إدارة الخلاف - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
كتاب سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر.. كامل..
بقلم : الشريف قاسم بن محمد السعدي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ! (آخر رد :محمد عبدالله علوان)       :: النسابون المعتمدون في العراق (آخر رد :رضا شدود)       :: عائلة دحو من العبادله بمدينة سيدي بلعباس (آخر رد :بوحجر)       :: واليوم أشكي لهم منك (آخر رد :موفق السهلماشي)       :: البعد عنك أرحم وقلبك مع الغير (آخر رد :موفق السهلماشي)       :: هل رؤيا الرسول في المنام رؤيا حق ؟! (آخر رد :الشريف احمد الجمازي)       :: كتاب سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر.. كامل.. (آخر رد :الشريف قاسم بن محمد السعدي)       :: طريقة عمل المعمول (آخر رد :فؤاد حبرش)       :: هل يتسبب الضغط النفسي بتغييراتٍ في شكلكِ الخارجي.. (آخر رد :هلا حيدر)       :: طريقة عمل شراب تخسيس وإنتعاش (آخر رد :فؤاد حبرش)      



الصالون الفكري العربي مجلس الحوار العربي و استطلاعات الرأي


إضافة رد
  #1  
قديم 11-11-2009, 01:30 PM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,061
افتراضي إدارة الخلاف

إدارة الخلاف
سلمان بن فهد العودة

لإدارة الخلاف ضوابط وهو علم أصبح يدرس اليوم , وتمتلئ رفوف المكتبات بالمطبوع والمترجم والقديم والجديد من مصنفاته ؛ وهذه رؤوس مسائله :
أولاً: الاعتصام بالكتاب والسنة "وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه"[الشورى:10]، " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ"[النساء:59].
أ- القرآن الكريم "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"[الإسراء:9] .
ب- السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً"[الأحزاب:21].
ثانياً: الحوار؛ والحوار لا يكون إلا بين مختلفين، والله سبحانه أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن حتى مع أهل الكتاب "وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ "[العنكبوت:46] حتى المخالف في الأصول يهودياً أو نصرانياً أو بدعياً؛ فإنه يمكن محاورته بل يجب على القادرين محاورته بالتي هي أحسن، والله تعالى ذكر في القرآن الكريم ما دار بين ربنا -تبارك وتعالى- في خطابه لإبليس: "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"[صّ:75-76].



وللحوار آداب يجب تعلمها وتلقينها.
الحوار بين الجماعات الإسلامية والأحزاب.
الحوار بين الدول.
الحوار بين الشعوب
، ومنح الناس فرصة التعبير عن آرائهم في الهواء الطلق؛ فإنه في الهواء الطلق تموت الأفكار المنحرفة، والشمس تقتل الجراثيم، و في النهاية لا يصح إلا الصحيح.
وبالحوار يمكن تحويل المتوحشين والمتشاكسين إلى مجتمع هادئ آمن "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"[آل عمران:159].
إن المناظرة الهادئة العلمية من أساليب الوصول إلى الحق، والتقريب بين المختلفين، أما هذه المناظرات التي تُعقد في القنوات الفضائية سواء دارت حول قضايا سياسية، أو قضايا عقدية، أو قضايا فكرية أو غيرها؛ فإن منها ما يتصف بالهدوء والليونة، وطول النفس، والواقعية والاعتدال، وهذه جيدة إذ تربي على الاستماع، وعلى النظر وتقبل الرأي الآخر، لكن ثمت ألوان من المناظرات يقصد بها حشد الأتباع، وتتميز بكثير من المغالطات والقفز فوق النتائج، وعدم الوصول إلى نقاط محددة، فتأخذه من أوقات الناس، وتستنزف من جهودهم الشيء الكثير، إضافة إلى أنها تزيد الناس لجاجة وتعصباً وبغضاً فيما بينهم، فلا هي تقرب بين المختلفين، ولا هي تكشف باطلاً، ولا تنصر حقاً، وربما يكون قصاراها في الغالب أن تكون لوناً من الإثارة الإعلامية.

ثالثاً: الشورى؛ وهو مما أمر الله به " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"[آل عمران:159] "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"[الشورى:38]، لقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي غيرها، وإن ترسيخ مبدأ الشورى في الأسرة وفي المدرسة وفي الدولة، ومشاركة الناس في رسم مصيرهم وحاضرهم ومستقبلهم هو من الضرورات التي لا مناص منها اليوم، وعلى الأخص ما يتعلق بالشباب؛ فإن ثمت ضرورة لاحتوائهم والقرب منهم، وتحسس آلامهم وآمالهم والاستماع إلى مشكلاتهم، وألا نحملهم على رأينا وعقلنا، وألا نستخف بهم.
إن إشعارهم بالأهمية ضرورة قصوى في مثل هذه الظروف، والاستماع إليهم واجب أيضاً، وإسماعهم الحق مجرداً صريحاً بلا مواربة ولا مجاملة هو من الواجبات أيضاً .

رابعاً: تفعيل دائرة المتفق عليه؛ وهذه قاعدة رشيد رضا الشهيرة (قاعدة المنار) كان يقول -رحمه الله-: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
وهذه الكلمة ينتقدها كثيرون ويجلبون حولها، لكن لو نظر إليها الإنسان باعتدال؛ لوجد أنها قاعدة صحيحة.
إننا لا نتكلم بالضرورة الآن عن أعدائنا في الأصول، المخالفين لنا في قواعد الشريعة، وإنما نتكلم في داخل دائرة أتباع القرآن وأتباع السنة.
وقد أشار ابن تيمية -رحمه الله- في غير ما موضع إلى أن إسلام الكفار حتى لو تحقق على أيدي بعض أهل البدع خير من بقائهم على الكفر، وأن توبة الفجار حتى لو كان بسبب حديث ضعيف خير من بقائهم على ما كانوا عليه من الفجور، وأن الصلاة خلف المبتدع؛ خير من ترك الجماعة.
وهذه المسألة مسألة تفعيل دائرة المتفق عليه، تخضع للمصلحة والاجتهاد والنظر وتغير الأحوال، وما أجدر المسلمين اليوم ـ وهم في حال ضعفهم، وتراجع دورهم العالمي، وتسلط أعدائهم عليهم، واحتلال كثير من بلادهم ـ إلى العناية بهذه المسألة!

خامساً: تشجيع الاجتهاد، وتوفير المناخ الملائم لخصوبة العقول ونموها وإبداعها.
إن جو الحرية الشرعية؛ هو المكان الذي تزدهر فيه الأفكار الصحيحة، أما حين يكون على الإنسان أن يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقول ما يراه؛ لأنه سوف يواجه تهماً وتشنيعاً وأذى ومصادرة؛ فإن الإبداع حينئذ يموت، ونحن نتحدث عن الإبداع، لا عن الابتداع، هذا الإبداع في أمر الدنيا المسكوت عنه، وأما الابتداع فهو في أمر الدين المحض المنصوص، وما قصة ابن عباس عنا ببعيد لقد جلبه عمر رضي الله عنه وأجلسه مع كبار المهاجرين فاستغربوا ذلك، فسألهم عن سورة الفتح كما ذكر ذلك الإمام أحمد في فضائل الصحابة، فلم يجيبوا بشيء؛ فقال ابن عباس رضي الله عنه ما أراه إلا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّنه له.

سادساً:ومن ذلك -أيضاً- تشجيع النقد البناء والمراجعة الهادفة للأوضاع سواء كانت أوضاعاً سياسية تتعلق بالدول، أو أوضاعاً اجتماعية تتعلق بالموروثات عند الناس، أو أوضاعاً دعوية تتعلق بمقررات الدعاة وأنماط عملهم وأساليبهم.
مراجعة هذه الأساليب والأوضاع بهدوء وتجرد وتدرج، فليس ما نحن فيه الآن أفضل الأوضاع على أي صعيد، بحيث نقول: إن ما نحن فيه شاف كاف وليس عليه مزيد، بل نحن جميعاً معترفون بأن أوضاعنا بحاجة إلى تصحيح، وأول خطوات التصحيح هو النقد العلمي الهادف البناء.
إن الكثيرين قد يظنون أن التسلط وأن الديكتاتورية، سواء كانت سياسية بمصادرة آراء الناس وحجبها ومنعهم من الكلام، أو كانت علمية بفرض رأي واحد ومنع الناس من خلافه، يظنون أنها توحد الناس، والواقع أنها لا توحدهم، بل ربما خانتهم أحوج ما يكونون إليها؛ لأنك تجد أن الناس قد ينفتحون كما يقع اليوم انفتاحاً علمياً وسياسياً ضخماً هائلاً دون أن يكونوا تهيئوا لذلك واستعدوا له؛ فيصعب عليهم التكيف والتعامل مع هذه الأوضاع الجديدة بمسئولية .

سابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو من سمات المؤمنين " بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر"[التوبة:71] وينبغي أن يكون مُدارًا بين العلماء وطلبة العلم والدعاة والخاصة والعامة، لكن هنا نقاط:
- لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي يختلف فيها العلماء؛ فهذه المسائل لا ينكر فيها أحد على أحد, الكل مجتهد، ولكل مجتهد منهم نصيب وإن كان المصيب واحداً، وفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف.
- كثير من مسائل الخلاف ربما يكون القول الراجح فيها واضحاً أو الدليل واضحاً؛ فهنا لا بأس بالتعليم والإرشاد أو شيء من الإنكار إذا اقتضاه الموقف .
- لا ينكر مقلدٌ على مقلد، فإذا كان الإنسان مقلداً لغيره من العلماء أو المذاهب؛ فإنه لا يحق له أن ينكر على مقلد آخر.
- عدم الإنكار لا يعني عدم النصيحة؛ والنصيحة لا تكون بطبيعة الحال في المسائل العلمية المحضة، كما كان الشافعي -رحمه الله- يقول في كتاب الأم وغيره: إنني لا أقول لرجل خالفني في مسألة علمية فقهيه تُب إلى الله تعالى من هذه المسألة؛ لأن التوبة إنما تكون من الذنوب، وهذا الإنسان هو بين أجر وأجرين.
- مراعاة فقه المصالح في إنكار المنكر؛ فمدار الإنكار على تحقيق المصلحة ودرأ المفسدة.
- مراعاة التدرج في الإنكار؛ فإن نقل الناس عما هم عليه شاق وصعب وشديد، ثم إذا لم يكن للأمر والنهي جدوى ولا مصلحة لم يكن واجباً على الإنسان أن يأمر وينهى؛ كما ذكر ذلك العز بن عبد السلام ورجحه، وذكره أيضاً الشيخ الشنقيطي في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: "فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى"[الأعلى:9]، ورجحه غير واحد من أهل العلم.
- الموادعة والمتاركة "وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا"[الأعراف:87]. وفي السيرة والفقه أبواب كثيرة كلها ينبغي استعمالها؛ فهناك أبواب للهدنة، وأبواب للصلح، وأبواب للموادعة، وأبواب للعهد وأبواب لغير ذلك مما ينبغي على الإنسان أن يتأمل ما يكون مناسباً للحال والمقام منه؛ فقد يحتاج الناس في كثير من الأحيان إلى أن يتعايشوا فيما بينهم بهدوء وموادعة ومتاركة بعيداً عن إدارة الحرب والصراع.
- الوضوح والمكاشفة، وعدم التعتيم أو التقليل من شأن الخلاف؛ فإن البعض ربما بدوافع عاطفية يحاولون أن يتجاوزوا الخلاف أو يقللوا من شأنه، مع أنه موجود ولا أشبه هذا إلا بالمريض الذي يذهب إلى المستشفى؛ فيتم تزوير التقارير والبيانات ونتائج الفحوص والأشعة ليقولوا: إن هذا الإنسان صحيح، بينما الأمراض تفتك ببدنه.
إن من الوضوح والمكاشفة أن نتصارح في الخلافات التي توجد بيننا، لكنّ هذه المصارحة تكون سبيلاً إلى تجاوزها وإلى القضاء على الجوانب السلبية فيها.
- الفهم الصحيح وتجاوز مشكلات الاتصال؛ فإن كثيراً من الخلافات ربما تكون بسبب إشاعة مغرضة، أو بسبب قول لم يتثبت منه صاحبه، أو بسبب انطباع سيئ لم يكن مبنياً على علم صحيح إلى غير ذلك من الأشياء التي توغر صدور المؤمنين بعضهم على بعض، دون أن تكون مبنية على فهم صحيح للآخر، وقد تفهم هذا الإنسان من خلال كتاب أو موقف معين؛ بينما الحقيقة قد تكون أوسع وأبعد من ذلك.
إن المختلفين أحوج ما يكونون إلى أن يفهم بعضهم بعضاً بشكل صحيح، بعيداً عن ردود الأفعال والظنون والتصورات التي لا رصيد لها من الأدلة والحجج والواقع.
- وأخيراً الاستفادة من علم الإدارة الحديث ودراساته المتخصصة؛ فثمت كتب كثيرة في إدارة الخلاف بين الأفراد والجماعات والشركات وغيرها وهل يمكن الاستفادة منها، وبالمناسبة فثمت كتاب جميل ومفيد وجامع اسمه: فقه الاختلاف قواعد التعامل مع المخالفين بالإنصاف إعداد محمود محمد الخازندار؛ وهذا الكتاب جمع عدداً طيباً من الأخلاق والآداب التي ينبغي مراعاتها بين لمختلفين .
المصدر : موقع الإسلام اليوم
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-11-2009, 01:32 PM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,061
افتراضي

أخـلاقيات الخـلاف
سلمان بن فهد العودة

للخلاف آداب وأخلاق يجمل الاتصاف بها والوقوف عليها للأخذ بها، من أبرزها :
أولاً: عدم التثريب بين المختلفين؛ فلستَ بأصدق إيماناً بالضرورة، ولا أوسعَ علماً، ولا أرجحَ عقلاً ممن تختلف معه، ولهذا قال يحيى بن سعيد: ما برح المستفتون يسألون، فيجيب هذا بالتحريم، وهذا بالإباحة، فلا يعتقد الْمُبيحُ أن الْمُحَرِّمَ هلك، ولا يعتقد الْمُحَرِّمُ أن المبيحَ هلك.

وكان الإمام أحمد يقول: ما عبر الجسر إلينا أفضل من إسحاق، وإن كنا نختلف معه في أشياء؛ فإنه لم يزل الناس يخالف بعضهم بعضا.

كتب أحدهم رأياً في مسألة من المسائل الفقهية ونشرها؛ فقال له أحد المناقشين: لماذا تبحث هذه المسألة التي لم يبحثها العلماء من قبلك؟!
قال له: لقد بحثوها وأوسعوها بحثاً.
قال له: إذاً فلماذا تبحثها وقد بحثوها، ألا يكفيك بحثهم عما فعلت.
إن أفهام الرجال ليست وحياً، والمدارس الفقهية، أو الدعوية ليست هي الإسلام، وإن كانت تنتسب إليه وترجع إليه.

وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ : ( وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ).

لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم يوصي رجلاً من أصحابه اختاره لقيادة الجيش، والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر بين أظهُرهم، ويقول له: لا تنزل الناس على ذمة الله وذمة رسوله، ولا على حكم الله وحكم رسوله؛ لأنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله وحكم رسوله أم لا ، ولقد سمعت بأذني غير مرة من يتكلم بمسألة قصارى ما يُقال فيها: إنها اجتهادية؛ فيقول: أنا لا أتكلم من قِبل نفسي أنا لا أقول برأي، وإنما هذا منهج الله، هذا حكم الله، و أقول: سبحان الله؛ فهل الآخرون يأخذون من التوراة، أو الإنجيل؟ كلا؛ بل الجميع يدورون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكن يكون المعنى قابلاً لأكثر من اجتهاد، وأكثر من محمل، وأكثر من رأي.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص إن الله حرم هذا وأوجب هذا، أو هذا حكم الله.

ويقول ابن تيميه -رحمه الله-:ولكن كَثِيرًا من النَّاسِ يَنْسُبُونَ ما يقولونه إلى الشَّرْعِ وليس من الشَّرْعِ ; بل يقولون ذلك إما جَهْلاً وَإما غَلَطًا وَإما عَمْدًا وَافْتِرَاءً.

إنه لا وصاية على الناس ولا إلزام بمذهب معين، وقد عرض المنصور على إمام دار الهجرة مالك بن أنس أن يعمم كتاب الموطأ على الأمصار، وأن يُلزم الناس بالأخذ به، فنهاه عن ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين! لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وعملوا بذلك، ودانوا به من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.

وهذا من فقه هذا الإمام وتقواه؛ فإن كثيراً من المختلفين لو استطاع أحدهم أن يستميل إليه السلطان ليتقوى به على خصومه؛ لفعل.

وقد وقع هذا كثيراً في التاريخ والواقع؛ فإن كثيراً من المختلفين من المذاهب الفقهية أو الاعتقادية، ربما استنصروا بالسلطان على خصومهم وأعدائهم؛ فأبعدوهم وآذوهم.

ثانياً: الإنصاف كما قال عمار رضي الله عنه في صحيح البخاري: ( ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ : الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ ).

والإنصاف خلق عزيز يقتضي أن تنزل الآخرين منزلة نفسك في الموقف، والإنصاف ضرورة، وله قواعد منها:

1. أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين؛ فمن ثبت له أصل الإسلام لا يخرج من الإسلام ويحكم بكفره إلا بيقين، ومن ثبتت له السنة لا يخرج منها إلا بيقين، وهكذا من ثبت له شيء؛ فإنه لا يُنزع منه إلا بيقين.

2. الخطأ في الحكم بالإيمان أهون من الخطأ في الحكم بالكفر؛ أي لو أنك حكمت لشخص بالإسلام بناءً على ظاهر الحال، حتى لو كان من المنافقين مثلاً أو ليس كذلك؛ فإن هذا أهون من أن تتسرع وتحكم على شخص بالكفر، ويكون ليس كذلك؛ فتقع في الوعيد ( وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ ). أي رجع عليه .

3. في مسائل الاجتهاد لا تأثيم ولا هجران، وهذا ذكره ابن تيمية -رحمه الله- وهذا مذهب أهل السنة: أنهم لا يرون تأثيماً لكل من اجتهد في المسائل كلها من غير تفريق بين الأصول والفروع، فمن استفرغ وسعه في معرفة مراد الله عز وجل ، وكان أهلاً لذلك، فإنه لا يأثم بهذا الاجتهاد بل هو بين أجر وأجرين، فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد، ولا ينبغي أن يكون ثمت تهاجر بين المؤمنين.

4. التحفظ عن تكفير فرد بعينه أو لعنه، حتى لو كان من طائفة، أو كان من أصحاب قولٍ، يصح أن يوصف أنه كفر، وها هو الإمام أحمد -رحمه الله- كان يُكفّر الجهمية، ويكفر من يقول القرآن مخلوق، ومع ذلك لم يكفر أحداً منهم بعينه، لا المأمون ولا سواه، بل كان يدعو له، ويستغفر له، ويجعله في حِلٍ مما صنع فيه .

5. الأخذ بالظاهر، والله يتولى السرائر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) .

6. تسلط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، ولقد اتفق أهل السنة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ، بل عامة المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ، يقول ابن رجب -رحمه الله-: أكثر الأئمة غلطوا في مسائل يسيره، مما لا يقدح في إمامتهم وعلمهم فكان ماذا؟ لقد انغمر ذلك في بحر علمهم، وحُسن مقصدهم، ونصرهم للدين، والانتصاب للتنقيب عن زلاتهم ليس محموداً ولا مشكوراً، لاسيما في فضول المسائل التي لا يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها كشفه وبيانه.

والعجيب أن كثيراً من الناس قد يتحفظون ويتورعون عن أكل الحرام -مثلاً-، أو عن شرب الخمر، أو عن مشاهدة الصور العارية والمحرمة، ولكن يصعب عليه كف لسانه؛ فتجده يَفْرِي في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول، ولهذا قرر العلماء أن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لاسيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله.

قال الذهبي -رحمه الله-: ما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردت من ذلك كراريس.

سأل أحمد بن حنبل -رحمه الله- بعض الطلبة من أين أقبلتم؟ قالوا: جئنا من عند أبي كُريب، وكان أبو كُريب ينالُ من الإمام أحمد، وينتقده في مسائل؛ فقال نِعم الرجل الصالح! خذوا عنه وتلقوا عنه العلم، قالوا: إنه ينال منك ويتكلم فيك! قال أيُّ شيء حيلتي فيه، إنه رجلٌ قد ابتُلي بي. وحدث الأعمش عن زِرّ بن حُبيش وأبي وائل، وكان زر بن حُبيش علوياً؛ يميل إلى علي بن أبي طالب، وكان أبو وائل عثمانياً، وكانوا أشد شيء تحاباً وتوادّاً في ذات الله عز وجل، وما تكلم أحدهما في الآخر قط حتى ماتا، ولم يُحدث أبو وائل بحضرة زر؛ لأنه كان أكبر منه سناً، ولهذا قال الذهبي -رحمه الله-: وهو يترجم لأبي محمد بن حزم صاحب الْمُحلى وشيخ الظاهرية، قال: ولي ميل لأبي محمد بن حزم؛ لمحبته للحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقول في الرجال والعلل، وفي المسائل البشعة في الفروع والأصول، وأقطع- لاحظ قوله: وأقطع- بخطئه في غير ما مسألة، ولكني لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.

إن من الإنصاف أن تقبل ما لدى خصمك من الحق والصواب، حتى لو كان فاسقاً، بل حتى لو كان مبتدعاً، بل حتى لو كان كافراً. ولذلك استنكر ابن تيمية -رحمه الله- على بعض المنتسبين للسنة فرارهم من التصديق، أو الموافقة على حق يقوله بعض الفلاسفة، أو المتكلمين؛ بسبب النفرة والوحشة، أو إعراضهم عن بعض فضائل آل البيت، وقال -رحمه الله-: لا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق.

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسيره: إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع؛ فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها عنه.

وهكذا تلوح لك في هذه النصوص؛ أمارات الإنصاف والعدل، حتى مع الخصوم المباعدين، فضلاً عن الإخوة المتحابين.

ثالثاً : استعمال الصبر والرفق والمداراة، واحتمال الأذى ومقابلة السيئة بالحسنة، كما أمر الله -تبارك وتعالى- في ذلك في غير ما موضع من كتابه "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"[فصلت:34]، وبهذا استمال النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أعدائه، وعالج قسوتها وشماسها ونفارها، حتى لانت واستقادت وقبلت الحق؛ فالكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة الصافية، والإحسان إلى الآخرين بالقول والفعل؛ من أسباب زوال العداوة وتقارب القلوب "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظيمٍ"[فصلت:35] .
كُنَّا مِنَ الدِّينِ قَبْلَ اليَومِ فِي سِعَةٍ *** حَتَّى بُلِينَا بِأَصْحَـــــــابِ الْمَقَايِيسِ
قَومٌ إِذَا اجْتَمَعُـــــوا صاحوا كأنهم *** ثَعَالِبٌ ضَبَحَـــتْ بَيْنَ النَّوَاوِيـــسِ
فسمع أبو حنيفة بذلك؛ فأرسل له هدية، وكانت هذه الهدية رشوة، لكنها رشوة بطريقة شرعية صحيحة؛ فلما قبض الهدية قال:
إِذَا مَا النَّاسُ يَــوْماً قَايَسُــونَا *** بِآبـــــِدَةٍ مِنَ الفُـــــتْيَا طَـرِيفَهْ
أَتَيْنَــــــاهُمْ بِمِقْيَاسٍ صَــحِيحٍ *** مُصِيبٍ مِنْ قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَهْ
إِذَا سَمِعَ الفَقِيهُ بِهَا وَعَــــاهَا *** وَأَوْدَعَهَا بِحِبْرٍ فِي صَـحِيفَهْ
ومن ذلك: ألا تكثر العتاب والمحاسبة، وفي صحيح البخاري (باب من لم يواجه الناس بالعتاب) وذكر فيه حديث عائشة قَالَت صنع النبي صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ : ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّىْءِ أَصْنَعُهُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّى لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ). ومن ذلك عدم الانتقام والتشفي، والانتصار للنفس.

رابعاً: عدم التعصب للمذهب أو الطريقة أو الشيخ أو الجماعة أو الطائفة أو الحزب؛ ولهذا قيل: " حُبكَ الشيء يعْمِي وَيُصِمُّ " ، إن المتعصب أعمى، لا يعرف أعلى الوادي من أسفله، ولا يستطيع أن يميز الحق من الباطل، وقد يتحول المتعصب بنفس الحرارة ونفس القوة من محب إلى مبغض؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في سنن الترمذي، ويروى مرفوعاً، والموقوف أصح: [ أَحبِب حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عَسَى أَنْ يَكُونَ بغيضك يوماً ما وَأَبْغضْ بغيضك هَونا ما عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يوماً مَا].

وقد يكون الغلو أحياناً، أو المبالغة، أو التعصب لأقوام؛ هم أشد ما يكونون بعداً عن ذلك وكراهية له، ولكنهم قد يُبتلون بمن يتعصب لهم أو يغلو فيهم، فهذا الإمام محمد بن يحيى النيسابوري أخذه الحزن على الإمام أحمد لما مات في بغداد؛ فقال حقٌ على أهل كل بيت في بغداد أن يقيموا مناحة على موت الإمام أحمد؛ فقال الذهبي -رحمه الله-: إن النيسابوري تكلم بمقتضى الحزن، لا بمقتضى الشرع، وإلا فإن النياحة منهيٌ عنها في الشريعة.

وقال بعضهم: في خُراسان يظنون أن الإمام أحمد من الملائكة، ليس من البشر.
وقال آخر: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة.
قال الذهبي: هذا غلو لا ينبغي.
وقال محمد بن مصعب لسوط ضربه أحمد أكرم من أيام بشر الحافي كلها؛ فقال الذهبي -رحمه الله- بشر عظيم القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما هو عند الله تعالى والله أعلم بذلك.

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- رجلاً متواضعاً، بعيداً عن التكلف، ولكنَّ هذه الأشياء قد تخرج من أقوام في حالة انفعال في حزن أو غيره، وبكل حال فهي أقوال مرذولة ينبغي اطراحها والرد عليها وإنكارها، كما فعل الذهبي وغيره.

وصلتني ورقة من الإنترنت مكتوب فيها: ابن باز هو الجماعة، وإن شئت فالألباني.

نقول بملء أفواهنا: ابن باز -رحمة الله تعالى عليه- من أئمة المسلمين، ولكن من الصعب أن تُختصر الأمة في رجل لا في ابن باز، ولا الألباني، ولا ابن عثيمين، ولا في هذا ولا في ذاك؛ فإن هذه الأمة جعل الله فيها من الخير الكثير، وتنوع المواهب والقدرات والعلوم الكثير الطيب المبارك، واعتبار شخص واحد هو الجماعة، وأنه يتعين على الناس اتباعه، والأخذ عنه أمر مردود حتى بمقياس هؤلاء الأئمة؛ فإن الشيخ ابن باز -رحمه الله- لما كان مفتياً لهذه المملكة كان لا يرى رأيه ملزماً للناس، ويرى أن قوله مثل قول غيره من العلماء، يمكن أخذه بالدليل، ويمكن رده بالدليل، فلا تطلب من الناس أكثر مما يرى الشيخ نفسه، فمن الوفاء لـه أن تلتزم بهذا الأدب.

والتعصب يورث أحياناً نقيض ذلك، يورث ازدراء الآخرين ممن لا يدخلون معه في عصبيته، كما يروى عن بعض فقهاء الكوفة مثلاً أنه حج ونزل بالحجاز ولقي علماءها: عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وغيرهم، فلما رجع إلى الكوفة قال: يا أهل الكوفة! أبشروا فوالله لأنتم أهل فقه الزمان كله، لفقهاء الحجاز كلهم عطاء وطاووس وسعيد مثل صبيانكم بل مثل صبيان صبيانكم.

ولا أدري ما المراد بصبيان صبيانكم؛ يعني صبيانكم أفقه منهم.
وقال أحدهم عن ابن الجوزي وهو يعدد مثالبه وأخطاءه فيما يزعم قال: ما رأيت أحداً يوثق بعلمه ودينه وعقله راضياً عنه.

فعلق الذهبي -رحمه الله- بقوله: إذا رضي الله عنه فلا اعتبار بهؤلاء.
إنك كثيراً ما تسمع التقليل من شأن فلان؛ لأنه ليس على مذهبنا, ليس على طريقتنا, ليس من جماعتنا، فلان لا علم عنده, فلان ليس بشيء.

قال أبو نُعيم عن رجل بلغه أنه يدرس الحديث قال: ماله وللحديث هو بالتوراة أعلم.
وهنا نقول: ربما يدرس المسلم التوراة ليعلم حقها من باطلها ومنسوخها وصحيحها ومُحرفها ويرد على أهل الكتاب، لكن لا ينبغي أن يُحال بين أحد وبين قراءة السنة النبوية، أو يُقال هو بالتوراة أعلم على سبيل الوقيعة به أو النيل منه، أو الازدراء والتنقص.

المصدر : موقع الإسلام اليوم
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-11-2009, 01:33 PM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,061
افتراضي

أدب الحوار
سلمان بن فهد العودة

مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].
أمَّا بعد:
فعنوان هذه الرسالة: "أدب الحوار"(1).
وموضوع أدب الحوار مع الآخـرين كبير وخطير؛ فالخلاف بين الناس أمر طبيعي مشهور، وللخلاف في أمور الدين والشرع أسباب كثيرة، منها:
- أن دلالة بعض النصـوص الشرعية ظنية، وليست قطعية فتحمل أكثر من اجتهاد في تحديد معناها.
- اختلاف العقول والأفهام، وتفاوت المدارك.
- تفاوت العلم؛ فهذا عالم، وهذا أعلم، وهذا أقل.. قال تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76].
- عدم بلوغ الدليل فيقول العالم القول ولو بلغة الدليل في المسألة لما قال به .
- الهوى والتعصب لقول، أو مذهب، أو رأي، أو شيخ(2).

مسالك الناس في حل الخلاف
وحينما يختلف الناس -سواء كانت اختلافاتهم كلية أو جزئية-؛ فإنهم يسلكون في معالجة هذا الخلاف مسالك شتى منها :
- الحرب:
فالحرب تكون -أحيانًا- وسيلة لحل الخلاف، وإنهاء الخصومات، وإثبات الحجة، إلا أنها لا تصلح أن تكون الحل الأول في ذلك؛ إذ إننا نجد أن كثيرًا من المبادئ والنظريات التي قامت على القوة، وعلى الحديد والنار -كما يقال-، سرعان ما تهاوت وسقطت.
وحال الشيوعية اليوم خير شاهد على ذلك، فقد قامت بالحديد والنار، وكانت أجهزة الـ (KGB) -وهي أجهزة المخابرات السوفيتية- تلاحق المنشقين والمعارضين والمحاربين بكافة الوسائل، وتجند مئات الألوف من العملاء، فضلاً عن الكثافة العددية لقوات الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي تعتبر أكثر من ثلاثة أضعاف القوات في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم كل هذا البطش والإرهاب، فقد سقطت الشيوعية خلال أقل من ثمانين عامًا.
على حين أن الوجه الآخر للحضارة المادية المنحرفة -وهو وجه الرأسمالية- لا زال حيًّا ، وربما قويًّا ممكنًا في الأرض، وما ذلك لأنه مؤمن بالله عز وجل؛ ولكن لأنه سلك الأسلوب الذي يمكن التعبير عنه بأنه الأسلوب الديموقراطي، وذلك على الأقل في بعض أساليبه وطرائقه ومعاملاته لشعوبه، فكان أرسخ وأبقى من النمط الشيوعي الشرقي المتعسِّف.
أما في الإسلام، فإن المسلمين وإن شنّوا حروبًا ضد أعدائهم، لكن هذه الحروب لم تكن بهدف إكراه أحد على الدخول في الإسلام، فقد قال الله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة:256]؛ بل كانت بهدف إزالة الطواغيت التي تحول بين الناس وبين الدخول في الدين، أو تضغط عليهم وتكرههم على ترك دينهم الحق، والدينونة بالكفر.
ولم يحفظ التاريخ أن المسلمين أكرهوا شخصًا واحدًا على الدخول في الإسلام؛ ومما يمكن أن نلحقه بالحروب كل صور المفاصلة بسبب الرأي بما في ذلك التباغض والتهاجر ومناصبة العداء ونحو ذلك من صور المغالبة .
- الحوار:
وكما سبق أن تناولنا موضوع الجهاد في سبيل الله وأحاديثه ومجالاته في رسالة "حي على الجهاد"، فإننا نتناول في هذه الرسالة الوجه الآخر من أساليب معالجة الخلاف، وهو الحوار، سواء مع الكافر بهدف دعوته إلى الإسلام، أو مع المسلم، وذلك من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: الحوار أقوى من الكلاشينكوف.
المبحث الثاني: أهمية الحوار.
المبحث الثالث: قواعد الحوار وأصوله.
المبحث الرابع: صفات المحاور.
المبحث الخامس: آفات في الحوار.
المبحث السادس: آداب الحوار الصحيح.
المبحث السابع: أمثلة من الحوارات.

المبحث الأول
الحوار أقوى من البندقية
إن الحوار يكون -أحيانًا- أقوى من الأسلحة العسكرية كلها؛ لأنه يعتمد على القناعات الداخلية الذاتية؛ بل ربما أفلح الحوار فيما لا تفلح فيه الحروب الطاحنة.
وفيما يلي حادثتـان تاريخيتان قديمتـان تدلان على ذلك. وكلا الحادثتين تتعلق بطائفة من الخوارج، ومن المعروف في تاريخ الإسلام أن الخوارج من أكثر الناس ضراوة وقوة، وشجاعة وبسالة في الحروب، مما جعل الناس يرهبونهم.
حتى نساء الخوارج، كن يبدين من ضروب البسالة والشجاعة في الحروب ما تدهش له العقول له:
فلننظر كيف فعل بهم الحوار؟!
- الموقف الأول:
ذكر الباقلاني، والسكوني، والشاطبي، وغيرهم، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعث ابن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج المسمين بالحرورية، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنه، وعليه حلة جميلة، فلما أقبل، قالوا له: يا ابن عباس، ما الذي جاء بك؟ وما هذه الثياب التي عليك؟
- فقال: أما الثياب التي عليَّ، فما تنقمون مني؟ فوالله، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه حلة ليس أحد أحسن منه، ثم تلا عليهم قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات منَ الرِّزْق قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالصَةً يَوْمَ الْقيَامَةِ) [الأعراف:32].
- قالوا: ما الذي جاء بك يا ابن عباس؟
- قال: جئتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيكم أنتم يا معشر الخوارج واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: علي بن أبي طالب-، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم، وأبلغهم عنكم، فأنا رسول -أي وسيط- بينكم وبينهم.
- قال بعضهم: لا تحاوروا ابن عباس، لا تخاصموه، فإن الله تعالى يقول عن قريش: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف:58]، فلما خافوا من الهزيمة قالوا: اتركوا هذا، هذا جدل إنسان خَصِم! وقال بعضهم: بل نكلمه، ولننظر ماذا يقول؟
- قال ابن عباس رضي الله عنه: فكلمني منهم اثنان أو ثلاثة، فقال لهم: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟
- قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور.
- قال: هاتوا.
- قالوا: الأول: أن علي بن أبي طالب حكَّم الرجال في كتاب الله، يعني: بعث حكمًا منه، وحكمًا من معاوية رضي الله عنه، وقصة التحكيم معروفة(3)، والله تعالى يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ) [الأنعام:57].
- قال: هذه واحدة فما الثانية؟
- قالوا: الثانية: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل ولم يسْبِ، -أي قاتلهم وما سبى نساءهم-، فلئن كانوا مسلمين فقتاله حرام، ولئن كانوا كفارًا فلماذا لم يسبهم؟
- قال: وهذه أخرى، فما الثالثة؟
- قالوا: الثالثة: أنه نزع نفسه من إمرة المؤمنين لمـَّا كتب الكتاب، فلم يكتب أمير المؤمنين؛ بل قال: علي بن أبي طالب. - قال: أوقد فرغتم؟
- قالوا: نعم.
- قال: أما الأولى: فقولكم: حكَّم الرجال في كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى يقول في محكم التنـزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ) [المائدة:95]، فذكر الله تعالى حكم ذَوَيْ عدل فيما قتله الإنسان من الصيد، سألتكم الله تعالى! التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم، أم التحكيم فيما قتله الإنسان من الصيد؟
- قالوا: لا؛ بل التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أعظم.
- قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) [النساء:35]، ناشدتكم الله تعالى! التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم أهم، أو التحكيم في بُضع امرأة؟
- قالوا: لا، التحكيم في دماء المسلمين وأموالهم.
- قال: انتهت الأولى؟
- قالوا: نعم، فالثانية؟
- قال: أما الثانية، فقولكم: قاتل ولم يسْبِ، هل تسْبون أمكم عائشة رضي الله عنها -لأنها كانت في الطرف الآخر-، وتستحلون منها ما يستحل الرجال من النساء، إن قلتم ذلك كفرتم، وإن قلتم ليست بأمِّنا كفرتم -أيضًا-؛ لأنها أم المؤمنين، فاستحيوا من ذلك وخجلوا.
- قالوا: فالثالثة؟
- قال: أما قولكم: خلع نفسه من إمارة المؤمنين، وإذا لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عقد كتاب الصلح مع أبي سفيان وسهيل بن عمرو في صلح الحديبية، قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فمحا النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة، وقال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (4).
فرجع منهم عن مذهب الخوارج ألفان، وبقيت بقيتهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه(5).
فانظر كيف أثَّر الحوار الهادئ القوي العميق في مثل هذه الرؤوس اليابسة الناشفة، حتى رجع منهم ألفان إلى مذهب أهل السنة والجماعة في مجلس واحد لم يستغرق ربع ساعة.

- الموقف الثاني:
وهو أيضًا يتعلق بطائفة الخوارج العنيدة.
فإنه لما بقيت منهم في الموصل بقية، كتب إليهم عمر ابن عبد العزيز رحمه الله -الخليفة الأموي العادل- ينكر خروجهم، ويقول لهم: "أنتم قليل أذلة"، فردُّوا عليه وقالوا: أما قولك: إنا قليل أذلة، فإن الله تعالى يقول لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأََرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال:26]، فردوا عليه بذلك.
فوجَّه إليهم عمر بن عبد العزيز فقيهًا اسـمه: عون ابن عبد الله، وهو أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.
- فقال لهم عون بن عبد الله: إنكم كنتم تطلبون حاكمًا في مثل عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلمَّا جاءكم هذا الحاكم كنتم أنتم أول من نفر عنه وحاربه.
- قالوا: صدقت، ولكنه لم يتبـرأ ممن قبله ولم يلعنهـم، فلم يلعن علي بن أبي طالب، ولا معاوية، ولا بني أمية؛ لذا فنحن نحاربه -وهذا هو مذهب الخوارج-.
- قال لهم: كم مرة في اليوم تلعنون فيها هامان؟
- قالوا: ما لعنّاه قط!
- قال: أيسعكم أن تتركوا لعن وزير فرعون الطاغية، والمنفذ لأوامره، والذي بنى صرحه بأمره، ولا يسعكم أن تتركوا لعن أهل قبلتكم، إن كانوا أخطأوا في شيء، أو عملوا بغير الحق؟!!
فسكتوا ورجع منهم طائفة كبيرة.
فَسُرَّ بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وقال لهذا الرجل: لماذا لم تحتجّ عليهم بعدم لعن فرعون؟ - قال: لو قلت لهم: لماذا لا تلعنون فرعون؟ ربما قالوا: إننا نلعنه، أما هامان فقلَّ من يلعنه علىألسنة الناس، فلذلك اخترته.
فسكت هؤلاء الخوارج، حتى خرجوا في ولاية يزيد ابن عبد الملك، فقاتلهم(6).
والشاهد هنا كما يقول السكوني في (عيون المناظرات): "فكانت حجة عمر أبلغ من قتالهم بالسيف".
وهكذا يتبين أن الحجة القوية، والحوار الهادئ المقنع الرزين، من صاحب عقل وفهم وعلم، يفعل في كثير من الأحيان ما لا تفعله السيوف ولا المدافع والطائرات .

المبحث الثاني
أهمية الحوار
تبرز أهمية الحوار من جانبين:
الجانب الأول: دعوة الناس إلى الإسلام والسنة:
فتعقد لذلك محاورات مع غير المسلمين؛ لإقناعهم بأن دين الله تعالى حق لا شك فيه، أو مع مبتدعين منحرفين عن السنة؛ لدعوتهم إلى السنة، وأمرهم بالتزامها.
والقرآن الكريم حافل بنماذج من مثل هذه الحوارات التي جرت بين أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وبين أقوامهم، حتى إن قوم نوح قالوا له: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [هود:32]، فأكثر جدالهم حتى تبرَّموا من كثرة جداله لهم، والجدال نوع من الحوار.
إننا بحاجة إلى أن نحاور أصحاب المذاهب والنظريات والأديان الأخرى؛ بهدف دعوتهم إلى الله تعالى، فالحوار وسيلة من وسائل الدعوة.
ولا يجوز أبدًا أن نعتقد -كما يعتقد الكثيرون- أن العالم اليوم يعيش حالة إفلاس من النظريات والعقائد والمبادئ والمثل، فهذا غير صحيح؛ بل العالم اليوم يعيش حالة تخمة من كثرة النظـريات والمبادئ والعقائد والمثل والفلسـفات وغيرها، صحيح أنها باطلة، ولكن هذا الركام الهائل من الباطل مدجج بأقوى أسلحة الدعوة والدعاية، والدعاة الذين تدرَّبوا وتعلَّموا كيف يدافعون عن الباطل حتى يصبح في نظر الناس حقًّا.
أما أهل الحق فكثير منهم لا يحسن الطريقة المثلى للحوار؛ لإقناع الخصم بما لديه من الحق والسنة .
وقد لا يحسن هؤلاء أن يناقش بعضهم بعضًا، إلا من خلال فوهات المدافع والبنادق، فإن لم يملكوها، فمن خلال الأفواه التي تطلق من الكلمات الحارة الجارحة، ما هو أشد فتكًا من الرصاص والقذائف.
إذن، فإن الهدف الأول من الحوار هو دعوة الكفار إلى الإسلام، أو دعوة الضالين من المبتدعة إلى السنة.

الجانب الثاني: فصل الخلاف في الأمور الاجتهادية:
فالحوار يُعد وسيلة للوصول إلى اليقين والحق في مسألة اجتهادية اختلفت فيها أقوال المجتهدين، فيتكلم اثنان في محاورة أو مناظرة للوصول إلى الحق في مسألة اجتهادية ليس فيها نص صريح، أو إجماع لا يجوز تعديه.
وليس من الضروري -أيها القارئ الكريم- أن تعتقد أن نتيجة الحوار لابد أن تكون إقناعك الطرف الآخر بأن ما عندك حق، وما عنده باطل، فليس هذا بلازم، فقد تقنع إنسانًا بذلك، فإن لم تتمكن، فأقل شيء تكسبه من الحوار - إذا التزمتَ بالشروط الموضوعية له - أن يعلم خصمك أن لديك حجة قوية، وأنك محاور جيد، وأن يأخذ انطباعًا بأنك موضوعي متعقل، بعيد عن التشنج والهيجان والانفعال.
فكثير من الناس يظنون أن الآخرين لا يملكون الحق، وليس عندهم شيء، وأنهم مجرد مقلِّدين، فإذا حاوروهم وناظروهم علموا أن لديهم حججًا قوية، فأقل ما تكسبه أن تجعل أمام مناظرك علامة استفهام.
فقد تلتقي بنصراني داعية إلى النصرانية، فتناقشه، فمن المحتمل أن يسلم، وهذا خير كثير، وهو أرقى وأعلى ما تتمناه، لكن قد لا يسلم، فهل تعتبر أنك قد خسرت المناظرة؟ لا؛ لأنه وإن لم يسلم، فربما صار عنده تفكير في الإسلام يدعوه إلى أن يبحث، ثم قد يسلم ولو بعد حين، وإذا لم يفكر في ذلك، فعلى الأقل صار عنده شكوك في دينه، وإذا لم يحصل هذا، فعلى أقل تقدير فتر شيء من الحماس الذي كان يحمله لدينه، وصار عنده تردد في مذهبه الباطل.
ونحن نجد أن المسلمين الذين يكثرون الاحتكاك بأهل الكتاب أو بالمنحرفين عن الإسلام ويسمعون منهم الكثير؛ نجد أن هؤلاء المسلمين وإن لم يتركوا دينهم إلا أن حماسهم يقل ويفتر لدينهم حتى وهم على الحق؛ وذلك من كثرة ما سمعوا من أعدائه، فما بالك بأهل الباطل إذا سمعوا نقد باطلهم؟ لابد أن يفتر حماسهم له، أو يشكّوا فيه، أو يتراجعوا عنه.

الجدال المحمود:
الحوار والجدال والمناظرة كلها ألفاظ متقاربة لمعنى واحد، وإن كان أكثر ما جاء من لفظ الجدال في القرآن الكريم يطلق على الجدال المذموم، كما في قوله تعالى: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) [الكهف:56].
ولكن جاء لفظ الجدل في القرآن أيضًا في مواضع محمودة، وهي:
- قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46]، فهذا جدل بالتي هي أحسن لدعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام.
- قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125].
- قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) [هود:74]، فكيف جادلهم؟ لما سألهم: أبُعثتم إليهم لإهلاكهم؟ قالوا: نعم. قال: أفيهم مائة مسلم؟ قالوا: لا. قال: أفيهم خمسون مسلمًا؟ قالوا: لا. قال: عشرة مسلمين. قالوا: لا. قال: خمسة مسلمين؟ قالوا: لا. قال: فقوم ليس فيهم هؤلاء جديرون بالإهلاك، فهذا -كما ذكر بعض المفسرين- الجدل الذي حصل من إبراهيم عليه السلام(7).
- قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة:1].

المبحث الثالث
قواعد الحوار وأصوله
إن من الضروري أن يتلقَّى المسلم -وخاصة الداعية إلى الله- أسس الحوار وأصوله، في عالم يموج اليوم بالنظريات الكافرة والاتجاهات المنحرفة، فقد أصبح الحوار فنًّا يدرس -أحيانًا- باسم: فن الجدل، وأحيانًا يسمونه: فن المناظرة.
إضافة إلى فن آخر له علاقة كبيرة بالموضوع، وهو ما يسمى بفن العلاقات العامة، الذي تقام فيه دورات لكثير من الموظفين، والمتخصِّصين في العلاقات العامة، والدعاة، وغيرهم .
والعلاقـات العامة تعني: حسن الاتصال بالآخرين؛ لإقناعهم برأي، أو لترويج سلعة من السلع، أو تصحيح فكرة، أو التمهيد لقضية من القضايا من خلال الاتصال بالناس، فهو فن لابد للداعية أن يتعلمه نظريًّا وعمليًّا.
وللحوار قواعد كثيرة، نعرض بعضها فيما يلي:
القاعدة الأولى: تحديد موضوع الحوار:
ينبغي أن يدور الحوار حول مسألة محددة، فإن كثيرًا من الحوارات تكون جدلاً عقيمًا، ليس له نقطة محددة ينتهي إليها، فينبغي أن يكون الحوار أو الجدل (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125] حول نقطة معينة، بحيث يتم التركيز عليها، ولا يتعداها الحوار حتى يُنْـتَهى منها.
القاعدة الثانية: مناقشة الأصل قبل الفرع:
ينبغي ألا يتم التناقش في الفرع قبل الاتفاق على الأصل؛ إذ إن مناقشة الفرع مع كون الأصل غير متفق عليه، تعتبر نوعًا من الجدل العقيم إلا في حالات معينة.
وأضرب أمثلة لحالات يمكن فيها مناقشة الفرع، أو مناقشة الأصل:
فلو جاءك كافر لا يؤمن بيوم الحساب، وأخذ يناقشك في قضية حجاب المرأة المسلمة -مثلاً-، أو في قضية تعدد الزوجات، أو في مسألة الجهاد؛ حيث إن هذه القضايا بالذات هي أكثر القضايا التي يثير حولها الغربيون شبهاتهم؛ لإثارة الفتنة بين المسلمين.
المهم هو كيف تحاور هذا الكافر الذي لا يؤمن بالإسلام؟ هل تناقشه في هذه المسائل إذا حاورك بشأنها؟
بإمكانك هنا أن تحاوره بإحدى طريقتين:
- الأولى: أن تحيل إلى الأصل، فتقول له: إن الجهاد وتعدد الزوجات والحجاب وما على شاكلة هذه القضايا؛ جزء من دين الإسلام، وبدلاً من أن نناقش هذه النقاط ينبغي أن نرجع للأصل، وهو الإسلام، فنتجادل فيه، فإذا اقتنعت بالإسلام، فحينئذ -من باب أولى- أن تقتنع بهذه الأمور، ولا حاجة أن نتجادل فيها، وإذا لم تقتنع بالإسلام، فنقاشي معك في هذه الجزئية يعتبر نوعًا من العبث الذي لا طائل تحته.
- الثانية: يمكنك أن تناقشه بالحجج المنطقية، في نفس الجزئيات التي يجادل حولها.
فمثلاً: إذا تكلم عن تعدد الزوجات، فيمكن أن تجادله في هذا الموضوع بأن تخبره أنه من الثابت علميًّا أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال، وفي (أمريكا) نفسها تصل -أحيانًا- نسبة النساء إلى الرجال مائة وتسعة عشر إلى مائة، وأحيانًا مائة وستين إلى مائة؛ فستون امرأة زيادة على المائة، لمن تكون؟!
فإذا لم نأذن للرجال بتعدد الزوجات، فذلك يعني أن هؤلاء النساء بقين ضائعات بلا أزواج، أو اضطررن إلى ممارسة البغاء والرذيلة، فتعدد الزوجات ضرورة لابد منها؛ لأن نسبة الإناث في أكثر المجتمعات أكثر من نسبة الرجال.
وهكذا، عندما تثبت لهذا الكافر حالات وأوضاعًا يكون تعدد الزوجات فيها أمرًا سائغًا؛ فربما آمن بالإسلام من خلال اقتناعه بهذه الحجج.
وقد بسط القول في الرد على هذه الشبهات الأستاذ محمد قطب في كتابه "شبهات حول الإسلام" بما لا يدع حاجة إلى أن نطيل فيه الآن.

القاعدة الثالثة: الاتفاق على أصل يُرجع إليه:
يجب الاتفاق على أصل يرجع إليه المتحاورون إذا وُجد الخلاف، واحتدم النقاش، وذلك كالاتفاق على الرجوع عند الاختلاف إلى القرآن الكريم، وإلى صحيح السنة، وإلى القواعد الثابتة المستقرة، أو إلى ما كان عليه السلف الصالح -رضي الله عنهم-، المهم أن نتفق على أمور تكون مرجعًا عند الخلاف.
وقد وقعت حادثة حدثني بها جماعة من العلماء منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، والشيخ عبد الله بن قعود، أن جماعة من الشيعة كتبوا إلى مفتي الديار السعودية السابق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، يطلبون منه أن يعقد مجلسًا للحوار معهم، فَهَمَّ الشيخ محمد بن إبراهيم أن يهمل هذا الطلب وألا يرُد عليهم، فأشار عليه الشيخ عبد الرزَّاق عفيفي بأن هذا الأمر ما دام جاء منهم فينبغي ألا يُهمل؛ لأنهم قد يعتبرون عدم إجابتنا على طلبهم نوعًا من النكول عن المناظرة أو ضعف الحجة.
فالأولى أن نكتب لهم بالموافقة على المناظرة شريطة أن يكون هناك أصلٌ نرجع إليه، ويكون هذا الأصل هو القرآن الكريم، وصحيحي البخاري ومسلم، فكتب لهم الشيخ رحمه الله بهذا المضمون، أنه لا مانع من إجراء الحوار والمناقشة، شريطة أن نرجع في الاختلاف إلى القرآن الكريم، وصحيحي البخاري ومسلم، فلم يرُدوا عليه، ولم يجيبوه إلى ما سأل.
وهذا يبرز أهمية تحديد أصل يُرجع إليه عند الخلاف.

المبحث الرابع
صفات المحاور
أولاً: جودة الإلقاء، وحسن العرض، وسلاسة العبارة:
وقد كان ذلك من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدِّث حديثًا لو شاء العادُّ أن يحصيه لأحصاه،لم يكن يسرد الحديث كسردكم"(8).
فعلى المحاور أن يكون هادئًا سلسًا، جيد الإلقاء.

ثانيًا: حسن التصور:
والمقصود من حسن التصور، ألاَّ تكون الأفكار عند المتحدث مشوشة أو متداخلة أو متضاربة، فبعض الناس -لضعف تصوره- ربما يطرح فكرة أثناء النقاش، وبعدما ينتصف في شرحها يتبيَّن له أنها غير صالحة، ولا تخدم الغرض، فينتبه في منتصف الطريق بعدما يكون قد تورَّط في ذلك.
ثالثًا: ترتيب الأفكار:
فالقدرة على ترتيب الأفكار،وتسلسلها، وارتباط بعضها ببعض وعدم تداخلها، أو اضطرابها، مما يثبت حجة المحاور ويقويها.
رابعًا: العلم:
ينبغي أن يكون المحاور ذا علم وقوة وقدرة، فإن بعض المحاورين قد يخـذل الحق بضعف علمه، فرغم أن الحق معه، إلا أنه لم يدعمه بالعلم القوي، فيضع نفسه في غير موضعه.
لذلك فليس كل إنسان مهيأ للحوار، حتى وإن كان صاحب حق، فإنه ربما حاور بهدف نصر الحق فيخذل الحق؛ لضعف علمه وبصيرته، وربما حاور بجهل فيقتنع بالباطل الذي مع خصمه، وربما احتج بحجج باطلة، مثلما يحدث في بعض المناظرات والمحاورات التي تعقد، فلا يقتنع الناس بالحق الذي يحمله.

خامسًا: الفهم مع العلم:
لابد من الفهم وقوة العقل؛ ليدرك المتحدث حجج الخصم، ويتمكن من فهمها، ويعرف نقاط الضعف والقوة فيها، فيقبل ما فيها من حق، ويرد ما فيها من باطل.
سادسًا: الإخلاص:
فينبغي التجرد في طلب الحق وتوصيله إلى الآخرين، بحيث لا يكون همُّ المرء الانتصار لرأيه، وإنما همه طلب الحق وإيصاله للآخرين.
سابعًا: التواضع:
فالتواضع أثناء المناقشة، أو بعد الانتصار على الخصم، من أهم ما ينبغي أن يتحلى به المحاور.
المبحث الخامس
آفات في الحوار
أما الحوار القائم بين كثير من المسلمين بعضهم مع بعض، ففيه عيوب وأخطاء نذكر منها :
أولاً: رفع الصوت:
فكأن الإنسان في غابة تتهارش فيها السباع، ومن لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب، فيرى أن انتصاره في الحوار لن يكون إلا عن طريق مبالغته في رفع الصوت على خصمه، والله تعالى يقول: (إِنَّ أَنْكَرَ الأََصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان:19].
ثانيًا: أخذ زمام الحديث بالقوة:
وذلك لئلا تدع للخصم فرصة يتحدث فيها، فيهدم بناءك الهش، أو يحطِّم حججك الزجاجية، أو يثير البلبلة في نفوس الناس.
وكأننا في ذلك قد أخذنا بمبدأ الكلمة التي قالها (دايل كارنيجي) في كتابه: "كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء"؛ إذ قال: إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك، ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك وتتركهم، فإليك الوصفة: لا تعط أحدًا فرصة للحديث، تكلم بدون انقطاع، وإذا خطرت لك فكرة بينما غيرك يتحدث، فلا تنتظر حتى يتم حديثه، فهو ليس ذكيًّا مثلك! فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف؟ اقتحم عليه الحديث، واعترض في منتصف كلامه، واطرح ما لديك.

ثالثًا: تهويل مقالة الطرف الآخر:
إن البعض يهوِّلون أقوال الآخرين، ويحمِّلون كلامهم من الضخامة ما لا يخطر إلا في نفوس مرضى القلوب، لماذا؟ لئلا يتجرأ أحد على القول بمثل ما قالوا، أو نصرة ما ذهبوا إليه.
فيحاول المحاور -أحيانًا- أن يحيط القول المردود بهالة رهيبة فيقول: هذا القول كفر، وهذا فسق، وهذا بدعة، وهذا خرق للإجماع، وهذا مصادمة للنصوص الشرعية، وهذا اتهام للعلماء، وهذا قول حادث باطل لم يسبق إليه...، ويظل يهوِّل ويطول ويضخم العبارات، بحيث يشعر السامع أنه قول خطير، يجب البعد عنه، وعدم التورط في قبوله، أو الاقتناع بحجة من تكلم به.
وقد لا يكون القول كذلك.
نحن لا ننكر أن من الأقوال ما يكون كفرًا أو فسقًا أو بدعة، ومنها ما يكون مصادمة للنص، أو قولاً حادثًا لم يسبق إليه صاحبه، لكن هذه الأشياء كلها لابد حين يقولها الإنسان أن يثبتها بالدليل الواضح، أما مجرد إطلاق دعاوى فارغة في الهواء، فهذا لا يسمن ولا يغني من جوع.

رابعًا: الاعتداء في وصف الطرف الآخر:
فتصفه بما لا يليق من الأوصاف؛ تأديبًا له وردعًا لأمثاله، فتقول: هذا جاهل سخيف حقير متسرع، وأضعف الإيمان أن تصفه بأنه ليس أهلاً لهذا الأمر.
ولا يكفي هذا فحسب؛ بل لابد من كشف نية هذا الإنسان، فتتهمه بفساد نيته، وسوء طويته، وخبث مقصده؛ بل قد تتهمه بأنه عدو مغرض للإسلام، أو محارب للسنة وأهلها، له أهداف بعيدة من وراء مقالته تلك، أو بأنه عميل للشرق أو الغرب، أو لقوى خارجية أو داخلية...
ونحن لا ننكر -أيضًا- أن من الناس من هو سيء النية والطويَّة خبيث المقصد، ومنهم من هو عدو للإسلام أو السنة؛ بل ومنهم من هو عميل للشرق أو الغرب، أو لقوى بعيدة أو قريبة، لكن حين تُطلق هذه الأشياء، فلابد من الدليل الواضح عليها، ولا يجوز أن نصادر عقولنا، ويُطلب منا أن نقتنع بشيء لم يُسَق عليه أي دليل.
فليس مقصود الحوار تناول شخص بعينه، اللهم إلا إن كان موضوع الحوار أو نقطة الحوار -أصلاً- هي الكلام عن هذا الشخص، فهذا باب آخر.

المبحث السادس
آداب الحوار الصحيح
إن آداب الحوار الصحيح، هي بإيجاز:
أولاً: حسن المقصد:
فليس المقصود من الحوار العلو في الأرض، ولا الفساد، ولا الانتصار للنفس، ولكن المقصود الوصول إلى الحق .
والله تعالى يعلم من قلب المحاور ما إن كان يهدف إلى ذلك أم يهدف إلى الانتصار، والتحدث في المجالس أنه أفحم خصمه بالحجة.
ضع في اعتبارك أنه يحتمل أن يكون الخطأ عندك والصواب عند غيرك، فالله تعالى لم يحابك، ويختصك دون بقية خلقه بالعلم والفهم والإدراك والعقل، فإذا كان عندك حق، فعند غيرك حق، وقد يكون عندك حق كثير، وعنده حق قليل، وقد يكون العكس.
فعلى المسلم أن يطلب الحق بحسن نية، وألا يكون هدفه وهو يسمع كلام خصمه أن يرد عليه متى سكت؛ بل هدفه الوصول إلى الحقيقة، ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويُسدَّد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه"(9).
وهذه -والله- أخلاق أتباع الأنبياء؛ لأنه يبتغي إحقاق الحق لا إسقاط الخصم .

ثانيًا: التواضع بالقول والفعل:
من آداب الحوار: التواضع، وتجنُّب ما يدل على العجب والغرور والكبرياء.
فبعض الناس إذا حاور شخصًا أو حادثه أعرض ونأى بجانبه، وازورَّ لا يلتفت إلى خصمه، إشارة إلى السخرية وعدم الاكتراث به، وربما ظهر على قسمات وجهه أو حركات حاجبيه أو عينيه أو شفتيه ما يدل على السخرية والاستكبار، وربما يزم شفتيه، أو يلوي وجهه، أو يلوي عنقه، أو يشير بطرف عينيه إشارات تعبر عن السخرية والازدراء، فهذا كله من الكبر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الكبر بطر الحق وغمط الناس"(10).
فمن التواضع أن تقبل الحق ممن جاء به حتى ولو كان أعدى أعدائك، وتعدّ ذلك ضالتك المنشودة، فأنت باحث عن الحقيقة أنىَّ وجدتها فأنت أحق بها.
ومن التواضع -أيضًا- ترك استخدام الألفاظ الدالة على التعالي والكبرياء، وازدراء ما عند الآخرين، كأن يقول: نرى كذا، وعندي، وأنا، وقلت، ونحو هذه الألفاظ.
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم أن إبليس هو الذي قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) [الأعراف:12]، فـ(أنا) هذه المتعاظمة الرادة للحق هي من إبليس، وقارون هو الذي قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص:78]، فالذي يقول: عندي، وهو ليس أهلاً لذلك شبيه بقارون، وسائر المستكبرين تعاظموا في نفوسهم فردُّوا الحق.

ثالثًا: الإصغاء وحسن الاستماع:
الإصغاء إلى الآخرين فن قَلَّ من يجيده، فأكثرنا يجيد الحديث أكثر من الاستماع، والله سبحانه وتعالى جعل لك لسانًا واحدًا، وجعل لك أذنين حتى تسمع أكثر مما تتكلم، فلابد أن تستمع جيدًا، وأن تستوعب جيدًا ما يقوله الآخرون.
ووضع أذنك للمحدِّث، وحملقة عينيك بوجهه، وتأملك لما قال، يمكن أن يكون دليلاً على قوتك، وقدرتك على الحوار، وإذا وجدت ملاحظات، فيمكن أن تسجلها في ورقة لتتحدث فيها بعدما ينتهي من حديثه.
وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فربما تحدَّث معه بعض المشركين بكلام لا يستحق أن يُسمع، فيصغي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انتهى هذا الرجل وفرغ من كلامه، قال له صلى الله عليه وسلم: "أوقد فرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم. فتكلَّم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من القرآن(11).

رابعًا: الإنصاف:
وهو أن تكون الحقيقة ضالتك المنشودة، تبحث عنها في كل مكان، وفي كل عقل.
جرِّد نفسك، ولا تبالِ بالناس رضوا أم سخطوا، وكن باحثًا عن الحقيقة، وليعلم ربك من قلبك أنه ليس في قلبك إلا محبة الله تعالى، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب الحق الذي يحبه الله ورسوله.
فلتستخلص الحق من خصمك، ولو من بين ركام الباطل الكثير الذي ربما جاء به.
وربما أجرى الله تعالى كلمة الحق على لسان الفاسق، أو حتى على لسان الكافر -أحيانًا-، فيمكن أن تستفيد من المحاور ولو كان فاسقًا أو كافرًا، فقد تستفيد منه عيبًا موجودًا عندك أو عند المسلمين، أو تستفيد منه مصلحة دنيوية للمسلمين، أو أسلوبًا مـن أساليب الدعوة إلى الله تعالى، ربما فطن له هو، وغفلت أنت عنه.
وللشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله كلمة حكيمة جميلة، يقول فيها معبـِّرًا عن رد الحق عند الكثيرين: "إن الذين لديهم ذكاء حاد لا يقبلون الصواب غالبًا إلا إذا كان من عند أنفسهم؛ وذلك أن الله تعالى أعطاهم قدرات وطاقات عالية، وُفِّقوا بسببها إلى كثير من الحق الذي أخطأ فيه الناس؛ ولذلك فلديهم من الثقة بآرائهم وعدم الثقة بآراء الآخرين، ما يصعب معه على الناس إقناعهم بغير الآراء التي يرون هم".
إن الاعتراف بالحق وإعلانه -أيضًا- لا ينقص من قيمة الإنسان، فكونك تقول في مناظرة أو محاورة أو محاضرة: أنا أخطأت في كذا، هذا لا يعيبك؛ بل هذا يرفع منـزلتك عند الناس، ويدل على شجاعتك وقوتك، وثقتك بنفسك.

خامسًا: البدء بمواضع الاتفاق والإجماع والمسلَّمات والبدهيات:
فمن المصلحة ألا تبدأ الحوار بقضية مختلف فيها؛ بل ابدأ بموضوع متفق عليه، أو بقاعدة كلية مسلَّمة أو بدهية، وتدرج منها إلى ما يشبهها أو يقاربها، ثم إلى مواضع الخلاف.
فممَّا يذكر عن سقراط -وهو أحد حكماء اليونان-، أنه كان يبدأ مع خصمه بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لا يملك الخصم أن يجيبه عليها إلا بنعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الآخر، حتى يرى المناظر أنه أصبح يُقر بفكرة كان يرفضها من قبل.

وأضرب مثالاً على قضية الانتقال من الكليات إلى الجزئيات، أو من المسلَّمات إلى غير المسلمات:
قد يخاصمك إنسان في قضية أساليب الدعوة إلى الله تعالى، هل هي توقيفية، أي لابد أن يكون فيه نص على أسلوب الدعوة؟ أم أنها أساليب اجتهادية متجددة، يمكن أن آخذ بأي أسلوب، ولو لم يكن منصوصًا عليه، إذا لم يكن هذا الأسـلوب حرامًا؟
مثال: النشيد، قد يقول قائل: إن النشيد أسلوب من أساليب الدعوة، ويقول آخر: لا. أساليب الدعوة توقيفية، والنشيد ما ورد في الكتاب ولا في السنة، فلا يجوز استخدام النشيد كأسلوب من أساليب الدعوة، وهذا يختلف فيه بعض العلماء والدعاة في هذا العصر، ويتحاورون فيه.
والنقاش حول مشروعية النشيد كأسلوب للدعوة، قد يكون موضوعًا جزئيًّا شكليًّا، ولكن لا مانع من ذكره للإيضاح فقط، فأرى أن تبدأ النقاش بهذا السؤال: لو أن إنسانًا أنشد نشيدًا ليس فيه معصية ولا كلام باطل محرم، وغير مصحوب بدف ولا مزمار ولا غيره، وهذا الكلام أنشده على سبيل الترويح عن النفس، أو المؤانسة، أو قطع عناء الطريق في سفر؛ هل هذا يحرم أم لا؟
سيقول لك الطرف الآخر: لا يحرم؛ بل هو طيب، ثم تنتقل وتسأله سؤالاً آخر: هل يوجد شيء في الشريعة يكون مباحًا غير حرام بشرط عدم إصلاح النية فيه، فإذا صلحت النية كان هذا الشيء حرامًا ؟ سيقول لك: لا.
إذًا: فمن أين لك أن قراءة بعض الأناشيد بنية صالحة؛ بهدف إشغال الناس -مثلاً- عن الغناء المحرم، أو رفع معنوياتهم، أو تلقينهم الحكم، والمعاني الرفيعة؛ أن هذا العمل يكون حرامًا؟!
قد يقول البعض: إن هذا عبادة والعبادة توقيفية، فيقال: من أين لك أن هذا داخل في باب العبادة التي هي القربى؟
إن العبادة أنواع: فقد تطلق العبادة على العبادات التوقيفية، التي هي القرب كالصلاة -مثلاً- والحج، فإحداث صفة جديدة للصلاة أو الحج لا يجوز؛ بل هو بدعة؛ لأن الصلاة توقيفية، وهي قُربة محضة إلى الله تعالى.
وهناك أعمال أخرى يمكن أن يكون الإنسان مأجورًا عليها، ولا يُطلق عليها أنها قربة محضة إلى الله تعالى، مثلما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وفي بُضع أحدكم صدقة"(12)، فليس معنى ذلك أن جماع الإنسان لزوجته يكون عبادة بذاته، وليس قربة محضة إلى الله عز وجل، لكن يؤجر عليه الإنسان ما دام في الحلال، وقد أصلح صاحبه فيه النية.
كذلك القول في الأناشيد، مع التنبيه أنه لابد من ضوابط بطبيعة الحال، مثل: عدم الإكثار منها، وخلوها من المعاني السيئة، وألا تكون مصحوبة بآلات محرمة، إلى غير ذلك.

سادسًا: ترك التعصب لغير الحق:
فلو حاورت إنسانًا، فتناول معهدًا تعمل فيه، أو مقالة كتبتها، أو كتابًا ألَّفته، أو محاضرة ألقيتها، أو تناول جهة -تُحسب أنت عليها- بالانتقاص والسب وتتبع الأخطاء، فإياك أن تتعصب لهذا الشيء الذي تنتمي وتنتسب إليه، ثم تبادر بالرد، وتقوم بتقديم كشف بالإيجابيات والحسنات في مقابل الكشف الذي قدمه هو بالأخطاء، والسلبيات..، لا؛ بل عليك بالأمور التالية:
- أولاً: دع زمام الحديث بيده حتى ينتهي -كما اتفقنا قبل قليل-.
- ثانيًا: اعترف بصوابه فيما أصاب فيه، والحق ضالة المؤمن -كما سبق-.
- ثالثًا: إذا انتهى فانقد الخطأ بطريقة علمية، بعيدة عن العواطف.
وما أعز وأصعب وأندر أن يتخلص الإنسان من التعصب -أي لون من ألوان التعصب-؛ فإن الحزبيات قد أثَّرت في المسلمين تأثيرًا كبيرًا جدًّا.
فمثلاً: يتعصب الإنسان -أحيانًا- لمذهب أو لوطن، أو قبيلة، أو لدعوة، أو لجماعة، فهذا ما يُسمى بالحزبية، بحيث يحيط هذا الشيء بعقله، فلا يملك عقلاً متحررًا من القيود والأوهام؛ بل تجده يدور في فلك معين، ولا يستطيع أن يتقبل الحق إلا في إطار محدود.

سابعًا: احترام الطرف الآخر:
فنحن مأمورون أن نُنـزل الناس منازلهم، وألا نبخس الناس أشياءهم.
فيا أخي المسلم الداعية، ليس النجاح في الحوار والمناظرة مرهونًا بإسقاطك لشخصية الطرف الآخر الذي تناظره، ولا إسقاطك لشخصيته يعني أنك نجحت في المناظرة؛ بل ربما يرتد الأمر عليك، ويكون هذا دليلاً على إفلاسك وعجزك، وأنك لا تملك الحجة؛ فاشتغلت بالمتكلِّم عن الكلام.
والناس اليوم تعي وتعقل، ولو أنك سندت قولاً من الأقوال الباطلة الزائفة حينًا من الزمن بالتهويش، واللجاج، فإن هذا القول الذي لا يسنده الحق سرعان ما ينهار ويتهاوى بمجرد غفلة السَّاعين به، أو انشغالهم عنه بغيره، فيموت وينساه الناس.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - "ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء"(13)، فالمؤمن ليس باللعان، ولا بالطعان في الناس وأعراضهم، ونياتهم ومقاصدهم وأحوالهم، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحِّشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"(14)، فهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وهذا كلامه في وصف المؤمن، أنه لا يحب الفحش ولا التفحش.
ومن بديع احترام رأي الآخرين، ما ينقل عن الإمام مالك: أنه لمـَّا ألَّف الموطأ، ومكث أربعين سنة يؤلفه، وقرئ عليه آلاف المرات، وعرضه على سبعين من العلماء فأقروه عليه، وتعب فيه أيما تعب، ومع ذلك لمـَّا بلغ الخليفة المنصور كتاب مالك وأعجبه، وقال: إنا نريد أن نعممه على الأمصار، ونأمرهم باتباعه؛ قال له الإمام مالك: "لا تفعل -رحمك الله-، فإن الناس سبقت منهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وما أتوا به، وعملوا بذلك ودانوا به وكل ذلك من اختلاف أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، ثم من بعدهم من التابعين، ورد الناس عما اعتقدوه ودانوا به أمر صعب شديد، فدع الناس وما هم عليه، ودع أهل كل بلد وما اختاروا لأنفسهم"(15).
فلا حاجة إلى اللجوء إلى تبكيت الشخص الذي تخاصمه وإحراجه والسخرية منه .

ثامنًا: الموضوعية:
الموضوعية تعني: رعاية الموضوع، وعدم الخروج عنه.
- فمن الموضوعية: عدم الهروب من الموضوع الأساسي إلى غيره. إن بعض الناس إذا أحرجته في موضوع هرب منه إلى موضوع آخر، فهو ينتقل من موضوع إلى موضوع، وكلما أُحرج في نقطة انسحب منها إلى غيرها، ونقل الحديث نقلة بعيدة أو قريبة.
ولعل هذا أعظم أدواء المناظرة، التي تجعل الإنسان يخرج منها -ربما بعد ساعات- دون طائل، والموضوع يقتضي ألا تخرج من نقطة إلا إذا انتهيت منها، ثم تنتقل إلى غيرها.
-كذلك من الموضوعية: عدم إدخال موضوع في آخر، فقد تتكلم مع إنسان في قضية حجاب المرأة المسلمة، وضرورة التزامها بالستر، وبُعدها عن السفور، وعن الاختلاط بالرجال الأجانب، أو الذهاب إلى أماكن اللهو والفساد وغير ذلك، فتجد أنه بدلاً من أن يناقشك في هذا الموضوع يقول: يا أخي، الناس قد وصلوا إلى القمر، وأنت لازلت تجادل في هذا الموضوع!
فما علاقة وصول الناس إلى القمر أو عدم وصولهم بقضية مطالبتنا بحجاب المرأة المسلمة؟! أليس هذا إدخالاً لموضوع في قضية أخرى لا يتعلق بها؟
وقد تُكلِّم إنسانًا -مثلاً- في قضية الغناء الفاحش البذيء، الذي أصبح يصك الأسماع، ويهيِّج الغرائز، ويدعو إلى الرذيلة، فيقول لك: يا أخي، المسلمون يُقتلون في مشارق البلاد ومغاربها، وتسفك دماؤهم، وتنتهك أعراضهم، وأنت لازلت تتكلم في هذه الجزئيات؟!
فما دمنا قد اتفقنا أن موضوع الغناء هو مادة الحوار الذي سيناقَش، فما دخل قضية قتل المسلمين بذلك؟ وهل إذا تركنا الحديث عن الغناء أو الحديث عن حجاب المرأة المسلمة، ستُحل مشاكل المسلمين، ويُرفع الظلم عن المظلومين؟!
-كذلك من الموضوعية: عدم النيل من المتحدث باتهامه في نيته أو الكلام على شخصه، فبعض الناس يقول: من هذا الإنسان؟ ما هدفه؟ ما تاريخه؟ من وراءه؟ ما درجته من العلم؟ ما قدره؟
فيا أخي، ما علاقتك بهذا الشخص المتكلِّم؟ المهم أن أمامك دعوى وكلامًا ومطلوب منك مناقشته بالحجة والبرهان، فدع المتكلم جانبًا، وانظر في الكلام الذي قيل، وما قدره من الخطأ أو من الصواب؟
اعمل بقولي وإن قصرت في عملي *** ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري(16)
-كذلك ليس من الموضوعية: الاشتغال بالأيمان المغلظة، والله سبحانه وتعالى ذمَّ الذين يكثرون من اليمين: قال تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ.هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ.مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) [القلم:10-13]، فهذا دعيٌّ ملصق في أهل العلم وليس منهم، وملصق في قومه وليس منهم، ومع ذلك يكثر من الأيمان الكاذبة، أو قد لا تكون كاذبة لكن اليمين ليس حجة، فكونك تحلف بالله العظيم الذي لا إله إلا هو أن هذا هو الحق، فهذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
قد تكون مقتنعًا فعلاً أنه هو الحق، لكن قناعتك هذه ليست نابعة من دراستك، أو معرفتك بالحجج والأدلة؛ ولكنها نابعة عما تلقيته عن شيخ تعظمه فوقر في قلبك، أو درسته منذ صغرك فاستقر في قراره في نفسك، وليس لأن لديك دليلاً قويًّا على أنه هو الحق.
وفرق بين أن تكون مقتنعًا قناعة مطلقة بأنه هو الحق، فتحلف على ذلك، فإذا حلفـتَ أنت عرفتُ أنك تعتقد أنه هو الحق، ولكن لا يلزم أن يكون هو الحق، فقد تراه حقًّا وتحلف عليه، والواقع أن الحق بخلافه.

-كذلك من الموضوعية: تجنب الكذب في الحديث، فإن المناظر قد يكذب أحيانًا، فقد سمعت مرة مناظرة بين اثنين في قضية أحدهما شيعي، فقام الشيعي وقال: روى الإمام أحمد في مسنده، وذكر حديثًا موضوعًا مختلقًا، وهذا الحديث إذا رجعت للجزء والصفحة من المسند، لا تجده، لكنه يعرف أن الخصم ليس عنده وقت حتى يرجع للمسند، ويتأكد من صحة الحديث، ومن البعيد جدًّا أن يكون قد أحاط بمسند الإمام أحمد حتى يعرف ما فيه، مما ليس فيه، فيستغل حديثًا مختلقًا ليضر به الخصم، وينسبه إلى كتاب من هذه الكتب، وربما ينطلي عليه.
فهذا ليس من الموضوعية في شيء، وإذا لم يكتشفه الخصم حال المناقشة فسيكتشفه فيما بعد، ويبين أنك كنت كاذبًا فيما ادعيت.
ومثل الكذب وأخوه بتر النصوص، وهو أن تنقل نصًّا طويلاً، فتجتزئ الكلام الذي يصلح لك، ويدل على ما تريد، وتترك الباقي، فهذا ليس من الأمانة؛ بل عليك أن تنقل الكلام كاملاً حتى يشاركك الناس فيما استنتجته، فإما أن يقرُّوك، وإما أن يخالفوك في الفهم.
ثم إن هذا الكلام أيضًا قد يقوله الإنسان ولا يُدرى كل ما وراءه، فالكلام يُفهم من حال المتكلم، ومن سياقه، ومن نصوصه الأخرى، ومن سيرة قائله، كما ذكر الإمام ابن القيم في مواضع من كتبه: أن كلام الناس -يعني كلام البشر- يفهم على ضوء الشخص المتكلم، وظروفه، وما يُعلم عن المتكلم وأحواله، فإذا صدر كلام من شخص يحتمل أكثر من معنى عرفنا أن الذي يليق بفلان من المعاني هو كيت، وكيت، وإن كان الكلام يحتمل غيره؛ لأن كلام الناس يحتمل وجوهًا.

-كما أن من الموضوعية: إذا لم تعرف مسألة ما أن تقول: لا أدري، وإذا ترك العالم لا أدري، أصيبت مقاتله، كما كان السلف يقولون: ويجب على العالم أن يعلم تلاميذه وطلابه قول: "لا أدري"؛ حتى يلجؤوا إليها فيما لا يعلمون .
- ومن الموضوعية: التوثيق العلمي، يعني إذا استدللت فلا تستدل بشائعات أو ظنون أو أوهام استقرت في عقلك أو في عقل من أمامك من الناس؛ بل استدل بالنصوص، والأدلة الواضحة؛ والبراهين الثابتة، والإحصاءات الدقيقة، قال رسوله صلى الله عليه وسلم، وبراهين العلماء، تستدل بحقائق علمية، وتوثِّق ما تقول، أما مجرد الظنون والأوهام والشائعات، فإنها لا تصلح أدلة.
تاسعًا: عدم الإلزام بما لا يلزم أو المؤاخذة باللازم:
فإذا خالف إنسان أحد العلماء في قول، تأتي فتقول له: يا أخي، أنت خالفت فلانًا العالم، وهذا يلزم منه أنك ترى نفسك أعلم منه.
وهذا غير صحيح، فلا يلزم من قوله وخلافه للعالم الفلاني ذلك، فقد يخالفه في هذه المسألة باجتهاده، وهو يعرف أن هذا العالم أعلم منه في كل المسائل، لكن هذه المسألة لا يسعه أن يقلده فيها، كما لا يلزم من مخالفته له أن أن يخطِّئه أو يضلِّله .
كذلك يأتي إنسان فيقول: فلان قال قولاً ما سُبق إليه، وهذا يلزم منه أنه يحكم بأن الحق قد غاب عن الأمة كلها طيلة القرون الماضية.. والصحيح أنه لا يلزم ذلك.
وقد يكون هذا القول قد سُبق إليه، وقال به غيره من قبل، وعلى فرض أنه ما قال به أحد قبله، فقد يحدث أنه لم ينقل مع كونه قد قيل من قبل.
وحتى لو فُرض أنه لم يُسبق إليه، فهو لا يرى أن هذا من الحق الذي يجب أن تعلمه الأمة في كل زمان ومكان؛ بل يرى أن هذا من الأشياء الاجتهادية التي قد يقول بها إنسان، وربما تحتاجها الأمة أو لا تحتاجها، فليس فرضًا أن تعلمه الأمة في كل حين وكل زمن وكل مكان، أو أن يقول به من قال به، وقد يرى أن المسألة ما نقل فيها قول -أصلاً-.
والإلزام -بأن تلزم إنسانًا بمقتضى كلامه- من المشكلات؛ لأن اللازم يصلح في كلام الله تعالى، فتقول: الآية يلزم منها كذا، واللازم يعتبر دليلاً من أنواع الدلالات، وكما يقول علماء الأصول: الدلالات ثلاث: دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الإلزام، يعني: يلزم من هذا النص كذا وكذا.
فهذا يصح في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أما كلام الناس فلا إلزام فيه بشيء ما، تقول: يلزم من كلامه كذا وكذا، رغم أنه ما خطر في باله هذا اللازم، ولا فكَّر فيه يومًا من الأيام، وقد لا يوافقك على أنه لازم، ولو وافقك على أنه لازم قد لا يُقر به، فلماذا تلزم الناس بشيء لم يلتزموا به؟
ولذلك من باطل اللوازم أن أبا نواس الشاعر الماجن المشهور حاول أن يستخدم هذا الإلزام بطريقة ماجنة، فكان أهل العراق الأحناف يقولون بجواز النبيذ، وأهل الحجاز يقولون بتحريمه مثل الخمر، فيقولون النبيذ والخمر سواء، فكان هذا الشاعر الماجن الخبيث يقول:
أباح العـراقي النبيـذ وشربه *** وقال: الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد *** فحل لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهمـا *** وأشربها لا فـارق الوازر الوزر
ولا شك أن من قال بحل الخمر فهو كافر؛ لأن تحريمها ثابت بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأََنْصَابُ وَالأََزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) [المائدة:90]، لكني أردت أن أبـيِّن فساد الالتزامات والإلزامات التي يختلقها البعض ويحاول أن يحاصر بها الآخرين.

عاشرًا: اعتدال الصوت:
لا تبالغ في رفع الصوت أثناء الحوار، فليس من قوة الحجة المبالغة في رفع الصوت في النقاش والحوار؛ بل كلَّما كان الإنسان أهدأ كان أعمق؛ ولهذا تجد ضجيج البحر وصخبه على الشاطئ، حيث الصخور والمياه الضحلة، وحيث لا جواهر ولا درر، فإذا مشيت إلى عمق البحر ولجته وجدت الهدوء، حيث الماء العميق ونفائس البحر وكنوزه؛ لذلك يقول المثل الغربي: "الماء العميق أهدأ".
المبحث السابع
أمثلة من الحوارات
حوار بين إسحق والشافعي:
هذا حوار جرى بين إسحاق بن راهويه رحمه الله -إمام من أئمة أهل الحديث- وبين الشافعي.
يقول إسحاق: إن الإمام أحمد لمـَّا كان في مكة، قال: لماذا لا تذهب للشافعي وتستفيد منه؟ قلت له: كيف أترك ابن عيينة والمشايخ وأذهب إلى الإمام الشافعي؟ قال له: يفوت وهم لا يفوتون.
قال: فذهبنا إليه فتناظرنا في كراء(17) بيوت مكة، هل تكرى، أو لا تكرى؟ قال: فتكلمت مع الشافعي وتحمست؛ ولكن الشافعي كان متساهلاً، فتكلَّمت بالفارسية مع رجل جانبي، وذكر كلمة بالفارسية معناها: هذا ليس عنده كمال -يعني الشافعي-، قال: فعلم الشافعي أني أسبه، وإن كان لا يجيد اللغة، فقال: هل تريد أن تناظرني؟ قلت: من أجل المناظرة جئت!
قال: أرأيت قول الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [الحشر:8]، أليس الله نسب الديار إلى أربابها، أو إلى غير أربابها؟ قال: قلت: بل إلى أربابها، قال: عمر لما اشترى دار السجن بمكة(18)، اشتراها من إنسان يملكها، أو لا يملكها؟ قلت: ممن يملكها، قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور"(19) الدور لهم، أو ليست لهم؟ قلت: لهم.
قال إسحاق: فقلت: الدليل على صحة قولي أنه قال به من التابعين فلان وفلان وفلان، قال: فالتفت الشافعي إلى رجل بجنبه وقال: من هذا؟ قال له: هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟!، قلت: هكذا يزعمون! قال: ما أحوجني أن يكون غيرك في مكانك فآمر بعرك أذنه، -هذا أدب يؤدب به الطالب الصغير-، قال: أقول لك: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول: قال: عطاء وطاوس والحسن وإبراهيم؟! وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة؟ (20).
ومثلها قصة أخرى طريفة جرت بحضرة الإمام أحمد، وذلك أن الشافعي وإسحاق تناظرا -أيضًا- في جلود الميتة إذا دُبغت هل تطهر، أو لا تطهر؟ فقال الشافعي: دباغ جلود الميتة طهورها، فإذا دُبغ جلد الميتة طهر، قال إسحاق: ما الدليل؟ قال: الدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة، أُعطيَتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلا انتفعتم بجلدها؟"، قالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حَرُم أكلها"(21).
قال إسحاق: دليلي على أن جلود الميتة لا تطهر: حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قبل أن يموت بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"(22) يعني لا بجلد، ولا بعظم، وهذا يمكن أن يكون ناسخًا؛ لأنه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، قال الشافعي: هذا كتاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وذاك سماع، والسماع مقدَّم، فقال له إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وكان ذلك حجة عليهم عند الله تعالى، فسكت الشافعي.
والغريب في الأمر أن أحمد بن حنبل ذهب بعد تلك المناظرة إلى حديث عبد الله بن عكيم وقال به، ثم رجع عنه فيما بعد، وكذلك رجع إسحاق إلى حديث الشافعي وقال به(23)، وهذا دليل على تجردهم، وسعيهم للوصول إلى الحق.

حوار بين أبي علي بن شاذان وشيعي(24):
ومن طرائف المناظرات: أن أبا علي بن شاذان -وهو فقيه وعالم، ولكنه كان ضعيفًا في النحو- ناظر أحد الشيعة حول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورَث، ما تركنا صدقة"(25).
فقال أبو علي بن شاذان: هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، فرد ذلك الشيعي: إن لفظة "صدقة" الواردة في الحديث حال منصوب، والمعنى: أن ما تركناه -نحن الأنبياء- من الصدقات، فإنه لا يورث، أما بقية مالنا مما لم نخصصه للصدقة، فإنه يورث.
فقال أبو علي بن شاذان: أنا -والله- ما أعرف اللغة، ولا النحو، ولا المرفوع والمنصوب، والفاعل والمفعول، لكني أعرف شيئًا، وهو أن هذا الحديث احتج به أبو بكر رضي الله عنه -وهو عربي فصيح- على علي بن أبي طالب، وعلى العباس بن عبد المطلب، وعلى فاطمة -رضي الله عنها وعنهم أجمعين-، فكلهم أقروا أبا بكر على ذلك وسكتوا، ولم يقولوا بالذي قلتَه أنت.
فدل على أنهم -وهم عرب فصحاء- فهموا من الكلام -مثلما فهم أبو بكر-، أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بهذا الحديث أن الأنبياء لا يورثون(26).

الهـــوامش :
(1) أصل هذه الرســالة محاضرة ألقيت بتـــاريخ 7/4/1412هـ.
(2) تراجع أسباب الخلاف في كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لابن تيمية، وانظر: رسالة "الخلاف بين العلماء.. أسبابه وموقفنا منه" للمؤلف.
(3) انظر : البداية والنهاية (7/276-285)، وشذرات الذهب (1/46، 47)
(4) انظر قصة صلح الحديبية في: صحيح البخـــاري (2734) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه، وصحيح مسلم (1784) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(5) أخرج القصة عبد الرزاق في مصنفه (18678)، وأحمد في المسند (3187)، وابنه عبد الله بن أحمد في السنة (1539)، والحاكم في المستدرك (2656)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.اهـ. وأخرجها البيهقي في السنن الكبرى (8/179) من حديث عبد الله بن شداد رضي الله عنه.
(6) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (5/358).
(7) انظر: تفسير الطبري (12/79،80)، وتفسير القرطبي (9/72).
(8) أخرجه البخاري (3568)، ومسلم (2493)، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
(9) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (9/118)، وانظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (1/172).
(10) أخرجه مسلم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(11) رواه ابن هشام في السيرة (2/131) من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، قال: حُدِّثت أن عتبة بن ربعية قال.. اهـ. محمد بن كعب القرظي ثقة عالم من الطبقة الوسطى من التابعين. فالحديث مرسل.
(12) أخرجه مسلم (1006) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(13) أخرجه ابن أبي شيبة (30338)، وأحمد (3839)، والبخاري في الأدب المفرد (312)، والترمذي (1977)، وابن أبي عاصم في السنة (1014)، والبزار (1523)، وأبو يعلى (5369)، والطبراني في الكبير (10/206)، وفي الأوسط (1814)، وابن حبان (192)، والحاكم (29)، والبيهقي في الكبرى (10/193)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.اهـ. وقال الحاكم: حديث صحيح.اهـ. وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (5381).
(14) أخرجه البخاري (3559)، ومسلم (2321)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(15) سير أعلام النبلاء (8/61).
(16) جمهرة خطب العرب (2/277).
(17) الكِراء: أجر المستأجَر. المعجم الوسيط (2/817).
(18) قصة شــراء عمر لدار السجن أخرجها عبد الرزاق في المصنف (9213)، والفاكهي في أخبار مكة (2076)، والبيهقي في الكبرى (10962).
(19) أخرجه البخاري (1588)، ومسلم (1351)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
(20) انظر القصة بتمامها: في طبقات الشافعية الكبرى (2/90،89).
(21) أخرجه البخاري (1492)، ومسلم (363)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(22) أخرجه أبو داود (4124)، والترمذي (1729)، والنسائي (4249)، وابن ماجه (3613)، من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن.اهـ.
(23) انظر القصة بتمامها: في طبقات الشافعية الكبرى (2/92،91)
(24) هو أبو عبد الله المعلم، إمام الإمامية.
(25) أخرجه البخاري (3093)، ومسلم (1759)، من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
(26) انظر: تنوير الحوالك للسيوطي (1/257).

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أدب الخلاف الارشيف الاسلام باقلامنا 28 25-10-2015 09:06 PM
الشيخ ابراهيم بن عثمان السلوم (1800-1897) شيخ العجارمة الارشيف مجالس قبائل سوريا 0 07-12-2012 01:07 PM
أدب الخلاف و المناظرة الارشيف مجلس القلقشندي لبحوث الانساب . ملتقى القبائل العربية 7 13-08-2011 06:06 AM
الشيخ ابراهيم بن عثمان السلوم (1800-1897) شيخ العجارمة محمد زعل السلوم مجالس قبائل سوريا 0 17-01-2011 06:59 PM
الترخُّص بمسائل الخلاف انا السلفى مجالس علوم الفقه 1 08-12-2010 09:23 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 07:15 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه