوس. وصح عن إبراهيم أن لا ينظر من ذات المحرم إلا إلى ما فوق الصدر. وهذا تحديد لا برهان على صحته. وليس هذا مكان رأى ولا استحسان، لأن المخالفين لنا ههنا بأهوائهم لا يختلفون في أنه لا يحل النظر إلى زينة شعر العجوز السوداء الحرة. ولعل النظر إليها يقذى العين ويميت تهييج النفس. ويجيزون النظر لغير لذة إلى وجه الجارية الجميلة الفتاة ويديها».
2– روى مسلم في صحيحه (1|266) من حديث أبي سعيد الخدري r قال: قال رسول الله r: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة. ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد. ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد».
ففي هذا الحديث دليل على التساوي في حدود العورة بدلالة الاقتران والقياس. وهذا هو الصواب في مذهب أحمد بن حنبل. وقد ثبت عندنا أن عورة الرجل من الرجل هي السوءتين، فكذلك المرأة. والذين قالوا بأن عورة الرجل هي ما بين السرة إلى الركبة، جعلوا ذلك للمرأة كذلك.
قال الإمام المرداوي في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (8|24): «قوله "وللمرأة مع المرأة والرجل مع الرجل النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة": يجوز للمرأة المسلمة النظر من المرأة المسلمة إلى ما عدا ما بين السرة والركبة. جزم به في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والمصنف هنا وصاحب الرعاية الصغرى والحاوي الصغير الوجيز وشرح ابن منجا وغيرهم وقدمه في الرعاية الكبرى. والصحيح من المذهب أنها لا تنظر منها إلا العورة. وجزم به في المحرر والنظم والمنور. ولعل من قطع أَوّلاً أراد هذا. لكن صاحب الرعاية غاير بين القولين وهو الظاهر. ومرادهم بعورة المرأة هنا كعورة الرجل على الخلاف. صرح به الزركشي في شرح الوجيز».
3– أخرج البخاري ومسلم –واللفظ له– عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة. فسألها عن غسل النبي r من الجنابة. فدعت بإناءٍ قَدْرَ الصّاعِ، فاغتسلت وبيننا وبينها سِتر. وأفرَغَت على رأسها ثلاثاً. وكان أزواج النبيr يأخُذنَ من رءوسهن حتى تكون كالوَفْرة».
فقال القاضي عياض في كتابه "إكمال المعلم شرح صحيح مسلم": «ظاهر الحديث أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل لذي المحرم النظر إليه من ذات المحرم. وكان أحدهما أخاها من الرضاعة كما ذُكِرَ. قيل اسمه عبد الله بن يزيد، وكان أبو سلمة ابن أختها من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر. ولولا أنهما شاهَدا ذلك ورأياه، لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى! إذ لوا فعلت ذلك كله في سِتْرٍ عنهما لكان عبثاً، ورجع الحال إلى وصفها له. وإنما فعلت الستر ليستتر أسافِل البدَن وما لا يحل للمَحرم نظره». قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «وفي هذا الذي فعلته عائشة t دلالة على استحباب التعليم بالوصف بالفعل. فإنه أوقع في النفس من القول، ويثبت في الحفظ ما لا يثبت بالقول». قلت: فهذا دليلٌ على أن أعالي الجسد ليس بعورة.
4– أخرج مسلم في صحيحه (4|1730 #2206) عن جابر: «أن أم سلمة استأذنت رسول الله r في الحجامة، فأمر النبي r أبا طيبة أن يحجمها». قال (راوي الحديث): «حسبت أنه (أي جابر) قال: كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم». قال ابن حزم: «أم سلمة r ولدت بمكة، وبها ولدت أكثر أولادها. وأبو طيبة غلام لبعض الأنصار بالمدينة، فمحال أن يكون أخاها من الرضاعة. وكان عبداً مضروباً عليه الخراج». فلم يبق إلا أنه غلام لم يحتلم. والحجة في هذا الحديث أنه «لا يمكن أن يحجمها، إلا حتى يرى عنقها وأعلى ظهرها مما يوازي أعلى كتفيها» كما قال ابن حزم.
5– ثم إن الأصل في الأمور الإباحة. وهذا أمرٌ عمّ فيه البلاء. ولو كان هناك حديثٌ صحيحٌ لتناقله الفقهاء بينهم ولنقله الثقة عن الثقة حتى وصل إلينا. فلمّا عجز خصومنا عن الإتيان بأي حديثٍ صحيحٍ صريحٍ في المسألة، ثبت يقيناً عدمه. فلم يبق إلا ما قلناه من أن الأصل في الأمور الإباحة إلا ما جاء مخصص له وهو قوله تعالى ]ويحفظن فروجهن[. وظاهر الآية معنا كما أوضحنا. ولا نترك كتاب ربنا لحديثٍ موضوعٍ أو قياسٍ فاسدٍ أو رأيٍ ضعيف. ]وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[.
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-07-2017, 03:02 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

عورة المرأة أثناء الصلاة

قدم المرأة
رُوِيَ عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه (أم حرام) عن أم المؤمنين أم سلمة t أنها سألت النبي r: «أتصلي المرأة في دِرْع (أي قميص) وخمار (غطاء الرأس) ليس لها إزار؟». فقال: «لا بأس إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها (أي أعلاهما وظاهرهما، وليس أسفلهما)». وهذا الحديث احتجوا به على مذهب أبي حنيفة (والثوري والمزني) الذي أجاز فيه للمرأة إظهار قدمها في الصلاة قياساً على الكف. وليس في الحديث إشارة إلى خارج الصلاة ولا إلى باطن القدم. والحديث أخرجه أبو داود والحاكم مرفوعاً، ولم يصح من هذا الطريق. فقد أخرجه مالك موقوفاً في موطّئِه (1|142) عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة زوج النبي r: «ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟». فقالت: «تصلي في الخمار والدرع السابغ، إذا غيب ظهور قدميها». ورجح الحافظ الدارقطني الموقوف فقال إنه الصواب. ووافقه الحفاظ على ذلك.
وهذا واضحٌ فقد رواه مالك وابن أبي ذئب وهشام بن سعد وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق وأبو عسال محمد بن مطرف والدراوردي عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة موقوفاً. ورواه عثمان بن عمر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة مرفوعاً. وعبد الرحمن هذا ضعيف. ضعفه يحيى، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، وقال عنه ابن حجر صدوق يخطئ. وقد خالف الجمع الكبير ممن هم أوثق منه. فمثل هذا الحديث الموقوف ليس بحجة، لأن راوية الحديث –أم حرام– مستورة، قال عنها الذهبي في ميزان الاعتدال (7|477): «لا تُعرَف». ولذلك قال الألباني في "تمام المنة" (ص161): «لا يصح إسناده لا مرفوعاً ولا موقوفاً، لأن مداره على أم محمد بن زيد، وهي مجهولة لا تُعرف».
وأخرج النسائي والترمذي وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله r: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقالت أم سلمة: «فكيف يصنع النساء بذيولهن؟». قال: «يرخين شِبراً». قالت: «إذاً ينكشف أقدامهن!». قال: «فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه». قلت: أصل الحديث صحيحٌ متفقٌ عليه، ولكن زيادة "فقالت أم سلمة..."، فما بعدها هي مدرجة من قول نافع وليس من قول ابن عمر. ولذلك لم يخرجها لا البخاري ولا ومسلم مع إخراجهم لهذا الحديث عن نافع وعن غيره عن ابن عمر t. وهي مرسلة، فقد ذكر ابن الجوزي أنه لا يصح لنافع سماع من أم سلمة أم المؤمنين t.
وللقصة شاهد ضعيف جداً عن أحمد (2|18) وأبي داود (4|65): من طريق زيد العَمّي (ضعيف جداً) عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر قال: «رخّص رسول الله r لأمهات المؤمنين في الذيل شبراً. ثم استزدنه، فزادهن شبراً. فكنّ يرسلن إلينا، فنذرع لهن ذرعاً». وهذا الحديث أنكره ابن عدي في الكامل (3|201).
ولكن للحديث طرقٌ أخرى لا بأس بها، كلها عن نافع. وقد استوعب النسائي هذه الطرق في سننه الكبرى (5|493) مرتبة منسقة مبتدئاً بالرواية الخطأ كعادته. وذكر هذا ابن السني مختصراً في المجتبى (8|209). قال الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذي" عن سنن النسائي: «تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث، بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له». وخلاصة هذه الطرق هي:
1– أيوب ويحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة.
3– حماد بن مسعدة عن حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت نافعا يقول حدثتنا أم سلمة.
4– الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت نافعا يحدث قال حدثني بعض نسوتنا عن أم سلمة.
5– أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد (امرأة ابن عمر، أخت المختار) عن أم سلمة.
6 – عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. قال النسائي: مرسل!
7– محمد بن عبد الرحمن بن غنج عن نافع عن أم سلمة. قال النسائي: مرسل. وهذه تشبه الرواية الأولى.
وسماع نافع من أم سلمة t الراجح أنه وهم، والصواب أنه لا يصح له سماعٌ منها. فبقيت روايتين: رواية نافع عن صفية عن أم سلمة، ورواية نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة. وكلتا الروايتين متصلتين، ولكن ظاهر فعل النسائي أن رجح الثانية، وجعلها مرسلة. وهذا عجيب إذ لا أعلم أين الانقطاع فيه. فالحديث إذاً فيه اضطرابٌ، ولكن رجاله ثقات، ونافع ثقة ثبت يجوز عليه تعدد الأسانيد. لكن يبقى في النفس شيء بسبب ترجيح النسائي، والله أعلم.
وأحسن إسنادٍ لهذا الحديث ما رواه مالك في الموطأ برواية يحيى (2|915): عن أبي بكر بن نافع عن أبيه نافع مولى بن عمر عن صفية بنت أبي عبيد أنها أخبرته عن أم سلمة زوج النبي r أنها قالت حين ذُكِر الإزار: «فالمرأة يا رسول الله؟». قال: «ترخيه شبراً». قالت أم سلمة: «إذاً ينكشف عنها!». قال: «فذراعاً لا تزيد عليه». وأخرجه أبو داود من طريق مالك بلفظه. وأحسن منه ما رواه النسائي في المجتبى (8|209): عن محمد بن عبد الأعلى عن النضر بن سليمان قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة قالت: «سئل رسول الله r كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال: شبراً. قالت: إذاً ينكشف عنها! قال: ذراع لا تزيد عليه». وهاتين الروايتين ليس فيهما ذكر الصلاة ولا ذِكر الرِّجْل، ولعل الذي روي في ذلك في الروايات الأخرى مرويٌّ بالمعنى.
فإذا نظرت لقول الرسول r: "أزرة المؤمن نصف الساق"، زد على ذلك ذراعاً، يتبين لك أنه هو لباس نسائنا الآن ولله الحمد. وقد جاءت الرخصة بزيادة ذراع من نصف الساق، لا أكثر، وهو ليس واجباً. وقد وقع تردد في رواية أيوب عن نافع فجاء بلفظ: "تَخْرُجَ سُوقُهُنَّ" أو قالت "أقدامهن". والذي يظهر أن أم المؤمنين لا تعني القدمين، وإنما تعني انكشاف ما فوق ذلك من الساق. بدليل أنها تقول "ينكشف عنها" دون ذكر القدم. وما فيه ذكر الأقدام، أي يكشفن من تلك الناحية. قال شيخ الإسلام في فتاواه (22|114): «القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى. فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة، قالت: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قالت: "الْفَتْخُ" حَلَقٌ من فِضةٍ تكون في أصابع الرجْلين. رواه ابن أبي حاتم. فهذا دليلٌ على أن النساء كُنّ يُظهرن أقدامهن. أوّلاً: كما يُظهِرن الوجه واليدين، كنّ يُرخين ذُيولَـهُـن. فهي إذا مشت، قد يظهر قدمها. ولم يكنّ يمشين في خِفافٍ وأحذية. وتغطية هذا في الصلاة فيه حرجٌ عظيم». (ص118): «ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجباً، لبينه النبي r. كذلك القدمان. وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص». وقال (ص119): «ولهذا قلن: "إذاً تبدوا سوقهن". فكان المقصود تغطية الساق، لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساقُ عند المشي».
و سبب الخلاف في مسألة قدم المرأة هو في قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} هل القدم مما ظهر منها أم لا؟ قال الإمام السّرخسي الحنفي في كتابه المبسوط (10|153): «لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك، فكذلك إلى وجهها وكفها. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضاً. وهكذا ذكر الطحاوي، لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال، وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة، وربما لا تجد الخف في كل وقت. وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضاً، لأنها في الخَبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيضاً».

لا صلاة لحائض إلا بخمار

حديث «لا يقبل الله صلاة حائض (أي امرأة بالغة) إلا بخمار (أي غطاء الشعر)». مرسلٌ، أخرجه أحمد وأصحاب النسائي وابن خزيمة والحاكم من حديث عائشة، وحسنه الترمذي (وهذا دلالة ضعفه). وفيه قتادة وهو مدلّسٌ وقد عنعن. وقد أعله الحاكم بالإرسال، ورجح الحافظ الدارقطني أنه من رواية أيوب وهشام عن ابن سيرين مرسلاً عن عائشة t. وقد أخرج هذه الرواية الراجحة أبو داود في سننه (1|173 #642): حدثنا محمد بن عبيد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد (بن سيرين، مرسلاً): أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات (هي صفية بنت الحارث، مجهولة وقيل لها صحبة وفيه نظر). فرأت بنات لها، فقالت إن رسول الله r دخل وفي حُجرتي جارية، فألقى لي حَقْوَهُ وقال: «شُقّيه بشقتَين، فأعطي هذه نصفاً، والفتاة التي عند أم سلمة نِصفاً، فإني لا أراها إلا قد حاضت –أو لا أراهما إلا قد حاضتا–». قال أبو داود: «وكذلك رواه هشام عن ابن سيرين». وهذا حديثٌ منقطعٌ، إذ قال أبو حاتم الرازي: «لم يسمع ابن سيرين من عائشة». وقد أخرج الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ في الصغير والأوسط عن أبي قتادة قال: قال رسول الله r: «لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها، ولا جارية بلغت المحيض حتى تختمر». قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2|52): «رواه الطبراني وقال: تفرد به إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي. قلت: ولم أجد من ترجمه».
واتفق العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة. قال ابن حزم في مراتب الإجماع (1|28): «واتفقوا أن ستر العورة فيها (أي في الصلاة) –لمن قَدِرَ على ثوبٍ مباحٌ لِباسه له– فرض». ولكنهم اختلفوا إن كان ذلك من شروط الصلاة أم لا. بمعنى أن من صلى كاشفاً لعورته فهو آثم، لكن صلاته صحيحة. وهذا قول مالك المشهور وقول الشافعي في القديم. ومثال ذلك الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة في ثوب نجس، والصلاة في ثوب حرير.
وقال كثير من العلماء ببطلان الصلاة. وزعم ابن المنذر الإجماع على ذلك. قال في "الإجماع" (1|41): «وأجمعوا على أن الحرة البالغ تخمر رأسها إذا صلّت. وعلى أنها إن صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة». وهذا إجماعٌ باطلٌ بلا شك. والمسألة خلافية مشهورة في كتب الفقه لا تخفى على طالب علم. قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (1|82): «اتفق العلماء على أن ستر العورة فرضٌ بإطلاق. واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة. وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة». وقال ابن العربي في أحكام القرآن عن ستر العورة في الصلاة: «وأما مالك فالمشهور من قوله أنها فرض إسلامي لا تختص بالصلاة. وهو أشهر أقوالنا (أي المالكية)». والمسألة مبسوطة في كتب المالكية.
ويُشترط في اللباس الساتر للعورة أن يستر لون البشرة ولا يكون شفافاً. أما لو لبست المرأة ملابس ضيقة فصلت بها، فصلاتها صحيحة. قال ابن مفلح (تلميذ شيخ الإسلام) في المبدع (1|359) عن الستر في الصلة: «إذا وصف بياض الجلد أو حمرته، فليس بساتر. وإذا ستر اللون ووصف الخلقة –أي حجم العضو–، صحت الصلاة فيه، لأن البشرة مستورة. وهذا لا يمكن التحرّز منه، وإن كان الساتر صفيقاً». وقال النووي في المجموع (3|170): «قال أصحابنا يجب الستر بما يحول بين الناظر ولون البشرة، فلا يكفي ثوب رقيق يُشاهد من ورائه سواد البشرة أو بياضها، ولا يكفي أيضاً الغليظ المهلهل النسج الذي يُظهر بعض العورة من خلله. فلو ستر اللون ووصف حجم البشرة كالركبة والإلية ونحوهما، صحت الصلاة فيه لوجود الستر». وفي المغني (1|651): «فإن كان خفيفاً يُبَيِّن لون الجلد من ورائه -فيُعلم بياضه أو حمرته- لم تجز الصلاة فيه، لأن الستر لا يحصل بذلك. وإن كان يستر لونها ويصِف الخلقة، جازت الصلاة، لأن هذا لا يمكن التحرّز منه، وإن كان الساتر صفيقاً». ويراجع "الإنصاف" للمرداوي (1|471) و"حاشية الدسوقي" و"الدر المختار" (2|84) وغيرها.
وحجة من قال باشتراط ستر العورة هو قوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد}. قالوا: الزينة هي اللباس. وأجيب عليه بأن هذا يفيد الوجوب ولا يفيد شرطية القبول. وأما من قال بأن ستر العورة سنة لا يُبطِلُ تركها الصلاة، فقد احتج بما يلي:
1– نحن نمنع أن نفي القبول يدل على الشرطية، لأن الله قد نفى القبول عن صلاة الآبِق ومن في جوفه الخمر ومن يأتي عَرَّافاً، مع ثبوت الصحة بالإجماع.
2– ولو تجاهلنا ذلك فإن غاية الحديث (أي الضعيف الذي سبق تخريجه) أن الستر شرطٌ لصحة صلاة المرأة، وهو أخص من إطلاق الدعوى. وإلحاق الرجال بالنساء لا يصح هنا لوجود الفارق، وهو ما في تكشف المرأة من الفتنة. وهذا معنى لا يوجد في عورة الرجل.
3– أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد t قال: «كان الرجال يصلون مع النبي r، عاقدين أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء لا ترفعن رءوسكن حتى تستوي الرجال جلوساً». زاد أبو داود: «من ضيق الأزر». وهذا يدل على عدم وجوب الستر فضلا عن شرطيته.
4– أخرج البخاري وغيره عن عمرو بن سلمة t حديثاً قال فيه: «فكنت أؤمهم وعليَّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ. فكنت إذا سجدْتُ تَقَلَّصَتْ عنّي». وفي رواية: «خرجت اسْتِي. فقالت امرأةٌ من الحي: ألا تُغطوا عنا أسْتَ قارئكم؟». وأجابوا عليه بأنه كان صغيراً.
فالحق أن ستر العورة في الصلاة واجبٌ فقط كسائر الحالات، لا شرطٌ يقتضي تركه عدم الصِّحة.
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-07-2017, 03:02 PM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
رئيس مجلس الإدارة
 
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

عورة المرأة المسلمة أمام النساء الكافرات

اختلف العلماء في جواز نظر الكافرة إلى زينة المرأة المسلمة. فقال بعضهم لا ترى الكافرة من المسلمة إلا كما يرى منها الرجل الأجنبي، أي الوجه والكفين. وقال بعضهم بل الكافرة حكمها كحكم المسلمة، فلها أن ترى من المسلمة كباقي النساء (مع خلافهم في تحديد ذلك). وسبب النزاع هو اختلافهم في تفسير قوله تعالى ]أو نسائهن[ فهل هو مقتصر على نساء المسلمين أم أن المراد به جملة النساء، فيشمل الكافرة أيضاً؟ واستدل الفريق الأول بأن قوله تعالى ]أو نسائهن[ معناه نساء المؤمنات حصراً، بدليل ما رُوِيَ عن مجاهد و ابن عباسوغيرهم من السلف. قلنا لم يثبت ولا عن واحد من هؤلاء هذا التفسير. إنما نقله عنهم قوم ضعفاء لا حجة فيهم، وتفصيل ذلك يطول.
وقد رجح بعض المفسرين أنّ كلمة "نسائهنّ" تعني جميع النساء وليس فقط المسلمات. ذكر هذا القول الرازي في تفسيره (3|207) وأيّده، وقال: «هذا هو المذهب»، أي مذهب الشافعي. وحمَل قول السلف على الاستحباب والأولى. وعلق على هذا الألوسي في تفسيره "روح المعاني" (18|143): «وهذا القول أرفق بالناس اليوم، فإنّه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذمّيات». قلت إذا كان هذا الحال في زمن الآلوسي، فما بالك بزماننا؟ وذكر أبو بكر بن العربي (المالكي) القولين في تفسير ]أو نسائهنّ[ ثمّ قال في "أحكام القرآن" (3|1359): «والصحيح عندي أنّ ذلك جائزٌ لجميع النساء».
قال الإمام أحمد بن حنبل (في رواية الأثرم): «ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية، لأنها ليست من نسائهن. وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر اليهودية ولاالنصرانية ومن ليس من نسائها إلى الفرج، ولا تقبلها حين تلد». وهذا الصواب لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي r، فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب. وثبت في الصحيحين أنه قد جاءت يهودية تسأل أمنا عائشة t، فقالت: «أعاذك الله من عذاب القبر». فسألت أمنا عائشة رسول الله r، وذكر الحديث. وثبت في الصحيحين كذلك أن أسماء t قالت: «قدمت علي أمي وهي راغبة يعني عن الإسلام، فسألت رسول الله r: أصِلْها؟ قال: نعم».
ثم إنّ القول بحجاب المرأة المسلمة عن الكافرة يحتاج إلى دليل من نصّ صريح أو قياس صحيح. أمّا النصّ الصريح فلا وجود له، لأنّ قوله تعالى: ]أو نسائهنّ[ يحتمل التفسيرين كما ذكرنا. ومع الاحتمال يبطل الاستدلال. أمّا القياس الصحيح فلا يوجد أيضاً! فليس من القياس الصحيح مساواة غير المسلمة بالرجل الأجنبي، من جهة النظر إلى المسلمة ووجوب الحجاب عليها، للفرق الواضح بين الأجنبي وهو رجل وبين غير المسلمة وهي أنثى.
توقيع : د ايمن زغروت
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
۞ السادة البازات الكبار ۞ المقامات و العقب و الديار ۞ دكتور الباز الباز مجلس السادة الاشراف البازات 40 15-10-2019 03:08 PM
نسب قبيلة النوراب الشريف النورابي مجلس السادة الاشراف الجعافرة 18 05-04-2019 02:25 PM
تحفة السلطان في النسب والنسب القاسمي : السيد حسين الحسينى الزرباطى. (1) ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين 25 05-04-2019 02:24 PM
تاريخ النسيان في أخبار ملوك السودان الألوسي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 0 23-06-2014 02:18 AM
تفسير ما يوضح قول ابن حوقل فى اهل الخرطوم جنس من النوبه عليك معرفتهم اهل مملكة علوة معاوية على ابو القاسم مجلس قبائل السودان العام 1 16-12-2011 06:11 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 11:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه